Indexed OCR Text

Pages 1-20

المنتخِرَبُمْ:
العَلِ القَلَاء
لِلإِمَامُ الَعَلّمَةُ مُوَقَّقَ الِّيْن عَبْد اللَّه بْ أَحَدَبن محمّد
الشهيرب:
ابْنَ قْدَامَّة المقدّيّ
٥٤١ - ٦٢٠هـ
تحقيق وتعليق
أي مُعَاذ طارق بن عوضاشبن محمّد
دَارُ الآية
للنَشر والتَّوزيْع

حقوق الطباعة والنشر محفوظة كافة.
الطبعة الأولى للكتاب بدارنا .
١٤١٩ هـ - ١٩٩٨م
دَارُ الآيَة
للنَشر والتَوزيع
الرياض: الربوة - طريق عمر بن عبدالعزيز - ٤٩١١٩٨٥/٢ - ٤٩٢١٣٩٣
فاكس ٤٩٣١٨٦٩ ص.ب. (٤٠١٢٤) الرياض (١١٤٩٩)
٢ ٦٨٨٥٧٤٩
جدة: حي الجامعة - جنوب شارع باخشب

◌َسْتِ لهِالَّمِ الرَّحِيمِ
إِنَّ الحمدَ لله تَعَالَى نَحْمَدُهُ، ونَسْتَعينُهُ وَنَسْتَغَفْرُهُ، ونَعُوذُ بالله
تَعَالى من شُرورِ أَنْفُسنا، وسَيِّئَاتِ أَعْمَالنا، مَنْ يَهْدِه الله فَلا مُضلَّ لَهُ
وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِله إِلا الله وَحْدَه لاشريكَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمِدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَبَعْدُ .
فإِن علمَ الحديثِ رفيعُ القَدْر، عظيم الفَخْرِ، شريفُ الذِّكْرِ،
لا يَعْتني به إلا كل حَبْر، ولا يُحْرَمِهِ إِلا كل غَمْر ولا تَفْنى محاسنُه علي
مَمَرِّ الدَّهْر.
وهو علمٌ أصلٌ، له علي غيرِهِ من العُلوم فضلٌ، فهو كالمُقْلَة
للعينِ، والقلبِ للجسدِ، إِذا صَلح صَلح الجسدُ كلُّه ، وإِذا فَسد فَسد
الجسدُ كلُّه.
وقد اختارَ الله عز وجل له أئمةٌ صادقين ، بالحقِّ عاملين ، وإِليه
داعين وللباطل مجتنبين، وعنه محذرين ، فجعلهم حراساً للدين،
ينفون عنه تحريفَ الجاهلين، وانتحالَ المبطلين ، وتأويلَ الغالين.
فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي ◌َّه وأُمَّته،
والمجتهدون في حفظ ملَّته ، أنوارهم زاهرةٌ ، وفضائلهم سائرةٌ، وآياتهم
باهرةٌ ، ومذاهبهم ظاهرةٌ وحججهم قاهرةٌ.
فوضعوا لمن بعدهم أصولاً قويمة ، وميزوا بين الأحاديث الصحيحة
-٣-

والسقيمة ، وأظهروا في رواتها كل شريفة وذميمة ، تديناً وتقرباً إِلى
الله عز وجل ، ونفياً للكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
تسليماً.
وإِن من أشرف علوم الحديث علماً، ومن أغمضها فهماً ، وأخفاها
نظماً، وأرفعها مكانة، وأبعدها منزلة، ذلك هو علم علل الحديث ،
الذي سما أهله ، وارتفع سهله ، ولله الأمر كله ، يرفع من يشاء ،
ويضع من يشاء .
١٠ / وحسبُك بأن تعلمَ، بأنَّ علمَ الجرح والتعديل ، وهو من أهمٌّ عُلوم
الحديث ، إنما يقومُ على هذا العلمِ الشريفِ علمٍ عللِ الحديثِ ، فهو
مفتقرٌ إِليه، متوقفٌ عليه.
فإِن ثمرةَ علمٍ الجرح والتعديل هي معرفةُ الثقاتِ من الضعفاءِ من
رواةٍ الحديث ، وهذه الثمرةُ إنما يقفُ عليها المحدثون من خلالِ النظرِ في
روايات الرَّوي وعرضها على روايات غيره، ليتبيَّن ما أصاب فيه الراوي
وما أخطأ وبقدر ما يُعرف من إصابته وخطئه بقدر ما تعرف منزلتُه من
الثقة أو الضعف.
وعرضُ روايات الراوي على ما رواه غيره ، هو ما يسمّى عند أئمةٍ
الحديث بالاعتبارِ والتتبع ، وهو من علم العلل ، بل من صميم علم
العلل ، وبهذا يُعلم كم يفتقر علم الجرح والتعديل إِلى علم عللٍ
الحديث .
-٤ -

