Indexed OCR Text

Pages 21-40

الفَصْلِ الأَوَّل
فِي التَعَريف بالحَافِظ ابن الصَّلاح
تعريف بالإمام ابن الصلاح(١):
هو الإِمام الحافظ المفتي شيخ الإِسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن
المفتي عبد الرحمن صلاح الدين بن عثمان بن موسى الكردي الشهرزوري
الشافعي أحد أئمة المسلمين علمًا ودينا.
الصحيح ٥٧٧
ولد سنة ٥٥٧ في شرخان قرية قريبة من شهرزور(٢) التابع لإِربل شمالي
العراق فنسب إليها لكن اشتهرت نسبته إلى شهرزور. وكان والده عبد الرحمن
يلقب صلاح الدين فنسب إليه وعرف بابن الصلاح.
ونشأ في بيت علم ورئاسة فكان أبوه صلاح الدين من العلماء الأجلاء
فقيهاً متبحراً في فقه الإمام الشافعي تولى الافتاء وعرف بالعلم والنبل والفضل.
(١) له ترجمة في الكتب الآتية:
- وفيات الأعيان (٣: ٢٤٣ - ٢٤٤).
- تذكرة الحفاظ (٤ : ١٤٣٠ - ١٤٣١).
- طبقات الشافعية للسبكي (٨: ٣٢٦).
- شذرات الذهب (٥: ٢٢١ - ٢٢٢).
- الأعلام للزركلي (٤ : ٣٦٩).
- معجم المؤلفين (٦: ٢٥٧).
(٢) شهرزور بفتح الشين وسكون الهاء وفتح الراء وضم الزاي وسكون الواو.
4
٢١

في عهد الملوك الأيوبيين عاش ابن الصلاح وهو عهد لقى من الملوك
والأمراء تشجيعاً على العلم بانشاء المدارس والمكتبات ورصد الأوقاف على
المؤسسات العلمية وعلى طلاب العلم والعلماء كما أنها تهىء للعلماء الجو وتفسح
أمامهم المجال ليتبوأوا أرقى المناصب فتنافس العلماء في تحصيل العلوم، في هذا
الوسط عاش ابن الصلاح فشمر عن ساعد الجد لا يألو جهداً في تحصيل
العلوم .
ولقى عناية فائقة وتشجيعاً من أبيه الفاضل العالم يعلمه ويربيه ويوجهه
ويدفعه لأن يرتحل في طلب العلم بعد أن درس عليه المهذب مرتين. أرسله في
ريعان شبابه إلى الموصل فحصل العلوم بأنواعها الفقه والحديث والتفسير
والأصول.
ثم واصل رحلاته العلمية إلى بلدان العالم الإسلامي فارتحل إلى بغداد
فسمع من أبي أحمد بن سكينة وعمر بن طبرزد وإلى همذان ونيسابور ومرو فتلقى
من العلوم الكثير خاصة علوم الحديث على أيدي كثير من العلماء ثم رجع
أدراجه إلى البلاد العربية حلب وحران ودمشق فأخذ عن علمائها ما يروي ظمأه
ويصل به إلى مرحلة التكامل والنضج وما يبلغ درجة الأستاذ العالم الموجه.
وانتهى به المطاف إلى أن يستقر في بلاد الشام مع أبيه وأسرته ويستقبل
عهداً جديداً عهد المسؤولية ونشر العلم فتولى التدريس بالمدرسة الأسدية بحلب
(نسبة إلى أسد الدين شيركوه) ودرس بالمدرسة الناصرية بالقدس (نسبة إلى
الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب) وأقام بها مدة. واشتغل عليه
الناس وانتفعوا به.
ثم انتقل إلى دمشق وتولى التدريس بالمدرسة الرواحية التي أنشأها
أبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد بن رواحة الحموي.
ولما بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب دار الحديث بدمشق
فوض تدريسها إليه .
٢٢
م

