Indexed OCR Text

Pages 1581-1600

الثاني: حديث علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف،
عن النبي ◌ُالر - مرسلاً.
وهذا اختلاف، بين وقف ورفع، وإن كان المرفوع مرسلاً.
وقد سئل يحيى بن معين عن هذا!
قال ابن الجنيد في (سؤالاته): ((قلت ليحيى بن معين:
مبارك، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس، قال: قال:
الذبيح إسحاق.
ح: وحمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن
الأحنف، عن النبي ◌ِّ، قال: الذبيح إسحاق.
قلت ليحيى: أيهما أصح؟
قال: لا تبالي أيهم كان!
كأنه ضعفهما جميعًا))(١).
قلت: أما المرسل، فَيُزْدِيْهِ إرسالُهُ.
وأمّا الموقوف، فلا حجة فيه، لأنه لا حجة إلا في تبليغ
النبي ◌َلتر.
واحتمالُ أن يكون العباس رضي الله عنه أخذه ـ تسمّحا .
عن أهل الكتاب احتمالٌ واردٌ وقويٍّ. ولعل العباس رضي الله عنه
لم يحدث به احتجاجًا، ولا اعتقادًا بصدقه.
وقد أشبع الحافظ المحقق ابن كثير في (تفسيره) الكلام على
هذه المسألة، وذكر أدلة كل فريق، ثم خرج بالقول الصواب،
الذي لا يتردد فيه متردد: أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام(٢).
(١) سؤالات ابن الجنيد (رقم ٧٤٠).
(٢) تفسير ابن كثير (٢٨/٦ - ٣٢) - سورة الصافات (١٠٢).
١٥٧٩

أمّا السيوطي، فصنف جزءًا سمّاه (القول الفصيح في تعيين
الذبيح)(١).
والعجيب أنه استعجم على السيوطي القول، ووسوس، ولم
يُعيِّن الذبيح، بل توقّف !!!
وعليك بكلام ابن كثير، في الموطن الذي ذكرناه آنفًا، فإنه:
القول الفصيح في تعيين الذبيح، حقًّا !!
وليس هذا المبحث من شئون بحثي، فاكتفيت بالإشارة إليه،
بعد أن قمت بشئوني، وهي عرض أسانيد الحديث وطرقه وعللها.
(١) طبع الكتاب بتحقيق إبراهيم عبد الله الحازمي، بمطبعة سفير، بالرياض،
الطبعة الأولى سنة ١٤١٢هـ.
١٥٨٠

الحديث الرابع:
حديث العباس رضي الله عنه، عن النبي ◌َّيقر، قال: ((والذي
نفسي بيده، لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة، لقدم على
ربه عز وجل.
ثم تلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاَلَّهِرُ وَالْبَالٌِ وَهُوَ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾(١)).
أخرجه الطبراني في (المعجم الأوسط)(٢) والجورقاني في
(الأباطيل والمناكير) من طريق الطبراني(٣).
قال الطبراني: ((حدثنا علي، قال: حدثنا الحسين بن
عيسى بن ميسرة الرازي، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، حدثنا أبو
جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف، عن
العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -... )) - الحديث.
قال الطبراني عقبه: ((لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا أبو
جعفر، ولا عن أبي جعفر إلا سلمة، تفرَّد به الحسين بن
عيسى بن ميسرة الرازي)).
- شيخ الطبراني: علي بن سعيد بن بشير الرازي، أبو
الحسن عَلِيَّك، نزيل مصر، (ت ٢٩٩ هـ).
حافظ متكلم فيه، ومختلف فيه(٤). كأنه صدوق، تُتَجَنَّبُ
مفاريده، التي منها هذا الحديث.
- الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي الرازي.
(١) سورة الحديد: الآية (٣).
(٢) المعجم الأوسط (٢٤٧/١/أ).
(٣) الأباطيل والمناكير للجورقاني (٧٢/١ - ٧٣ رقم ٦٦).
(٤) سؤالات السهمي للدارقطني (رقم ٣٤٨)، وسير أعلام النبلاء (١٤٥/١٤ -
١٤٦)، ولسان الميزان (٢٣١/٤ - ٢٣٢).
١٥٨١