وكلما كان المتكلمُ في الرجال بالجرح والتعديل عالماً بعلل
الحديث، كلما كانت أقواله في الرجال أقرب إلى الصوابِ والتحقِيقِ ،
لأنَّه إِنِما يَبْني أحكامه في الرواة على الواقع الملموسِ من رواياتهم ،
وكلما كان أبعدَ عن علم علل الحديث ، كلما كانت أقوالُه في الرجالِ
بعيدةً عن الصواب ، يَشُوبها عدم التخرير والتحقيق ؛ لأنَّه في الغالب
إنما يَبْني أحكامه في الرواة على النظرةِ السَّطحية من أحوالهم ، من غير
خبرةٍ كاملة بمروياتهم ، وقد يكون الرجلُ صالحاً عابداً ، ولكنه ليس
مَّن يحفظ الحديث على وجهه ، فمن نَظَر إِلى ظاهرِه ، ولم يكن عالماً
بمروياته اغتَّر بظاهره ، ووثّقه عن غير خبرةٍ وعلمٍ كاملٍ بحفظه
وضبطه، بينما أئمة العلل فعندهم الخبرةُ الكاملةُ بحال مروياته ؛ ولذا
تكون أحكامهم على الرواة غالباً موافقةً للصواب.
ولذا نجد أئمة العلل كثيراً ، إِذا ما تكلموا في الرواة بالجرح
والتعديل يعتمدون في أحكامهم على الرواة على ما مخضته لهم
بحوثهم العِلَليَّة ، فتكون أحكامهم على روايات الراوي دليلاً لهم على
حال ذلك الراوي من الجرح والتعديل.
فنجدهم كثيراً ما يقولون في الحكم على الرواة: ((فلان منكر
الحديث)) أو ((أحاديثه مناكيرُ)) أو ((صاحبُ مناكير)) أو ((يخالفُ
الثقات)) أو ((يخطئ كثيراً))، أو نحو هذه العبارات التي لا يستطيع أن
يطلقها إِلا عالمٌ خبيرٌ بعلل الأحاديث وأحوال الروايات.
-٥-

ونجدهم أيضاً كثيراً ما يقولون: «فلان لا يصحُّ له سماعٌ من فلان»،
أو (لم يسمع من فلان إِلا حدیث كذا وكذا)» أو « لم يسمع من فلان
لحديث كذا)) ، أو نحو هذه العبارات ، وهي أيضاً لا يطلقها إِلا من
كان من أهل الخبرة الكاملة بعللِ الأحاديث.
ومن هنا، تكمنُ ضرورةُ معرفة أقوال أئمة الحديث في الحكم علي
الأحاديث تصحيحاً وتعليلاً، والحكم علي الرواة تجريحاً وتعديلاً ،
فهم مصابيح الدجى ، وأعلام الهدى.
وأقوالُهم ؛ كثيرٌ منها مجموعٌ في مظانِّه ، فقد صنَّفوا في كلِّ عِلمٍ
تصانيفَ جمعوا فيها الأحكامَ المتعلقةَ بهذا العلمِ ، فعلمُ العللِ أَلَّفوا
فيه كتبَ علل الحديثِ ، وعلمُ الجرح والتعديلِ ألفوا فيه كتب الرجال،
والتواريخ ، وهذه بحمد الله تعالى متوفرةٌ ميسورةٌ .
إِلا أن كثيراً من أقوال المحدثين قد ذكروها في غير مظانِّها ،
وأدخلوها فى غير مواضعها الخاصة بها ، فكان على من بَعْدهم ممن
سَار على نهجهم وضَرب على مِنْوالهم جمع أقوالهم تلك المتناثرة ،
ونظمها على مثل طريقتهم ، فتجمع أقوالهم في علل الأحاديث
والجرح والتعديل على مثل طرائق المحدثين في جمع كلُّ.
ولقد اعتنى كثيرٌ من أهل العلم - ممن اعتنى بجمع أقوال أئمة
الحديث - بجمع أقوال المحدثين في الرواة بالجرح والتعديل في دواوين
جامعة، كمثل ((تهذيب الكمال)) وفروعه ، فصار الآن من اليسير
-٦-
=