ثم تولى التدريس بمدرسة ست الشام زمرد خاتون بنت أيوب فكان يقوم
بوظائفه في هذه المدارس من غير إخلال أو تقصير(١).
شيوخه :
رأينا أن الإِمام ابن الصلاح قام برحلات واسعة ولم تنص المصادر التي
وقفت عليها إلا على عدد قليل من شيوخه فمنهم:
١ - والده صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي
الشهرزوري أخذ عليه المهذب مرتين. توفي صلاح الدين سنة ٦١٨.
٢ - ومنهم: عماد الدين أبو حامد ابن يونس (٢) الفقيه الأصولي (ت ٦٠٨).
٣ - ومنهم عبيد الله السمين.
٤ - ونصر الله بن سلامة.
٥ - ومحمد بن علي الموصلي.
٦ - وعبد المحسن بن الطوسي.
٧ - وأبو أحمد عبد الوهاب بن عبد الله البغدادي(٣) كان حجة علمًا فقيهاً
محدثاً (ت ٦٠٧).
٨ - وأبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني (٤) (ت ٦١٨).
٩ - ومنهم أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة (ت ٦٢٠).
(١) وفيات الأعيان (٣: ٢٤٤ - ٢٤٥)؛ طبقات الشافعية للسبكي (٨: ٣٢٧).
(٢) له ترجمة في وفيات الأعيان (٣: ٣٨٥)، الطبقات السبكي (٥: ٤٥).
(٣) له ترجمة في الذيل على الروضتين (ص ٧٠)، العبر (٥: ٢٣).
(٤) له ترجمة في العبر (٥: ٦٨)، وفيات الأعيان (٢: ٣٨١).
وانظر أسماء بقية الشيوخ في تذكرة الحفاظ (٤: ١٤٣٠).
٢٣

تلاميذه(١) :
منهم :
١ - فخر الدين عمر الكرجي.
٢ - ومجد الدين ابن المهتار.
٣ - والشيخ تاج الدين عبد الرحمن.
٤ - وزين الدين أبو محمد عبد الله بن مروان الفارقي (ت ٧٠٣).
٥ - والقاضي شهاب الدين الجوري.
٦ - والخطيب شرف الدين الفراوي.
٧ - والشهاب محمد بن شرف الدين.
٨ - والصدر محمد بن حسن الأرموي.
مزاياه وثناء العلماء عليه :
قال الذهبي: كان سلفياً حسن الاعتقاد كافاً عن تأويل المتكلمين مؤمناً
بما ثبت من النصوص غير خائض ولا متعمق.
وكان وافر الجلالة حسن البزة كثير الهيبة موقراً عند السلطان والأمراء تفقه
به الأئمة (٢).
وقال ابن خلكان: وكان من العلم والدين على قدم حسن.
ولم يزل أمره جارياً على سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال
والنفع(٣) .
انظر أسماءهم في تذكرة الحفاظ (٤: ١٤٣٢).
(١)
تذكرة الحفاظ (٤ : ١٤٣١).
(٢)
وفيات الأعيان (٣: ٢٤٤)، تذكرة الحفاظ (٤: ١٤٣١).
(٣)
وانظر المدخل إلى علوم الحديث للأستاذ العتر (ص ٢٥)، فتح المغيث للسخاوي
السلفية (١: ١٣).
٢٤

وقال السخاوي: وكان إماماً بارعاً حجة متبحراً في العلوم الدينية بصيراً
بالمذهب ووجوهه خبيراً بأصوله عارفاً بالمذاهب جيد المادة في اللغة العربية
حافظاً للحديث متفنناً حسن الضبط وافر الحرمة عديم النظير في زمانه مع الدين
والعبادة والنسك والصيانة والورع والتقوى. انتفع به خلق وعولوا على
تصانيفه .
وفاته :
توفي رحمه الله في الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث
وأربعين وستمائة بدمشق وكثر التأسف لفقده وحمل نعشه على الرؤوس وكان
على جنازته هيبة وخشوع ودفن بمقابر الصوفية رحمه الله وغفر له(١).
مؤلفاته :
له رحمه الله مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم استفاد منها العلماء بعده
فكانت من أهم مراجعهم ومصادرهم التي يعتمدون عليها.
فمنہا :
١ - أدب المفتي والمستفتي(٢).
٢ - الأمالي(٣). مخطوط.
٣ - شرح الوسيط(٤) في فقه الشافعية، أبدى فيه انتقادات علمية واجتهادات
فقهية دقيقة .
٤ - صلة الناسك في صفة المناسك(٥). جمع فيه جملة من المسائل النافعة التي
يحتاج إليها الناس في مناسك الحج. مخطوط.
وفيات الأعيان (٣: ٢٤٤)؛ تذكرة الحفاظ (٤: ١٤٣١).
(١)
(٢)
شذرات الذهب (٥: ٢٢٢).
(٣)
الاعلام للزركلي (٤: ٣٦٩).
شذرات الذهب (٥: ٢٢٢)؛ سماه مشكل الوسيط. الأعلام للزركلي (٤: ٣٦٩).
(٤)
(٥) وفيات الأعيان (٣: ٢٤٤)؛ (الاعلام (٤: ٣٦٩).
٢٥