قال عنه أبو حاتم الرازي: ((صدوق))(١).
- وسلمة بن الفضل الأبرش، تقدم أنه: ((صدوق كثير
الخطأ)».
- وأبو جعفر الرازي، تقدَّم أنه ((صدوق سيء الحفظ،
خصوصًا عن مغيرة)) .
فهذا إسناد لين.
وقد روي بإسناد خير منه، من حديث الحسن عن أبي هريرة
رضي الله عنه.
فأخرجه ابن أبي عاصم في (السنة)(٢) والبزار في (مسنده)(٣)
وأبو الشيخ في (العظمة) (٤).
كلهم من طريق: عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، عن
أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة
رضي الله عنه.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان الدَّشتكي، أبو
محمد الرازي، المقريء، (ت بضع ٢١٠ هـ).
قال عنه الحافظ: ((ثقة))(٥).
فعبد الرحمن بن عبد الله الدَّشتكي، أوثق من سلمة بن
الفضل الأبرش، كما هو ظاهر من مرتبتهما في التوثيق عند
الحافظ. وقد خالفه الدشتكي، على شيخه أبي جعفر الرازي،
بإسناده فجعله للحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ لا للحسن
(١) الجرح والتعديل (٦٠/٣).
(٢) السنة لابن أبي عاصم (رقم ٥٧٨).
(٣) مسند البزار - الأزهرية (٢٥١/أ - ب) بترقيمي.
(٤) العظمة لأبي الشيخ (رقم ٢٠١).
(٥) التقريب (رقم ٣٩١٤).
١٥٨٢

عن الأحنف عن العباس رضي الله عنه، كما زعم سلمة الأبرش،
أو كما زُعِمَ عليه!
ثم إن الحديث رواه غير أبي جعفر الرازي، ومن غير ما
وجه عن الحسن البصري، فكان للحسن عن أبي هريرة رضي الله
عنه (١). لا كهذا الإسناد الغريب، المتفرد بجعل الحديث للحسن
عن الأحنف عن العباس رضي الله عنه.
فظهرت بهذا نكارة هذا الإسناد، وأن راويه - سلمة بن
الفضل أو من بعده - أبطل في روايته من حديث الحسن عن
الأحنف عن العباس رضي الله عنه!
أمّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فيكون لنا معه وقفة
في موضعه الحقيق به، وهو مبحث أبي هريرة رضي الله عنه، إن
قدّر الله تعالى إتمام هذا الموضوع مستقبلاً.
(١) انظر مسند الإمام أحمد (رقم ٨٨١٤)، وجامع الترمذي (رقم ٣٢٩٨)،
وغيرهما.
١٥٨٣

الحديث الخامس:
حديث العباس رضي الله عنه، عن النبي وَلغيره، قال: ((يا
عباس، ثلاث لا يدعهن قومك: الطعن في النسب، النياحة على
الميت، والاستمطار بالأنواء)».
أخرجه ابن عدي في (الكامل)، من طريق: الحسن بن
دينار، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس رضي الله عنه(١).
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): ((رواه الطبراني في
الكبير، وفيه الحسن بن دينار، وهو ضعيف))(٢).
قلت: مسند العباس رضي الله عنه في (المعجم الكبير)
للطبراني، من الأجزاء المفقودة منه !!
أمّا الحسن بن دينار، فإنه متروك متهم، كما سبق مرارًا.
فهذا إسناد شديد الضعف.
(١) الكامل لابن عدي (٣٠٢/٢).
(٢) مجمع الزوائد (١٣/٣).
١٥٨٤

الحديث السادس:
ذكر ابن طاهر المقدسي في (أطراف الغرائب والأفراد،
للدارقطني)، حديثًا للأحنف عن العباس رضي الله عنه.
قال ابن طاهر، ناقلاً عن كتاب الدارقطني: ((حديث ما من
رجل يأتيه ذو رحم فيقوم إليه .. الحديث. غريب من حديث
الأحنف عنه، ومن حديث الحسن عن الأحنف، تفرد به عقيل بن
أبي صالح، وعنه نوح بن أبي مريم)) (١) .
- ونوح ابن أبي مريم، أبو عصمة المروزي، القرشي
مولاهم، يعرف بالجامع، (ت ١٧٣ هـ).
قال عنه الحافظ: ((كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك:
کان یضع)»(٢).
قلت: وهو من مشاهير الوضاعين، فهو صاحب حديث
فضائل سور القرآن، الحديث الذي اعترف هو نفسه بوضعه(٣).
فهذا إسناد باطل لا يشتغل به، إلا من باب التنبيه على
بطلانه .
(١) أطراف الغرائب والأفراد (٢٣٢/أ).
(٢) التقريب (رقم ٧٢١٠).
(٣) الموضوعات لابن الجوزي (٤١/١)، والتهذيب (٤٨٦/١٠ - ٤٨٩)،
وفتح المغيث للسخاوي (٣٠٣/١ - ٣٠٤).
١٥٨٥