جداً على الباحث أن يقفَ على أقوال أئمة الحديث في الرواةِ .
ولكنَّ ذلك التيسيرَ يفتقده الباحثُ عن أقوالِ أئمةِ الحديثِ
المتعلقة بالحكم على الرواياتِ بالتصحيح والتعليل، ذلك أن أقوال أئمة
الحديث في باب العلة ، لمَ تَنَلْ حظّها من الجمع والترتيب كمثل ما
نالت أقوالهم في الرجال بالتجريح والتعديل على الرغم من أن كلامهم
في علل الحديث أدق وأغمض من كلامهم في الرجال.
وعلى الرغم من كثرة الفهارس التي وضعت لأطراف الأحاديث
وتنوعها ، إلا أنها ما زالت عاجزَةً عن تيسير الوقوف على أقوال أئمة
الحديث في باب العلّة ؛ ذلك لأن أحكامَ أئمة الحديث كثيراً ما تجيء
بعبارات مجملة أو مبهمة، فكثيراً ما يقولون - مثلا: ((فلان روى
حديثاً منكراً)) ولا يسمون ذلك الحديث، أو ((روى عن فلان حديثاً
منكراً)) أو ((حديث فلان في باب كذا خطأ)) أو ((لا يصحُّ في باب كذا
حديث))، ونحو هذه العبارات المجملة ، وهي من الأهمية بمكان ،
ولا يمكن لأي مُفَهْرِسٍ على أطراف الأحاديث أن يستخرجها ، وإِنما
يمكن ذلك لمن له اعتناءٌ بهذا الباب ، وشدةُ تفتيشٍ وتنقيبٍ عن هذه
الأحاديث ؛ ليتمَّ بعد ذلك تنزيل هذه الأحكام عليها.
ومن هنا ندرك أهمية الوقوف على كلمةٍ أو حرفٍ يُنْسب إِلى إِمامٍ
من أئمةِ علل الحديث ؛ فإِن به تُحَلِّ مسائل معلّقة ، وتفتحُ أبواب
مغلَّقة.
-٧-

وهذه الورقات التي بین یدیك، قد حوت من کلام الإِمام أحمد بن
حنبل - عليه رحمة الله تعالى - في علل الأحاديث ، ما تفتقده فى
غيرها من الكتب الموسَّعة ، وكان هذا من أقوى الدوافع لي على
تحقيقها وإخراجها ، سائلاً الله عز وجل أن يجعل ذلك ذُخْراً لي يوم
لقائه .
" وقد كنتُ - ومازلتُ بحمد الله تعالى - شديدَ الاحتفاءِ بجمعِ
أقوال أئمة الحديث ونقَّاده على الأحاديث ، ومحاولة حصرها ؛ حتى
يتسنَّى للباحثين معرفة أقوال أهل الاختصاص على كل حديث، فلا
يُخَالَفُون فيما اتفقوا عليه ، ولا يُخْرَج عن أقوالهم فيما اختلفوا فيه ،
وأعلمُ الناسِ أعلمهم باختلاف الناسٍ ..
وكنت منذ عدة سنوات قد ابتدأت مشروعاً ، أعدَّه مشروعَ
عمري، يتلخَّص في محاولةِ جمع أقوال أئمة الحديث على الأحاديث ،
غير مكتفٍ بما أودعوه في كتبهم المتخصصة في العلل ، بل توسّعت ،
فجمعتُ أقوالهم المتناثرةَ في كتبهم المختلفةِ ، ككتب التواريخ ،
والمسائلِ ، والسؤالات ، وعلوم الحديث ، وشروح السَّنة ، والزهد
والرقاق ، والفقه والأحكام ، والتفسير ، والغريب ، وغير ذلك.
فإِذا بي وقد بلغت في الجمع مرحلة لا بأس بها، قد وقفتُ على
كثيرٍ من أقوال أهل العلم في علل الأحاديث ، مما يزيد على ما هو
مذكور في كتب التخاريج أَضْعافاً مُضَاعفةً ، ومن هنا ازداد إيماني
-٨-

