Indexed OCR Text
Pages 121-140
الموافقة والإبدال والمساواة، والمصافحة. فالموافقة: هي أن يروي الراوي حديثاً في أحد الكتب الستة مثلاً بإسناد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب بحيث يجتمع معه في شيخه مع علو هذا الطريق على ما لو رواه من طريق أحد أصحاب هذه الكتب. قال الحافظ ابن حجر: مثاله: روى البخاري عن قتيبة (١) عن مالك حديثاً. فلو رويناه من طريقه - اي البخاري - كان بيننا وبين قتيبة ثمانية - ولو روينا ذلك الحديث بعينه عن طريق أبي العباس السرَّاج(٢) لكان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه مع علو الإسناد بدرجة. ((والبدل)» هو الوصول الى شيخ شيخ أحد المصنفين كذلك يعني بعلو درجة أو أكثر عما إذا رواه من طريقه قال الحافظ ابن حجر: كأن يقع لنا ذلك الإسناد بعينه من طريق أخرى - يعني للسراج - إلى القعنبى عن مالك. فيكون القعنبى بدلا فيه عن قتيبة. والقعنبى ليس شيخاً للبخاري. فحصلت الموافقة مع شيخ شيخه. وأكثر ما يعتبرون الموافقة والبدل إذا قارنا العلو، وإلا فاسم الموافقة والبدل واقع بدونه بل ومع النزول أيضا كما وقع في كلام الذهبي وغيره .. ((والمساواة)) هي استواء عدد رجال الإسناد من الراوى الى آخر الإسناد مع رجال اسناد أحد أصحاب هذه الكتب. وهذا كان يوجد قديما. وأما الآن فلا يوجد في حديث بعينه. بل يوجد مطلق العدد كما قال العراقي. وقد ذكر أنه بينه وبين النبي عَّ عشرة أنفس في ثلاثة أحاديث وقد وقع للنسائي حديث بينه وبين النبي عَ ◌ّ عشرة رواة وهو ((قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)» قال النسائي (( ما أعلم في الحديث (١) هو ابن سعيد شيخ البخاري ومسلم. (٢) بتشديد الراء - إمام جليل ولد سنة ٢١٨ هـ وتوفي سنة ٣١٣. وكان تلميذ البخاري وروى عنه البخاري ومسلم. ١٢١ إسناداً أطول من هذا رواه الترمذي بعشرة رواة أيضاً )) ((والمصافحة)». هي أن تقع هذه المساواة لشيخك فيكون ذلك مصافحة، لأن العادة جزت بالمصافحة بين من ثلاقيا، وأنت في المثال السابق كأنك لقيت النبائى وصافحته، لأنك لقيت شيخك المساوى له، فإن كانت المساواة الشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، وهكذا ، وهذا العلو تابع للنزول غالباً فلولا نزول النسائى وشبهه لم تَعْلُ أنت، وقد يكون مع علوه أيضاً فيكون علوا مطلقاً. («الرابع» الغلو بتقدم وفاة الراوي، وأن تساوياً في العدد، قال النووي: فما أرويه فيه عن ثلاثة عن البيهقى عن الحاكم اعلى مما أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف . . وأما العُلُّ المستفاد من تقدم وفاة الشيخ من غير نظر لشيخ آخر فحده بعضهم(١) بمُضِيّ خمسين سنة من وفاة الشيخ، وقيل! بثلاثين(٢) ((الخامس)» الغلو بتقدم السماع من الشيخ فمن سمع منه متقدما كان أعلى ممن سمع منه بعده، ويدخل كثير منه فيما قبله، ويمتاز عنه بأن يسمع شخصان من شيخ، وسماع احدهما من ستين سنة، وسماع الآخر من أربعين وتساوي العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حق من اختلط شيخه أو خرف، وربما كان المتأخر أرجح، بأن يكون تحديثه الأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط، ثم حصل له ذلك بعد، إلا أن هذا علو معنوي. النزول )) وهو خمسة أقسام تعرف من أضدادها ، وهو مفضول مرغوب فيه على (١) هو الحافظ أحمد بن عمير. (٢) هو الحافظ أبو عبد الله بن مدة. ١٢٢ الصواب، وقول الجمهور، وفضل بعضهم النزول، واحتج له بأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد فيه، وهذا يقتضي المشقة فيعظم الأجر ، وهو مذهب ضعيف الحجة لأنه ترجيح بأمر أجنبي عما يتعلق بالتصحيح، والتضعيف، وهو المعنى المقصود من الرواية، فإن كان في النزول مزية ليست في العلو كأن يكون رجاله أوثق أو أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع، وفي العالى حضور أو إجازة ونحوها فلا شك أن النزول حينئذ أولى وأفضل، وقال وكيع لأصحابه: الأَعْمَش أحب اليكم عن أبي وائل عن عبد الله أم سفيان عن منصور عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقالوا: الأَعْمَش عن أبي وائل أقرب فقال: ألاَّ عْمش شيخ وسفيان عن منصور عن ابراهيم عن علقمة فقيه عن فقيه عن فقيه، عن فقيه . وقال ابن المبارك ليس جودة الحديث قرب