الحديث السابع:
قال الطحاوي في (شرح معاني الآثار): ((حدثنا محمد بن
عَمرو: حدثنا عبد الله بن نمير، عن سعيد، عن قتادة، عن
الحسن: أن العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي رضي الله
عنهما مَرّت بهما جنازة، فقام العبّاس ولم يقم الحسن رضي الله
عنه، فقال العباس للحسن: أما علمت أنّ رسول الله وَلَه مَرّت
عليه جنازة فقام؟ فقال: نعم، وقال الحسن للعباس: أما علمت
أنّ رسول الله ﴿ كان يُصلّي عليها؟ قال: نعم))(١).
ومحمد بن عمرو بن يونس السوسي التغلبي، (ت ٢٥٩
هـ)، كان رافضًّا وحدّث بالمناكير(٢).
قلت: وهذا من مناكيره، فالحديث بنحوه إنما يُروى عن
محمد بن سيرين يذكر أنه مَرّت جنازة بالحسن بن علي
وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم(٣)، لا العباس، كما تزعمه
هذه الرواية !!
(١) شرح معاني الآثار للطحاوي (٤٨٨/١).
(٢) انظر لسان الميزان (٣٢٨/٥).
(٣) انظر ما يأتي (١٥٩٦ - ١٥٩٧).
١٥٨٦

الحديث الثامن موقوفًا:
حديث الحسن، عن الأحنف بن قيس، قال: ((سمعت
عمر بن الخطاب يقول: إن قريشًا رؤوس الناس، لا يدخل أحد
منهم في باب، إلا دخل معه فيه طائفة من الناس.
فلم أدر ما تأويل قوله في ذا.
حتى طُعن عمر، فلما احتضر، أمر صهيبًا أن يصلي بالناس
ثلاثة أيام. وأمره أن يجعل للناس طعامًا فيطعموه، حتى يستخلفوا
إنسانًا .
فلما رجعوا من الجنازة، جيء بالطعام، ووضعت الموائد.
فأمسك الناس عنها، للحزن الذي هم فيه.
فقال العباس بن عبد المطلب: أيها الناس، إن
رسول الله ي ليه قد مات، فأكلنا بعده وشربنا. ومات أبو بكر،
فأكلنا بعده وشربنا. وإنه لا بد من الأجل، فكلوا من هذا الطعام.
ثم مدّ العباس يده فأكل، ومدَّ الناس أيديهم فأكلوا.
فعرفت قول عمر: إنهم رؤوس الناس»!
أخرجه ابن سعد في (الطبقات)(١)، وأحمد بن منيع في
(مسنده)(٢) والفسوي في (المعرفة والتاريخ)(٣) وأبو بكر الشافعي
في (الغيلانيات)(٤) وابن عساكر في (تاريخ دمشق)(٥).
كلهم من طريق حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن
الحسن البصري .. به.
وهذا إسناد حسن.
(١) الطبقات لابن سعد (٢٩/٤ - ٣٠).
(٢) المطالب العالية المسندة (٢٠)، والمطبوعة (رقم ٧٠٩، ٤١٦٥).
(٣) المعرفة والتاريخ (٥١٠/١ - ٥١١).
(٤) الغيلانيات (رقم ٢٩٦، ٣٠٥)، وفي المنشورة (رقم ٢٧٦، ٢٨٥).
(٥) تاريخ دمشق لابن عساكر - تراجم: عبد الله بن أوفى إلى عبد الله بن ثوب
(١٩٧ - ١٩٨).
١٥٨٧

