Indexed OCR Text

Pages 1681-1700

الحديث الرابع:
قال النسائي في (عشرة النساء) من (السنن الكبرى): ((أخبرنا
محمد بن المثنى: حدثنا خليل بن عمرو بن إبراهيم: حدثني أبي،
عن قتادة، عن الحسن، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال
رسول الله وَله: لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها))(١).
وأخرجه العقيلي في (الضعفاء) من طريق خليل بن عمر
به (٢)
ووقال عقبه: ((وقال سرار بن مجشر العنزي، عن سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، وسعيد، عن عبد الله بن
عمرو، عن النبي وَله نحوه))(٣).
قلت: فإسناده حسن إلى الحسن البصري، من رواية
خليل بن عمر، لمتابعة الرواية المعلقة التي ذكرها العقيلي لها.
والحديث معروف لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه، من غير
حديث الحسن عنه، على اختلاف في رفعه ووقفه(٤).
وهذا آخر أحاديث الحسن التي من شرط البحث، عن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وبقي للحسن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ما
يلي :
(١) عشرة النساء للنسائي (رقم ٢٥٠).
(٢) الضعفاء للعقيلي (٢٠/٢).
(٣) المصدر السابق، ووقع فيه تحريف، تصويبه من سلسلة الأحاديث
الصحيحة للألباني (رقم ٢٨٩).
(٤) انظر: عشرة النساء للنسائي (رقم ٢٤٩، ٢٥١)، وكشف الأستار (رقم
١٤٦٠)، والضعفاء للعقيلي (٢٠/٢)، ومستدرك الحاكم (١٩٠/٢)،
والسنن الكبرى للبيهقي (٢٩٤/٧)، وتاريخ بغداد للخطيب (٤٤٨/٩)،
والتمهيد لابن عبد البر (٣٢٧/٣ - ٣٢٨).
١٦٧٩

مصنف ابن أبي شيبة (رقم ٣٣٥٧٤).
تفسير الطبري (رقم ١٦٩٩٨).
مسند الحارث بن أبي أسامة، انظر بُغية الباحث للهيثمي
(رقم ٤٢٢، ٥٢٤، ٦١١)، وإتحاف الخيرة للبوصيري، بتحقيق
إبراهيم بن محمد عمير المدخلي (رقم ١٨١)، وبتحقيق
عبد الكريم إبراهيم (رقم ٥).
معجم الطبراني الأوسط (رقم ٢٦٤٨).
ومسند الشامیین للطبراني (رقم ٢٤٥٣ - ٢٤٥٤).
الكامل لابن عدي (١٤٣/٦).
جزء أبي طاهر الذهلي (رقم ٧٧، ٧٨).
ذكر أخبار أصبهان لأبي نعيم (٣٥٤/١).
والله أعلم.
١٦٨٠

عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي
لم يذكره المِزّي في شيوخ الحسن البصري، ولم أجد مَنْ
تكلّم عن سماع الحسن منه، نفيًا أو إثباتًا.
غير أن الحسن قد صرّح بالسماع منه، بالإسناد الصحيح إلى
الحسن. فسماع الحسن منه ثابت، وهذا هو الغرض الأوّل من
هذا البحث.
لكن للحديث الذي يرويه الحسن عن عبد الله بن قدامة عِلَلٌ
في إسناده ومتنه؛ وفي عبد الله بن قدامة بن صخر خلاف،
ويكتنف ترجمته بعض الغموض؛ وذلك كلّه يحتاج إلى تجلية.
ونبدأ بعلل الحديث الإسناديّة، فالمتنيّة، ثم نؤخّر الترجمة
لعبد الله بن قدامة، على خلاف ما عهدناه من سير بحثنا هذا،
حتى نستجلي الأمر، ونستوضح الطريق.
فالحديث يرويه ثلاثةٌ من تلامذة الحسن البصري، وهم:
المبارك بن فضالة، وعلي بن زيد بن جدعان، وأيوب بن أبي
تميمة السختياني. واختلفت الرواية عن كل واحدٍ من هؤلاء، في
الإسناد والمتن !!
أمّا حديث المبارك بن فضالة:
فقال البخاري في (التاريخ الكبير)، في ترجمة إبراهيم بن
قعیس: «حدثني عبدة، قال: حدثني عبد الصمد، قال: حدثنا
مبارك، قال: شهدتُ الحسن، وقال له إبراهيم بن إسماعيل
الكوفي ... ))(١) - الخبر.
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٣١٥/١).
١٦٨١