الإسناد بل جودة الحديث صحة الرجال، وقال شيخ الإسلام ابن حجر ((ولابن حبان تفصيل حسن، وهو أُنَّ النظر ان كان للسند فالشيوح أولى، وان كان للمتن فالفقهاء أولى)». ((مسائل تتعلق بكتابة الحديث وآدابها)) كما عُنِيَ المحدثون بالحديث من حيثُ تحمله وحفظه وضبطه وتدوينه، عُنوا به من حيث كيفيّة كتابته، وتفسيرُه، وضبط حروفه، وشكله، وإلحاقُ سَقَطه والتنبيه الى ما في بعض رواياته من خطأ أوشك إلى غير ذلك مما يعرف بآداب كتابته واليك أهم هذه المسائل. ((المسألة الأولى)) على كاتب الحديث صرف الهمة الى ضبطه، وتحقيقه من جهة الشكل، والنقط بحيث يؤمن معها اللبس، والاشتباه لیؤدیە کما سمعه . ١٢٣ والشكل! تقييد حركات الاعراب والحروف. والنقط: أن يبين الباء، من التاء من الثاء، والحاء من الخاء ، والمهمل من النقط من غير المهمل قال الأوزاعي فقيه الشام ومحدثها: ((نور الكتاب إعجامه)) أي نقطه، وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح ((إعْجَام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله (١) «وكثيراً ما يعتمد الواثق على ذهنه، وذلك وخيم العاقبة، فإنه الإنسان معرض للنسيان، وأول ناس أوَّل الناس(٢))) . .. ومن اللطائف في هذا ما قيل: إن النصارى كفروا بلفظة أخطأوا في إعجامِها وشكلها قال الله في الإنجيل لعيسى: «أنت نَبِي وَلَّتك من البَقُولُ(٣))) فصحفوها وقالوا: ((أنت بُنَيَّ ولدتك)) بتخفيف اللام. وقيل أيضاً: أول فتنة في الإسلام سببها ذلك وهي الفتنة التي حدثت في عهدنا ذي النورين عثمان رضي الله عنه فإنه كتب لِلَّذي أرسله أميراً إلى مصر: ((إذا جاءكم فاقبلوه (٤))) فصحفوها إلى ((فاقتلوه(٥))) فجری ما جرى. ومن الفكاهة ما قيل: إن بعض الخلفاء كتب إلى عامل(٦) له ببلد: أن أحْضِ المخنثين)» أي عدهم فصحفها فقرأها بالخاء المعجمة، فخصاهم وجمهور العلماء على أنه لا ينبغي أن يعتني بتقييد الواضح الذي لا يشكل ولقد أحْسن من قال: ((إنما يُشْكَل ما يُشكِل(٢) )) ومنهم من قال: (١) في المصباح المنير: ((وشكلت الكتاب شكلا أعلمته بعلامات الأعراب، وأشكل الأمر بالألف التبس» وفيه أيضا: ((استعجم الكلام علينا مثل استبهم، وأعجمت الحرف - بالألف - ازلت عجمته بما يميزه عن غيره بنقط وشكل فالهمزة للسلب )) ولكن الاصطلاح خصص الاعجام بالنقط ، والشكل بحر كات الحروف. (٢) هو آدم عليه الصلاة والسلام. (٣) ولَّدتك: بتشديد اللام، والبتول: هي السيدة مريم العذراء. (٤) بالقاف، والباء الموحدة .. (٥) بالقاف والتاء المثناة من فوق. (٦) أي أمير. (٧) الأولى بالبناء للمفعول، والثانية بالبناء للفاعل مضارع أشكل الرباعي. -- ١٢٤. يشكل الجميع وصوبه الإمام القاضي عياض، ولا سيما للمبتدي وغير المتجر في العلم فإنه لا يميز ما يشكل مما لا يشكل، وقد تكون الكلمة غير مشكلة عند شخص، ومشكلة عند شخص آخر وينبغي أن يكون اعتناؤه بضبط الأعلام أكثر، لأنها لا تدرك بالمعنى ، ولا يستدل عليها بما قبلها، ولا بما بعدها، ويستحب ضبط الكلمة المشكلة التي يخشى تصحيفها، أو الخطأ فيها في أصل الكتاب، ثم يضبطها قبالة (١) ذلك في الحاشية، فإنه ذلك أبلغ لأن، المضبوط في نفس الأسطر ربما داخله نقط غيره وَشَكْله مما فوقه أو تحته، لا سيما عند ضيق الأسطر، ودقة الكتابة، والأحسن في الضبط في الحاشية أن يفرق حروف الكلمة المشكلة، لأن بعض الحروف الموصولة يشتبه بغيره كالنون، والياء التحتية مثلا، قال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح (٢))): ((من عادة المتقين أن يبالغوا في إيضاح المشكل فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفاً حرفاً )» ويوجد هذا في المخطوطات القديمة. . ويستحب تحقيق الخط وتوضيحه دون مَشْقه وتعليقه(٣) روى عن الفاروق عمر رضي الله عنه أنه قال: ((شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرمة (٤)، وأجود الخط أبينه)) ويكره تدقيق الخط لأنه لا ينتفع به من في نظره مضعف، وربما تصحف عليه، قال الإمام احمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن اسحاق، وقدرآه يكتب خطا دقيقاً: ((لا نفعل أحوج ما تكون اليه يخونك)» نعم، ان كان هناك ضرورة من ضيق الورق، وتخفيف الحمل في السفر ونحوهما فلا بأس. (١) اي ازاء. (٢) هو الإمام تقي الدين محمد بن علي بن دقيق