٥ - طبقات الشافعية(١).
٦ - علوم الحديث. أجمع الكتب في هذا الفن(٢)، ولقي حظاً كبيراً من
العلماء.
٧ - الفتاوى(٣). جمعه بعض أصحابه وطبع في مجلد فيه له اجتهادات.
٨ - فوائد الرحلة (٤). كتاب ممتع جمع فيه فوائد في علوم متنوعة قيدها في
رحلته إلى خراسان. مخطوط.
٩ - مشكل الوسيط(٥). في مجلد كبير.
١٠ - المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال(٦).
١١ - النكت على المهذب(٧).
هذا من آثاره النافعة تغمده الله برحمته.
(١)
شذرات الذهب (٥: ٢٢٢)، الأعلام للزركلي (٤: ٣٦٩).
وفيات الأعيان (٣: ٢٤٤)؛ شذرات الذهب (٥: ٢٢٢)؛ الاعلام للزركلي (٤: ٣٦٩).
(٢)
شذرات الذهب (٣: ٢٢٢)، الاعلام (٤: ٣٦٩).
(٣)
شذرات الذهب (٣: ٢٢٢)؛ الأعلام (٤: ٣٦٩).
(٤)
وفيات الأعيان (٣: ٢٤٤)؛ شذرات الذهب (٥: ٢٢٢).
(٥)
المدخل إلى علوم الحديث للأستاذ العتر (ص ٢٧).
(٦)
(٧) شذرات الذهب (٥: ٢٤٤).
٢٦
م

الفَصْلِ الثَّانِىْ
تَعَريف بالحَافِظِ العراقي(١)
هو الحافظ الإِمام الكبير الشهير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن
الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي الكردي حافظ عصره.
ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة بمصر. وكان أصل
أبيه من بلدة يقال لها رازيان من أعمال إربل ثم قدم القاهرة وهو صغير فنشأ
بها وتزوج وأنجب المترجم له(٢).
توفي والده وعمره ثلاث سنين فنشأ يتيمًا وكان كثير التردد على صديق
والده الشيخ تقي الدين العناني فيحنو ويعطف عليه ويكرمه واتجهت همته لحفظ
القرآن وهو ابن ثمان سنين واشتغل بعلم القراءات والعربية فأخذ ذلك عن
جماعة منهم :
(١) له ترجمة في:
- لحظ الألحاظ (ص ٢٢٠ - ٢٣٩).
- الضوء اللامع (٤: ١٧١ - ١٧٨).
- ذيل الطبقات للسيوطي (ص ٣٧٠ - ٣٧٢).
- شذرات الذهب (٧: ٥٥ - ٥٧).
- حسن المحاضرة (١ : ٢٠٤).
- الأعلام للزركلي (٤: ١١٩).
(٢) لحظ الألحاظ (ص ٢٢٠ - ٢٢١)؛ الضوء اللامع (٤: ١٧١).
٢٧