بأهمية هذا المشروع ، وقوى عزمي على إنجازه وإتمامه ، فأسأل الله
عز وجل أن يعينني على ذلك ، وأن يتقبله مني بفضله ورحمته.
وإِذا كان علمُ علل الحديثِ في حاجةٍ إِلى جمعِ أقوال أئمة العلل
على نحوٍ ما ذكرتُ ، فإِنَّه أيضاً في حاجة ماسَّةٍ إِلى تحرير أصوله
وقواعده على وفق مناهج المحدثين أهل الاختصاص ، لا على وفق مناهج
أجنبية عنه وعن أهله.
وعلى الرغم من كثرة الكتب التي أُلْفِّت في علوم الحديث ، إِلا أن
علمَ علل الحديث على دقَّته وغموضه لم يَنَلْ حظّه، فضلاً عن حقِّه
من تحرير أصوله وقواعده ، في أكثر هذه الكتب ، فأكثر الذين كتبوا
في علوم الحديث إِنما يَحُومون حولَه ، ولا يغوصُون فيه ، لاستخراج
جواهره الْمَدْفونة، ودُرَره المكْنونة.
أَنَا البَحْرُ في أَحْشَائِهِ الدُّرُّكَامِنٌ
فَهَلْ سَأَلُوا الغَوََّصَ عَنْ صَدِفَاتي؟!
فهي عباراتٌ تُردَّدُ وتعاريفُ تحفظُ، وأمثلةٌ تُكَرَّرُ، وقواعد في
معزلٍ عن الفقهِ والفهمِ تُطَبَّقُ.
هذا، فضلاً عن تلك القواعد التي أُودعتْ كتبَ علومِ الحديثِ -
وبخاصَّةٍ بابَ العلة ، وما جرى مجراهُ - وهي لم تُؤخذ عن المحدثين ،
ولا تُعرف عنهم ، ولا تَسْتقيم على مناهجهم ، وإنما هي قواعدُ غیرِ
المحدثين من الأصوليين والمتكلمين ، نُسبت إِلى المحدثين ، وأُدخلت في
-١٩

كتبهم ، أو نُسبت إِلى علمهم ظلماً وعدواناً ، والمحدثون برآء منها
براءة الذئب من دمٍ يوسفَ عليه السلام.
غيرَ أن هذه القواعد قد قال بها ، أو بمقتضاها بعض المتأخرين ممن
تأثروا بغير المحدثين في علوم الحديث ، فَصَارتْ هذه القواعدُ منسوبةٌ
للمحدثين ، لاتكادُ تُنْسب لغيرهم.
وحسبك أن تعلم، بأن قاعدة زيادات الثقات ، وهي بمثابة العمود
الفقري لعلم الحديث بقسميه : علم العلل، وعلم الجرح والتعديل ،
حسبك أن تعلم أنَّ هذه القاعدة قد اختلف الناسُ فيها اختلافاً كثيراً،
فكثرتْ فيها أقوالُهم ، وتعددتْ فيها آراؤهُم.
ولو أن هذه الأقوال وتلكَ الآراءَ من أقوال وآراء المحدثين ، إِذن لهان
الخطب ، ولوسعنا ما وسعهم ، ولكن يزدادُ عجب المرء عندما يعلم أن
هذه الأقوال ليس من بينها قول واحد يعرف عن المحدثين أو بعضهم ،
ولا أنَّهم طرف في ذلك الخلاف ، وإنما هي أقوال وآراء غير المحدثين من
الأصوليين والمتكلمين أُقحمت في هذا المبحث الحديثي الصرف في
کتب علوم الحديث.
وقد ذكر هذه الأقوالَ الخطيبُ البغداديُّ في كتابه (( الكفاية)) وتبعه
على ذكرها من جاء بعده ممن كتبوا في علوم الحديث ، على الرغم من
أن الخطيب نفسه قد خالف هذه الأقوال في کتبه الأخرى ، وسار فيها
على نَهْج المحدثين وأصولهم ، الذين يقبلون الزيادة أحياناً ، ويردونها
-١٠-
۔