الحديث التاسع موقوفًا:
قال الحسن البصري: ((بقي في بيت مال عمر رضي الله عنه
شيء، بعدما قسم بين الناس، فقال العباس لعمر وللناس: أرأيتم
لو كان فيكم عمّ موسى أكنتم تكرمونه؟ قالوا: نعم. قال: فأنا
أحق به، أنا عم نبيكم ◌َ﴾. فكلم عمر الناس، فأعطوه تلك
البقية)) .
أخرجه ابن سعد في (الطبقات)(١) وحميد بن زنجويه في
(الأموال)(٢) والفسوي في (المعرفة والتاريخ)(٣).
كلهم من طريق حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن
الحسن - كذا مرسلاً.
وإسناده حسن لولا إرسال الحسن!
وهذا كل ما وجدته للعباس رضي الله عنه، من رواية
الحسن البصري.
ومن هذا يظهر أن واقع روايات الحسن عن العباس
رضي الله عنه، هذا الواقع نفسه يدل على عدم سماع الحسن من
العباس رضي الله عنه.
وقد قدّمنا ــ أيضًا - قواطعَ، تجزم بعدم سماع الحسن من
العباس رضي الله عنه!
والله أعلم.
(١) طبقات ابن سعد (٣٠/٤).
(٢) الأموال لابن زنجويه (رقم ٩٣٤).
(٣) المعرفة والتاريخ (٥٠٩/١).
١٥٨٨

عبد الله بن العباس
قال الإمام أحمد: ((لم يسمع الحسن من ابن عباس، إنما
كان ابن عباس بالبصرة واليًا أيام علي رضي الله عنهما))(١).
وقال يحيى بن معين في (تاريخه)، وفي غير ما موضع من
كتبه: ((الحسن لم يسمع من ابن عباس شيئًا))(٢).
وقال ابن معين في (تاريخه) أيضًا: ((لم يسمع من ابن
عباس.
وقال يزيد في حديثه: سمع الحسن من ابن عباس!
ولم يسمع منه))(٣).
وقال علي بن المديني في (العلل): ((كان الحسن بالمدينة
أيام كان ابن عباس بالبصرة، استعمله عليها علي، وخرج إلى
صفین.
وقوله: خطبنا ابن عباس بالبصرة، إنما هو كقول ثابت: قدم
علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي.
الحسن لم يسمع من ابن عباس، وما رآه قط))(٤).
(١) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٩٨).
(٢) تاريخ ابن معين (رقم ٤٥٩٩)، وتاريخ الدارمي عن ابن معين (رقم
٢٧٨)، وسؤالات ابن الجنيد (رقم ١٦٨).
(٣) تاريخ ابن معين (رقم ٤٠٩٥).
(٤) العلل لابن المديني (٥١ رقم ٥٠). وانظر معرفة الرجال برواية ابن محرز
(٢/ رقم ٦٧٥)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٥٢/٢)، والسنن الكبرى
للبيهقي (١٦٨/٤).
١٥٨٩

وقال بهز بن أسد: ((لم يسمع من ابن عباس))(١).
وقال الترمذي في (العلل الكبير): ((سألت محمدًا عن حديث
الحسن: خطبنا ابن عباس، فقال: إن رسول الله فرض صدقة
الفطر؟
فقال: روى غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن،
قال: خطب ابن عباس.
- قال الترمذي : - وكأنه رأى هذا أصح.
وإنما قال محمد هذا، لأن ابن عباس كان بالبصرة في أيام
علي. والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة))(٢).
وقال أبو حاتم الرازي، كما في (المراسيل) لابنه: ((لم
يسمع من ابن عباس، وقوله: (خطبنا ابن عباس) يعني: خطب
أهل البصرة))(٣) .
وقال النسائي: ((لم يسمع من ابن عباس)) (٤).
وقال البزار: ((قوله: خطبنا ابن عباس بالبصرة، قد أنكر
عليه! لأن ابن عباس كان بالبصرة أيام الجمل، وقدم الحسن أيام
صفين، فلم يدركه بالبصرة.
(١) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٩٩).
(٢) العلل الكبير للترمذي (٣٢٦/١).
(٣) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ١٠٠).
(٤) نقله المزي في تحفة الأشراف (رقم ٥٣٩٤)، وابن عبد الهادي في تنقيح
التحقيق (١٤٧٦/٢).
ومع أن المزي ينقل كلام النسائي عن (السنن)، وينقل المزي هذا الكلام،
على أن النسائي قاله عقب الحديث الذي ذكر المزي الكلام بعده، إلا أني
بالرجوع إلى سنن النسائي: الصغرى والكبرى، لم أجد فيهما كلام
النسائي !!
انظر: السنن الصغرى (رقم ٢٥٠٨، ٢٥١٥)، والسنن الكبرى (رقم
٢٢٨٧، ٢٢٩٤).
١٥٩٠