الشيخ ناصر الدين محمود بن شمعون(١) وانهمك انهماكاً بيناً في القراءات
فنهاه عن ذلك القاضي عز الدين ابن جماعة قائلاً له أنه علم كثير التعب قليل
الجدوى، وأشار عليه بالاشتغال بعلم الحديث لما رأى من قوة ذكائه وتوقد
ذهنه(٢).
وأقدم سماع وجد له سنة ٧٣٧ وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة وأقبل
بمهمة عالية وجد ونشاط على طلب الحديث فأخذ عن علاء الدين ابن التركماني
الحنفي وبه تخرج وانتفع به فسمع عليه وعلى ابن شاهد الجيش صحيح
البخاري وسمع على ابن عبد الهادي صحيح مسلم وأخذ عن جماعة من مشايخ
مصر والقاهرة منهم :
محمد بن علي القطرواني، ومحمد بن إسماعيل بن الملوك، ومحمد بن
عبد الله بن أبي البركات النعماني وغيرهم(٣).
رحلاته :
ثم اتجهت همته إلى أن يرتحل تأسياً بمن سلفه من أئمة الحديث وعلمائه
فقام برحلة إلى دمشق وسمع من عدة من علمائها منهم تقي الدين السبكي
ومحمد إسماعيل الحموي .
وإلى حلب فسمع عن جماعة من علمائها.
وإلى حماة فسمع عن جماعة من علمائها.
وإلى طرابلس وبعلبك وبيت المقدس وغزة ومكة والمدينة شرفهما الله
وسمع عن عدد كبير من علماء هذه البلدان التي جال فيها ومن وقت أن ارتحل
إلى الشام في سنة أربع وخمسين وسبعمائة مكث مدة لا تخلو له سنة في
(١) لحظ الألحاظ (ص ٢٧١).
(٢) الضوء اللامع (٤: ١٧٢)؛ لحظ الألحاظ (ص ١٧١).
(٣) لحظ الألحاظ (ص ٢٢٢)؛ الضوء اللامع (٤: ١٧٢)؛ شذرات الذهب (٧: ٥٥).
٢٨

الغالب(١) من الرحلة في الحج أو طلب الحديث وفي مدة إقامته في وطنه لم یکن
له هم سوى السماع والتصنيف والافادة فتوغل في ذلك حتى أن غالب أوقاته
أو جميعها لا يصرفها في غير الاشتغال في العلوم وكان له ذكاء مفرط وسرعة
حافظة، حفظ من الالمام أربعمائة سطر في يوم واحد(٢).
شيوخه :
للحافظ العراقي كثرة كاثرة من الشیوخ في بلده، والبلدان التي كان يرتحل
إليها، منهم غير من ذكرنا سابقاً:
عماد الدين ابن كثير، ومحمد بن موسى الشقراوي، وعبد الله بن
محمد بن المهندس، وابن قيم الضيائية عبد الله بن محمد بن إبراهيم المقدسي
وأبو بكر بن عبد العزيز بن أحمد بن رمضان ومحمد بن محمد بن عبد الغني
الحراني(٣).
تلامذته :
انفرد الحافظ العراقي في عصره بالإِملاء فقصده لأجل ذلك ولغيره الناس
من أقطار العالم الإِسلامي للسماع عليه والأخذ عنه فأخذ عنه الجم الغفير
والعدد الكثير حتى أن بعض شيوخه کان یأخذ عنه.
ونكتفي بذكر بعضهم فمنهم:
ولده قاضي القضاة أبو زرعة ولي الدين العراقي (٤).
لحظ الألحاظ (ص ٢٢٣ - ٢٢٦)؛ الضوء اللامع (٤: ١٧٢).
(١)
(٢) لحظ الألحاظ (ص ٢٢٦).
(٣) لحظ الألحاظ (ص ٢٢٢ - ٢٢٥).
(٤) الضوء اللامع (٤: ١٧٥)؛ لحظ الألحاظ (ص ٢٢٢).
٢٩

ومنهم الحافظ الإِمام علي بن أحمد بن حجر لازمه عشر سنين(١).
ومنهم الحافظ نور الدين أبو بكر الهيثمي لازمه أكثر حياته(٢).
صفاته وثناء العلماء عليه :
قال ابن فهد المكي :
. ((وكان رحمه الله صالحاً ديناً ورعاً عفيفاً صيناً متواضعاً حسن النادرة،
والفاكهة منجمعاً ذا أخلاق حسنة منور الشيبة جميل الصورة كثير الوقار قليل
الكلام إلا في محل الضرورة فإِنه يكثر الانتصار تاركاً لما لا يعنيه طارحاً للتكلف
شديد الاحتراز في الطهارة ولم يكن ذلك يخرجه إلى الوسوسة.
وكان - رحمه الله - شديد التواضع لا يرى له على أحد فضلاً كثير الحياء
ليس بينه وبين أحد شحناء حليما واسع الصدر لا يغضب إلا لأمر عظيم ويزول
في الحال. ليس عنده حقد ولا غش ولا حسد لأحد لا يواجه أحداً بما يكره ولو
آذاه وعاداه مع صدعه بالحق وقوة نفسه فيه لا يأخذه في الله لومة لائم لا يهاب
أميراً ولا سلطاناً في قول الحق وكان - رحمه الله تعالى - كثير التلاوة وافر الحرمة
والمهابة نقي العرض ماشياً على طريقة السلف الصالح من المواظبة على قيام
الليل وصيام الأيام البيض من كل شهر والست من شوال والجلوس في محله بعد
صلاة الصبح مع الصمت إلى أن ترتفع الشمس فيصلي الضحى وعلى الاسماع
والاقراء والتدريس والتصنيف وكان - رحمه الله - ذا فضائل جمة من مكارم
الأخلاق ومحاسن الشيم والآداب))(٣).
وكان الإِمام جمال الدين الأسنوي وهو من شيوخه يستحسن كلامه
ويصغي إليه ويقول: إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ، وكان يثني على فهمه
(١) الضوء اللامع (٢ : ٣٧).
(٢) لحظ الألحاظ (ص ٢٣٩)؛ الضوء اللامع (٥: ٢٠١).
(٣) لحظ الألحاظ (ص ٢٢٨ - ٢٢٩)؛ وانظر الضوء اللامع (٤: ١٧٥).
٣٠