(ح) وقال البزار في (مسنده): ((حدثنا عبدة بن عبد الله
القسملي: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا
مبارك بن فضالة، قال: قام إسماعيل بن إبراهيم، أو إبراهيم بن
إسماعيل، إلى الحسن، فقال: يا أبا سعيد، إنّا نسمع منك
أحاديث تحدّث بها عن رسول الله وَلقر، فأسندها لنا؟ فقال: سَلْ
عَمّا بدا لك، قال: حديث النبي ◌َّر في قيام الساعة؟ فقال:
حدثني أنس بن مالك عن النبي ◌َّر، وحدثني جابر بن عبد الله
عن النبي ونَ﴾، وحدثني عبد الله بن قدامة [وعند البخاري زاد:
العنبري] - وكان امرأً صِدْقٍ - عن الأسود بن سريع عن النبي وَل جر.
[وعند البخاري: فما سألوه يومئذٍ عن شيءٍ إلا أسند]، فقاموا،
وقالوا: كِذْنا نُغْلَب على هذا الشيخ))(١).
وقد سبق أن ذكرنا هذا الإسناد بالتصحيح والتوثيق
لرجاله(٢).
وسبق أيضًا أن بيّنْتُ الحديثَ الذي سُئل عنه الحسنُ
هنا، وهو حديث (قيام الساعة) كما قال السائل، وذلك في مبحث
جابر بن عبد الله وأنس رضي الله عنهما (٣) - فإذا به حديث
النبي وَلهو أنه قال: ((تسألوني عن الساعة، وإنّما عِلمُها عند الله عز
وجل. فوالذي نفسي بيده، ما أعلم اليوم نَفْسًا منفوسةً يأتي عليها
مائة سنة)) (٤)
لكنّ هذا المتنَ طَرَفٌ من حديثٍ طويلٍ يرويه الأسود بن
سريع رضي الله عنه عن النبي وَل﴾. ويبدو أن المبارك بن فضالة
(١) مسند البزار - الأزهرية - (٦٦/ب، ٧٢/ب)، وكشف الأستار (رقم
١٨٦).
(٢) انظر ما تقدّم (٣٣٥ - ٣٦٦).
(٣) انظر ما تقدّم (٧٤٠ - ٧٤٥، ٩٠٥).
(٤) انظر الموطن السابق.
١٦٨٢

فَصَلَهُ وقَسَمَهُ، فكان يروي طرفه الأول وحده، وطرفه الأخير
وحده أيضًا.
وطرفه الأخير هو حديث (قيام الساعة) المشار إليه آنفًا .
وأمّا طرف المتن الأول:
فأخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في (مسنده)، قال: ((حدثنا
عفّان: حدثنا مبارك، عن الحسن سمعه يقول: حدثني عبد الله بن
قدامة، عن السعدي (وكان السعدي امرأ صِدْقٍ): أن النبي ◌َّ أتى
على وادي ثمود، فقال لأصحابه: اخرجوا، اخرجوا؛ فإنه وادٍ
معلون، حسبتُ أن لا تخرجوا حتى يُصِيْيَكُمْ كذا وكذا))(١).
وأخرجه الإمام أحمد في (العلل)، قال: ((حدثنا عفان،
قال: حدثنا مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسنَ يقول: حدثني
عبد الله بن قدامة، عن السعدي - وكان امرأ صِدْقٍ ))(٢).
وأخرجه ابن الجنيد في (سؤالاته ليحيى بن معين)، قال:
((حدثنا عفان، عن مبارك، عن الحسن، [عن](٣) عبد الله بن
قدامة، عن السعدي: أن النبي ◌َ لّ أتى على وادي ثمود))(٤).
وأخرجه ابن أبي الدنيا في (العقوبات)، قال: ((حدثني
محمد بن الحسين(٥)، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا
(١) المطالب العالية المسندة (١١١)، والمطبوعة (رقم ٣٤٥٩)، وفيه
تصحيفاتٌ صححتها!
(٢) العلل لأحمد (رقم ١٦١٣).
(٣) تحرّفت (عن) إلى (بن)، ونبّه محقّقه إلى أنها هكذا في الأصل
المخطوط .
(٤) سؤالات ابن الجنيد (رقم ٧٤٤).
(٥) محمد بن الحسين البرجلاني، أبو الشيخ أو أبو جعفر البغدادي،
(ت٢٣٨ هـ). وهو صدوق. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧)
٢٢٩)، والثقات لابن حبان (٨٨/٩)، ولسان الميزان لابن جر (٥/
١٣٧).
١٦٨٣

المبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن يقول: حدثني
عبد الله بن قدامة، عن السعدي - وكان السعدي امرأً صِدْقٍ
.... )) (١) - الحديث.
وأخرجه الطحاوي في (بيان مشكل الأحاديث)، قال:
((وحدثنا محمد بن علي بن داود، قال: حدثنا عفان بن مسلم،
قال: حدثنا مبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن يقول: حدثني
عبد الله بن قدامة، [عن](٢) السعدي - قال: وكان السعدي امرأ
صدق -: أن النبي ﴿ أتى على مساكن ثمود .... (وذكر
الحدیث).
(ثم قال الطحاوي)، وحدثنا علي بن عبد الرحمن، قال:
حدثنا عفان، ثم ذكر بإسناده مثله)»(٣).
وهذه أسانيد صحيحةٌ إلى الحسن البصري.
أمّا رواية علي بن زيد بن جُذعان:
فقال ابن أبي الدنيا في (العقوبات): ((حدثني محمد بن
الحسين، قال: حدثني مسلم بن إبراهيم، قال: أخبرنا حماد بن
سلمة، قال: حدثنا علي بن زيد، قال: قال لي الحسن: [سَلْ](٤)
عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي عن هذا الحديث. قال: فلقيته
على باب دار الإمارة، فذكرت ذلك له؛ فقال: زعم أبو ذر أنهم
كانوا مع النبيّ وَل﴿ في غزوة تبوك، فأتوا على وادٍ، فقال
النبي وَله: يا أيها الناس إنكم بوادٍ ملعونٍ فأسرعوا. فركب فرسه،
(١) العقوبات لابن أبي الدنيا (رقم ١٤٤).
(٢) سقطت من المصدر مطبوعِهِ ومخطوطه!
(٣) بيان مشكل الأحاديث (رقم ٣٧٤٨، ٣٧٤٩)، وفي مخطوطة الكتاب
بمكتبة فيض الله بتركيا (رقم ٢٧٧) ومصوّرتها بجامعة أم القرى بمركز
البحوث بها (رقم ٨١/ حديث) (١٠٥/ب - ١٠٦/أ).
(٤) تحرفت في المصدر إلى (سئل).
١٦٨٤