وتأول قوله: (خطبنا)، أي: خطب أهل البصرة))(١).
وقال مغلطاي في (إكمال تهذيب الكمال): ((وفي كتاب
البرديجي: فأما حديث حميد الطويل عن الحسن، قال: خطبنا ابن
عباس، فإنما خطب أهل البصرة))(٢).
وقال الحاكم في (معرفة علوم الحديث): ((فليعلم صاحب
الحديث، أن الحسن لم يسمع من ابن عباس شيئًا قط))(٣).
وقال البيهقي في (السنن الكبرى)، عقب نقله كلام علي بن
المديني المذكور آنفًا: ((حديث الحسن عن ابن عباس: مرسل))(٤).
وأقره العلامة علاء الدين علي بن عثمان المارديني، الشهير
بابن التركماني، (ت ٧٤٥ هـ)، في كتابه (الجوهر النقي)(٥).
وقال ابن حزم في (المحلى): ((لا يصح للحسن سماع من
ابن عباس))(٦).
وقال ابن حزم أيضًا في (الإحكام في أصول الأحكام): ((إن
الحسن لم يسمع من ابن عباس أيّامَ ولايته البصرة شيئًا، ولا كان
الحسن حينئذٍ بالبصرة، وإنما كان بالمدينة، هذا ما لا خلاف فيه
بين أحدٍ من نقلة الحديث))(٧) .
وقال ابن عبد البر في (التمهيد): ((لم يسمع الحسن هذا
الحديث من ابن عباس))(٨) .
(١) كشف الأستار (رقم ٩٠٨)، وزوائد مسند البزار لابن حجر (رقم ٦٦٠)،
ونصب الراية (٩٠/١) (٤١٩/٢).
(٢) إكمال تهذيب الكمال (١٥٢/ب).
(٣) معرفة علوم الحديث (١١١).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٦٨/٤).
(٥) الجوهر النقي (١٦٩/٤).
(٦) المحلى (١٣٢/٦).
(٧) الإحكام في أصول الأحكام (٣١/٢).
(٨) التمهيد (١٣٥/٤).
١٥٩١

قال ابن عبد البر هذا، عقب الحديث الذي جاء في بعض
رواياته قول الحسن: ((خطبنا ابن عباس))!
وقال عبد الحق الإشبيلي في (الأحكام الوسطى): ((لم يسمع
الحسن من ابن عباس)) (١) .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في (فتح الباري) له:
(«الحسن لم يسمع من ابن عباس، ولم يكن بالبصرة يوم خطب
ابن عباس))(٢).
هذا كلام من وجدت له كلامًا في هذه المسألة، من الأئمة
المتقدمين والمتأخرين، وكلهم - كما رأيت - على أن الحسن لم
يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما.
إلا أن القاضي أبا عبد الله محمد بن أبي بكر بن خلف
الأنصاري، المعروف بابن المواق، (ت ٦٤٢ هـ)، قال في (بغية
النقاد والنقلة): ((قال محمد بن الحسين البغدادي: قلت لأحمد بن
حنبل: فالحسن عمن أخذ هذا الأمر - يعني التفسير -؟ فقال:
كانت له من ابن عباس مجالسة، وذلك أن عليّا كان ولى ابن
عباس البصرة، فهو - وإن ترك ذاكم - كانت له منه مجالسة.
ذكر هذا أبو عمر الصدفي(٣) عن محمد بن القاسم(٤) عن
(١) الأحكام الوسطى لعبد الحق (١٧٤/٢).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٦٦/٩).
(٣) أبو عمر أحمد بن سعيد بن حزم بن يونس الصدفي الأندلسي،
(ت ٣٥٠هـ)، صاحب (التاريخ الكبير) في أسماء الرجال.
وصف الذهبي كتابه فقال: ((بلغ فيه الغاية)). وهو أحد الحفاظ الكبار،
والأئمة الثقات. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي - حوادث ووفيات ٣٣١،
٣٥٠ - (٤٣٠).
(٤) محمد بن القاسم بن محمد بن القاسم بن محمد بن سيار، أبو عبد الله
الأموي، القرطبي، (ت٣٢٧هـ).
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٥٤/١٥): ((الإمام الحافظ
الكبير .. كان عالماً ثقة)).
١٥٩٢

