Indexed OCR Text
Pages 101-120
الحديث بعد ثلاثين سنة ، وقيل بعد عشرين ، والصواب في هذه الأزمان التبكير به من حین یصح سماعه ، و یکتبه و تقییده حین يتأهل له ، ويختلف باختلاف الأشخاص، ونقل القاضي عياض رحمه الله . أن أهل الصنعة حددوا أول زمن يصح فيه السماع بخمس ستين ، وعلى هذا استقر العمل والصواب اعتبار التمييز ، فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان مميزاً صحيح السماع ، وإلا فلا ، وروي نحو هذا عن موسى بن هرون ، وأحمد بن حنبل . - ١٠١ - بيان أقسام طرق محمل الحديث ومجامعها ثمانية أقسام : القسم الأول سماع لفظ الشيخ ، وهو إملاء وغيره من حفظ ومن كتاب (٢)، وهو أرفع الأقسام عند الجماهير . قال القاضي عياض : لا خلاف أنه يجوز في هذا السامع أن يقول في روايته: حدثنا وأخبرنا ،وأنبأنا وسمعت فلاناً وقال لنا وذكر لنا . قال الخطيب : أرفعها سمعت ثم حدثنا وحدثني ثم أخبرنا ، وهو كثير في الاستعمال ، وكان هذا قبل أن يشيع أخبرنا بالقراءة على الشيخ . قال ثم أنبأنا ونبأنا وهو قليل في الاستعمال . قال الشيخ : حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة، إذ ليس في سمعت دلالة أن الشيخ روَّاه (١) هذا الفصل كله تابع لكيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه . (٢) السماع: هو أن يتلقى الراوي من فم الشيخ بأن يقرأ المححدث على الراوي، سواء أ كان يقرؤ المحدث من حفظه أم من كتاب، وسواء أكان المحدث يرى الراوي أم لا ، وسواء أ كان يراه الراوي أم بينه وبينه سائر ، شريطة أن يعرف الراوي صوته . - ١٠٢ - إياه بخلافها (١). وأما قال لنا، أو ذكر لنا، فكحدثنا. غير أنه لاتق بسماع المذاكرة وهو به أشبه من حدثنا، وأوضح العبارات : قال أو ذكر من غير لي ، أو لنا وهو أيضاً محمول على السماع إذا عرفاللقاء على ما تقدم في نوع المعضل، لا سپا إنعرف أنه لا يقول قال إلا فيما سمعه منه ، وخص الخطيب حمله على السماع به (٢) والمعروف أنه ليس بشرط . القسمالثانى القراءة على الشيخ ، ويسميها أكثر المحدثين عرضاً سواء قرأت أو قرأ غيرك وأنت تسمع من كتاب أو حفظ ، حفظ الشيخ أم لا إذا أمسك أصله هو أو ثقة ، وهي رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك إلا ما ◌ُحُكي عن بعض من لا يعتد به (٣)، واختلفوا في (١) ذهب الزركشي والقسطلاني إلى أن ((حدثنا)) أرفع إن حدثه على العموم و ((سمعت)) أرقى إن حدثه على الخصوص . (٢) أي حمله على السماع بمن عرف أنه لا يقول قال إلا فيما سمعه منه، بخلاف من لايعرف منه ذلك فلا يحمله على السماع . (٣) هو أبو عاصم النبيل، ومحمد بن سلام، وعبد الرحمن بن سلام. واستدل العلماء على صحة هذه الطريقة بحديث صمام بن ثعلبة لما أتى النبي عد الته ، فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب العلم في باب القراءة والعرض : أن = - ١٠٣ - مساواتها للسماع من لفظ الشيخ ورجحانه عليها ورجحانها عليه ، فحكي الأول عن مالك وأصحابه وأشياخه ومعظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري وغيرهم ، والثاني عن جمهور أهل المشرق وهو الصحيح ، والثالث عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما ورواية عن مالك ، والأحوط في الرواية بها : قرأت على فلان أو قرىء عليه وأنا أسمع فأقَرَّ به ، ثم عبارات السماع مقيدة : كحدثنا أو أخبرنا قراءة عليه وأنشدنا في الشعر قراءة عليه، ومنع إطلاق حدثنا وأخبرنا ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد والنسائي وغيرهم وجوزها طائفة . قيل : إن مذهب الزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان =أنس بن مالك قال : بينما نحن جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صَّ الله متكىء بين ظهرانيهم فقلنا : هذا الأبيض المتكىء، فقال له الرجل : ابن عبد المطلب ؟ فقال له النبى معَّه: قد أجبتك، فقال الرجل للنبي عَّ الله: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليَّ في نفسك ، فقال: سل عما بدا لك فقال : أسألك بربك وربّ من قبلك آللّه أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال: اللهم نعم ، قال : أنشدك باله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال : اللهم نعم ، قال : أنشدك بالله آ لله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صَّهِ: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به وأنا رسول مَنْ ورائي من قومي وأنا صمّام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)). - ١٠٤ - والبخاري وجماعات من المحدثين ومعظم الحجازيين والكوفيين ، ومنهم من أجاز فيها سمعت ، ومنعت طائفة حدثنا وأجازت أخبرنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل الشرق ، وقيل إنه مذهب أكثر المحدثين وروي عن ابن جريج والأوزاعي وابن وهب ، وروي عن النسائي أيضاً وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث. فروع الأول : إذا كان أصل الشيخ حال القراءة بيد موثوق به مراع لما يقرأ أهل له فإن حفظ الشيخ ما يقرأ فهو كإمساكه أصله وأولى ، وإن لم يحفظه فقيل: لا يصح السماع (١)، والصحيح المختار الذي عليه العمل أنه صحيح ، فإن كان بيد القارىء الموثوق بدينه ومعرفته فأولى بالتصحيح ، ومتى كان الأصل بيد غير موثوق به لم يصح السماع إن لم يحفظه الشيخ . (١) نقل هذا القول القاضي عياض عن الباقلاني وإمام الحرمين. - ١٠٥ - الثانى : إذا قرأً على الشيخ قائلاً أخبرك فلان أو نحوه والشيخ مصغ إليه فاهم له غير منكر ، صح السماع وجازت الرواية به ، ولا يشترط نطق الشيخ على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون ، وشرط بعض الشافعيين والظاهريين نطقه ، وقال ابن الصباغ الشافعي : ليس له أن يقول حدثني ، وله أن يعمل به وأن يرويه قائلاً : قریء عليه وهو يسمع . الثالث: قال الحاكم : الذي اختاره وعهدت إليه أكثر مشايخي وأئمة عصري ، أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ : حدثني ومع غيره حدثنا وما قرأ عليه أخبرني وما قرىء بحضرته أخبرنا وروي نحوه عن ابن وهب وهو حسن ، فإن شك فالأظهر أن يقول : حدثني أو يقول أخبرني لا حدثنا وأخبرنا ، وكل هذا مستحب باتفاق العلماء ، ولا يجوز إبدال حدثنا بأخبرنا أو عكسه في الكتب المؤلفة ، وما سمعته من لفظ المحدث فهو على الخلاف في الرواية بالمعنى إن كان قائله (١) يجوز( اطلاق كليهما وإلا فلا يجوز. (١) أي إن جوزناها جاز الإبدال وإلا فلا . - ١٠٦ - الرابع: إذا نسخ السامع أو المسمع حال القراءة ، قال إبراهيم الحربي وابن عدي والأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني الشافعي : لا يصح السماع . وصححه الحافظ موسى بن هارون الحمال وآخرون وقال أبو بكر الضّبعي الشافعي : يقول حضرت ولا يقول أخبرنا ، والصحيح التفصيل ، فإن فهم المقروء صح وإلا لم يصح (١) ويجري هذا الخلاف فيما إذا تحدث الشيخ أو