أحياناً ، بحسب القرائنِ المحتفَّةِ بالرواية .
ومن أبرز كتب الخطيب التي سار فيها على وفق منهج المحدثين
كتابُ ((تمييز المزيد في متصل الأسانيد)»، فإِنَّه لم يلتزم فيه قبولَ الزيادة
من الثقة مطلقاً ، كما يفعل غير المحدثين بل قبلها أحياناً ، وردّها
أحياناً أخرى ، بحسب القرائن المحتفَّةِ.
يقول الإِمام ابن رجب الحنبلي في كتابه (( شرح علل الترمذي))
(ص٢٤٣ - ٢٤٤) في معرض حديثه عن مسألة زيادات الثقات:
((وقد صنف في ذلك الحافظُ أبوبكر الخطيبُ مصنفاً حسناً ،
سماه: ((تمييز المزيد في متصل الأسانيد))، وقسّمه قسمين : أحدهما:
ما حُكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإِسناد ، وتركها. الثاني: ما حُكم
فيه بردِّ الزيادة ، وعدم قبولها.
ثم إِن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب (( الكفاية)) للناس مذاهب
في اختلاف الرواة في إِرسال الحديث ووصله، وكلُّها لاتُعرفُ عن أحد
من مُتَقدِّمي الحفّاظ، إِنَّما هي مأخوذة من كُتُبِ المُتَكلمين، ثم إِنه
اختار (١) أن الزيادة من الثقة تقبلُ مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثيرٌ
من الفقهاء ، وهذا يخالفُ تصرُّفَه في كتاب ((تمييز المزيد)) وقد عاب
تصرُّفَه في كتاب ((تمييز المزيد)) بعضُ محدِّثي الفقهاء، وطَمِع فيه؛
٤٠
(١) يعني: في ((الكفاية))
- ١١-

لموافقته لهم في كتاب الكفاية)) أ. هـ (١)
فأسأل الله عز وجل أن يسخَّر لهذا العلم الشريف من يقوم على
تحرير أصوله وقواعده ويقدمها للباحثين غَضَّةٌ طريَّةً خاليةً من كل
شائبةٍ تَشُوبها .
ومن فضل الله تعالى عليَّ أن أعانني على الإسهام في ذلك بسهم،
فقد كتبتُ في أصول الحديث والعلل بحوثاً ، أرجو أن تكون محلًّ
قبولِ أهلِ العلمِ وخاصَّتِه ، منها ما هو مطبوع، مثل ((لغة المحدث))
و((حسم النزاع)) وكذا ما أودعته كتابي ((ردع الجاني)) من البحوث
الحديثية ، ومنها ما لم يطبع بعد ، مثل ((تقريب علم علل الحديث))
وهو قيدُ الطبع ، وغير ذلك من البحوث الحديثية المتنوعة ، أسأل الله
تعالي أن يعينني على إنجازها ، وأن يبارك لي فيها.
وهذه القطعةُ التي بين يَدَيْك، هي من كتابٍ («المنتخب من العلل
للخلال)) للإِمام الشيخ القدوة مُوَفِّق الدين أبي محمد عبدالله بن
أحمد بن محمد بن قدامة المقدسيِّ الحنبلي - رحمة الله عليه - وهي
تشتمل على الجزءينُ: العاشر، والحادي عشر منه، أزُقُّهَا إِلى الباحثين
في هذا العلم الشريف ، كوثيقةٍ علميةٍ هامةٍ ، لما اشتملت عليه من
نقولٍ كثيرةٍ عن الإِمام أحمد بن حنبلٍ - رحمه الله تعالى - في نقد
الرواة والروايات ، فَلَّمَا تُوجد فيما طبع من كتب عللِ الحديثِ .
(١) وانظر أيضا ((النكت علي ابن الصلاح)) لابن حجر (٦٩٥/٢).
١ -١٢-

وقد بذلتُ ما استطعتُ من جهدٍ في تحقيقها وتصحيحها
وضبطها، معتمداً على مخطوطته الوحيدة ، مستعيناً بالرجوع إِلى
المصادر التي ينقلُ عنها الخلالُ ، أو التي تنقلُ عنه ، في ضبط بعض ما
أُشْكلٍ من مواضع الكتاب.
وقد علّقتُ - أيضاً- عليه بما أراهُ مفيداً للقارئ والباحث من شرح
اصطلاحٍ أو توضيح ما أُغْلق من كلام الإمام أحمد ، أو تفصيل لما
أجملَه من عللِ بعضِ الأحاديث.
وهي تعليقاتٌ، حرصتُ ألا تطول ، إلا أنها طالتْ في بعض
المواطن ، فصارتْ كالشرحِ، فأرجو من الله عز وجل أن يغفر لي زلّتي
وخطئي ، وأن يتقبلَ منَّي صالحَ عملي ، إِنَّه نعم المولى ونعم النصير.
وقد رأيت أن أقدم بين يدي الكتاب بمقدمة حول الحديث المنكر،
ومعناه عند الإِمام أحمد ، وغيره من الأئمة ، نظرًا لإكثار الإِمام أحمد
من استعماله وإِطلاقه على الأحاديث من هذه القطعة، ولماً شاب
هذا المصطلح من لبس لدى بعض أهل العلم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
و کتب
أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد .
غفر الله له برحمته.
-١٣-