العيد المتوفى في سنة اثنتين وسبعمائة وهو من كبار علماء مصر، وله كتاب في علوم الحديث يسمى ((الاقتراح)). (٣) المشق: الإسراع في الكتابة، لأنه وسيلة للخطأ والتصحيف، والتعليق: خلط الحروف التي ينبغي تفريقها، وهو أيضا مظنة التصحيف والخطأ. (٤) الإسراع بحيث تخفي بعض الحروف، ولا تأخذ حقها في النطق. ١٢٥ ((المسألة الثانية)» ينبغي ضبط الحروف المهملة لبيان إهمالها، كما تنقط المعجمة؛ لأن بعض القراء قد يتصحف عليه الحرف المهمل فيظنه معجماً، وأنَّ الكاتب نى نقطه. وقد اختلف في كيفية ضبط المهمل: فمنهم من يضع تحت الدال، والراء، والسين، والصاد، والطاء، والعين(١) النقط الذي فوق نظائرها .. المعجمة، فمثلا الدال أيكتبها هكذا ((ب)) والراء هكذا ((ر)) وأما السين فقيل يضع تحتها ثلاث نقط مبسوطة صفا واحداً هكذا ( بي) وإما مثل نقط الشين المعجمة يعني هكذا (سـ ). ومنهم من يكتب الحرف نفسه بخط صغير تحت الحرف المهمل مثل (ح) تحت الحاء هكذا ( ح) وس تحت السين هكذا( س ). ومنهم من يكتب همزة صغيرة تحت الحرف او فوقه، ومنهم من يضع خطاً أفقياً فوق الحرف هكذا ( - ) ومنهم من يضع فوقه خطاً مقوساً كالهلال او كلامة الظفر مُحَمَّلة على قفاها هكذا( -) وهذه العلامات نجدها كثيراً في الخطوط الأثرية القديمة .. قال السيوطي: لم يتعرض أهل الفن - أي فن علوم الحديث - للكاف واللام، وذكرها أصحاب التصانيف في الخط، فالكاف إذا لم تكتب مسوطة - يعني هكذا كـ) يكتب في بطنها كاف صغيرة او همزة، واللام يكتب في بطنها («لام)) أي هذه الكلمة بحروفها لا صورة لام هكذا (ل) ويوجد ذلك في خط الأدباء، والهاء آخر الكلمة يكتب عليها هاء مشقوقة تميزها من هاء التأنيث التي في الصفات ونحوها . والهمزة المكسورة: أ تكتب فوق الألف والكسرة أسفلها - يعني هكذا (أ) - أم كلاهما أسفل، هكذا (!) اصطلاحان للكتاب والثاني (١) لم يذكر الحاء المهمة لوضوحها والعلم بها فإنها لا تدخل في هذا كما ذكره البُلقيني. ١٢٦ أوضح ، وأما الهمزة المفتوحة في أول الكلمة فتكتب فوق الألف اتفاقا هكذا (أ). واذا كان له اصطلاح خاص في كتابه فلينبه إليه اول الكتاب أو آخره، حتى لا يوقع غيره في حيرة في فهم مراده، وينبغي أنه يعتني لضبط مختلف الروايات وتمييزها، والإشارة في الحاشية إلى ما ليس في صلب كتابه من زيادات أو مغايرة معينا في كل ذلك من رواه لا رامزا له، إلا أن يبين المراد بالرمز أول الكتاب أو آخره. ((المسألة الثالثة)» ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة هكذا (٥) والمستحب أن تكون غفلاً(١)، فإذا قابل كتابه نقط وسط الدائرة، أو خط في وسطها خطا ليعلم أين وصل في المقابلة؟ ويكره في مثل: عبد الله بن فلان، وعبد الرحمن بن فلان، وكذا كل اسم مضاف إلى الله تبارك وتعالى - كتابه ((عبد)» آخر السطر ، واسم ((الله)) مع ((ابن فلان)) أول السطر الآخر، وأوجب اجتناب مثل ذلك ابن بَطَّة، والخطيب، ووافق ابن دقيق العيد على أن ذلك مكروه لا حرام. . أقول: وما قاله تقي الدين ابن دقيق العيد متجه، لأن العبرة بالنية والقصد، لا بالكتابة والخط . وكذا يكره أن يكتب كلمة ((رسول)» آخر السطر، و((الله مع اليه)» أوله وكذا ما أشبهه من الموهمات والمستشنعات كان يكتب ((قاتل)) من قوله حَ لّم ((قاتل ابن صفية في النار)) في آخر السطر و((ابن صفية في النار)) في اوله السطر الآخر، أو يكتب ((فقال)) من قولهمَّه في حديث شارب الخمر: ((فقال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به)) - آخر السطر، وعمر وما بعده أول السطر التالي. ولا يكره فصل المتضايفين اذا لم يكن فيه مثل ذلك مثل: (١) يعني ليس في وسطه شيء. ١٢٧ ۔۔ سبحان الله العظيم، بأن يكتب ((سبحان)) آخر السطر، ويكتب: الله العظيم أول السطر الثاني مع أن جمعهما في سطر واحد أولى، وكل هذا يدل على غاية التحوط والبعد عن الإيهام، ورعاية غاية الذوق وشفافية الحِسّ من المحدثين. ((المسألة الرابعة)» ينبغي المحافظة على الثناء على الله سبحانه بما هو أهله كعز وجل وتبارك وتعالى، ونحوه مثل جل جلاله، أو تقدست ذاته، أو تقدست صفاته وإن لم يكن في الأصل لأنه يقصد به الثناء لا الرواية .. وكذا ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله منداخله كلما ذكر سواء أذكر باسمه أم بصفته، ولا يَسْأَم من تكراره فإن من أغفله حرم حظا عظيما وثوابا جزيلاً فقد قيل في قوله تع الى: ((إن أولى الناس بي أكثرهم عَلَيَّ صلاة)) صححه ابن حبان: انهم أهل الحديث لكثرة ما يتكرر ذكره في الرواية فيصلون عليه. أقول: والأحاديث الصحيحة والحسنة في فضل الصلاة والسلام عليه عَّ كُلما ذكر متكاثرة: وأما الحديث الذي يورده البعض في هذا المقام وهو حديث (من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمى في ذلك الكتاب ». فقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وعارضه السيوطي فقال: هو وإن كان ضعيفاً فإن له طرقا تخرجه عن الوضع وتقتضي ان له أصلا في الجملة، وكذلك الحديث الذي يذكر في هذا عن أنس برفعه: ((إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث وبأيديهم المحابر فيرسل الله اليهم جبريل، فيسألهم: من أنتم وهو أعلم فيقولون: أصحاب الحديث، فيقول: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلون على نبي في دار الدنيا)» وهذا الحديث رواه الخطيب، وقال: إنه موضوع والحمل فيه على الرقيِّ قال (١) انظر كتاب جلاء الأفهام. ١٢٨ السيوطي: له طريق غير هذه عن أنس أوردها الديلمي في مسند الفردوس وقد ذكرتها في ((مختصر الموضوعات(١) )). والحق أن في الأحاديث الصحيحة والحسنة ما يغني عن أحاديث مختلف فيه بالحكم بالوضع وعدمه، والإمام السيوطي يركب كل صعب وذلول في الحكم على بعض الأحاديث الموضوعة وبيان أن لها أصلاً وينبغي أن يجمع عند ذكره عّلّ بين الصلاة عليه بلسانه، وكتابة ذلك ببيانه. ثم إن كانت الصلاة والتسليم في الأصل الذي ينقل منه كتب ذلك بالاتفاق، فإن لم يكن بالأصل ففي كتابة ذلك خلاف: فالإمام أحمد بن حنبل لا يرى كتابه ذلك وكان يكتفي بالصلاة والتسليم نطقا ، ومال إلى رأيه العلامة ابن دقيق العيد فقال: ((ينبغي أن يتبع الأصول والروايات)) وخالف الإمام أحمدَ غيره من المتقدمين فقالوا: لا يتقيد بالأصل بل يكتبه خطاً، ويتلفظ به نطقاً، لأنه دعاء لا كلام يرويه، واختار بعض المتأخرين ما ذهب إليه الإمام أحمد محافظة على الأصول القديمة، ومراعاة لغاية الدقة والأمانة في النقل (٢))). ويكره الاقتصار على الصلاة أو السلام في الكتابة، وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في «التقريب(٣))) وفي ((شرح صحيح مسلم(٤))) وذلك لقول الله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما(٥)﴾ وقد اقتصر الإمام مسلم في مفتح صحيحه على الصلاة، وهذا مما انكر عليه ويكره أيضاً الرمز اليهما في الكتابة بحرف أو حرفين أو أكثر كَمَنْ يكتب (( صلعم)» أو (ص)). (١) تدريب الراوي ص ٢٩٢، ٢٩٣. (٢) التدريب ص ٢٩٣. (٢) التدريب ص ٢٩٤. (٤) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١ ص ٤٤. (٥) الأحزاب / ٠٥٦ ١٢٩ وكذلك ينبغي الترضي والترحم على الصحابة والعلماء، وسائر الأخيار، ولا يجوز استعمال عز وجل ونحوه في النبي عَ ◌ّ، وإن كان عزيزا جليلاً، ولا يجوز الصلاة والسلام على الصحابة وغيرهم استقلالاً ، ويجوز على سبيل التبع له عَّةٍ. ((المسألة الخامسة): بعد اتمام نسخ الكتاب تجب مقابلته على الأصل المنقول منه أو على نسخة منقولة من الأصل مقابلة، أو مقابلته بأصل أضل الشيخ المقابل به أصل الشيخ لأن الغرض مطابقة كتابه لأصل شيخه فسواء حصل ذلك بواسطة أو غيرها، وهذا لتصحيح المنسوخ خشية سقوط شيء منه، أو وقوع خطأ في النقل، فقد روى ابن عبد البرّ وغيره عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي قالا: ((من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاء ولم يستنج (١) )) وقال عروة بن الزبير لابنه هشام: ((كتبت؟ قال: نعم قال: عَرَضت كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب))،. رواه البيهقي في المدخل، وقال الأخفش: ((اذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميا)). وذكر البُلقيني أن في المسألة حديثين مرفوعين، أحدهما عن زيد بن ثابت قال: ((كنت أكتب الوحي عند النبي ◌ُّ فإذا فرغت قال: اقرأ، فأقرؤه فإن كان فيه سقط أقامه)) ذكره المرزباني في كتابه. ثانيهما ذكره السمعاني في «أدب الإملاء من حديث عطاء بن يسار قال: ((كتب رجل عند النبي ◌ُ ◌ّ فقال كتبت؟ قال: نعم قال: عرضت؟ قال: لا، قال: لم تكتب حتى تعرضه فيصح)) قال: وهذا أصرح في المقصود إلا أنه مرسل لأن عطاء بن يسار تابعي. قال السيوطي في (التدريب)): الحديث الأول رواه الطبراني في (١) ذكر ابن الصلاح هذا عن الشافعي ويحيى بن أبي كثير، والصحيح عن الاوزاعي: ويحيى بن أبي كثير. كما قال العراقي. ١٣٠ الأوسط بسند رجاله موثقون(١) والأفضل أن يقابل الكاتب نسخته على الأصل مع شيخه الذي يروي عنه الكتاب إن أمكن، أو مع شخص آخر، أو يقابل بنفسه وحده كلمة كلمة، ورجحه أبو الفضل الجارودي فقال: أصدق المعارضة مع نفسك، بل ذهب بعضهم الى وجوبه فقال :. (( ولا تصح المقابلة مع أحد غير نفسه، ولا يقلد غيره )» حكاه القاضي عياض عن بعض أهل التحقيق. وقال ابن الصلاح: انه مذهب متروك، والقول الأول أولى، واذا لم يتمكن الناسخ من مقابلة نسخته بالأصل فيكتفي بأن يقابلها غيره في أي وقت كان. ويستحب لمن يسمع من الشيخ أن يكون بيده نسخة يقابل عليها فإن لم يكن فينظر مع أحد الحاضرين في نسخته لا سيما اذا أراد النقل منها . وذهب يحيى بن معين الى اشتراط ذلك فقد روى أنه سئل عمن لم ينظر في الكتاب والحدث يقرأ: هل يجوز ان يحدث بذلك؟ فقال: ((أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم » قال ابن الصلاح، وتابعه النووي: ((والصواب الذي قال الجمهور أنه لا يشترط ذلك في صحة السماع )». أما اذا لم يعارض الراوي كتابه بالأصل ونحوه فذهب الى جواز الرواية به ابو اسحاق الإسفَرَايني، وآباء بكر وهم الاسماعيلي، والبرقاني والخطيب، ولكن بشروط ثلاثة: (١) إن كان الناقل للنسخة صحيح النقل قليل السقط (٢) وإن كان نقل من الأصل (٣) وإن بين حال الرواية أنه لم يقابل كما كان يفعل البرقاني، فإنه روى أحاديث كثيرة قال فيها: ((أخبرنا فلان ولم أعارض)) وهذا غاية الأمانة في الرواية وذهب القاضي عياض الى أنه لا يجوز له الرواية منه عند عدم (١) التدريب ص ٢٩٤. ١٣١ المقابلة، والصحيح الجواز وينبغي أن يراعي الطالب في كتاب شيخه مع من فوقه ما ذكرنا أنه يراغيه في كتابه(١)، وهو ما ذكر في هذه المسألة: وهو أن يكون شيخه قد قابل نسخته بأصل شيخه وهكذا. «المألة السادسة)): اذا سقط من الناسخ بعض الكلمات وهو ما يعرف عند المحدثين بالََّحَق(٢)، فالمختار في إلحاقه بنسخته أن يضع في موضع السقط بين الكلمتين خطا رأسيا، ثم يعطفه بين السطرين بخط أفقي صغير إلى الجهة التي سيكتب فيها ما سقط منه فيكون بشكل. زاوية قائمة هكذا ( ٢١ ) الى اليمين، أو هكذا ( ٦) الى اليسار واختار بعضهم ان يطيل الخط الى أول اللحق وهو غير مرضي، لما فيه من تسويد الكتاب وتشويهه لا سيما إذا كثرت الإلحاقات إلا أن لا يكون: مقابله خاليا، ويكتب في موضع آخر فحينئذ يتعين مد الخط اليه، أو يكتب قبالته: يتلوه كذا وكذا في موضع كذا ونحو ذلك، ويكتب الساقط قبالة العطفة في الحاشية اليمنى لجواز أن يطرأ في بقية السطر. سقط آخر فيخرج إلى جهة اليسار إلا أن يكون السقط في آخر الشَّطِر فيخرجه إلى جهة الشمال، ويكتب الساقط صاعدا به الى اعلى الهامش. لاحتمال حدوث سقط آخر فيكتب إلى أسفل، فإذا زاد اللحق على سطر ابتدأ سطوره من أعلى إلى أسفل، فإن كان التخريج في يمينى الورقة انتهت الكتابة الى باطنها وإن كان في الشمال فإلى طرفها ثم يكتب في آخر اللحق ((صح)) أو يجمع بينها، وبين ((رجع)) وذهب بعضهم الى أنه يكتب عقب السقط الكلمة التي تتلوه في صلب الكتاب وهو غير مقبول لما فيه من الإيهام إذ قد يظن القارىء أن الكلمة المكتوبة في الحاشية وفي الصلب مكررة في الأصل، وهو احتمال وارد، وأحر بما (١) علوم الحديث لابن الصلاح فن ص ٠٢٠٩ - ٢١١ ظ السلفية بالمدينة المنورة، والتدريب من ص ٢٩٤. ٢٩٦ - فتح المغيث للسخاوي جـ ٣ من ص ١٦٥ - ١٧١. (٢) اللحق: بفتح الحاء المهملة شيء يلحق بالأول، ومن التمر الذي يلحق بعد الأول: ((قاموس!». ١٣٢ ذهب اليه البعض أن لا يكون مقبولا . وأما إذا أراد أن يكتب شيئاً بحاشية الكتاب على سبيل الشرح، أو بيان غلط، أو اختلاف في رواية، أو نسخة، او نحوه فالمختار ان يرسم العلامة السابقة في وسط الكلمة التي يكتب عنها فتكون العلامة فوقها ليفرق بين التصحيح وبين الحاشية واختار القاضي عياض ان يضبب فوق الكلمة لئلا يلتبس ويظهر أنه من الأصل أقول: وفي عصورنا هذه بعد اكتشاف آلات الطباعة توضع الأرقام للحواشي فوق الكلمة الى