ويمدحه بذلك. وكان يحث الناس على الاشتغال عليه وعلى كتابة مؤلفاته وينقل
عنه في مصنفاته(١).
وقال التقي الفاسي في ذيل التقييد ((كان حافظاً متقناً عارفاً بفنون الحديث
والفقه والعربية وغير ذلك كثير الفضائل والمحاسن متواضعاً ظريفاً ومسموعاته
وشيوخه في غاية الكثرة وأخذ عنه علماء الديار المصرية وغيرهم وأثنوا عليه
خیراً)(٢).
وفاته :
توفي - رحمه الله - في ليلة أو يوم الأربعاء ثامن شعبان سنة ست وثمانمائة
بالقاهرة وله إحدى وثمانون سنة ورثاه جماعة من تلامذته منهم الحافظ ابن حجر
في قصيدة أطال فيها النفس منها:
أصاد الدمع جار للمـآقي
مصاب لم ينفس للخناق
على عبد الرحيم بن العراقي
فيا أهل الشام ومصر فابكوا
له بالانفراد على اتفاقٍ
على الحبر الذي شهدت قروم
غدت عن غيره ذات انفلاقٍ(٣)
ومن فتحت له قدماً علوم
مؤلفاته :
للحافظ العراقي مؤلفات كثيرة أذكر منها ما يتسع له المقام منها:
١ - الأحاديث المخرجة في الصحيحين التي تكلم فيها بضعف أو انقطاع (٤).
(١) لحظ الألحاظ (ص ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٢) الضوء اللامع (٤ : ١٧٦).
(٣) إنباء الغمر (١٧٣:٥).
(٤) لحظ الألحاظ (ص ٢٣١).
٣١

٢ - أربعون تساعية(١).
٣ - أربعون عشارية(٢) ومنها نسخة بالخزانة الكتانية(٣).
٤ - أربعون بلدانية (٤).
٥ - الاستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين في مكان واحد(٥).
٦ - ألفية مصطلح الحديث(٦) طبعت مجردة بالرباط وبالهند ومع تعاليق من
شرح المصنف.
٧ - ألفية غريب القرآن(٧).
٨ - تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد(٨).
٩ - التقييد والإِيضاح في مصطلح الحديث. ويسمى النكت على ابن
الصلاح(٩) .
١٠ - الدرر السنية في نظم السيرة الزكية طبعت برباط المغرب (١٠).
(١) لحظ الألحاظ (ص ٢٣٢).
(٢)
لحظ الألحاظ (ص ٢٣٢).
انظر تصدير شرح الألفية (ص ١٨) للمحقق محمد بن الحسين العراقي.
(٣)
لحظ الألحاظ (ص ٢٣٢).
(٤)
الضوء اللامع (٤: ١٧٣)؛ لحظ الألحاظ (ص ٢٣٠).
(٥)
الضوء اللامع (٤: ١٧٣)؛ لحظ الألحاظ (ص ٢٣٠).
(٦)
(٧)
لحظ الألحاظ (ص ٢٣٠)؛ الضوء اللامع (٤: ١٧٣).
لحظ الألحاظ (ص ٢٣٠)؛ الضوء اللامع (٤: ١٧٣).
(٨)
سیأتي الكلام عليه.
(٩)
لحظ الألحاظ (ص ٢٣٠)؛ ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٧١)؛ الضوء اللامع
(١٠)
(٤ : ١٧٣).
٣٢