السامع أو أفرط القارىء في الإسراع أو هيثم (٢) أو بعد بحيث لا يفهم، والظاهر أنه يعفى عن نحو الكلمتين ، ويستحب للشيخ أن يجيز للسامعين رواية ذلك الكتاب وإن کتب لأحدهم كتب سمعه مني وأجزت له روايته ، كذا فعله بعضهم ، ولو عظم مجلس المملي فبلغ عنه المستملي فذهب (١) حضر الدار قطني في حداثته بمجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءاً كان معه وإسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ ، فقال: فهمي للإملاء خلاف فهمك ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن ؟ فقال : لا ، فقال الدار قطني: أملى ثمانية عشر حديثاً، فَعُدَّت الأحاديث فوجدت كما قال، ثم قال : الحديث الأول عن فلان ، ومتنه كذا ، والحديث الثاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها حتى أتى على آخرها ، فعجب الناس منه. (٢) هينم : أخفى صوته . - ١٠٧ - جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز لمن سمع المستملي أن يروي ذلك عن المملي، والصواب الذي قاله المحققون أنه لا يجوز (١) ذلك ، وقال أحمد في الحرف بدغمه الشيخ فلا يفهم وهو معروف أرجو أن لا تضيق روايته عنه ، وقال في الكلمة تستفهم من المستملى إن كانت مجتمعا عليها فلا بأس ، وعن خلف بن سالم منع ذلك . الخامس: يصح السماع من وراء حجاب إذا عرف صوته ان حدث بلفظه أو حضوره بمسمع منه ان قرىء عليه ، ويكفي في المعرفة خبر ثقة وشرط شعبه رؤيته وهو خلاف الصواب وقول الجمهور (٢). (١) قال العراقي: الأول هو الذي عليه العمل، لأن المستملي في حكم من يقرأ على الشيخ ويعرض حديثه عليه، ولكن يشترط أن يسمع الشيخ المملي لفظ المستملي كالقارىء عليه، والأحوط أن يبين حالة الأداء أن سماعه لذلك أو لبعض الألفاظ من المستملي كما فعله ابن خزيمة وغيره ، بأن يقول : حدثنا بتبليغ فلان، وقد ثبت في الصيحين عن جابر بن سمرة سمعت النبي محمد اله يقول: يكون اثنا عشر أميراً فقال كلمة لم أسمعها فسألت أبي فقال: كلهم من قريش وقد أخرجه مسلم عنه كاملاً من غير أن يفصل جابر الكلمة التي استفهمها من أبيه. (٢) ذهب شعبة بن الحجاج إلى أن سماع الراوي شيخه من غير رؤية لا يسيغ له الرواية عنه قال: ((إِذا حدثك المحدث فلم تر وجهه فلا ترو عنه فلعله شيطان تصور في صورته يقول حدثنا وأخبرنا » . H - ١٠٨ - السادس: إذا قال المسموع منه بعد السماع: لا تروعني أو رجعت عن إخبارك ونحو ذلك غير مسند ذلك إلى خطأ أو شك ونحوه لم يمتنع روايته (١)، ولو خص بالسماع قوماً فسمع غيرهم بغير علمه جاز لهم = وهذا الكلام لا يعتمد عليه. قال النووي رحمه الله: ((وهو خلاف الصواب وقول الجمهور )» واستدل السيوطي في التدريب وابن الصلاح في مقدمته على بطلان هذا القول بأن الرواة كانوا يسمعون من عائشة رضي الله عنها ومن أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام من وراء حجاب ، ويروون عنهن اعتماداً على الصوت . واحتج عبد المغني بن سعيد الحافظ لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام : (((إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)) فأمر عليه الصلاة والسلام بالاعتماد على الصوت مع غيبة شخصه عمن سمعه)) وهذان الإستدلالان من الجودة بمكان . (١) لأن العبرة في الرواية بصدق الراوي في حكاية ما سمعه من الشيخ وصحة ما نقله عنه ، ولأن الشيخ لا يملك أن يرفع الواقع من أنه حدث الراوي وأن الراوي سمع ذلك منه . وأما إذا كان