فدفع ودفع الناس. وقال: من كان اعتجن [عجينةً](١) فَلْيُضْفِرْهَا
[بعيره](١)، ومن كان طبخ قِذْرًا فليكفأها))(٢).
وقال البزار في (مسنده): ((حدثنا محمّد بن معمر(٣)، قال:
حدثنا مسلم(٤)، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا
علي بن زيد، قال: قال لي الحسن: سَلْ عبد الله بن قدامة بن
صخر عن هذا الحديث؟ فلقيتُه على باب دار الإمارة، فسألته؟
فقال: زعم أبو ذر: أنهم كانوا مع رسول الله وَليه في غزوة تبوك،
فَأَتَوْا على وادٍ، فقال لهم: إنكم بوادٍ معلون، فأسرعوا. فركب
فرسه، فَدَفَعَ ودفع الناس. ثم قال: من اعتجن عجينة، أو مَنْ
كان طبخ قِذْرًا، فليكبّها. ثم سرنا، ثم قال: يا أيها الناس، إنه
ليس اليوم نفسٌ منفوسة، يأتي عليها مائة سنة، فيعبأُ الله بها
شيئًا)»(٥) .
وقال البزار عقبه: ((وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن أبي
ذر، إلا بهذا الإسناد)».
وأخرجه الحافظ ابن حجر في (تغليق التعليق)، من طريق
البزار (٦).
وإسناده ظاهره الحُسْن إلى عبد الله بن قدامة بن صخر.
وأخرجه مُهَنَّى بن يحيى في مسائله للإمام أحمد: عن
خالد بن خداش، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، قال:
(١) تصحيحان لما في المصدر، من مصادر تخريج الحديث.
(٢) العقوبات لابن أبي الدنيا (رقم ١٤٥).
(٣) هو محمد بن معمر بن ربعي القيسي، تقدّم أنه ثقة.
(٤) هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، تقدّم أنه ثقة.
(٥) مسند البزار - الكتانية - (١٨٧)، وانظر كشف الأستاذ (رقم ٢٢٧،
١٨٤٣).
(٦) تغليق التعليق (٢١/٤).
١٦٨٥

((قال الحسن: سَلْ عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي عن هذا
الحديث؟ فلقيتُه على باب دار الإمارة، فذكرت له، فقال: زعم
أبو ذر أنهم كانوا مع النبي وَلتره، فذكر الحديث، ثم قال: يا أيها
الناس، إنه ليس اليوم نفسٌ منفوسة يأتي عليها مائة سنة [يعبأ] (١)
الله بها شيئًا))(٢).
وأخرجه الطحاوي في (بيان مشكل الأحاديث)، قال:
((حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، وفهد بن سليمان (جميعًا)،
قالا: حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي، قال: حدثنا حماد بن
سلمة، قال: حدثنا علي بن زيد، قال: قال لي الحسن: سَلْ
عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي عن هذا الحديث؟ قال: فلقيته
عند باب دار الإمارة، فذكرت ذلك له، فقال: زعم أبو ذر: أنهم
كانوا مع رسول الله وَ ﴿ل في غزوة تبوك، فأتوا على وادٍ، فقال لهم
النبي ◌َّر: يا أيها الناس، إنكم بوادٍ ملعون. فركب فرسه، فدفع
ودفع الناس. ثم قال: من كان قد اعتجن عجينة فَلْيُظْفِرْهَا بَعيَرهُ،
ومن كان طبخ قدرًا فليكفأها.
وحدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، قال:
حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة. ثم ذكر مثل
حديث محمد وفهد عن مسلم عن حماد، بإسناده ومتنه))(٣).
وهذه هي رواية علي بن زيد بن جدعان.
وهي وإن كانت من رواية علي بن زيد عن عبد الله بن
قدامة بن صخر عن أبي ذر رضي الله عنه، وليست من رواية
الحسن، ولا من حديث الأسود بن سريع السعدي، كما سبق في
رواية المبارك بن فضالة السابقة - إلا أنّ الحسن هو الذي دَلّ
(١) في الأصل كأنّها [يعتمل]، والتصويب من مسند البزار، كما سبق عنه.
(٢) منتخب كتاب العلل للخلال، لابن قدامة (٢١٣/أ).
(٣) بيان مشكل الأحاديث للطحاوي (رقم ٣٧٤٦، ٣٧٤٧).
١٦٨٦