ابن خيرون(١) عن محمد بن الحسين.
ومحمد بن الحسين هذا مجهول بالنقل، لم يذكره أبو بكر
ابن ثابت في تاريخه، في أهل بغداد، ولا أعلم أحدًا ذكره. وابن
خيرون يروي عنه مناكير، منها هذا. وقد وقعت له على أشياء
منكرة، فلا عبرة بنقله!
والمعروف عن أحمد، أنه إنما أثبت سماع الحسن من: ابن
عمر، وأنس، وعثمان بن أبي العاص، كذا نقل الأثرم عنه.
وإن أردت الوقوف على بعض رواياته المنكرة، فانظره في
الكلام على حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، في زكاة
الإبل، حديث: من أعطاها مؤتجرًا فله أجره، ومن منعها فإنا
آخذوها وشطر ماله))(٢).
انتهى كلام ابن المواق، ومن كتابه نقلته.
فوقف مغلطاي على كلام ابن المواق هذا، فذكره في
(إكمال تهذيب الكمال)، لكن ببعض تَصَرُّفٍ، أَخَلَّ ببعض معناه !!
قال مغلطاي، بعد أن ذكر الكلام المروي عن الإمام أحمد:
((قال ابن المواق في كتابه المسمى (بغية النقاد والنقلة): محمد بن
الحسين هذا مجهول، لا أعلم أحدًا ذكره. وابن خيرون يروي
المناكير، منها هذا.
والذي قال ابن وضاح، عن أبي جعفر البستي وغيره، عن
أحمد: أنه لم يسمع من ابن عباس)) (٣).
(١) محمد بن محمد بن خيرون أبو جعفر، القروي الأندلسي (ت٣٠٠هـ).
إمام ثقة مقرىء، وقع خلط كبير بينه وبين أبيه.
انظر: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (رقم ١٣٩٣)، والإكمال لابن
ماكولا، وحاشية تحقيقه (٢٠٤/٣ - ٢٠٦)، ورياض النفوس لعبد الله بن
محمد المالكي وحاشية تحقيقه (٥٢/٢ - ٥٦)، وسير أعلام النبلاء (١٤/
٢١٧).
(٢) بغية النقاد والنقلة (٦٨/ ب).
(٣) إكمال تهذيب التهذيب (١٥٢/ ب).
١٥٩٣

فأنت ترى كيف أن مغالطاي جعل ابن المواق جارحًا لابن
خيرون، وليس الأمر كذلك!
فابن المواق قال عن محمد بن الحسين: ((وابن خيرون
يروي عنه مناكير))، ولم يقل عن ابن خيرون: ((يروي المناكير)) !!
أمّا محمد بن الحسين هذا، الذي وصفه ابن المواق بالجهالة،
وأنه صاحب مناكير؛ فقد جاء ذكره في ترجمة محمد بن محمد بن
خيرون، في (تاريخ علماء الأندلس) لعبد الله بن محمد بن يوسف
الأزدي القرطبي، الشهير بابن الفرضي (ت ٤٠٣ هـ).
قال ابن الفرضي، في ترجمة ابن خيرون: ((وقد حدّث عنه
محمد القاسم، بكتاب أبي جعفر محمد بن الحسين البغدادي، في
الرجال))(١) .
وترجم لمحمد بن الحسين هذا الحافظ ابن حجر في (لسان
الميزان)، ووقعت في ترجمته تصحيفات كثيرة، فأنا أذكر ما جاء
في (اللسان)، مُصوِّبًا ما صُحّف فيه بين خطين!
قال الحافظ في (اللسان): ((محمد بن الحسين البغدادي: له
أسئلة عن يحيى بن معين وغيره، فيها عجائب وغرائب !!
نقل فيها - ولعلها: عنها - أبو عمر الصوفي - هو الصدفي -
وغيره من حفاظ المغاربة.
وحكى ابن الوراق - ابن المواق - عنه أنه قال: سألت أبا
داود: هل روى مكحول عن أبي هريرة؟ فقال: سألت عن ذلك
يحيى بن معين؟ فقال: نعم.
قال ابن الوراق - ابن المواق ـ: محمد بن الحسين عندي
متهم، ولا يقبل ما قال))(٢).
(١) تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (٧٩٩/٢ رقم ١٣٩٣).
(٢) لسان الميزان (١٤١/٥).
١٥٩٤