رجوع الشيخ والمنع من الرواية لوجود شك فيما حدث أو لظهور خطأ فيما روى فعلى الراوي عند ذلك أن يمتنع من الرواية ، ويجوز له أن يذكر الرواية مع رجوع الشيخ عنها، ليظهر للناظر مافيها من العلة القادحة. - ١٠٩ - الرواية عنه(١)، ولو قال أخبركم ولا أخبر فلاناً لم يضر، قاله الاستاذ أبو إسحاق . القسم الثالث الإجازة . وهي سبعة أضرب . الأوّل: أن يجيز معيناً لمعين كأجزتك البخاري أو ما اشتملت عليه فهرستي وهذا أعلى أضربها المجردة عن المناولة ، والصحيح الذي قاله الجمهور من الطوائف واستقر عليه العمل جواز الرواية والعمل بها ، وأبطلها جماعات من الطوائف (٢) وهو إحدى الروايتين عن الشافعي ، وقال بعض الظاهرية ومتابعيهم: لا يعمل بها كالمرسل (٣)، وهذا باطل. (١) سأل الخطيب شيخه الحافظ أبا بكر البرقاني عن السر في كونه يقول لهم فيما رواه عن أبي القاسم الآنبدوني سمعت ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا، فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عسراً في الرواية ، فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ، ولا يعلم محضوره ، فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل إليه فلذلك يقول سمعت ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا ، لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده . (٢) قالوا: من قال لغيره أجزت لك أن تروي عني مالم تسمع مني فهو كما أو قال له : أجزت لك أن تكذب علي لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم تسمع . (٣) أي مع جواز التحديث به . - ١١٠ - الثانى: يجيز معيناً غيره كأجزتك مسموعاتي فالخلاف فيه أقوى وأكثر والجمهور من الطوائف جوزوا الرواية وأوجبوا العمل بها . الثالث : يجيز غير معين يوصف العموم كأجزت المسلمين أو كل أحد أو أهل زماني ، وفيه خلاف للمتأخرين ، فإن قيد بوصف خاص فأقرب إلى الجواز ، ومن المجوزين القاضي أبو الطيب والخطيب ، وأبو عبد الله بن منده، وابن عتاب، والحافظ أبو العلاء ، وآخرون . قال الشيخ : ولم نسمع عن أحد يقتدى به الرواية بهذه . قلت : الظاهر من كلام مصححيها جواز الرواية بها ، وهذا مقتضى صحتها ، وأي فائدة لها غير الرواية بها . اجازة مجهول أو له كأجزتك كتاب السنن وهو يروي كتباً في السنن ، أو أجزت لمحمد ابن خالد الدمشقي ، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم وهي باطلة ، فإن أجاز لجماعة مسمين في الاستجازة أو غيرها ولم يعرفهم بأعيانهم ولا أنسابهم ولا عددهم ولا تصفحهم صحّت الإجازة كسماعهم منه في مجلسه في هذا الحال ، وأما أجزت لمن يشاء فلان أو نحو هذا ففيه جهالة وتعليق فالأظهر - ١١١ - بطلانه ، وبه قطع القاضي أبو الطيب الشافعي ، وصححه ابن الفراء الحنبلي ، وابن عمروس المالكي، ولو قال أجزت لمن يشاء الإجازة فهو كأجزت لمن يشاء فلان وأكثر جهالة فلو قال أجزت لمن يشاء الرواية عني فأولى بالجواز، لأنه تصريح بمقتضى الحال، ولو قال اجزت لفلان كذا إن شاء روايته عني ؛ او لك إن شنت او احببت او اردت ، فالأظهر جوازه . الخامس: الإجازة للمعدوم كأجزت لمن يولد لفلان، واختلف المتأخرون في صحتها فإن عطفه على موجود كأجزت لفلان ومن يولد له أو لك ولعقبك ما تناسلوا فأولى بالجواز ، وفعل الثاني من المحدثين ابو بكر ابن أبي داود، واجاز الخطيب الأول، وحكاه عن ابن الفراء، وابن عمروس ، وابطلها القاضي ابو الطيب، وابن الصباغ : الشافعيان ، وهو الصحيح الذي لا ينبغي غيره(١). واما الإجازة للطفل الذي لا يميز (١) قال ابن الصلاح في مبحث الإجازة المعدوم ابتداء بعد أن نقل عدم الجواز قال : وذلك هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره، لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز على ما قدمناه في بيان صحة أصل الإجازة ، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة المعدوم، ولو قدرنا أن الإجازة إذن فلا يصح أيضاً ذلك المعدوم، كما لا يصح الإذن في باب الوكالة للمعدوم ،لوقوعه في حالة لايصح فيها المأذون فيه من المأذون له . - ١١٢ - 1 فصحيحه على الصحيح الذي قطع به القاضي أبو الطيب ، والخطيب خلافاً لبعضهم (١) . السادس: إجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه ليرويه المجاز إذا تحمله المجيز : قال القاضي عياض: لم أر من تكلم فيه ، ورأيت بعض المتأخرين يصنعونه، ثم حكي عن قاضي قرطبة أبي الوليد منع ذلك ، قال القاضي عياض وهو الصحيح، وهذا هو الصواب، فعلى هذا يتعين على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أن هذا ما تحمله شيخه قبل الإجازة . أما قوله أجزت لك ما صح أو يصح عندك من مسموعاتي فصحيح تجوز الرواية به لما صح عنده سماعه له قبل الإجازة ، وفعله الدارقطني وغيره . السابع: إجازة المجاز كاجزتك مجازاتي فمنعه بعض من لا يعتد به ، والصحيح الذي عليه العمل جوازه ، وبه قطع الحفاظ : الدار قطني (١) قال ابن الصلاح: ((وكأنهم رأوا الطفل أهلاً لتحمل هذا النوع من أنواع تحمل الحديث ليؤدي به بعد حصول أهليته ، حرصاً على توسيع السبيل إلى بقاء الإستاد الذي اختصت به هذه الأمة، وتقريبه من رسول اللّه مَقَ الاه. - ١١٣ - التقريب - ٨ وابن عقدة، وأبو نعيم، وأبو الفتح نصر المقدسي، وكان أبو الفتح يروي بالإجازة عن الإجازة ، وربما والى بين ثلاث ، وينبغي للراوي بها تأملها لئلا يروي ما لم يدخل تحتها ، فإن كانت إجازة شيخ شيخه أجزت له ما صح عنده من سماعي فرأى سماع شيخ شيخه فليس له روايته عن شيخه عنه حتى يعرف أنه صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه . فرع : قال أبو الحسين بن فارس : الإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث يقال : استجزته فأجازني إذا أسقاك ماء لماشيتك أو أرضك كذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيجيزه ، فعلى هذا يجوز أن تقول أجزت فلاناً مسموعاتي ، ومن جعل الإجازة إذناً وهو المعروف يقول : أجزت له رواية مسموعاتي ، ومتى قال : أجزت له مسموعاتي فعلى الحذف كما في نظائره ، قالوا: إنما تستحسن الإجازة إذا علم المجيز ما يجيز ، وكان المجاز من أهل العلم، واشترطه بعضهم وحكي عن مالك، وقال ابن عبد البر: الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة في مُعَيَّنٍ لا يشكل إسناده، وينبغي للمجيز كتابة أن يتلفظ بها فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صحت ، والله أعلم . - ١١٤ - القسم الرابع المناولة هي ضربان: مقرونة بالإجازة ، ومجردة، فالمقرونة أعلى أنواع الإجازة مطلقاً ، ومن صورها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو مقابلاً. ويقول : هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه أو أجزت لك روايته عني ، ثم يبقيه معه تمليكاً أو لينسخه أو نحوه، ومنها أن يدفع إليه الطالب سماعه فيتأمله وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول : هو حديثي أو روايتي فاروه عني أو أجزت لك روايته، وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضاً، وقد سبق أن القراءة عليه تسمى عرضاً فليسم هذا عرض المناولة وذاك عرض القراءة ، وهذه المناولة كالسماع في القوة عند (الزهري، وربيعة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ومجاهد ، والشعبي ، وعلقمة، وإبراهيم، وأبي العالية ، وأبي الزبير ، و أبي المتوكل ، ومالك ، وابن وهب ، وابن القاسم ، وجماعات آخرين) والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، والبويطي ، والمزني، وأحمد ، واسحاق، ويحيى بن يحيى . قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا وإليه نذهب، والله أعلم. ومن صورها أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه له ثم يمسكه - ١١٥ - الشیخ ، وهذا دون ما سبق ، ويجوز روايته إذا وجد الكتاب أو مقابلاً به موثوقاً بموافقته ما تناولته الإجازة كما يعتبر في الإجازة المجردة، ولا يظهر في هذه المناولة كبير مزية على الإجازة المجردة في مُعَيِّن ، وقال جماعة من أصحاب الفقه والأصول : لا فائدة فيها ، وشيوخ الحديث قديماً وحديثاً يرون لها مزية معتبرة ، ومنها أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول : هذا روايتك فناو لنيه وأجِزْلي روايته فيجيبه إليه من غير نظر فيه وتحقق لروايته فهذا باطل ، فإن وثق بخبر الطالب ومعرفته اعتمده وصحت الإجازة كما يعتمده في القراءة، ولو قال : حدث عني بما فيه إن كان حديثي مع براء تي من الغلط كان جائزاً حسناً ، والله أعلم . الضرب الثاني: المجردة بأن يناو له مقتصراً على: هذا سماعي ، فلا تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول ، وعابوا المحدثين المجوزين (١). (١) وحكى الخطيب عن طائفة من أهل العلم أنهم صححوها، وقد حكي بتصحيحها عن جماعة من الأصوليين منهم الرازي ، فـإن ناول الشيخ الطالب الكتاب ولم يقل له هذا سماعي ولا أجازه فقد أجمعوا على بطلانها وعدم صحة الرواية بها . - ١١٦ - فرع: جوز الزهري ، ومالك ، وغيرهما : إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة ، وهو مقتضى قول من جعلها سماعا ، وحكي عن أبي نعيم الأصبهاني وغيره جوازه في الإجازة المجردة والصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التحري المنع وتخصيصها بعبارة مشعرة بها : كحدثنا إجازة أو مناولة وإجازة أو إذناً أو في أذنه أو فيما أذن لي فيه أو فيما أطلق لي روايته أو أجازني أو لي أو ناولني أو شبه ذلك وعن الأوزاعي تخصيصها (١) بخبرنا والقراءة بأخبرنا، واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة ، واختاره صاحب كتاب الوجازة(٢) وكان البيهقي يقول أنبأني إجازة ، وقال الحاكم: الذي أختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فما عرض على المحدث فأجازه شفاها : أنباني ، وفیا کتب إليه کتب إلي ، وقال أبو جعفر بن حمدان : كل قول البخاري قال لي عرض ومناولة ، وعبر قوم عن الإجازة بأخبرنا فلان أن فلاناً حذَّثه أو أخبره ، واختاره الخطابي أو حكاه، وهو ضعيف، واستعمل المتأخرون (١) أي الإجازة . (٢) صاحب كتاب الوجازة هو الوليد بن بكر الغمري المالكي المتوفى سنة ( ٣٩٢) هـ . - ١١٧ - في الإجازة الواقعة في رواية من فوق الشيخ حرف عن فيقول من سمع شيخاً بإجازته عن شيخ : قرأت على فلان عن فلان ، ثم إن المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا لا يزول بإباحة المجيز ذلك ، والله أَعلم القسم الخامس المكاتبة (١) : هي أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره، وهي ضربان : مجردة عن الإجازة، ومقرونة بأجزتك ما كتبت لك أو إليك ونحوه من عبارة الإجازة ، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة ، وأما المجردة فمنع الرواية بها قوم ، منهم القاضي الماوردي الشافعي ، وأجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين ، منهم أيوب السختياني ، ومنصور ، والليث ، وغير واحد من الشافعيين ، وأصحاب الأصول ، وهو الصحيح المشهور بین أهل الحديث ، وپو جد في مصنفاتهم : کتب إلي فلان قال حدثنا فلان ، والمراد به هذا ، وهو معمول به عندهم معدود في الموصول لاشعاره بمعنى الإجازة ، وزاد السمعاني فقال : هي أقوى من (١) في التدريب الكتابة بدل المكاتبة . - ١١٨ - الإجازة (١)، ثم يكفي معرفته خط الكاتب، ومنهم من شرط البينة وهو ضعيف، ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بها: كتب إليَّ فلان قال حدثنا فلان أو أخبرني فلان مكاتبة أو كتابة ونحوه ، ولا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا ، وجوزه الليث ، ومنصور ، وغير واحد من علماء المحدثين وكبارهم . القسم السادس إعلام الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه مقتصراً عليه ، فجوز الرواية به كثير من أصحاب الحديث ، والفقه ، والأصول ، والظاهر ، منهم ابن جريج ، وابن الصباغ الشافعي ، وأبو العباس الغمري، بالمعجمة ، المالكي . قال بعض الظاهرية : لو قال هذه روایتی لا تروها كان له روايتها عنه ، والصحيح ما قاله غير واحد من المحدثين وغيرهم (٢): أنه لا يجوز الرواية به لكن يجب العمل به أن صح سنده . (١) استدل القائلون بصحتها بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب إلى عماله بالأحكام . وفي البخاري حديث واحد رواه بالمكاتبة عن شيخه محمد بن بشار في باب الأيمان والنذور ، وفي مسلم أحاديث كثيرة . (٢) من ذهب إلى عدم الجواز الغزالي، قال في المستصفى: أما إذا اقتصر على قوله : هذا مسموعي من فلان فلا تجوز الرواية عنه لأنه لم يأذن في الرواية فلعله لا يجوز الرواية لخلل يعرفه فيه وإن سمعه . - ١١٩ - القسم السابع الوصية: هي أن يوصي عند موته أو سفره بكتاب يرويه فجوز بعض السلف للموصى له روايته عنه (١)، وهو غلط ، والصواب أنه لا يجوز . القسم الثامن الوجادة: وهي مصدر لوجد مُوَلَّدٌ غير مسموع من العرب، وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها لا يرويها الواجد فله أن يقول : وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخطه حدثنا فلان ويسوق الإسناد والمتن ، أو قرأت بخط فلان عن فلان ، هذا الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً ، وهو من باب المنقطع ، وفيه شوب اتصال ، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدثنا وأخبرنا ، وأنكر عليه، وإذا وجد حديثاً في تأليف شخص ، قال ذكر فلان أو قال أخبر نا فلان وهذا منقطع لا شوب فيه ، وهذا كله إذا و ٹق بأنه خطه أو كتابه ، وإلا فليقل : بلغني عن فلان ، أو وجدت عنه ونحوه ، أو قرأت في كتاب: أخبرني فلان أنه بخط فلان ، أو ظننت أنه خط (١) ذهب إلى هذا محمد بن سيرين، وعلله القاضي عياض بأنه في دفعه له نوعاً من الإذن ، وشبهاً من العرض والمناولة وهو قريب من الإعلام. - ١٢٠ -