علي بن زيد على سماع هذا الحديث من عبد الله بن قدامة، ثم
الراوي للحديث عن الصحابي هو عبد الله بن قدامة شيخ الحسن
نفسه على قلة رواياته، ثم الحديث هو الحديث، بطرفيه
وموضوعیه وقصته!
وسوف نُرجيء الترجيح بين الروايتين إلى ما بعد ذِكْر آخر
روايات الحديث، وهي التالية:
رواية أيوب بن أبي تميمة السخيتاني:
وقد سبق ذكرها وتخريجها، في مبحث صخر بن قدامة(١).
حيث ذكرنا هناك: أن خالد بن خداش روى الحديث عن
حماد بن زيد، عن أيوب، عن الحسن عن صخر بن قدامة، قال:
قال رسول الله وَلجر: ((لا يولد بعد سنة مائة مولودٌ لله فيه حاجة)).
قال أيوب: فلقيتُ صخر بن قدامة، فسألته عن الحديث، فقال:
لا أعرفه(٢).
وممّا قدّمنا ذكره في المبحث المشار إليه: أن هذا الحديث،
بهذا اللفظ، حديث موضوع، دَلّ على وَضْعِه القرآنُ والسنةُ
والحِسُ !!
وعلاقة هذا الحديث بمبحثنا هذا من جهتين:
الأولى: أنّ الحديث يظهر أنه سوءُ روايةٍ بالمعنى لحديث:
((ما أعلم اليوم نفسًا منفوسةً، يأتي عليها مائة سنة)).
الثانية: تشابُهُ اسم رواية (صخر بن قدامة) بـ (عبد الله بن
قدامة بن صخر)، وكأنه أيضًا سوءُ حِفْظٍ للحديث، غَيَّرَ أسماءه،
كما غَيَّر متنه من قَبْل! هذا مع جهالة صخر بن قدامة، كما سبق
في مبحثه، مما يؤهِّلُ كونه وَهْمًا اختلقَ ما لا وجود له.
(١) انظر ما تقدّم (١٤٩٧ - ١٥٠٢).
(٢) انظر التعليقة السابقة.
١٦٨٧

ثم إنّ صحّة إسناد هذا الوجه، مع شدّة نكارة الحديث،
النكارة المشروحة في محلّها، والتي حكمنا بسببها على هذا
الحديث الصحيح الإسناد بالوضع ! = هذا وحده دليلٌ كافٍ على
أنّ هذا الحديث مع وَضْعِه، فإنّه لا بُدّ أن يكون له أَضْلٌ، تشوّهَ
نَقْلُهُ بالوهم من أحد رواته الثقات، لأنّه ليس فيهم من يجوز أن
يُتَّهَم بتعمُّدِ الكذب. فلم يَبْقَ إلا أن الحديث وَهْمٌ، وهُنا نسأل:
فما هو أَضْلُه؟ لتأتينا روايات هذا المبحث، بما يَجمعها بحديث
صخر بن قدامة من تشابُه، لتؤكّد أنها هي أصل حديثه !! ولذلك
حشرتُ رواية صخر بن قدامة مع روايات هذا المبحث !!!
وبذلك نخرج بأن حديث صخر بن قدامة، ما هو إلا حديث
عبد الله بن قدامة ابن صخر عن الأسود بن سريع أو أبي ذر عن
النبي {{ڑ !!!
وما كان لي أن أهتدي إلا هذا التعليل، لولا توفيق الله
وحده، ثم جَمْعُ مرويّات الحسن البصري على الوجه الذي تراه.
ومن هذه الرواية نبدأ بنقل كلام الأئمة في تعليل هذه
الأوجه:
جاء في (منتخب العلل للخلال) لابن قدامة: ((وقال مُهَنّى:
سألت أحمد، عن حدیث حدثنا به خالد بن خداش : حدثنا
حماد بن زيد، عن أيوب، عن الحسن، عن صخر بن قدامة،
قال: قال رسول الله وَله: لا يولد بعد مائة سنة مولودٌ لله فيه
حاجة. قال أيوب: فلقيت صخر بن قدامة، فسألته عنه، فلم
يعرفه .
وسألته عن حديث حدَّثَنَاهُ(١)، عن حماد بن سلمة: حدثنا
علي بن زيد، قال: قال الحسن: سل عبد الله بن قدامة بن صخر
العقيلي عن هذا الحديث؟ فلقيته على باب دار الإمارة، فذكرت
(١) يعني خالد بن خداش حدّثه.
١٦٨٨