١١ - الذيل على ذيل العبر للذهبي(١).
١٢ - شرح ألفية الحديث له (٢) طبع بالمطبعة الجديدة بطالعة فاس سنة
١٣٥٤ هـ.
١٣ - المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الأحياء من
الأخبار(٣) (يعني إحياء علوم الدين للغزالي).
(١) الاعلام للزركلي (٤: ١١٩).
(٢) لحظ الألحاظ (ص ٢٣٠)؛ الضوء اللامع (٤: ١٧٣).
(٣) لحظ الألحاظ (ص ٢٢٩)؛ الضوء اللامع (٤: ١٧٣).
٣٣

الفَصْل الثَّالِثْ
تَعَريف بالحَافِظ ابن حجر(١)
عصر الحافظ ابن حجر:
كانت الفترة التي عاش فيها الحافظ ابن حجر العسقلاني - في أخريات
القرن الثامن والنصف الأول من القرن التاسع - من أحفل الفترات التاريخية
بالعلماء وأزخرها بالمدارس ودور الكتب وحلقات الدروس ورغم ما في هذا
العصر من اضطراب سياسي واجتماعي فإِن الحكام والأمراء قد عنوا بتشييد
المدارس والمكتبات وتشجيع العلماء وإغرائهم بالمال والمناصب مما سبب تنافساً
عظيًما بين العلماء في نشر العلم بالتعليم والتأليف في مختلف ميادين المعرفة.
اسمه ونسبه :
هو شيخ الإِسلام الأستاذ إمام الأئمة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن
(١) انظر ترجمته في الضوء اللامع (٢: ٣٦ - ٤٠).
والجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر مصورة عن مخطوطة بدار الكتب
المصرية برقم ٤٧٦٨ تاريخ، وجمان الدرر لابن خليل الدمشقي مصورة عن نسخة بدار الكتب
برقم ٧٢٦ وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٨٠)؛ نظم العقيان للسيوطي (ص ٤٥ -
٤٦)؛ شذرات الذهب (٧: ٢٧٠ -٢٧٢)؛ البدر الطالع للشوكاني (١: ٨٧ - ٩٢)؛ معجم
المؤلفين (٢: ٢٠ -٢٢)؛ وقد ذكر كثيراً من مصادر ترجمة الحافظ.
٣٥
..

علي بن محمد بن علي بن أحمد الكناني(١) العسقلاني(٢) المصري القاهري الشافعي
يعرف بابن حجر وهو لقب لبعض آبائه.
مولده ونشأته :
كان مولده في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطىء النيل
بمصر القديمة .
ونشأ الحافظ ابن حجر يتيمًا إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين
وسبعمائة .
وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل.
وكان أبوه قد أوصى به إلى رجلين ممن كانت بينه وبينهم مودة هما:
زكي الدين أبوبكر بن نور الدين علي الخروبي (ت ٧٨٧) وكان تاجراً
كبيراً بمصر.
وثانيهما: العلامة شمس الدين ابن القطان (ت ٨١٣) الذي كان له
بوالده اختصاص.
فنشأ في كنف الوصاية في غاية العفة والصيانة، ولم يأل زكي الدين
الخروبي جهداً في رعايته والعناية به وبتعليمه، فكان يستصحبه معه عند مجاورته
في مكة، وظل يرعاه إلى أن مات سنة ٧٨٧. وكان الحافظ ابن حجر قد راهق
ولم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلة. حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وصلى
بالناس التراويح إماماً في المسجد الحرام وهو ابن اثنتي عشرة سنة إبان مجاورته
مع وصيه الخروبي بمكة المكرمة سنة ٧٨٥.
(١) الكناني - بكسر الكاف وفتح النون وبعد الألف نون ثانية نسبة إلى قبيلة كنانة. الجواهر
والدرر (ل ١٣/أ).
(٢) نسبة إلى عسقلان مدينة بساحل الشام من فلسطين. الضوء اللامع (٢: ٣٦)؛ جمان الدرر
(ل ٢/ب).
٣٦