قلت: فآل الأمر بمحمد بن حسين البغدادي هذا، إلى أنه
متهم !!!
ولعمري! إن نكارة ما روي عن الإمام أحمد، في سماع
الحسن من ابن عباس رضي الله عنهما، لهي دليل ظاهر على ما
اتهم به !!
فنعود إلى أنه: ليس في الأئمة المتقدمين - ممن وقفت له
على كلام في هذه المسألة - من قال: إن الحسن سمع من ابن
عباس!
بل كل من وجدت له قولاً في هذه المسألة، ينفي السماع !!
حتى جاء العصر الحديث !!!
قال العلامة المحدث أحمد محمد شاكر - رحمه الله - في
تحقيقه لمسند الإمام أحمد: ((وقد تكلموا في سماع الحسن
البصري من ابن عباس، وجزم كثير من العلماء بأنه لم يسمع منه.
انظر: التهذيب ترجمة الحسن، والمراسيل لابن أبي حاتم
(١٢ - ١٣)، ونصب الراية (٩٠/١ - ٩١).
والحسن قد عاصر ابن عباس يقينًا، وكونه كان بالمدينة أيام
كان ابن عباس واليًا على البصرة، لا يمنع سماعه منه قبل ذلك أو
بعده .
نعم، قد يمنع الرواية التي يعللونها في قوله: خطبنا ابن
عباس بالبصرة))(١) .
كذا كان أحمد محمد شاكر أوَّلاً، قائلاً بعدم امتناع سماع
الحسن من ابن عباس رضي الله عنهما، مقويًا حصول السماع!
ثم جزم بالسماع !!
(١) مسند الإمام أحمد، التعليق على الحديث (رقم ٢٠١٨).
١٥٩٥

حيث ذكر حديثًا، سوف أذكره بعد نقل كلامه بالجزم
بالسماع، ثم قال عقبه: ((قد تكلموا في سماع الحسن البصري من
ابن عباس، بل في لقائه إياه، كما أشرنا - سابقًا -، ورجحنا هناك
صحة حديثه، لأنه عاصره.
وهذا الإسناد قاطع في ذلك، فإنه صريح في أنه لقي ابن
عباس، وسأله، وسمع منه))(١).
أمّا دليل أحمد محمد شاكر على سماع الحسن من ابن
عباس رضي الله عنهما، فهو: حديث محمد بن سيرين: ((أن
جنازة مرّت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن، ولم يقم ابن
عباس. فقال الحسن لابن عباس: أقام لها رسول الله وَله؟ فقال:
قام وقعد))(٢).
ظن أحمد محمد شاكر - رحمه الله - أن الحسن المهمل في
هذا الحديث الحسن البصري، وعليه بنى قوله بالسماع !!
وليس الأمر كما ظن !!!
فالحسن في هذا الحديث إنما هو الحسن بن علي رضي الله
عنهما، بلا خلاف !!!
كما جاء صريحًا مبينًا: أنه الحسن بن علي رضي الله
عنهما، في (السنن) للنسائي، و (المصنف) لابن أبي شيبة، و
(المعجم الكبير) للطبراني، و (السنن الكبرى) للبيهقي(٣).
(١) مسند الإمام أحمد التعليق على الحديث (رقم ٣١٢٦).
(٢) مسند الإمام أحمد (رقم ٣١٢٦).
(٣) السنن الصغرى للنسائي (رقم ١٩٢٤ - ١٩٢٧)، والكبرى (رقم ٢٠٥١ -
٢٠٥٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٥٨/٣ - ٣٥٩) (رقم ١١٩٢١)،
والمعجم الكبير للطبراني (رقم ٢٧٤٣ - ٢٧٤٧)، والسنن الكبرى للبيهقي
(٢٨/٤).
١٥٩٦