له، فقال: زعم أبو ذر: أنهم كانوا مع النبيّ بَّرَ، فذكر الحديث،
ثم قال: يا أيها الناس، إنه ليس اليوم نفسٌ منفوسة، يأتي عليها
مائة سنة، [يعبأ] (١) الله بها شيئًا.
قال أحمد: ليسا بصحيحين، وهما منكران))(٢).
لقد كان هذا النَّقل، وهذا السؤالُ الذي جمع بين هذين
الحديثين في سؤالٍ واحد، أوّل قائدٍ لي - بعد توفيق الله تعالى -
إلى معرفة عِلّة حديث صخر بن قدامة المشروحة آنفًا!
أمّا حُكمُ الإمام أحمد على الحديثين بالنكارة، ففي حديث
صخر بن قدامة الأمرُ فيه بيِّنٌ كما تقدّم(٣)؛ وأمّا حديث علي بن
زيد، فلأنّ مَثْنَ حديثه يتضمّن ذمَّا لمن وُلد بعد المائة، وهذا ما
أنكرنا من أجله حديث صخر بن قدامة مِنْ قَبْل !! انظر إلى قوله:
((إنه ليس اليوم نفس منفوسة، يأتي عليها مائة سنة، يعبأ الله بها
شيئًا))، وهذا لفظ حديث علي بن زيد، ووزانه بحديث صخر بن
قدامة: ((لا يولد بعد مائة سنة مولودٌ لله فيه حاجة)).
أمّا حديث المبارك بن فضالة عن الحسن عن عبد الله بن
قدامة عن الأسود بن سريع، فلم ينصَّ المبارك بن فضالة على لفظ
حديثه في هذه المسألة، مسألة (المائة سنة) وما يكون بعدها !!
لكنّ المبارك بن فضالة أَعْلَمَنَا أنّ حديثَ الحسن عن عبد الله بن
قدامة عن الأسود بن سريع في هذه المسألة، هو حديث الحسن
عن جابر، وحديثه عن أنس رضي الله عنهما، نفسُه، كما يُدُلّ
عليه مضمونُ الخبر الذي قدّمنا به هذا المبحث(٤). ولئن كان
المبارك بن فضالة لم يَرْوٍ لنا لَفْظَ حديثِ الأسود بن سريع، أو لم
(١) انظر التعليقة (رقم ١) (ص ١٦٨٦).
(٢) المنتخب من كتاب العلل للخلال، لابن قدامة (٢١٣/أ).
(٣) انظر ما سبق (١٤٩٨ - ١٤٩٩).
(٤) انظر (١٦٨١ - ١٦٨٢).
١٦٨٩

نقف على روايته له، إلا أنه روى لنا لَفْظَ حديثٍ جابر، وحديثٍ
أنس بن مالك، وسبق ذكرنا لهما (١)، بما يُبيِّنُ أنه ليس في لفظ
حديثهما نكارةٌ ما، بل شواهد حديثهما في الصحيحين وغيرهما.
إذن فحديث الأسود بن سريع في هذه المسألة، يجب أن يكون
صِنْوَ حديثي أنسٍ وجابر رضي الله عنهما، من رواية المبارك بن
فضالة عن الحسن، كما أوضحناه الآن. ولفظ حديث جابر:
((فوالذي نفسي بيده، ما أعلم اليوم نفسًا منفوسة، يأتي عليها مائة
عام))، وسبق شرحه في مبحث جابر رضي الله عنه (٢). وعلى
هذا، فأصل حديث علي بن زيد وحديث صخر بن قدامة، هو
هذا اللفظ السَّوِيُّ الصحيحُ، الذي هو عَلَمٌ من أعلام النبوّة !!!
فأحالته الأوهامُ إلى معنى غير سويٍّ ولا صحيح، يُخالف الكتاب
والسنة والواقع، في حديث علي بن زيد وحديث صخر بن
قدامة !!!
وهذا الثناء على رواية المبارك بن فضالة بالأداء الصحيح لمتن
الحديث، مما يُحْسَبُ للمباركِ في صَالِحِه، وسنرجع إليه بعد.
لكن نعود مَرّةً أخرى إلى تعليل الإمام أحمد السابق، فالإمام
أحمد ردّ الحديثين متنًا - كما سبق - وإسنادًا، كما هو ظاهر حكمه
المطلق ذاك. وسوف نعود إلى هذه الملاحظة أيضًا، إن شاء الله
تعالى.
أما حديث صخر بن قدامة، فللإمام أحمد فيه كلامٌ آخر مع
راويه، وهو خالد بن خداش؛ يقول الإمام أحمد في (العلل):
((أملى عليّ خالد بن خداش باليمن، ونحن عند عبد الرزاق:
حديثَ حماد بن زيد، عن أيوب، عن الحسن، عن صخر؛
وقال: أَيْشِ ينكرون أصحاب الحديث؟ قلت: هذا الحديث.
(١) انظر (٧٤٠ - ٧٤٥، ٩٠٥).
(٢) انظر (٧٤١).
١٦٩٠

قال (يعني الإمام أحمد هو القائل): هذا أملاه علينا باليمن
قديمًا))(١) .
إذن فإنكار أصحاب الحديث، ومنهم الإمام أحمد كما
سبق، لحديث صخر بن قدامة، قديمٌ جدًّا، من أوّل ما حدّث
خالدُ بن خداش بالحديث وهو (باليمن قديمًا)!
رحم اللَّهُ أصحابَ الحديث !!!
وهذا فيه إشارة إلى تعلیل حدیث خالد بن خداش، حیث
إنه بصريّ كما سبق، فإملأوه الحديث باليمن، يعني أنه أملاه أثناء
طلبه للعلم، وفي غير بلده، وبعيدًا عن أصوله (غالبًا)، كما يشير
إليه تأكيد الإمام أحمد على موطن وزمن سماعه لهذا الحديث من
خالد بن خداش. وهذا مما يوقفنا على سبب الوهم، وعلى سبب
إنكار أصحاب الحديثِ هذا الحديثَ على خالد بن خداش خاصّة.
حتى قال ابن قانع في (معجم الصحابة) عقب إخراجه للحديث:
((هذا ممّا ضُعِّف خالد به، وأُنكر عليه))(٢).
ومع ذلك، فخالد بن خداش ثقة، كما سبق الدفاع عنه في
هذا البحث(٣). ووَهْمُهُ في حديثٍ رواه في شبيبته، لايُسقط حديثَه
كلَّه الذي عُرف بعد ذلك بإتقانه وضبطه له، مع العدالة والديانة!
وبقي تعليلٌ لإمام آخر:
قال ابنُ الجنيد في (سؤالاته) لابن معين: ((قلت ليحيى:
حدثنا عفان، عن مبارك، عن الحسن، [عن] (٤) عبد الله بن
قدامة، عن السعدي: أن النبيَّ لتر أتى على وادي ثمود.
(١) العلل للإمام أحمد (رقم ٥١٣٣).
(٢) معجم الصحابة لابن قانع (٧٤/أ).
(٣) انظر ما تقدّم (١٥٠٠ - ١٥٠١).
(٤) تحرّفت (عن) إلى (بن)، ونبّه محقّقه أنها هكذا في الأصل. والتصويب
ظاهر من الأسانيد السابقة لحديث المبارك بن فضالة.
١٦٩١