اليسار كما ترى في هذا الكتاب وغيره وهو أيسر وأسهل(١). ولا يكتب الحواشي في كتاب لا يملكه إلا باذن مالكه، وأما الإصلاح فيه فجوزه بعضهم بدونه قياسا على القرآن والذي يترجح عندي ان يكون حكم الاصلاح متوقفا على إذن مالكه أيضا ومن هذا الأصل الحكيم لا يبيح نظام المكتبات العامة لأي طالب أو قارىء التغيير أو التصحيح او الزيادة في أي كتاب وإلا شوهت الكتب وسودت، وقد يكون الطالب أو القارىء غير أهل للتصحيح ولا للتعليق، فيؤدي الى مسخ الكتب وإفساد معانيها، ولا سيما اذا كان الكتاب مخطوطاً . :((المسألة السابعة)) من شأن المتقنين في النسخ والكتابة ان يضعوا علامات توضح ما يخشى إبهامه، وتسمى: التصحيح والتضبيب، أو التمريض فإذا وجد كلام صحيح معنى ورواية وهو عرضة للشك في صحته او الخلاف كتب فوق علامة التصحيح هكذا ((صح)» واذا وجد ما هو صحيح نقلا ولكنه فاسد لفظا او معنى أو خطأ أو مصحف، أو ناقص كتب فوقه علامة ((التضبيب)) وتسمى ايضا: ((التمريض)) وهي (١) علوم الحديث من ص ٢١١ - ٢١٣، والتدريب من ص ٢٩٦ - ٢٨٦ ط المحققة. وفتح المغيث جـ ٢ من ص ١٧٣ - ١٧٥. ١٣٣ صاد مَمْدودة هكذا ((ص)» ولكنه لا يلصقها بالكلام لئلا يظن انه الغاء له، وضرب عليه، وللتفرقة بين الصحيح، والسقيم، كتب على الأول لفظ كامل، وعلى الثاني حرف ناقص ليدل نقص الحرف على اختلاف الكلمة وتسمى أيضاً (ضَبَّة)) لكون الحرف مقفلا بها لا يتجه لقراءة. كضبة الباب مقفل بها ()، وكذلك توضع علامة التضبيب على موضع الإرسال او الانقطاع في الاسناد قال ابن الصلاح؛ ويوجد في بعض أصول الحديث القديمة في الإسناد الذي فيه جماعة معطوفة اسماؤهم بعضها على بعض علامة تشبه الضبة، وليست كذلك، وكأنها علامة وصل فيما بينها أثبتت تأكيدا للعطف خوفا من أن يظن ان العطف خطأ وان الأصل (فلان عن فلان) والأحسن في مثل هذا أن توضع علامة التصحيح، وربما اقتصر بعض الناسخين من علامة التصحيح على الصاد فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب فلتنتبه لذلك(٢). وقد اصطلح المتأخرون في عصورنا هذه على كتابة كلمة ((كذا)) بعدما هو خطأ في المعنى، ونحوه مع ثبوت النقل، ولا مشاحة في الاصطلاح والله أعلم وقد وقفت على أن لذلك أصلا في كلام العلماء السابقين كابن الجزري وغيره (٣). ((المسألة الثامنة)) اذا وقع في الكتاب المنسوخ ما ليس منه نفي منه اما بالضرب عليه، أو الحك بسكين ونحوها، أو بالمحو بماء ونحوه فيما اذا .(١) نقل العلامة ابن الصلاح ذلك عن أبي القاسم الإقليلي وقد ضبطه السخاوي وابن خلكان بكسر الهمزة وسكون الغاء وكسر اللام ينسب إلى قرية من أرض الجزيرة تسمى ((إفليل)» نزلها أسلافه وقال ابن خلكان: هذه النسبة إلى الإفليل وهي قرية بالشام. وهو أبو القاسم ابراهيم بن محمد بن زكريا القرشي الزهري الأندلسي النحوي اللغوي يروي عن الأصيلي ويروي عنه أبو مروان الطُّبْني وتوفي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وفي مراصد الاطلاع: أفليلاء بفتح الهمزة أو له قيل: قرية من قرى الشام. (٢) علوم الحديث لابن الصلاح ٢١٤ - ٢١٥ ط المكتبة السلفية، والتدريب ص ٢٩٨، ٢٩٩، وفتح المغيث جـ ٢ ص ١٧٧ - ١١٧٩. (٢) فتح المغيث جـ ٢ ص ١٧٨. ١٣٤ كانت الكتابة في لوح، أو رق، أو ورق صقيل لا يتأثر بالطراوة، والأول اولى وأحسن لما في الآخرين من التهمة، ولأن ما بشر وبما يصح في رواية أخرى، أو يأتي غيره فيصححه فلو ضرب عليه يمكن للآخر ان . يصححه . والضرب له كيفيات عدة فالأكثرون على أن يخط فوق المضروب عليه خطا بينا يدل على إبطاله، ولا يطمسه، بل يمكن قراءته بعد الضرب عليه، ويسمى هذا ((الضرب)) عند أهل المشرق، والشق (١) عند أهل المغرب. وبعضهم لا يخلط الضرب بالمضروب عليه، بل يكون فوقه منفصلا عنه، معطوفا طرفا الخط على أوله، وآخره هكذا (٢٦ ) وبعضهم يحوق على أوله نصف دائرة وكذا على آخره هكذا ( ) واذا اكثر الكلام المضروب عليه قد يكتفي بالتحويق عليه اوله، وآخره فقط ، وقد يحوق أول كل سطر وآخره في الأثناء ايضاً ومنهم من يجعل الزيادة ٥). بین دائرتین صغیرین هکذا (٥ وبعضهم يكتب في أول الزائد من فوق ((لا)) أو ((من)) أو («زائد)) وفي آخره من فوق أيضاً كلمة ((إلى )) ليعرف القاريء الزيادة بالضبط ، ونجد هذا كثيرا في الكتب المخطوطة القديمة. واذا كانت