Indexed OCR Text

Pages 1481-1500

في (معجم الصحابة)(١) وابن قانع في (معجم الصحابة)(٢) وابن
عساكر في (تاريخ دمشق)(٣).
ثلاثتهم من طريق منصور بن أبي مزاحم، عن يحيى بن
حمزة، عن المطعم بن المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن: ((أن
معاوية قال لابن الحنظلية: حدثنا حديثًا سمعته من
رسول الله ؟ ... )) - الحديث.
ومنصور بن أبي مزاحم: بشير، التركي، أبو منصور
البغدادي، الكاتب، (ت٢٣٥ هـ)، وهو ابن ثمانين سنة.
قال عنه الحافظ: ((ثقة))(٤).
فهذه الرواية، تظهر أن الحسن لم يذكر سماعًا من سهل بن
الحنظلية رضي الله عنه، في هذا الحديث. وأن الذي قال لابن
الحنظلية: ((حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله وَ ﴾))، إنما هو
· معاوية رضي الله عنه، لا الحسن، كما تزعمه رواية الطبراني
السابقة !!
فليس للحسن في هذا الحديث سماع من أحد، إنما يروى
الحديث والقصة مؤنأنة !!
وقد جاء اللفظ على هذه الدلالة أيضًا، من عدم ذكر سماع
الحسن من ابن الحنظلية لهذا الحديث، في سؤال ابن أبي حاتم
لأبيه عن هذا الحديث، الذي نقلنا جواب أبي حاتم عليه آنفًا .
قال ابن أبي حاتم في (العلل): ((سألت أبي عن حديث:
يحيى بن حمزة، عن المطعم بن المقدام، عن الحسن بن أبي
(١) معجم الصحاب للبغوي (٢٤١ - ٢٤٢).
(٢) معجم الصحابة لابن قانع (٥٣/أ).
(٣) تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٥٩٠/١٦).
(٤) التقريب (رقم ٦٩٠٧).
١٤٨٠

الحسن: أن معاوية قال لابن الحنظلية: حدثنا حديثًا سمعته من
رسول الله وَالٍ؟ ... ))(١) - الحديث.
ثم أجاب أبو حاتم بالجواب السديد السابق ذكره.
فظهر بهذا، أن ما جاء في (المعجم الكبير) للطبراني،
و(مسند الشاميين) له، خطأ، ناتج عن سقط !!
فالذي جاء فيهما: ((عن الحسن أنه قال لابن الحنظلية:
حدثنا حديثًا .. )).
والصواب: ((عن الحسن أن معاوية قال لابن الحنظلية:
حدثنا حديثًا . .)) !!
هذا .. مع أن الحديث لا يصح فيه ذكر الحسن البصري
أصلاً، لا سماعًا، ولا مرسلاً !! كما بينه أبو حاتم الرازي
رحمه الله!
وأن الصواب فيه: أنه من رواية جسر بن الحسن، عن
يعلى بن شداد، عن ابن الحنظلية رضي الله عنه.
أمّا كيف وقع ذلك الخطأ في مصدرين اثنين؟!
فله ثلاثة احتمالات :
أولها: أن يكون من شيخ شيوخ الطبراني: هشام بن عمّار،
فهو الذي روي الحديث من طريقه على الخطأ، وخالفه منصور بن
أبي مزاحم، كما سبق، فرواه بالإسناد نفسه، على الصواب.
ثانيها: أن يكون من الطبراني نفسه، حيث إن كلا
المصدرين من تصنيفه.
ولا يحتمل أن يكون من واسطته إلى هشام بن عمار، لأن
(١) العلل لابن أبي حاتم (رقم ٩٢٦).
١٤٨١

الطبراني يروي الحديث عن شيخين ثقتين، عن هشام بن عمار.
واحتمال اتفاق وقوع خطأ عفوي واحد منهما، على تلك الصورة،
ساقط جدًا.
وثالث الاحتمالات: أن يكون من محقق الكتابين، وهو
الشيخ الفاضل حمدي السلفي حفظه الله.
فكونه نفسه هو محقق الكتابين: (المعجم الكبير) و (مسند
الشاميين) للطبراني، يجعل احتمال تكرار الخطأ منه واردًا!
كأن يكون وقع في نسخة (المعجم الكبير) ذلك الخطأ، فمرّ
على المحقق فيه. ثم لمّا حقق (مسند الشاميين) بعد ذلك، قابله
بكتاب الطبراني الآخر الذي حققه، وهو (المعجم الكبير). فجرى
القلم في (مسند الشاميين)، على ماكان قد ارتسم في ذهنه، وعلى
ما هو أمامه، في (المعجم الكبير)، وتكرر الخطأ !!
هذه احتمالات تكرر الخطأ في كتابي الطبراني!
والأول، والأخير: أوجهها، وأضعفها الأوسط، لجلالة
الطبراني حفظًا وإتقانًا !!
الخلاصة: أن الحسن لم يسمع من سهل بن الحنظلية
رضي الله عنه، كما قال أبو حاتم الرازي رحمه الله.
والله أعلم.
١٤٨٢