قلت (القائل ابن الجنيد): وحماد بن سلمة يقول عن
علي بن زيد، يقول: عن أبي ذر.
(قال ابن الجنيد): أيّهما أصح؟
قال (يعني ابن معين): حديث أبي ذر أشبه))(١) .
فهنا يتناول يحيى بن معين مسألةَ الاختلافِ على اسم
الصحابيّ راوي هذا الحديث، فيرجّحُ حديثَ عليّ بن زيد عَلَى
حديث المبارك بن فضالة.
ومع خُضْعاني لجلالة هذا الإمام، فلي مع هذا الترجيح
وقفة!
فالمبارك بن فضالة أَجَلُّ من عليّ بن زيد وأحفظ، كما تراه
من ترجمتيهما، وقد سبقتا بتوسّع كبير(٢). ولا عيب في
المبارك بن فضالة إلا التدليس، لكنه قد صرّح بالسماع في هذا
الحدیث .
بل صرّح المبارك بن فضالة بحضوره للمجلس المذكور في
أول هذا المبحث، الذي ورد فيه أن المبارك شهد مجلسًا للحسن
طُولِبَ فيه بالإسناد الصريح في أحاديثه، فكان أوّلَ ما سُئل أن
يحدّث به على هذا الشرط حديثُنا هذا، فَحَدّث الحسنُ بهذا
الحديث والمبارك بن فضالة يسمع. ومثل هذا المجلس غير
الاعتيادي، ومثل هذه القصّة، مما يؤيّد حديث المبارك بن فضالة؛
حيث قال الإمام أحمد: ((إذا كان في الحديث قصّة، دَلّ على أنّ
راويه حفظه))(٣).
وقد أكّد لنا المبارك بن فضالة على صحّة روايته وجَوْدة
(١) سؤالات ابن الجنيد (رقم ٧٤٤).
(٢) انظر: (٣٠٦ - ٣٢٢، ٣٤٢ - ٣٦٦).
(٣) هدي الساري لابن حجر (٣٨٢).
١٦٩٢

ضبطه لهذا الحديث، عندما أتقن رواية متن الحديث، ولم يُحِلْ
معناه بسوء روايته، كما فعل عليّ بن زيد، حتى أنكر الإمامُ أحمد
حديثَ علي بن زيد، كما تقدّم ذكره. وهذه نقطةٌ مهمّة في ترجيح
حديث المبارك على حديث علي بن زيد، أعتمدُ فيها على كلام
الإمام أحمد في وقفتي هذه مع تعليل يحيى بن معين!
هذا كلّه إن رجّحنا بين علي بن زيد والمبارك بن فضالة،
مع أنّ عليَّ بن زيد لا يخالفُ المبارك، إنما يخالف الحسن
البصري! لأنّ عليًّا والحسن كليهما يروي الحديث عن عبد الله بن
قدامة، فقال علي بن زيد في حديثه عنه: عن أبي ذر، وقال
الحسن في حديثه عنه: عن الأسود بن سريع.
فإذا ما عَلَوْنا في الترجيح إلى هذه الطبقة: بين الحسن
البصري وعلي بن زيد، سَكَثْنَا عن الترجيح بينهما، وأَوْكَلْنا ذلك
إلى الناظر! فمَنْ يحتاج إلى التنصيص على رُجحان رواية إمام من
أئمة الإسلام وعلماءِ الملّة الأواحد، على رواية راوٍ من تلامذة
ذلك الإمام، وهو راوٍ متكلَّمْ في حفظه أيضًا؟ !!
وإن نزلنا في الترجيح في طبقات إسناد هذا الحديث، وجدنا
عفان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث يتفقان على رواية هذا
الحديث عن المبارك بن فضالة، بينما ينفرد حماد بن سلمة عن
علي بن زيد بالحديث؛ والاثنان أولى بالحفظ من الواحد!
لذلك فالأرجح عندي: أن حديث المبارك عن الحسن عن
عبد الله بن قدامة عن الأسود بن سريع هو المحفوظ الثابت، وأن
إسناد حديث علي بن زيد وَهْمْ منه، كما كان قد وهم في متنه
أيضًا.
هذا هو الراجح عندي!
و (عندي) أن يحيى بن معين أَجَلُّ من أن أُعارضَه
بما(عندي)!
١٦٩٣