الزيادة بالتكرار فقد اختلف في طريقة الضرب: فقيل: يضرب على الثاني مطلقا، لأنه كتب على خطأ، وقيل: يبقى أحسنها صورة، وأبينها قراءة، ويضرب على الآخر. وفصل القاضي عياض، فقال: إن كانت الكلمتان اول سطر ضرب على الثاني، أو آخره فعلى الأول صونا لأوائل السطور وأواخرها عن (١) الشق: بفتح المعجمة، وتشديد القاف من الشق وهو الصدع أو شق العصا، وهو التفريق كأنه فرق بين الزائد ، وما قبله، وما بعده من الثابت بالضرب. ١٣٥ الطمس وإن كانت الثانية اول سطر والأولى آخر سطر فعلى الأولى، : فإن تكرر المضاف أو المضاف إليه، أو الموصوف، والصفة ونحوه فينبغي مراعاة اتصالهما بأن لا يضرب على المتكرر بينهما، بل على: الأول في المضاف والموصوف، أو الآخر في المضاف إليه، والصفة وهو ٠(١) تفصيل حسن (١). : ((المسألة التاسعة ) شاع بين المحدثين وغلب عليهم الاقتصار في الكتابة على الرمز في ((حدثنا)) و((أخبرنا)) لتكررها كثيرا في: الأسانيد، فيكتبون من حدثنا: الثاء، والنون، والألف هكذا (ثنا) وقد، تحذف الثاء أيضاً، ويقتصر على الضمير («نا » ويكتبون من أخبرنا: الهمزة والضمير هكذا (أنا) ولا تَحْسن زيادة الباء قبل النون، وإن فعله. البيهقي وغيره لئلا تلتيس برمز حدثنا، وقد تزاد راء بعد الألف قبل النون هكذا (أرنا) أو خاء بعد الألف، وقبل النون هكذا ((أخنا)) .. وقد تزاد أيضاً دال اول رمز حدثنا فيكون هكذا ((دثنا )» وقد وجد ذلك في خط الحاكم ابي عبد الله، وأبي عبد الرحمن السلمي، والبيهقي. ((تنبيه )) قال: السيوطي: يرمز أيضاً إلى حدثني، فيكتب (( ثني ؟ أو ((دثني)» دون أخبرني وأنبأنا، وأنبأني - يعني: فإنها لا يرمز لها. وأما ((قال)» فقال العراقي: منهم من يرمز لها بقاف، ثم اختلفوا فبعضهم بجمعها مع رمز التحديث هكذا (قثنا) يريد: قال: حدثنا، قال: وقد توهم من رآه كذلك أنها الواو التي تأتي بعد حاء التحويل، وليس كذلك، وبعضهم يفردها هكذا (ق، ثنا) وهذا اصطلاح متروك(٢). (١) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢١٥ - ٢١٧، تدريب الراوي ص ٣٠٠ - ٣٠٢، فتح المغيث من ص ١٨٠ - ١٨٤. (٢) علوم الحديث ص ٢١٨، والتدريب ص ٣٠٢، وفتح المغيث جـ ٢ ١٨٩، ١٩٠. ١٣٦ ((المسألة العاشرة)) جرت عادة المحدثين أنه اذا كان للحديث اسنادان او أكثر، وجمعوا بينهما في متن واحد أن يكتبوا عند الانتقال من اسناد إلى اسناد آخر، حرف (ح) مفردة مهملة؛ ونجد هذا كثيراً في صحيح الإمام مسلم ويوجد قليلا في صحيح الإمام البخاري، ولم يأت من أحد بيان لأمرها فمن ثم اختلفت أقوال العلماء في المراد منها: فقيل: انها رمز إلى ((صح)) ولهذا كتب جماعة من الحفاظ كأبي مسلم الليثي، وأبي عثمان الصابوني موضعها (صح). قال ابن الصلاح: وحسن إثبات صح هنا لئلا يتوهم أنه حديث هذا الإسناد سقط ، ولئلا يركب الاسناد الثاني على الاسناد الأول فيجعلا اسنادا واحدا. وقيل: انها للإشارة إلى التحويل اي الانتقال من اسناد إلى اسناد آخر. وقيل: حاء من حائل لأنها تحول بين اسنادين قال ابن الصلاح: وسألت أنا الحافظ أبا محمد عبد القادر الرُّهاوي - رحمه الله - عنها فذكر انها حاء من حايل اي تحول بين الإسنادين. وقيل: هي رمز إلى قولنا ((الحديث)) وأهل المغرب كلهم يقُولون اذا وصلوا إليها الحديث، والاظهر انها للتحويل من اسناد الى اسناد آخر . وقد ظهر لي من تتبع صنيع الأئمة، ولا سيما الإمام الجليل مسلم أنهم يلجأون إلى التحويل حينما يكون للحديث اكثر من إسناد واحد ويكون الإسنادان او الأكثر متفقة في بعض الرواة، ومفترقة في البعض، فيذكر مواضع الافتراق ذاكرا حرف ((ح)) بين كل اسناد وآخر ثم بعد استيفاء الطرق بذكر موضع الاتفاق وللإمام الجليل مسلم دقائق، ولطائف في التحويلات اكتسبتها بدراساتي للكتاب أعوام أن كنت أقوم ١٣٧ بتدريسه وشرحه لطلاب الحديث في كلية أصول الدين، احدى كليات الجامع الأزهر المعمور بالعلم والعلماء. ولأجل هذا الاختلاف في المراد بحرف ((ح)) كان المختار - وهو اختيار الإمام ابن الصلاح - ان يقول القاريء عند الوصول اليها ((حا)) ويمر فإنه أحوط الوجوه وأعدلها والعلم عند الله تعالى(١). ((المسألة الحادية عشرة)» ينبغي في كتابة التسميع أن يكتب الطالب بعد البسملة اسم الشيخ المُسْمع، ونسبته وكنيته قال الخطيب: وصورة ذلك، حدثنا أبو فلان بن فلان