وكما نص عليه الطبراني في (المعجم الكبير)، والمزي في
(تحفة الأشراف)(١).
فلا تغتر بكلام أحمد محمد شاكر - رحمه الله - هنا، ولا
بدليله على سماع الحسن من ابن عباس رضي الله عنهما، فإنها
عَثْرَةُ جواد !!
ولأنه - رحمه الله - جواد ممسوحُ الغُرَّةِ مبارَكٌ، اغترّ بكلامه
بعضُ المعاصرين(٢)، فلا تُجارِهِم على هذا الاغترار، وَفَّقَكَ
الباري سبحانه !!
ولئن كان أحمد محمد شاكر - رحمه الله - قد أخطأ هذا
الخطأ، بناء على وَهْم قد يقع من أهل العلم، في عدم التوفيق
بتعيين المهمل من اسم الحسن في الحديث السابق؛ فهو معذور،
مأجور إن شاء الله تعالى.
غير أن الكلام بجهل، وفيما لا يحسنه المرء، والجُزْأَةً في
ذلك، هو المأخوذ على صاحبه، الملومُ عليه أشد اللوم !!
قال أحمد إسماعيل البسيط في كتابه (الحسن البصري
مفسرًا): ((إن بعض مصادر التاريخ ذكرت أن الحسن البصري كان
يتردد على درس ابن عباس بالمسجد في تفسير القرآن، وأُعجب
بمنطقه!
هكذا قال الجاحظ في البيان والتبيين -!!! -
لكن ابن حجر في تهذيب التهذيب ينكر ذلك)) !!! (٣).
(١) المعجم الكبير للطبراني (٨٦/٣)، وتحفة الأشراف للمزي (رقم ٣٤٠٩).
(٢) انظر تعليق عبد الفتاح أبو غدة على الموقظة للذهبي (٥٠)، وحاشية
تحقيق كتاب تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١٤٧٥/٢).
(٣) الحسن البصري مفسراً، لأحمد إسماعيل البسيط (٦٠).
١٥٩٧

وتالله لولا خوف الاغترار بهذا، لأهملته، ولمررت به (مرور
الكرام) باللغو، وهو الإعراض عنه !!
وعجبت من دخول (البيان والتبيين) للجاحظ، في مسائل
(علل الحديث)، ومعرفة السماع والإرسال !!!
ومع ذلك رجعت لـ (البيان والتبيين)(١)!
فلم أجد فيه إلا أثرين:
فأولاً: وجدت أن هذين الأثرين - هما عينهما - في
(المصنف) لعبد الرزاق، وفي (حلية الأولياء) لأبي نعيم(٢).
فما أفقر من لجأ إلى (البيان والتبيين)، لأمر من خصوصيات
علوم السنة، وهو مدوّن في مصنفات السنة !!!
وثانيًا: أن ذينك الأثرين اللذين في (البيان والتبيين)، كما في
ذلك العزو الفقير، ليس فيهما شيء عن (الحكاية) التي ذكرها
ذلك الأخ - سامحه الله، من تَرَدُّدِ الحسن على درس ابن عباس
رضي الله عنهما !!!
وكل ما في ذينك الأثرين: ثناء من الحسن على ابن عباس
رضي الله عنهما !!
وما في ذلك؟ !! وأنا وكل أحد نثني على ابن عباس
رضي الله عنهما الثناء البالغ، أفكنتُ تلميذَه الآخِذَ عنه سماعًا؟ !!!
ومن يخفى عليه قدر ابن عباس رضي الله عنهما في
العلم؟ !! وهو الحبر، ترجمان القرآن !!!
ذاك القول بالسماع، هو النسج المهلهل، الجهل والتَّقَوُّل !!
فإذا تركنا المُحدَثِين والمعاصرين، وأردنا أن نعرف وجه قول
(١) البيان والتبيين للجاحظ (٨٥/١).
(٢) مصنف عبد الرزاق (رقم ٨١٢٣، ٨١٢٤)، وحلية الأولياء (٣١٨/١).
١٥٩٨