وحفظ بعد رجوعه إلى مصر سنة ٧٨٦ عمدة الأحكام لعبد الغني
المقدسي والحاوي الصغير للقزويني. ومختصر ابن الحاجب الأصلي والملحة
وغيرها.
وكان قد أعطي حافظة قوية فكان يحفظ كل يوم نصف حزب من القرآن
وكان في غالب أيامه يصحح الصحيفة من الحاوي الصغير ثم يقرؤها مرة أخرى
ثم يعرضها في الثالثة حفظاً ثم لازم كثيراً من الشيوخ من المحدثين والفقهاء
والقراء واللغويين والأدباء واستفاد من علومهم.
وحبب إليه الحديث النبوي فأقبل بكليته عليه وأخذ عن مشايخ عصره
وقد بقي منهم بقايا وواصل الغدو بالرواح إليهم.
ولازم الحافظ العراقي عشر سنين وتخرج به وانتفع بملازمته كما لازم
شيوخاً آخرين في الحديث وفي فنون أخرى.
وجدَّ في طلب العلوم منقولها ومعقولها حتى بلغ الغاية. وصار كلامه
مقبولاً لا يعدو الناس مقالته لشدة ذكائه وطول باعه في العلوم.
رحلاته في طلب العلم:
كانت الرحلة في طلب العلم سنة متبعة منذ فجر الإِسلام، فكان
الصحابة يرحلون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليتلقوا عنه مبادىء
الإِسلام وتوجيهاته. ورحل الصحابة والتابعون بعضهم إلى بعض ثم تتابعت
الأجيال الإسلامية على هذا النهج لاسيما أهل الحديث فقد كانوا يرحلون
زرافات ووحدانا يضربون في جنبات العالم الإسلامي شرقاً وغرباً ارتياداً
للحديث وأهله واستمروا على هذه الحال إلى عهد الحافظ ابن حجر - رحمه
الله - فكان واحداً من هؤلاء الأفاضل الشغوفين بالعلم والتضلع منه فأخذ بحظ
وافر في هذا المجال فجال في مصر والشام والحجاز واليمن والتقى بعدد كبير من
العلماء في هذه البلدان وحمل عنهم شيئاً كثيراً من العلم واستفاد منهم وأفاد.
٣٧

شيوخ الحافظ :
اهتم الحافظ ابن حجر بذكر شيوخه وردد أسماءهم في كثير من كتبه
وأعطى عنهم معلومات قيمة إلى جانب ذلك فقد أفرد ذكرهم في كتابين عظيمين
ما زالا مخطوطين (١) هما:
الأول: المجمع المؤسس للمعجم المفهرس ترجم فيه لشيوخه وذكر
مروياتهم بالسماع أو الاجازة أو الإِفادة عنهم.
والثاني: المعجم المفهرس وهو فهرس لمرويات الحافظ ذكر فيه شيوخه
خلال ذكره لأسانيده في الكتب والأجزاء والمسانيد.
وقسم السخاوي (٢) شيوخ الحافظ ابن حجر إلى ثلاثة أقسام:
الأول: من سمع منه الحديث ولو حديثاً واحداً.
الثاني: من أجازوا له ولو في استدعاءات بنيه.
الثالث: من أخذ عنه مذاكرة أو إنشاداً أو سمع خطبته أو تصنيفه أو شهد
له ميعاداً وربما يكون في كل من القسمين من تتلمذ له وعنه واستفاد على جاري
عادة الحفاظ.
وبلغ مجموع شيوخه ستمائة وزيادة على أربعين شيخاً وقسمهم ابن خليل
الدمشقي في جمان الدرر(٣) إلى ثلاثة أقسام أيضاً وأوصل عددهم إلى ستمائة
وتسعة وثلاثين شيخاً. ونكتفي هنا بذكر بعض شيوخه وهم الذين كان لهم أثر
في حياته نظراً أولاً لكثرتهم، وثانياً أنه تكفل بذكرهم في كتابيه سالفي الذكر.
(١) وهما بدار الكتب المصرية ولهما صورتان في مكتبة الصديق بمنى.
(٢) الجواهر والدرر (ل ٣٦/ب - ٤٤/ب).
(٣) (ل ١١/ب - ٢٤/أ).
٣٨