الفلاني قال: حدثنا فلان، ثم يسوق المسموع على لفظه: ويكتب فوق البسملة أسماء السامعين، وأنسابهم ، وتاريخ وقت السماع أو يكتبه في حاشية أول ورقة من الكتاب أو آخر الكتاب، أو موضع آخر حيث لا يخفى منه، والأول أحوط. قال الخطيب: وإن كان السماع في مجالس عدة كتب عند انتهاء السماع في كل مجلس علامة البلاغ، وينبغي ان يكون ذلك بخط ثقة معروف الخط ولا يحتاج حينئذ إلى كتابة الشيخ خطه بالتصحيح أي تصحيح السماع، ولا بأس ان يكتب سماعه بخط نفسه اذا كان ثقة كما فعله الثقات. قال ابن الصلاح: وقد قرأ عبد الرحمن بن مندة جزءا على أبي احمد الفرضي وسأله خطه ليكون حجة له، فقال له: يا بني عليك بالصدق فإنك إذا عرفت به لا يُكذبك أحد وتُصَدَّق فيما تقول، وتنقل، واذا كان غير ذلك فلو قيل لك: ما هذا خط الفرضى فماذا تقول لهم؟ .. وعلى كاتب التسميع التحري في ذلك والاحتياط وبيان السامع، والْمُسْمع، والمسموع بلفظ وجيز غير مُحتمل، ومجانبة التساهل فيما يثبته، والحذر من اسقاط بعضهم بغرض فاسد، فإن لم يحضر فله أن يعتمد في ! : (١) علوم الحديث ٢١٨، ٢١٩، والتدريب. ص ٣٠٣؛ ٣٠٤، وفتح المغيث جـ ٢ ص ١٩٢ - ١٩٣. ١٣٨ حضورهم خبر ثقة حضر. ومن يثبت في كتابه سماع غيره فقبيح به كتمانه اياه ومنعه نقل سماعه منه، أو نسخ الكتاب، فقد قال وكيع بن الجراح: أول بركة الحديث إعارة الكتب. وقال سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلى بإحدى ثلاث: (١) ان ينساه (٢) او يموت ولا ينتفع به (٣) او تذهب كتبه. قال السيوطي: وقد ذَمَّ الله تعالى في كتابه مانع العارية بقوله: ((ويمنعون الماعون)» وإعارة الكتب اهم من الماعون. واذا اعاره كتابه فلا يبطىء عليه بكتابه الا بقدر حاجته، قال الزهري: ((إياك وغُلُول الكتب)) وهو حبسها عن أصحابها، وقال الفضيل بن عياض: ليس من فعال أهل الورع، ولا من فعال الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه فيحبسه، فإن منعه فإن كان سماعه مثبتا برضا صاحب الكتاب او بخطه لزمه إعارته، وإلا فلا، كذا قال ائمة مذاهبهم في أزمانهم منهم القاضي حفص بن غياث الحنفي من الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، واسماعيل بن اسحاق القاضي المالكي إمام اصحاب مالك، وأبو عبد الله الزبيري الشافعي، وخالف فيه بعضهم، والصحيح الأول. قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح: قد تعاضدت أقوال هؤلاء الأئمة في ذلك ويرجع حاصلها الى أن سماع غيره اذا اثبت في كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه. قال: وقد كان لا يلقى له وجه، ثم وجهته بأن ذلك بمنزلة شهادة له عنده فعليه أداؤها بما حوته، وإن كان فيه بذل ماله، كما يلزم متحمل ١٣٩ الشهادة أداؤها، وإن كان فيه بذل نفسه بالسعي الى مجلس الحكم لأدائها . وقال البُلقيني: عندي في توجيهه غير هذا، وهو أن مثل هذا من المصالح العامة التي يحتاج اليها مع حصول علقة بين(١) المحتاج والمحتاج إليه تقضي إلزامه بإسعافه مقصده. قال: وأصله إعارة الجدار لوضع جذور الجار عليه، وقد ثبت ذلك في الصحيحين وقال بوجوب ذلك جمع من العلماء، وهو أحد قول الشافعي، فإذا كان يُلْزَم الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب فلأُن يلزم صاحب الكتاب مع عدم دوام العارية أولى فإذا نسخه فلا ينقل سماعه إلى نسخته أي لا يثبته عليها الا بعد المقابلة المرضية، وكذا لا يُنْقَل سَمَاع مَّ الى نسخة الا بعد مقابلة مرضية الا أن يبين كونها غير مقابلة (٢). ((النتيجة)» ((وبعد)) فلعلك بعد هذه الجولة الطويلة في كتابة الحديث وكيفيتها وآدابها ازْدَدْتَ يقينا بما امتاز به المحدثون من الدقة الفائقة والأمانة البالغة في النسخ ومقابلة المنسوخ على أصوله، والحاق الساقط ، والتنبيه الى ما عسى أن يوجد في النسخ المكتوبة من خطأ أو تغاير في رواية، أو وهم، ونحو ذلك. وأنهم كما امتازوا بتحري الصدق والضبط في المحفوظ امتازوا أيضاً بتحربها في المكتوب وأيضاً فقد صرت بعد هذا التطواف على بصيرة بطريقة الكتب المخطوطة القديمة ومناهجها في الكتابة، والخط ، والرمز ، (١) العُلْقة هي العلاقة والمودة التي تكون بين شخصين أو أكثر. (٢) علوم الحديث لابن الصلاح ض ٢١٩ - ٢٢١، والتدريب من ص ٣٠٤ - ٣٠٧، وفتح المغيث جـ ٢ من ص ١٩٤ - ٢٠٠. ١٤٠