الحديث المنكر
أكثر الإِمام أحمد بن حنبلٍ عليه رحمة الله تعالى من استعمال
مصطلح ((المنكرِ)) في الحكم على الأحاديث بالخطإٍ، سواءٌ أكان الخطأ
في الإِسنادِ ، أو في المتنِ ، وسواءٌ أكان راويه الذي أخطأ فيه ثقةً أم غير
ثقةٍ ، وسواءٌ أخالف غيره أم تفرد فقط ، ولم يخالف.
فمن أمثلة ذلك :
قال أبو طالب (١): سألت أحمد بن حنبل عن عبدالرحمن بن أبي
المَوَال ، فقال: عبدالرحمن لابأس به .. ، يروي حديثاً لابن المنكدر،
عن جابر ، عن النبي ◌َّه في الاستخارة ، ليس يرويه أحد غيره ، هو
منكرٌ . قلت : هو منكرٌ ؟ قال: نعم؛ لیس یرویه غيره ، لابأس به ،
وأهلُ المدينة إِذا كان حديث غلطٌ يقولون: (ابن المنكدر ، عن جابر))،
وأهل البصرة يقولون: ((ثابت، عن أنس))؛ يُحيلون عليهما.
فقد صرَّح الإِمام أحمد عليه رحمة الله بأن هذا الحديث ((منكرٌ))
وأنه يقصد من قوله ((منكر)) أنه خطأ، وذلك في قوله: ((إِذا كان
حديث غلطٌ ... )) مع أنه وثَّق راويه المتفرد به ، ولم يضعُّفه ، ثم إِنه لم
يخالفه أحدٌ ، بل هو تَفردٌ محضٌ .
(١) ((الكامل» (٤ /١٦١٦) .
-١٤-

فنأخذ من ذلك: أن ((المنكر)) عند الإِمام أحمد اسمٌ يطلق على
الحديث الخطإٍ في نقده ، مهما كان المخطئ ثقةً ، ومهما سلم من
المخالفة ، إِذا ترجح لدى الإِمام أحمد أنه أخطأ في هذا الذي تفرد به.
وقال المروذي(١): قلت لأحمد: تعرف عن الوليد ، عن الأوزاعي ،
عن يحيى ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّه: متى
كُتْبْتَ نبيّاً؟ قال: هذا منكرٌ ؛ هذا من خطإٍ الأوزاعي ، هو كثيراً ما
يخطئ عن يحيى بن أبي كثير.
والأوزاعي ، من الأئمة الثقات ، لا يشكُّ أحدٌ في ذلك ، ومع ذلك
فقد وصف الإِمام أحمد ذلك الحديث الذي خطَّأه فيه بأنه حديث
منكر ، وهو إِنما تفرد به ، لم يخالفه فيه أحد .
وقال المرُّوذىُّ أيضاً (٢): وذكر - يعني: أحمد - لُوَيناً فقال:
حدَّث حديثاً منكراً ، عن ابن عيينة ، ما له أصل - فذكره ، ثم قال
المروذيُّ : فأنكره إِنكاراً شديداً وقال : ما له أصلٌ.
ولُوَين ، هو محمد بن سليمان المصيصي ، ثقة.
وقال عبدالله بن أحمد في «العلل)) (٢): حدثني أبي، قال: حدثنا
يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، قال : كان
(١) ((العلل ومعرفة الرجال)) (٢٦٨)، وسيأتي في هذا ((المنتخب)) برقم (٩٣)
(٢) ((العلل، (٢٨٠) وسيأتي أيضاً برقم (٢١٠)
(٣) (٢٣٧٦) .
-١٥-