لكنّ القواعد العلميّة التي تعلّمنا بعضًا منها من يحيى بن
معين وإخوانه الأئمة، هي التي جعلت ما (عندي) غير ما (عند)
يحيى بن معين! ولم يكن لي لأتجرّأ على إبداء ما عندي، لولا
تضعيف الإمام أحمد وإنکاره للحديث الذي رجّحه يحيى بن
معین !!
وبهذا نكون قد انتهينا من عرض علل هذا الحديث في متنه
وإسناده، وانتهينا أيضًا من الترجيح بينهما. لكن بقي أن نترجم
لشيخ الحسن البصري، الذي وضعنا له هذا المبحث: (عبد الله بن
قدامة).
فقد سُمّي في رواية المبارك بن فضالة (عبد الله بن قدامة)
فقط، إلاّ أنه جاء في (التاريخ الكبير) للبخاري إضافة نسبته
(العنبري)، وهذه الزيادة لم ترد في روايات المبارك بن فضالة لهذا
الحديث في غير (التاريخ الكبير) للبخاري، وهي روايات في
مصادر متعدّده: (العلل) للإمام أحمد، و (سؤالات ابن الجنيد)،
و (مسند البزار)، و (بيان مشكل الأحاديث للطحاوي)، و (تغليق
التعليق) لابن حجر(١).
وفي الرواة: عبد الله بن قدامة بن عنزة بن الحارث (وهو
نقب) بن عمرو بن الحارث، من بني كعب بن العنبر بن عمرو بن
تميم بن مُرّ. وهو أبو القاضي المشهور سوّار بن عبد الله بن قدامة
العنبري(٢).
فهل هذا الراوي هو شيخ الحسن البصري في هذا الحديث؟
(١) سبق ذلك كله في أول هذا المبحث، انظر (١٦٨٣ - ١٦٨٤).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (١٧٦/٥)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥)
١٤١)، والثقات لابن حبان (٢٤/٥)، والتهذيب لابن حجر (٣٦١/٥).
ونَسَبُه تراه في المؤتلف والمختلف للدار قطني (٣٣١/١)، وأخبار القضاة
لوکیع (٢/ ٥٧).
١٦٩٤

الواقعُ أنه لم يُذكر في ترجمة هذا الراوي أنه يروي عنه
الحسن البصري، ولا أنه يروي هو عن الأسود بن سريع أو أبي
ذر؛ لذلك لا نستطيع أن نجزم أنه هو شيخ الحسن البصري في
هذا الحديث.
ثم إن الحديث يرويه علي بن زيد بن جدعان أيضًا، بدلالة
الحسن له وحثّه على سماعه مِمّن سمّاه علي بن زيد:
(عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي). وعلي بن زيد وإن وَهِم
فيما وهم فيه من هذا الحديث، ممّا سبق ذكرنا له، إلا أنه لا
يصل إلى درجة أن يَهِم في اسم شيخه، الذي سمّاه له الحسنُ
البصري، فعرفه علي بن زيد باسمه الذي سمّاه له الحسن والذي
سمّاه به علي بن زيد في روايته، حتى لقي عليّ بن زيد
عبد الله بن قدامة ابن صخر العقيلي هذا على باب دار الإمارة،
كما ذكر. ثم إن علي بن زيد لم ينفرد بتسمية هذا الراوي، بل
وافقه عليه المبارك بن فضالة، فكلاهما سمّاه (عبد الله بن قدامة)،
وزاد عليُّ بن زيد تسميته لجدّه ولنسبه، بأنّه: (عبد الله بن
قدامة بن صخر العقيلي). ولئن جاء في مصدرٍ واحدٍ من روايات
المبارك بن فضالة ما يُخالف في نسبة هذا الراوي، بأنه (العنبري)،
كما سبق؛ إلا أني بيّنتُ أن هذه النسبة مشكوك فيها، لانفراد
مصدرٍ واحدٍ بها، دون عددٍ من المصادر الأصلية الأخرى. ثم إن
في الرواة: (عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي)، كذا بهذا الاسم
والنسب والنسبة، كما يأتي بَسْطُ ترجمته؛ فَهَل يُعْقَل أن يَهِم
عليّ بن زيد، فيوافق وهمُه هذه المصادفة العجيبة؟ !! وأخيرًا: إن
كان لي أن أستفيد من رواية أيوب السختياني عن الحسن لهذا
الحديث، فإني أستفيد من تسمية شيخ الحسن فيها بـ(صخر بن
قدامة)، على أنّ (صخرًا) في اسم شيخ الحسن غيرُ مستنكر !!!
إذن فاسم شيخ الحسن الذي سمع منه هذا الحديث هو:
عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي.
١٦٩٥

وعبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي، أبو صخر البصري،
رَجُلٌ مختلفٌ في صُخبته(١). والراجح عندي أنه تابعي يروي عن
رجلٍ من الأعراب من أصحاب النبي وَ ل*(٢)، وروى عنه هذا
الحديث سعيد بن إياس الجُريري.
وهذا هو خلاصة ما جاء في ترجمته.
ومع ما جاء في حديثنا هذا، نعرف أنّه روى عن الأسود بن
سريع أيضًا، وقيل عن أبي ذر. وأنه روى عنه كذلك: الحسن
البصري، وعلي بن زيد بن جدعان.
وممّا يُهِمُّنا هنا، بعد أن رجّحنا في هذا الراوي كونه تابعيًّا،
ثناء من الحسن البصري واردٌ في إسناد حديثه عنه. حيث روى
عبد الصمد بن عبدالوارث، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن،
أنه قال: «حدثني عبد الله بن قدامة (وكان امرأ صِذْقٍ)، عن
السعدي)). بينما رواه عفان بن مسلم، عن المبارك، عن الحسن،
أنه قال: ((حدثني عبد الله بن قدامة، عن السعدي - وكان امرأ
صدق _)). فالرواية الأولى تجعل ثناء الحسن متوجّةٌ لعبد الله بن
قدامة، والرواية الثانية تجعله متوجّهًا للأسود بن سريع رضي الله
عنه .
والأقرب عندي أنه ثناءٌ من الحسن البصري على عبد الله بن
قدامة، وهذا التقريب لأسباب:
(١) انظر: الكنى لمسلم (٥٦)، والثقات لابن حبان (٤٥٧/٣)، وفتح الباب
في الكنى والألقاب لابن مندة (رقم ٣٩٦٧)، والاستيعاب لابن عبد البر
(رقم ٣٠٤٣)، وأسد الغابة لابن الأثير (١٧١/٦)، والإصابة لابن حجر
(١٠٤/٧)، وتعجيل المنفعة لابن حجر - الطبعة الحديثة - (رقم ١٣١١).
(٢) انظر حديثه في المصادر السابقة، وفي التالية: مسند الإمام أحمد (٥/
٤١١)، ومعرفة الصحابة لابن منده (٢١١/ب - ٢١٢/أ)، ومعرفة الصحابة
لأبي نعيم (٢٧٢/٢/أ)، ودلائل النبوة لأبي القاسم التيمي - وهو مهمٌّ جدّاً
في الذي جاء في أصله وفي تحقيقه - (رقم ١٦).
١٦٩٦

الأوّل: أن الأسود بن سريع رضي الله عنه صحابيٍّ، سبق له
بذلك تعديلٌ من الله عز وجل، فليس في حاجةٍ إلى هذا الثناء.
ثم إن الثناء عليه لو كان بوصف عبادته أو وَرَعه وما شابه ذلك
لكان له وَجْه؛ أمّا الثناء عليه بالصِّدْق، ونفيُ الكذب عنه بذلك،
فبعیدٌ غریب، لأنہ تحصيل حاصل !!
الثاني: أن عبد الله بن قدامة تابعي غير مشهور، فهو لذلك
حقيقٌ بأن يُعْتَنَى بالثناء عليه بالصدق. أمّا الثناء على الصحابي
بالصدق، وتَرْكُ مثل هذا الراوي، فَوَضْعٌ معكوس، لا يقبله
العقلاء، ولا أتصور أن يكون صدر من الحسن البصري.
الثالث: أنّ الحسن عندما طُولِبَ بإسناد هذا الحديث، كما
في القصّة التي ذكرناها في أوّل هذا المبحث، ذكر أنه سمع
الحديث من أنس بن مالك وجابر بن عبد الله وعبد الله بن قدامة
عن الأسود بن سريع. وهذه القصّة تؤيّد أن ثناء الحسن كان
لعبد الله بن قدامة لا لغيره، من ثلاثة أوجه:
أولها: ما معنى تخصيص الأسود بن سريع بالثناء عليه
بالصدق، دون أنس وجابر رضي الله عنهم؟ !!
ثانيها: أنّ الحسن عندما طُولِب بالإسناد، أراد أن يؤكّد ثقةً
الوسائط التي بينه وبين النبي وَل*، فذكر أنسًا وكفى به، وجابرًا
وكفى به، ثم عبد الله بن قدامة عن الأسود بن سريع؛ فمن هو
الذي نحتاجُ أن نعرف صِدْقَه لنعرفَ ثقةً وسائطِ الحسنِ إلى
النبي ◌َّهُ؟! أهو الصحابيّ؟ !! أم التابعي غير المشهور؟ !!
ثالثها: أن الثناء على عبد الله بن قدامة جاء في سياق تلك
القصّة، أمّا الثناء الوارد في الأسود بن سريع فجاء في سياق
حديث الأسود. ((والحديث إذا كان فيه قصّة، دَلّ على أن راويه
حفظه))، كيف إذا كانت القصّة نفسُها تؤكّد أن الثناء لا بُدَّ أن
١٦٩٧

يكون فيمن يحتاج إلى ثناء، وهو عبد الله بن قدامة، كما في
الوجهين السابقين؟ !!
إذن فالصحيح أن الحسن البصري قال عن عبد الله بن
قدامة: ((كان امْرَأَ صِدْقٍ))، وأَنْعِمْ به من ثناء!
ونخلص من هذا المبحث كلّه بفوائد، ألخّصُها في ترجمةٍ
جديدة لعبد الله بن قدامة هذا، أسوقها لك الآن، عارضًا خلالها
خلاصةً فوائد هذا المبحث:
فهو: عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي، أبو صخر
البصري، وقيل في اسمه: صخر بن قدامة وهو خطأ. مختلفٌ في
صحبته، والأرجح أنه تابعي.
روى عن: الأسود بن سريع، ورَجُل من الأعراب من
أصحاب النبي وَّ ر. وقيل: إنه روى عن النبي ◌َ ل (ولا يصح)،
وعن أبي ذر (ولا يصح أيضًا).
وروى عنه: الحسن البصري، وسعيد بن إياس الجريري،
وعلي بن زيد بن جدعان.
قال عنه الحسن: ((كان امرأ صدق)).
والله أعلم.
١٦٩٨