كما تكفل بذكرهم تلميذه السخاوي في كتابه الجواهر والدرر ثم ابن
خليل الدمشقي في جمان الدرر.
فمن شيوخه الذين لازمهم وكان لهم أثر واضح في نبوغه وحياته:
١ - إبراهيم (١) بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن علوان التنوخي
البعلي الأصل الدمشقي المنشأ الشيخ برهان الدين الشامي، بلغ عدد
شيوخه ستمائة بالسماع والاجازة يجمعهم معجمه الذي خرجه له الحافظ
ابن حجر. نزل أهل مصر بموته درجة قرأ عليه الحافظ شيئاً من القرآن
ثم قرأ عليه الشاطبية وصحيح البخاري وبعض المسانيد والكتب
والأجزاء وخرج له المائة العشارية ثم الأربعين التالية لها وأذن له بالاقراء
سنة ٧٩٦ - توفي التنوخي سنة ٨٠٠.
٢ - عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني العسقلاني الأصل، ثم
البلقيني(٢) المصري الشافعي أبو حفص سراج الدين، مجتهد حافظ
للحديث من أكابر العلماء أفتى ودرس وهو شاب وناظر الأكابر وظهرت
فضائله وبهرت فوائده وطار في الآفاق صيته.
سمع الحديث من جماعة من مشايخ عصره وأجاز له الذهبي
والمزي وغيرهما وكان معظمًا عند الأكابر عظيم السمعة عند العوام وقد
لازمه الحافظ ابن حجر وقرأ عليه الكثير من الروضة ومن كلامه على
حواشيها وكتب له بخطه بالاذن بالاعادة وهو أول من أذن له في
(١) ترجمته في المجمع المؤسس الورقة (٤ - ٣١) نقلا عن رسالة ابن حجر ودراسة مصنفاته
للدكتور شاكر عبد المنعم (١ : ١٤٨)؛ عنوان الزمان مجلد (١: ل ٣٧)؛ الدرر الكامنة (١ :
١١).
(٢) ترجمته في إنباء الغمر (٥: ١٠٧)؛ لحظ الألحاظ (ص ٢٠٦ - ٢٢٠)؛ الضوء اللامع (٦:
٨٥ - ٩٠)؛ الأعلام للزركلي (٥: ٢٠٥)؛ جمان الدرر (ل ٣٠/ب).
٣٩

التدريس والافتاء وتبعه غيره. له مؤلفات منها: محاسن الاصطلاح في
المصطلح، وحواشي على الروضة. مات سنة ٨٠٥.
٣ - عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الأندلسي ثم
المصري المعروف بابن الملقن(١) كان أكثر أهل عصره تصنيفاً. فشرح
المنهاج عدة شروح وخرج أحاديث الرافعي في ست مجلدات وشرح
صحيح البخاري في عشرين مجلدة. توفي سنة ٨٠٤.
٤ - محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن
جماعة الكناني الحموي الأصل المصري الشافعي ويعرف بابن جماعة (٢)
عز الدين، فقيه أصولي محدث متكلم أديب نحوي لغوي مشارك في غير
ذلك وکان یقول:
((أعرف خمسة عشر علمًا لا يعرف علماء عصري أسماءها)).
وصنف التصانيف الكثيرة التي جمع أسماءها في جزء مفرد.
قال السخاوي: ضاع أكثرها منها: النصف الأول من حاشية العضد وشرح
جمع الجوامع وشرح علوم الحديث لابن الصلاح. أخذ عنه الحافظ ابن حجر
ولازمه في غالب العلوم التي كان يقرؤها من سنة ٧٩٠ إلى أن مات سنة ٨١٩.
تلاميذ الحافظ ابن حجر:
إن المكانة الرفيعة التي تبوأها الحافظ ابن حجر بعلمه الواسع وأخلاقه
الكريمة وبعد صيته وطريقته المثلى في التدريس والتربية قد لفتت أنظار الناس من
(١) ترجمته في إنباء الغمر (٢: ٢١٦ - ٢١٩)؛ لحظ الألحاظ (ص ١٩٩ - ٢٠٣)؛ ذيل طبقات
الحفاظ للسيوطي (ص ٣٦٩).
(٢) ترجمته في إنباء الغمر (٧: ٢٤٠ - ٢٤٣)؛ الضوء اللامع (٧: ١٧١ - ١٧٤)؛ لحظ الألحاظ
(ص ٢٦٧).
٤٠
١