سواد بن عمرو الأنصاري
قال البزار عن الحسن البصري: ((سمع من سواد بن
عمرو))(١).
لكن قال الحافظ ابن حجر في (الإصابة)، بعد أن ذكر
حديثًا لابن سيرين عن سواد بن عمرو: ((قال البخاري: حديثه عن
مرسل(٢) يعني ابن سيرين لم يسمعه منه.
وكذا أخرج له البغوي حديثًا آخر، من رواية الحسن البصري
عنه، فأرسله، لأنه لم يسمع منه))(٣).
وسواد بن عمرو بن عطية الأنصاري النجاري، وقيل في
اسمه: سوادة، بزيادة تاء مربوطة.
سكن البصرة(٤).
ولم أجد له تاريخ وفاة.
فليس لتاريخ الوفاة المجهول هذا، تعلّقٌ في تقريب احتمال
سماع الحسن منه، أو تبعيده!
لكن كون هذا الصحابي رضي الله عنه بصريًا، مما يُقوِّي
احتمال سماع الحسن البصري منه!
(١) نصب الراية (٩٠/١).
(٢) كلام البخاري هذا، في التاريخ الكبير (٢٠٢/٤).
(٣) الإصابة (١٤٨/٣).
(٤) معجم الصحابة للبغوي (٢٢٧)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٠٤/١/أ -
ب)، والاستيعاب لابن عبد البر (٦٧٣/٢ رقم ١١٠٧)، وأسد الغابة لابن
الأثير (٤٨٣/٢ - ٤٨٤)، والإصابة (١٤٨/٣).
١٤٨٣

أمّا نفي الحافظ ابن حجر لسماع الحسن من سواد بن
عمرو، فأحسبه بناه على قياس الحسن بابن سيرين، باعتبارهما
قرينين. فلمّا نفى البخاري سماع ابن سيرين من سواد، فالحسن
يكون مثله، لم يسمع من سواد أيضًا!
وهذا القیاس - إن قاس به أحد - مردود!
فلا يلزم أن يلقى الحسن كل من لقيهم أقرانه، أو أن لا
يلقى من لم يلقهم أقرانه!
ثم إن الحسن البصري أسن من ابن سيرين بعشر سنوات أو
أكثر، كما سبق في هذا البحث(١)، فسن الحسن - على ذلك -
يحتمل من اللقاء ما لا يحتمله سن ابن سيرين!
أمّا حديث الحسن عن سواد بن عمرو، فهو حديث روي
من وجوه عن الحسن البصري، لكني لم أجد تصريح الحسن
بالسماع من سواد، إلا في طريق واحدة، وهي:
ما أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى)، قال: ((أخبرنا
علي بن أحمد بن عبدان: أنبأنا أحمد بن عبيد: حدثنا محمد بن
يونس: حدثنا وهب بن جرير بن حازم: حدثنا أبي، عن الحسن،
قال: حدثني سواد بن عمرو، قال: أتيت النبي وَلّته، وأنا متخلق
بخلوق. فلمّا رآني، قال لي: يا سواد بن عمرو، خلوق وَزْس !!
أَوَ لَمْ أَنْهَ عن الخلوق؟! ونخسني بقضيب في يده، في بطني،
فأوجعني. فقلت: يا رسول الله، القصاص؟ قال: القصاص.
فكشف لي عن بطنه، فجعلت أُقبِله. ثم قلت: يا رسول الله،
أدَعُهُ: شفاعةً لي يوم القيامة))(٢).
علي بن أحمد بن عبدان بن الفرج الشيرازي، ثم الأهوازي،
أبو الحسن، (ت٤١٥ هـ).
(١) انظر ما تقدم (٦٩٢).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٤٨/٨ - ٤٩).
١٤٨٤

وثقه الخطيب، وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((ثقة
مشهور، عالي الإسناد))(١).
أحمد بن عبيد بن إسماعيل الصفار، أبو الحسن البصري،
ابن زوجة الكديمي، (ت بعد سنة ٣٤١ هـ بقليل).
قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((الإمام الحافظ المجوّد
- وكان ثقة ثبتًا))(٢).
ومحمد بن يونس الكديمي، تقدم أنه متروك.
ووهب بن جرير بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزدي،
البصري (ت ٢٠٦ هـ).
قال عنه الحافظ: ((ثقة))(٣).
قلت: فهذا الإسناد أسقطه الكديمي، فلا حجة فيه ولا
اعتبار!
ولم أجد الحديث بالتصريح بالسماع، إلا من هذا الوجه.
وللحديث طرق أخرى من غير تصريح بالسماع، أجود من
الطريق السابق، يرويها عن الحسن جماعة من تلاميذه، وهم:
- أيوب السختياني :
قال ابن أبي شيبة في (المصنف): ((حدثنا ابن علية، عن
عبد العزيز بن صهيب(٤) عن أيوب، عن الحسن: أن النبي ◌َّ
(١) تاريخ بغداد (٣٢٩/١١)، وسير أعلام النبلاء (٣٩٧/١٧ - ٣٩٨).
وزعم محقق السير أنه لم يعثر على مصادر ترجمته!
(٢) تاريخ بغداد (٢٦١/٤)، وسير أعلام النبلاء (٤٣٨/١٥ - ٤٤٠)، وقوله:
((كان ثقة ثبتاً) هي عبارة الخطيب في تاريخ بغداد.
(٣) التقريب (رقم ٧٤٧٢).
(٤) عبد العزيز بن صهيب البناني، البصري.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٤١٠٢): ((ثقة)).
١٤٨٥

رأى [سواد](١) بن عمرو متخلقًا، فقال: حُطَّ حُطَّ؟! وَزسٌ!
وَرْسٌ !! ))(٢).
وإسناده صحيح إلى الحسن البصري.
وقوله: ((حُطَّ، حطَ))، أي: ضع، ضع، فالحط الوضع(٣)،
وهو أمر بإزالة طيب الورس الذي كان هذا الصحابي متضمخًا به.
ويحتمل أن يكون: ((حَطّ؟! حَطُّ؟!)) والحط: صقل الجلود
ونقشها(٤)، فكأنه استخدمه هنا مجازًا، لِمَا ظَهَر على هذا
الصحابي من لون الورس. فهو تعجّبٌ واستنكار، مثل قوله:
((ورس؟! ورس؟!)).
أمّا الوَرْس، فهو: نبات معروف، له ثمر صغير كالسمسم،
أصفر اللون، يستخدم صباغًا وخضابًا(٥). وهو من طيب النساء،
لأنه لون رائحته ضعيفة .
ـ عُمر بن سليط.
قال أبو القاسم البغوي في (معجم الصحابة): ((حدثنا
زهير بن محمد(٦) وعلي بن شعيب(٧) وأحمد بن منصور (٨) -
(١) في المصدر: ((سوار)) بالراء، وهو تصحيف واضح!
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٤١٣/٤) (رقم ١٧٦٧٧).
(٣) لسان العرب - حط (٢٧٢/٧ - ٢٧٣)، وتاج العروس (١٩٧/١٩ -
١٩٨).
(٤) لسان العرب - حط (٢٧٥/٧)، وتاج العروس (١٩٨/١٩).
(٥) وانظر لسان العرب - ورس (٢٥٤/٦)، وتاج العروس (٨/١٧ - ١١).
(٦) زهير بن محمد بن قمير، المروزي، نزيل بغداد، ثم رابط بطرسوس،
(ت٢٨٥ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٢٠٤٨): ((ثقة)).
(٧) علي بن شعيب بن عدي السمسار البزاز، البغدادي، فارسي الأصل،
(ت٢٥٣ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٤٧٤٥): ((ثقة)).
(٨) هو الرمادي، تقدم أنه ثقة حافظ.
١٤٨٦

واللفظ لزهير، قالوا: حدثنا موسى بن داود(١) حدثنا عمر بن
سليط(٢) عن الحسن، عن سوادة بن عمرو الأنصاري، وكان
يصيب من الخلوق. فتلقاه النبي 18 مرتين أو ثلاثة، فنهاه. فلقيه
ذات يوم، ومعه جريدة، فقال: إما عاتبه، وإما طعن - بها في
بطنه، فخدشه. فقال: أَقِذْني يا رسول الله، أو أَقِصِّني. فحسر
رسول الله يل عن بطنه، وقال: هيا اقتص. فلما رأى بطن
رسول الله ◌َيهر، ألقى الجريدة، وعلق يقبله.
قال الحسن: حجزه الإيمان، ثم استبكى!))(٣).
وأخرجه أبو نعيم في (معرفة الصحابة)، من طريق البغوي.
ثم قال عقبه: ((ورواه أبو حاتم الرازي، عن إسحاق بن عمر بن
سليط، عن أبيه، عن الحسن، ... مثله))(٤).
وهذا إسناد حسن إلى الحسن البصري.
ولم أقف على المتابعة التي علّقها أبو نعيم، ولا أعلم ما إذا
كان الحسن قد صرَّح فيها بالسماع، أم عنعنها؟!
- عمرو بن عبيد المعتزلي المتهم.
(١) موسى بن داود الضبي، أبو عبد الله الطرسوسي، نزل بغداد، ثم ولي
قضاء طرسوس، الخلقاني، (ت٢١٧ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٦٩٥٩): ((صدوق، فقيه، زاهد له أوهام)).
(٢) عمر بن سليط الهذلي، أبو حفص البصري، صاحب الهروي.
ترجم له البخاري في التاريخ الكبير (١٦٣/٦)، وابن أبي حاتم في الجرح
والتعديل (١١٣/٦)، ولم يذكرا فيه جرحاً أو تعديلاً.
بينما قال عنه أبو داود، كما في سؤالات الآجري (رقم ٤٣٠):
((إسحاق بن عمر بن سليط ليس به بأس، وأبوه ليس به بأس)).
وذكره ابن حبان في الثقات (١٦٩/٧).
(٣) معجم الصحابة للبغوي (٢٢٧).
(٤) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٠٤/١/ب).
١٤٨٧

قال عبد الرزاق في (المصنف): ((عن ابن عيينة، عن
عمرو، عن الحسن، قال: كان رجل من الأنصار، يقال له:
سوادة بن عمرو، يتخلق، كأنه عرجون ... )) (١) - الحديث مطولاً.
وأخرجه ابن الأعرابي في كتاب (القبل والمعانقة والمصافحة)
من طريق أخرى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن الحسن ..
(٢)
به (٢).
وإسناده متروك، لحال عمرو بن عبيد، وما ينسب إليه من
التهمة وسؤ المذهب.
- رجل مبهم، عن الحسن.
قال عبد الرزاق في (المصنف): ((عن معمر، عن رجل،
عن الحسن: أن النبي (وَلُّ لقي رجلاً مختضبًا بصفرة ... ))(٣) -
الحديث بطوله، دون ذكر اسم الصحابي.
وأخرجه ابن الأعرابي في (القبل والمعانقة والمصافحة)، من
طريق عبد الرزاق .. به (٤).
وإسناده ضعيف للرجل المبهم الذي في إسناده.
هذه هي روايات الحديث، التي وقفت عليها.
وكما رأيت ليس في شيء منها تصريح بالسماع للحسن من
سواد بن عمرو، إلا ما جاء من رواية الكديمي المتروك!
فإذا عُدِمنا النص القاطع في المسألة، فلا بد لنا فيها من
(١) مصنف عبد الرزاق (رقم ١٨٠٣٩).
(٢) القبل والمعانقة لابن الأعرابي (رقم ٢٤).
(٣) مصنف عبد الرزاق (رقم ١٨٠٣٨).
(٤) القبل والمعانقة لابن الأعرابي (رقم ٢٥).
١٤٨٨

ترجيح، بين قول البزار بإثبات السماع، وقول الحافظ ابن حجر
بنفیه!
فإن نظرنا إلى ذات القولين، وإلى أن إثبات السماع لا يكون
بمجرد الاجتهاد المعتمد على القرائن - غالبًا، وإنما يكون بالوقوف
على التصريح الصحيح بالسماع. وليس نفي السماع كذلك، فإنه
غالبًا ما يكون بالقرائن، ويندر أن يكون بالنص على عدم السماع
من الراوي صاحب الشأن -.
فإن نظرنا إلى القولين ذاتيهما: السماع ونفيه، رجَّخنا القول
بالسماع. لما ذُكر، من أن القول بالسماع، لا يكون - غالبًا - إلا
بالاطلاع على تصريح صحيح بالسماع، وليس كذلك نفي
السماع.
وإن نظرنا - بعد ذلك - إلى القرائن، التي يرجع إليها كل
قول منهما، بعد أن لم نجد النص الصحيح لأحدهما: وجدنا أن
قرائن القول بالسماع، وهي قوّة احتمال لقاء الحسن بسواد بن
عمرو، كما ذكرنا سابقًا، أرجح وأثبت من قرائن القول بعدم
السماع، وهي قياس الحسن بابن سيرين، كما شرحناه سابقًا،
مبينين عدم صحة هذا القياس!
فإن نظرنا - أخيرًا - إلى القائلَيْن بكل قول منهما: البزار
والحافظ ابن حجر - وجدنا أن البزار أحد حفاظ القرون الأولى،
ونقاد العصر الذهبي للسنة، وأنه قريبٌ عهدًا، بالنسبة إلى من
عاش في القرن التاسع، وأنه من الذين أتيح لهم الاطلاع على
الأصول، وعلى النسخ الحديثية الأصلية، والأخذ للسنة رطبة من
أفواه رواتها؛ وأنه من حفاظ البصرة، وأحد جهابذة النقد فيها،
أدرك فيها، وعلم من أهلها، ومن أهل العلم بها، كثيرًا مما
تناقلوه عن إمامهم الحسن البصري، من حديثه وخبره، و (أهل
مكة أدرى بشعابها)؛ ثم إنه - أعني البزار - له اعتناء خاص
١٤٨٩

بالحسن البصري، وبالأخص: بمن سمع منهم ومن لم يسمع منهم
فهو صاحب ذلك الكلام الطويل النفيس، في سماع الحسن
وإرساله، الذي لخصه الزيلعي وحرره في (نصب الراية) !! (١).
والحافظ ابن حجر: سيد من سادات العلم، وعَلَمْ من أعلام
الحديث، ومن لم يأت بعده مثله، لكنه ليس له شيء من تلك
الميزات المذكورة، التي فاز بها البزار !!
لذلك كله، أجدني مضطرًا - اضطرارًا - إلى ترجيح كلام
البزار، وأجدني منقادًا إلى القول بصحة سماع الحسن من سواد بن
عمرو رضي الله عنه !!!
فالصحيح - عندي -: أن الحسن سمع من سواد بن عمرو
رضي الله عنه.
وليس للحسن عن سواد بن عمرو شيء من شرط البحث،
بل ليس له عنه إلا حديثه المذكور آنفًا، فيما أعلم.
والله أعلم.
(١) انظر كلامنا عمّا نقله الزيلعي عن البزار في هذا البحث (٥٦٦ - ٥٦٧).
١٤٩٠

شداد بن أوس الأنصاري
لم يذكر المزي شداد بن أوس رضي الله عنه في شيوخ
الحسن البصري، ولا وجدت لغير المزي أيضًا كلامًا في رواية
الحسن عنه.
وشداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أبو يعلى، من علماء
الصحابة وزهادهم، رضي الله عنه وعنهم أجمعين.
نزل الشام، وسكن بيت المقدس(١).
وتوفي ببيت المقدس سنة ثمان وخمسين، وقيل بعدها، إلى
سنة أربع وستين (٢).
فهو من أهل الشام، الذين ليس للحسن عنهم سماع، كما
تقرر في مقدمات هذا الباب.
فبناء على هذه القاعدة، يكون الحسن لم يسمع من
شداد بن أوس رضي الله عنه.
ويؤكد صحة هذه النتيجة، أني لم أجد حديثًا معنعنًا يصح
أن الحسن رواه عن شداد بن أوس رضي الله عنه، فضلاً عن
حدیث یذکر السماع!
(١) طبقات ابن سعد (٤٠١/٧)، وطبقات خليفة (٣٠٣)، وطبقات مسلم (رقم
٣٩٧).
(٢) طبقات ابن سعد (٤٠١/٧)، وتاريخ مولد العلماء، ووفياتهم للربعي (١/
١٦٣)، وأسد الغابة (٥٠٧/٢)، والإصابة (١٩٥/٣ - ١٩٦).
١٤٩١

وقد سبق أن ذكرنا حديثًا للحسن عن شداد رضي الله عنه،
في مبحث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وهو حديث: ((أفطر
الحاجم والمحجوم)). وبينا هناك ضعف إسناده إلى الحسن، وأنه
مما لا يصح عن الحسن البصري(١).
وليس للحسن عن شداد رضي الله عنه شيء من شرط
البحث، وله عنه أحاديث ثلاثة، سوى الحديث المذكور آنفًا،
ليس منها شيء يصح!
فقد أخرج الطبراني الأحاديث الثلاثة في (المعجم الكبير)،
بإسناد واحد، قال فيه: ((حدثنا محمد بن خالد الراسبي: حدثنا
المهلب بن العلاء: حدثنا شعيب بن بيان الصفار: حدثنا عمران
القطان، عن قتادة، عن الحسن، عن شداد بن أوس: أن
رسول الله وَ لقر قال :
الفقر أزين على المؤمن من العذار الحسن على خد
الفرس)) .
وبإسناده: ((إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة)).
وبإسناده: ((أول ما يرفع من الناس الخشوع))(٢).
وأخرج الشجري الحديث الأول في (أماليه)، من طريق
الطبراني، بإسناده(٣).
وأخرج الطبراني في (مسند الشاميين) الحديث الثالث،
فقال: ((حدثنا أحمد بن محمد بن حمزة الدمشقي: حدثنا أبو
الجماهر: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن
(١) انظر ما تقدم (٦٦٣ - ٦٦٤).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٧١٨١، ٧١٨٢، ٧١٨٣).
(٣) الأمالي للشجري (١٥٩/٢).
١٤٩٢

شداد بن أوس أن نبي الله وَّ قال: إن أول ما يُرْفَعُ من الناس
الخشوع))(١).
وأخرج ابن عدي في (الكامل)، وأبو نعيم في (ذكر أخبار
أصبهان) الحديث الثالث: ((أول ما يرفع من الناس الخشوع)). لكن
من طريق: حسام بن مصك، عن الحسن، عن شداد بن أوس
رضي الله عنه - مرفوعًا(٢).
ونبدأ بإسناد الطبراني:
فشيخ الطبراني: محمد بن خالد الراسبي، لم أجد له
ترجمة!
لكنه أحد شيوخ أبي الشيخ الأصبهاني، كما في كتابيه
(الأمثال) و (أخلاق النبي (وَلَّ)(٣). ومن شيوخ ابن السني في
(عمل اليوم والليلة)(٤). ومن شيوخ الرامهرمزي في (المحدث
الفاصل)(٥).
والمهلب بن العلاء، لم أجد له ترجمة أيضًا!
وقال الهيثمي - قبلي - مثل ذلك في (مجمع الزوائد)(٦).
أمّا شعيب بن بيان بن زياد الصفار، البصري، فقال عنه
الحافظ: ((صدوق يخطيء))(٧).
ولا أدري: من ماذا استفاد الحافظ هذا التعديل لشعيب بن
بیان؟ !!
(١) مسند الشاميين للطبراني (رقم ٢٦٣٧).
(٢) الكامل لابن عدي (٤٣٤/٢)، وذكر أخبار أصبهان (٣٣٤/٢).
(٣) الأمثال لأبي الشيخ (رقم ٣٤٨)، وأخلاق النبي وَلي له أيضاً (١٢٩).
(٤) عمل اليوم والليلة لابن السني (رقم ٢٣٤).
(٥) المحدث الفاصل للرامهرمزي (رقم ١١١، ١١٢، ٣٢٦).
(٦) مجمع الزوائد للهيثمي (١٤٥/٤).
(٧) التقريب (رقم ٢٧٩٥).
١٤٩٣

فالذي في ترجمته في (التهذيب) للحافظ نفسه(١):
قال الجوزجاني: ((له مناکیر)).
وقال العقيلي في (الضعفاء الكبير): ((يحدِّث عن الثقات
بالمناكير، وكان يغلب على حديثه الوهم» (٢).
ثم قال الحافظ: ((وذكره ابن حبان في الثقات، ولم
ينسبه ... فلا أدري هوذا أم غيره))(٣).
هذا كل ما في (التهذيب) !!!
ولم أجد عليه إضافة!
لكن على ماذا اعتمد الحافظ في وصفه لشعيب بأنه
صدوق؟ !! والحاصل أن ذكر ابن حبان للراوي في (الثقات) وحده
لا يعتمده الحافظ نفسه كثيرًا! فضلاً عن كونه مخالفًا لتضعيف
الجوزجاني والعقيلي! فضلاً عن كون الحافظ غير جازم بأن
المذكور في (الثقات) هو المترجم أم غيره !!!
فشعيب بن بيان، على ما وجدناه من كلام العلماء فيه:
ضعيف، لا تقوم به حجة.
ثم إن الأحاديث التي ساقها الطبراني بهذا الإسناد، كلها
أحاديث منكرة! وخاصة الأول منها: ((الفقر أزين على المؤمن من
العذار الحسن على خد الفرس)). ولذلك ذُكر هذا الحديث في
كتب الموضوعات والواهيات(٤)، وأَخْلِقْ به أن يكون كذلك !!
(١) التهذيب (٣٤٩/٤ - ٣٥٠).
(٢) الضعفاء الكبير (١٨٣/٢).
(٣) التهذيب (٤/ ٣٥٠).
(٤) انظر المقاصد الحسنة للسخاوي (رقم ٧٤٥)، وتذكرة الموضوعات للفتني
(١٧٨)، وكشف الخفاء للعجلوني (رقم ١٨٣٥)، وسلسلة الأحاديث
الضعيفة للألباني (رقم ٥٦٤). ثم انظر الكلام المهلهل في تنزيه الشريعة
المرفوعة للكناني (٣١١/٢).
١٤٩٤

لكن على من تُلْقَى تَّبِعَةُ هذا الحديث المنكر؟ أَعَلَى شيخ
الطبراني؟ أم على المهلب بن العلاء؟ أم على شعيب بن بيان؟
ولا رابع لهؤلاء، لأنّ من سواهم في الإسناد ثقات!
أمّا شيخ الطبراني، فمع عدم الوقوف على ترجمة له، إلا
أني أُجلُهُ عن أن أُعَصْبه جناية هذا الحديث. فهو شيخٌ لحُفّاظٍ
كبار: الطبراني، وأبي الشيخ، وابن السني، والرامهرمزي. ومثله
يرتفع ويتقوى برواية بعض هؤلاء، فضلاً عن كلهم!
أمّا المهلب بن العلاء، وشعيب بن بيان، فموضع ريبة،
تستحق تعصيب جناية الحديث بأحدهما!
المقصود أن الحديث إما أنه سَيُزدي المهلب، أو شعيب.
وبأي هذين الاحتمالين يكون ذلك الإسناد الذي روى الطبراني به
تلك الأحاديث الثلاثة إسنادًا منكرًا شديدَ الضعف.
وهذا هو حكم ذلك الإسناد عندي، وعند من يوافق على
الدليل الذي أثبته آنفًا !!
وأمّا إسناد الطبراني الذي في (مسند الشاميين)، ففيه شيخ
الطبراني: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة البَتْلهي الدمشقي،
(ت ٢٨٩ هـ)، وهو ضعيف حدّث بالمناكير وكان يتلقّن(١). فهو
صاحبُ هذا الإسناد الغريب، ولعلّه مما لُقّنه!
وبقيت متابعةُ حسام بن مصك في حديث: ((أول ما يرفع
من الناس الخشوع)) التي خرّجناها سابقًا.
وحسام بن مصَك الأزدي، أبو سهل، (ت١٦٣ هـ)، قال
عنه الحافظ: ((ضعيف، يكاد أن يترك))(٢).
(١) لسان الميزان لابن حجر (٢٩٥/١).
(٢) التقريب (رقم ١١٩٣)، وتاريخ الوفاة من الكامل لابن عدي (٤٣٣/٢).
١٤٩٥

وقد أنكر الفلاس حديثه هذا خاصة، فقال - كما في
(الكامل) لابن عدي -: ((حسام بن مصك، يكنى بأبي سهل،
رجل من الأزد، منكر الحديث، متروك الحديث. روى عن
الحسن، عن شداد بن أوس، عن النبي وَ لا ير: أول ما تفقدون من
دينكم الخشوع)) (١).
قلت: فهذا حديث إسناده شديد الضعف أيضًا!
فلم يبق للحسن عن شداد بن أوس رضي الله عنه حديث
متماسك، قد يحملنا على التورع في إطلاق عدم سماع الحسن
منه رضي الله عنه، فنجزم - إذًا - أنه لم يسمع منه!
والله أعلم.
(١) الكامل لابن عدي (٤٣٤/٢).
١٤٩٦

صخر بن قدامة
للحسن البصري عن صخر بن قدامة حديث واحد، شُكِّكَ
في سماع الحسن له منه!
فقد أعل الحافظ ابن حجر في (الإصابة) حديث الحسن
الوحيد عن صخر، بقوله: ((لم يصرح الحسن بسماعه منه))(١).
أمّا صخر بن قدامة: فلم يترجم له البخاري في (تاريخيه:
الكبير والأوسط)، ولا ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ولا
حتى ابن حبان في (الثقات) أو (المجروحين) !!
مع ذلك فقد ذُكر في بعض كتب الصحابة! كما سيأتي في
تخريج حديثه، إن شاء الله تعالى.
وذِكْرُ صخر بن قدامة في الصحابة خطأ ظاهر، كما سأشرحه
لك بعد قليل، إن شاء الله سبحانه.
وقد ذكر الشكَّ في صحبة صخر بن قدامة الإمامُ الذهبيُّ في
(تجريد أسماء الصحابة)، حيث قال عنه: ((كأنه تابعي))(٢).
ثم عاد الإمام الذهبي، فجزم في (ميزان الاعتدال)، حيث
قال: ((وصخر تابعي))(٣).
(١) الإصابة (٢٣٩/٣).
(٢) تجريد أسماء الصحابة للذهبي (رقم ٢٧٧٩).
(٣) ميزان الاعتدال (٦٢٩/١).
١٤٩٧

أمّا حديث الحسن عنه:
فهو ما رواه خالد بن خداش، عن حمّاد بن زيد، عن
أيوب، عن الحسن، عن صخر بن قدامة، قال: قال
رسول الله وقدر: ((لا يولد بعد سنة مائة [وفي رواية: بعد سنة
مائتين. وفي رواية: بعد سنة ستمائة] مولود الله فيه حاجة)).
أخرجه ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث)(١) وأبو زكريا
يزيد بن محمد بن إياس الأزدي الموصلي (ت ٣٣٤ هـ)، في
(تاريخ الموصل)(٢). والخلال في كتاب (العلل)(٣) والطبراني في
(المعجم الكبير) (٤) وابن قانع في (معجم الصحابة)(٥) وأبو نعيم
في (معرفة الصحابة)(٦).
كلهم من طريق خالد بن خداش .. به.
زاد عند ابن قتيبة، وأبي زكريا الأزدي، والخلال، وأبي
نعيم، في آخر الحديث: ((قال أيوب: فلقيت صخر بن قدامة،
فسألته عن الحديث، فقال: لا أعرفه)) !!!
ولا تخفى النكارة الشديدة التي في هذا الحديث، وما يصادم
معناه، من آي الكتاب، ومتواتر السنة، والواقع.
فأين قول الله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولُ بِالْحُدَى وَدِينِ الْحِّ
يُظْهِرَهُ عَلَى الذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُنَ﴾(٧) .
(١) تأويل مختلف الحديث (١١٤)، وانظر اللآلى المصنوعة (٣٨٩/٢)، وكنز
العمال (رقم ٣٨٦٠٧).
(٢) تاريخ الموصل للأزدي (١٨ - ١٩).
(٣) منتخب كتاب العلل للخلال، لابن قدامة (٢١٣/أ).
(٤) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٧٢٨٣).
(٥) معجم الصحابة لابن قانه (٧٤/أ).
(٦) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٢٦/١/أ).
(٧) سورة الصف: الآية (٩).
١٤٩٨

وأين قوله وَلير في الحديث الثابت: ((لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين عَلَى الحق، حتى يأتي أمر الله))(١).
أمّا الواقع، فقال ابن الجوزي في (الموضوعات): ((وكيف
يكون صحيحًا، وكثيرٌ من السادة والأئمة وُلدوا بعد المائة))(٢).
قلت: وما رواية (الستمائة) بأقل مصادمةً للواقع من رواية
(المائة)! فكم من الأئمة والسادة وُلدوا بعد (الألف)؟ !! وحتى
الآن !! وإلى أن تُقبض أرواحُ المؤمنين بعد نزول عيسى بن مريم
عليه السلام.
ومِنْ أجل هذه المخالفة للكتاب والسنّة والعَيّان، قال الإمام
أحمد عن هذا الحديث: ((ليس بصحيح وهو منكر))(٣). بل حكم
عليه الجمعُ الغفير من الأئمة أنه موضوعٌ مكذوبٌ على
النبي ◌ِالْو(٤).
أمّا عِلّةُ هذا الحديث، فهذا ما للأئمة فيه مسالك؛ منها ما
سبق على الحافظ من إشارته إلى اتّهام الحسن بتدليسه! وهذا ما
لا أقبله، كما يأتي. وأيضًا: خُدِشَ خالد بن خداش لتفرّده بهذا
الحدیث :
(١) انظر وصف الأئمة لهذا الحديث بأنه متواتر، في اقتضاء الصراط المستقيم
لابن تيمية (٣٢/١ -٣٣)، وقطف الأزهار المتناثرة للسيوطي (رقم ٨١)،
ونظم المتناثر للكتاني (رقم ١٤٦).
(٢) الموضوعات لابن الجوزي (١٩٢/٣).
(٣) المنتخب من كتاب العلل للخلال، لابن قدامة (٢١٣/أ).
(٤) انظر: الموضوعات لابن الجوزي (١٩٢/٣)، والمنار المنيف لابن قيّم
الجوزيّة (رقم ٢٠٩)، واللآلى المصنوعة للسيوطي (٣٨٩/٢)، وتنزيه
الشريعة المرفوعة لابن عراق (٣٤٥/٢)، وتذكرة الموضوعات للفتني
(٢٢٢)، والأسرار المرفوعة للقاري (رقم ٤٥٠)، والفوائد المجموعة
للشوكاني (رقم ١٤٢٦)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (رقم
١١٦١)، وغيرهم.
١٤٩٩