:
رسول الله # يخرج يوم الفطر - الحديث . قال أبي : هذا حديث
منكرٌ ، دخلَ شعبةُ على ابن أبي ذئبٍ ، فنهاه أن يحدث به ، وقال:
لاتحدَّث بهذا ، وأنكره شعبة.
وابن أبي ذئبٍ من الثقات ؛ ولا یقال: إِنهما استنکراهُ لأنه مرسلٌ ،
والمرسلُ ضعيفٌ ، لايقال ذلك ؛ لأنَّه لو كان هذا مرادَهُما من إِنكاره
لكانَ كلٌّ مرسلٍ منكراً ، ولا قائلَ بذلك ، وإنما هما يريان أن ابن أبي
ذئبٍ أخطأ في هذا على الزهري ، وأن هذا الحديث ليس من
حديثه(١)
وذكر أبوبكر الأثرم (٢) أنه سأل أحمد بن حنبل عن الفضل بن
دَلْهم ، فقال: ليس به بأسٌّ ، إِلا أنَّ له أحاديث (٢) .
ثم ذكر الأثرم أنه سأله عن حدیث من أحاديثه ، فقال أحمد: هذا
حديثٌ منكرٌ. قال الأثرم: يعني خطأ.
ثم بين الأثرم وجه الخطأ ، وأنه خطأ إِسنادي لا متني.
فقد فهم الأثرم من قول أحمد ((هذا حديث منكرٌ)) أنه يعني أنه
حدیث خطأ، رغم أن أحمد وثّق راویه المتفرد به، فیما حكاه عنه
الأثرم أيضاً ، وهذا مما يدل على أن لفظ المنكر عند أحمد كان معروفَ
المعنى عند أصحابه ، وأنه يريد به الخطأ في الرواية ، ثقةً كان راويها
أم غير ثقةٍ .
(١) وانظر: ((المراسيل)) لأبي داود (٦٧).
(٢) ((تهذيب الكمال)) (٢٢١/٢٣) .
(٣) يعنى: أخطاء .
-١٦-

والأمثلة على ذلك في كلام الإمام أحمد كثيرة، لا يمكن حصرها.
وبهذا يمكن لنا أن نستخلص أن الحديث المنكر عند الإمام أحمد
- عليه رحمة الله تعالى -: هو الحديث الخطأ الذي ترجَّح عنده أن
راويه المتفرد به أخطأ فيه ، سواءٌ أكان خطؤه في الإِسناد فقط ، أو في
المتن فقط ، أو فيهما معاً، وسواءٌ أكان راويه الذي أخطأ فيه ثقةً أم غير
ثقة ، وسواءٌ خالف غيره أم تفرد به فقط ولم يخالف.
وصنيع أحمد هذا مطابق تماماً لصنيع غيره من أئمة الحديث ممن
كان قَبْلَه، وممن جاء بَعْدَه، وقد ذكرت كثيراً من أقوالهم الدَّالة على
ذلك في رسالة مفردة حول هذه المسألة ، أسميتها: ((الإِشارة لمعنى
الشذوذ والنكارة)) يسر الله إنجازها.
وقد أشرت إِلى بعضها في كتابي: ((لغة المحدث)) (ص١١٧ -
١٢١) ، وهو مطبوع متداول.
وهذا الذي عُرف عن الأئمة المتقدمين ، قد نصَّ عليه غير واحدٍ من
المتأخرين:
قال ابن رجب الحنبلي في ((شرح البخاري)) (١) له، بعد أن ساق من
((مسائل الإمام أحمد)) لابنه عبدالله (٢)، أنه سأله عن حديث الحسين
ابن علي في المواقيت: ما ترى فيه ، وكيف حالُ الحسين؟ فقال أحمد :
(١) تحت شرح أول حديث في ((كتاب المواقيت))
(٢) (ص٥١)
-١٧-

أما الحسین فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روی في
المواقيت ليس بالمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.
قال الإِمام ابن رجب معلقاً:
((وإنما قال الإِمام أحمد: ((ليس بالمنكر ؛ لأنه قد وافقه على بعضه
غيره))؛ لأن قاعدته ؛ أن ما انفرد به ثقة ، فإِنه يتوقف فيه حتى يتابع
عليه ، فإِن توبع عليه زالت نكارته ، خصوصاً إِن كان الثقة ليس
بمشتهرٍ في الحفظ والإتقان ، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني
وغيرهما)).
وقال في ((شرح العلل)) (١):
((وأما أكثر الحفاظ المتقدمين ، فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد
به واحدُ - وإِن لم يرو الثقاتُ خلافَه- ((إِنه لايتابع عليه))، ويجعلون
ذلك علَّةً فيه ، اللهم إلا أن يكون ممّن كثر حفظه ، واشتهرت عدالته
وحديثه ، كالزهري ونحوه ، وربَّما يستنكرون بعض تفردات الثقات
الكبارِ أيضاً ، ولهم في كلِّ حديث نقدٌ خاصًّ ، وليس عندهم لذلك
ضابطٌ يضبطُه)).
وقال الذهبي في ((الموقظة)) (٢):
(١) (٥٨٢/٢)
(٢) (ص ٧٧ - ٧٨)
-١٨-

(«وقد يُسمِّي جماعةٌ من الحفّظ الحديثَ الذي ينفردُ به مثلُ هشيمٍ
وحفص بن غياثٍ، منكراً .
فإن كان المنفردُ من طبقة مشيخة الأئمة أطلقوا النكارة على ما
انفرد به ، مثل عثمان ابن أبي شيبة وأبي سلمة التبوذكيّ وقالوا: هذا
منکرٌ )).
وها هو الإِمام ابن الصَّلاحِ ، لما تَعرَّضَ لمبحثِ الحديثِ المنكرِ في
مقدمته المعروفة ، قسمه إلى قسمين:
القسم الأول : هو المنفردُ المخالفُ لما رواه الثقات ومثّل له بحديث
أخطأ فيه مالك بن أنس في إِسناده، دون متنه.
والقسم الثاني: هو الفردُ الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما
يحتمل معه تفرده.
ومثّل له بحديث تفرد به أبو زكير يحيى بن محمد بن قيس ،
وقال: (( تفرد به أبو زكير ، وهو شيخ صالح ، أخرج عنه مسلم في
کتابه ، غير أنه لم يبلغ مبلغً من یحتمل تفرده)).
وسار على هذا كل من جاء بعد ابن الصلاح ممن اختصر كتابه أو
شرحه، أو علَّق عليه ، كالعراقي والنووي وابن كثير، وغيرهم.
-١٩-

حتى جاء الحافظ ابن حجر العسقلاني - عليه رحمة الله تعالى -
فقيد ((المنكر)) بقيدين:
الأول : أن يكون راويه ضعيفاً، ليس ثقةً أو صدوقاً.
الثاني : أن يروي ذلك الضعيف ما يخالفه فيه ثقةٌ أو صدوقٌ ، أو أكثرُ.
ولسنا نوافق الحافظ ابن حجر - عليه رحمة الله تعالى - على
ما قيَّد به المنكر ، من اشتراط الضعف والمخالفة للثقات ، بل المنكر
- كما سبق - هو الخطأ ، بصرف النظر عن حال المخطئ ، وعن تفرده أو
مخالفته .
ومما يقررُ صنيعَ أهل العلم ، ويؤكّد أن المنكرعندهم هو الخطأ مهما
كان حال راويه المخطئ فيه : أنه ، وكما لا يخفى على فاهمٍ لهذا العلم ،
مطلعٍ على مسالكِ أهلهِ عالمٍ بطرائق الإعلالِ والكلامِ في الرواياتِ ، مما
لا يخفي على مثل هذا: أن أئمة الحديث - عليهم رحمة الله تعالى -
يسبق نَقْدُهُم للرواية سنداً ومتناً ، نَقْدَهم للرواة جرحًا وتعديلاً ، فهم
لكي يتحققوا من ثقةٍ الراوي أو ضعفه ، ينظرون في أحاديثه ورواياته،
فإِذا وجدوا أغلبها مستقيمةٌ موافقةً لما يرويه الثقاتُ الأثباتُ، استدلوا
بذلك على أنه ثقةٌ، وإِذا كان أغلبها مخالفاً لروايات الثقات الأثبات،
: أو ليس لها أصلٌ عندهم ، استدلوا بذلك على ضعفه وسوء حفظه.
يقول ابن محرز (٣٩/٢):
(( سمعت يحيى بن معين يقول: قال لي إسماعيل بن عُلَيَّة يوماً:
كيف حديثي ؟ قلت: أنت مستقيمُ الحديث ! فقال لي: وكيف
عرفتم ذاك ؟! قلت له : عَارضنا بها أحاديث الناس ، فرأيناها
- ٢٠ -
: