Indexed OCR Text

Pages 1261-1280

فلا يدل هذا الحديث إذًا، على سماع الحسن من سمرة
رضي الله عنه.
ورحم الله الإمام أحمد! "
فهو الذي أخرج في (مسنده)، حديث سكتتي الصلاة، من
الطريق التي تذكر حضور الحسن لصلاة سمرة رضي الله عنه. مع
ذلك ينفي أن يكون الحسن سمع من سمرة، ويُخَطِيء من زعم
ذلك على الحسن: أنه صرّح بالسماع من سمرة رضي الله عنه،
فيقول - رحمه الله - منكرًا: ((قال بعضهم: سمع سمرة !! )).
فهو لا يرى حديث سكتتي الصلاة، مما يثبت به سماع
الحسن من سمرة، مع إخراجه له في (مسنده)!
وقد بينا ذلك بالأدلة القاطعة!
فالحمد لله على توفيقه.
والله أعلم.
١٢٦٠

الحديث الرابع:
قال أبو علي الحسن بن علي بن نصر الطوسي (ت٣١٢ هـ)
في كتابه (مختصر الأحكام) المستخرج على جامع الترمذي:
((حدثنا محمد بن المثنى العنزي البصري، قال: نا سعيد بن سفيان
الجحدري، قال: نا شعبه، عن قتادة، عن الحسن، قال: نا
سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله وَلجر: مَنْ توضّأ يومَ
الجمعة فَبِها وَنِعْمَتْ، ومن اغتسل فالغُسْل أفضل))(١).
وهذا إسنادٌ حسن.
ورَقَّمَ مُحقّقُ الكتاب الدكتور أنيس بن أحمد على صيغة
السماع (نا)، التي بين الحسن وسمرة، وقال في حاشية الكتاب:
(«هذه الرواية تؤكّد سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه غيرَ
حديث العقيقة)).
لكني لا أُجَوّز الاحتجاج بهذه الصيغة، التي تفرّد بها مصدرٌ
غير مشهور شُهْرةً غيره، وليس له إلا نسخة مخطوطةٌ واحدة، هي
التي اعتمد عليها المحقّق الفاضل، من روايةٍ وإسنادٍ واحدٍ عن
مصنّف الكتاب. في حين أنّ هذا الحديث مخرَّجْ من وجوه
كثيرة، وفي ما يُقاربُ عشرين كتابًا من مشهور كتب السنّة وغير
مشهورها؛ وليس في واحدٍ منها ذِكْرُ تلك الصيغة(٢)!
بل لقد أخرج الحديثَ الترمذيُّ في (الجامع)، الذي إنما
صنّف أبو علي الطوسيُّ (مختصرَهُ) مُسْتَخْرِجًا عليه، بإسناد
الطوسي نفسه، فلم يذكر صيغة السماع تلك !!
قال الترمذي في (جامعه): ((حدثنا أبو موسى محمد بن
(١) مختصر الأحاكم للطوسي (١٠/٣ رقم ٤٦٧).
(٢) انظر (١٣٧٥ - ١٣٨١).
١٢٦١

المثنى: حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري: حدثنا شعبة، عن
قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب .. )) (١) - الحديث.
وهذا - كما تراه - إسنادُ الطوسي نفسُه، من أوّله إلى أخره.
فلوكان في الحديث صيغةُ سماع لكان الترمذي و(جامعُه)
أولى بنقلها وحفظها.
بل عندما أراد الترمذي أن يذكر حجّة من أثبت سماع
الحسن من سمرة، لم يذكر إلا حديث العقيقة، ولم يُلْمِخ إلى
وجود دليل سواء(٢).
ولم ينفرد الطوسيُّ والترمذي برواية هذا الحديث عن
محمد بن المثنى، فقد قال الطبراني في (المعجم الكبير): ((حدثنا
زكريا بن يحيى الساجي: حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا سعيد بن
سفيان الجحدري: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن
سمرة ... )) . - الحديث(٣).
ولم ينفرد محمد بن المثنى برواية هذا الحديث عن
سعيد بن سفيان الجحدري، فقد قال الروياني في (مسنده):
«حدثنا محمد بن بشار: حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري: حدثنا
شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ... )) - الحديث(٤).
ولم ينفرد الجحدري برواية هذا الحديث عن شعبة، فقد
رواه أيضًا يزيد بن زريع وعفّان بن مسلم، كلاهما عن شعبة ..
به، بالعنعنة بين الحسن وسمرة(٥).
(١) جامع الترمذي (رقم ٤٩٧)، وأخرجه البغوي من طريق الترمذي في شرح
السنة (رقم ٣٣٥).
(٢) جامع الترمذي (٣٤٢/١ - ٣٤٣ عقب رقم ١٨٢).
(٣) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٦٨١٩).
(٤) مسند الروياني (رقم ٧٨٧).
(٥) انظر ما يأتي (١٣٧٦).
١٢٦٢

ولم ينفرد شعبةُ برواية هذا الحديث عن قتادة، كما ستراه
فيما يأتي من هذا البحث، إن شاء الله تعالى(١).
عند هؤلاء كلّهم، لم يذكر أحدٌ منهم صيغةً للسماع بين
الحسن وسمرة.
بل يتعقّب النسائي هذا الحديثَ نفسَه في (المجتبى) بقوله:
((الحسن عن سمرة كتابًا، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث
العقيقة))(٢).
بل لم يحتجّ أحدٌ من الحفّاظ وأئمة الحديث قديمًا وحديثًا،
ممن يُثبت سماع الحسن من سمرة، بهذا الحديث؛ فأين هُم
عنه؟! وهو حديثٌ مشهورٌ، تداولته كتبُ السنّة !!
وعلى هذا، فلستُ أُطَبْقُ قاعدةَ المخالفةِ بين الرواة والحُكْم
بالشذوذٍ وَخدها في رَدّي لصيغة السماع تلك، وهي طريقةٌ كنتُ
قد بيّنتُ خطأ اتّباعهما في صيغ السماع والصيغ المحتملة(٣).
ولكنّي طبّقتُ تلك القاعدة، وحكمتُ بالشذوذ المردود، بناءً
على قرائن أخرى، واحتمالات واردة، أراها مُبْطِلَةً الاستدلال بتلك
الصيغة على سماع الحسن من سمرة.
وبناءً على ما سبق، لا أرى هذا الحديث قائمًا بإثبات سماع
الحسن من سمرة رضي الله عنه.
أقلّ ما يقال فيه: إنه تحوم حوله شُبَةٌ، لا تجعله أهلاً
لاطمئنان القلب إليه اطمئنانَهُ بالحجّة الثابتة.
(١) انظر ما يأتي (١٣٧٦ - ١٣٧٧).
(٢) المجتبى للنسائي (رقم ١٣٨٠).
(٣) انظر ما سبق (٧٠١ - ٧٠٧).
١٢٦٣

الحديث الخامس:
قال الطبراني في (المعجم الأوسط): ((حدثنا أحمد، قال:
حدثنا عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم، قال: حدثنا
محمد بن [حمران](١) قال: حدثنا أبو روح عن الحسن، قال: قال
سمرة بن جندب: ألا أحدثك حديثًا، سمعته من رسول الله وَلـ
مرارًا، ومن أبي بكر مرارًا، ومن عمر مرارًا؟ قلت: بلى.
قال: من قال إذا أصبح، وإذا أمسى: اللهم أنت خلقتني،
وأنت تهديني. وأنت تطعمني، وأنت تسقيني. وأنت تميتني،
وأنت تحييني - لم يسأل شيئًا إلا أعطاه الله إياه.
قال: فلقيت عبد الله بن سلام، فقلت: ألا أحدثك حديثًا
سمعته من رسول الله 18 مرارًا، ومن أبي بكر مرارًا، ومن عمر
مرارًا؟ قال: بلى. فحدثته بهذا الحديث، فقال: بأبي هو وأمي
رسول الله وَالقر! هؤلاء الكلمات، كان الله عز وجل قد أعطاهن
موسى عليه السلام. فكان يدعو بهن في كل يوم سبع مرار، فلا
يسأل الله عز وجل شيئًا إلا أعطاه!
[قال الطبراني: لا يروى عن سمرة إلا بهذا الإسناد، تفرد
به عبد الرحمن بن بكر]))(٢).
وقال المنذري في (الترغيب والترهيب)، بعد أن أورده:
((رواه الطبراني في الأوسط، بإسناد حسن)) (٣).
(١) في مطبوع معجم الطبراني الأوسط (بن عمران)، والتصويب من نسخته
المخطوطة، ومن الإعلام بسنته لمغلطاي، كما يأتي في التعليقة التالية.
(٢) المعجم الأوسط للطبراني (٢٠/٢ - ٢١ رقم ١٠٣٢)، والنسخة المخطوطة
(٥٧/١/أ - ب).
وكلام الطبراني عقبه، لم يرد في المصدر: مطبوعه ومخطوطه! ولم يرد
في مجمع البحرين للهيثمي (رقم ٤٥٥٥)! وإنما ذكره مغلطاي في الإعلام
بسنته (٨٣/٤/أ)، نقلا عن المعجم الأوسط للطبراني، كما صرَّح به !!.
(٣) الترغيب والترهيب للمنذري (٤٥٨/١).
١٢٦٤

وقال الهيثمي مثله، في (مجمع الزوائد): ((رواه الطبراني في
الأوسط وإسناده حسن))(١).
بينما احتج مغلطاي به، في (الإعلام بسنته عليه السلام)،
على سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه(٢).
وتراجم رجال إسناده:
شيخ الطبراني، هو: أحمد بن داود بن موسى السدوسي،
أبو عبد الله المكي، نزيل مصر، (ت٢٨٢ هـ).
وثقه أبو سعيد ابن يونس في (تاريخ مصر)، وابن الجوزي
في (المنتظم)(٣).
وعبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم الجمحي،
البصري، (ت٢٣٠ هـ).
قال عنه الحافظ: ((صدوق)) (٤).
ومحمد بن حُمران بن عبد العزيز القيسي، البصري.
قال عنه الحافظ: ((صدوق فيه لين))(٥).
والذي جاء في ترجمته في (التهذيب)(٦):
قول أبي زرعة الرازي: ((محله الصدق))(٧).
(١) مجمع الزوائد للهيثمي (١١٨/١٠).
(٢) الإعلام بسنته لمغلطاي (٨٣/٤/أ).
(٣) تاريخ مولد العلماء ووفياتهم لابن زبر الربعي (٦٠٧/٢)، والمنتظم لابن
الجوزي (١٥١/٥)، وتاريخ الإسلام للذهبي - حوادث ووفيات ٢٨١،
٢٩٠ هـ (٥٧)، والعقد الثمين للفاسي (٣٨/٣)، وكشف الأستار للسندهي
(٣)، وتراجم الأحبار للمظاهري (١٨/١).
(٤) التقريب (رقم ٣٨١٢).
(٥) التقريب (رقم ٥٨٣١).
(٦) التهذيب (١٢٦/٩ - ١٢٧).
(٧) الجرح والتعديل (٢٣٩/٧).
١٢٦٥

وقول أبي حاتم: ((صالح))(١).
وقول أبي داود في (سؤالات الآجري): ((كان ابن داود يثني
عليه))(٢).
وقال عنه النسائي في (الضعفاء والمتروكين): ((ليس
بالقوي))(٣).
وقال عنه ابن عدي في (الكامل): «له غير ما ذكرت من
الحديث إفرادات وغرائب، ما أرى به بأسًا، وعامة ما يرويه مما
یحتمل له عمن روی عنهم))(٤).
وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: ((يخطيء))(٥).
هذا ما جاء في (التهذيب)، عن محمد بن حمران.
وفات (التهذيب):
أن علي بن المديني قال كما في (سؤالات البرذعي): ((يُتّقى
هذا الشيخ))(٦).
وأن يحيى بن معين قال كما في (سؤالات ابن الجنيد):
((ضعيف الحديث))(٧).
وما أَجَلَّ من فات صاحبَ (التهذيب) كلامُه !!
ولئن كان الحافظ ابن حجر، دون تضعيف علي بن المديني
(١) المصدر السابق.
(٢) سؤالات الآجري (رقم ٥٩٢). وابن داود: هو عبد الله بن داود الخريبي،
على ما قاله محقق السؤالات.
(٣) الضعفاء والمتركين للنسائي (رقم ٥٦٣).
(٤) الكامل لابن عدي (٢٤٨/٦).
(٥) الثقات لابن حبان (٤٠/٩).
(٦) سؤالات البرذعي - ضمن كتاب: أبي زرعة الرازي وجهوده في السنة (٢/
٧٥١).
(٧) سؤالات ابن الجنيد (رقم ٨٨٥).
١٢٦٦

ويحيى بن معين، قال عن محمد بن حمران: ((صدوق، فیه لین))،
فماذا سيقول عنه، ما لو اطلع على تضعيفهما؟!
أمّا أبو روح، شيخ محمد بن حمران، فلم أستطع الجزم فيه
بشيء !!
وأخشى ما أخشاه، أن نؤتى في هذا الحديث من قِبَلِهِ!
خاصة بعد أن أشار ابن عدي، إلى أن المنكرات التي يرويها
محمد بن حمران، مما يحتملها شيوخه، ولا تستغرب منهم؛
إلماحًا من ابن عدي إلى ضعف شيوخ محمد بن حمران، وإلقاءً
بتبعة تلك المنكرات عليهم .. لا عليه!
ألا ترى قوله: ((له غير ما ذكرت من الحديث، إفرادات
وغرائب، ما أرى به بأسا، وعامة ما يرويه مما يُخْتَمَلُ له عمن
روی عنهم))(١).
وعلى كل .. لو ظهر أبو روح - فيما بعد - ثقة!
ولو كان محمد بن حمران ((صدوقًا فيه لين))، كما قال
الحافظ ابن حجر، لا أقل من ذلك!
فإن في نكارة لفظ الحديث، وغرابة متنه، التي لا تخفى،
ما يُسقط الاحتجاج بالحديث!
وما أجمل عبارة علي بن المديني في محمد بن حمران ..
هنا: ((يتقى حديث هذا الشيخ))(٢).
فمن القواعد المعلومة في هذا العلم، وقد سبق ذكرها(٣):
أن المفاريد والغرائب لا تقبل من كل أحد، بل ولا مِنْ كل مَنْ
(١) الكامل لابن عدي (٢٤٨/٦).
(٢) انظر ما تقدم (١٢٦٦).
(٣) انظر ما تقدم (٣١٥ - ٣١٦).
١٢٦٧

قد نحتج بحديثه! إنما نقبل الغرائب من الثقات الجِلّة وجِلّة
الثقات!
بل ربما كان الراوي عند علماء الشأن مستورًا، يقبلون
حديثه. حتى إذا تفرد بحديث، أسقطوه، وضعفوه بذلك التفرد!
وإن حديثنا هذا، فوق أنه فرد، كما قال الطبراني عقبه، فإنه
أيضًا يحمل في ألفاظه، ومبالغاته: في سماع سمرة له (مرارًا)!
وفي الثواب المعلق على دعائه - ما يستنكره من أجلها القلب،
ويأباه نور السنة !!!
وأعد - يا طالب العلم، لا من دونه - قراءة الحديث، ألا
تنقبض له نفسك؟!
فإذا نظرتَ إلى الإسناد بعد ذلك، وجدته لا يحتمل كل هذه
الغرابة!
فلست أرى هذا الحديث قائمًا بالصحة على شيء ورد فيه،
لا في دلالة سماع الحسن له من سمرة رضي الله عنه، ولا في
دعائه وثواب العمل به.
والواجب علينا أن نعمل بنصيحة إمام العلل علي بن
المديني، في محمد بن حمران، ونتقي حديثه هذا!
١٢٦٨

الحديث السادس:
أخرج ابن عدي في (الكامل)، من طريق: ((بكير بن
شهاب، عن الحسن بن أبي الحسن عن سمرة بن جندب، قال:
من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج على المسجد، فقال حين
يخرج من بيته: بسم الله الذي خلقني فهو يهديني، إلا هداه الله
الأصوب الأعمال. والذي هو يطعمني ويسقيني، إلا أطعمه الله من
طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة. وإذا مرضت فهو يشفيني،
إلا جعل الله مرضه ذلك كفارة لذنوبه. والذي يميتني ثم يحيني،
إلا أماته الله موتة الشهداء، وأحياه حياة السعداء. والذي أطمع أن
يغفر لي خطيئتي يوم الدين، إلا غفر الله له خطاياه، وإن كانت
أكثر من زبد البحر، ربِّ هب لي حكمًا وألحقني بالصالحين، إلا
وهب الله له حكمًا، وألحقه بصالح من مضى وصالح من بقي.
واجعل لي لسان صدق في الآخرين، إلا كتب في ورقة بيضاء:
إن فلان بن فلان من الصادقين، فلا يوفق بعد ذلك إلا بصدقه.
واجعلني من ورثة جنة النعيم، إلا أعطاه الله القصور والمنازل في
الجنة .
قال الحسن: يا سمرة لو كان حديثك هذا قرآنًا ناطقًا ..
كان أفضل !!
قال: فغضب سمرة! وقال: يا حسن، إن كنت لا تُصدِّق
إلا بما في القرآن فلا تصدقن به أبدًا.
والله لقد سمعت من رسول الله وَ ل﴿ه غير مرّة، ولا مرتين،
ولا ثلاثة .. حتى ذكر عشرة مرّات!
ولقد سمعت من أبي بكر، بعد موت رسول الله
صَاللّهـ
ويذكره عن رسول الله وَله .. حتى عد عشرة!
ولقد سمعت من عمر وعثمان، بعد رسول الله وَ لاو، يذكر
أنه عن رسول الله ﴾ غير مرة، ولا مرتين .. حتى عد عشرة!
١٢٦٩

فإن شئت فصدق، وإن شئت فلا تصدق به أبدًا !!
قال: ياسمرة، بل قولك حق، وحدیثك صدق.
قال: فكان الحسن يقولها كلما خرج، وزاد فيه الحسن:
واغفر لي ولوالدي، كما ربياني صغيرًا))(١).
وبكير بن شهاب، قال عنه الحفاظ: ((منكر الحديث))(٢).
وهذا أخذه الحافظ من قول ابن عدي عنه في ترجمته التي
ذكر فيها حديث المظلم السابق: ((منكر الحديث .. وهو قليل
الرواية، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا، ومقدار ما يرويه فيه نظر.
وله غير ما ذكرت، ولم أجد له أنكر من الذي ذكرته))(٣).
قلت: وکفی بالذي ذكرته رحمك الله !!
وعندما ذكر الذهبي طرفًا من هذا الحديث، في ترجمته، في
(الميزان)، قال: ((وهو موضوع))(٤)!
وصدق رحمه الله!
غير أني وجدت للمتقدمين في بكير بن شهاب كلامًا، لكنه
لا يغنيه ولا يسمنه من جوع، بل يزيده ضعفًا!
قال عبد الله بن الإمام أحمد، في (العلل) لأبيه: ((قلت له:
شيخ روى عنه أبو عاصم، يقال له بكير الدامغاني، يحدث عن
ابن سيرين؟ قال: لا أعرفه.
قال أبو عبد الرحمن - عبد الله بن الإمام أحمد -: سألت
(١) الكامل لابن عدي (٣٥/٢ - ٣٦).
(٢) التقريب (رقم ٧٥٨).
(٣) الكامل لابن عدي (٣٥/٢ - ٣٦).
(٤) الميزان (٣٥٠/١ رقم ١٣٠٦).
١٢٧٠

بعض أهل دامغان: من بكير هذا؟ فقال: كان رجلاً عابدًا، منقطعًا
عن الناس))(١) !!
قلت: فبابه باب نوح بن أبي مريم المشهور بوضع حديث
فضائل السور، من جَهَلةِ العُبّاد، الذي يكذبون للنبي ◌َلا !!!
زعموا!
والغريب أن هذا الحديث والحديث السابق له، بينهما تَشَابُهُ
کبیر، وکأنهما من جعبة واحدة!
وهذا يزيد الأبعد وَهنا !!
(١) العلل للإمام أحمد (رقم ١٤٥٨).
١٢٧١

الحديث السابع:
حديث المناهي الطويل!
يقول في أوَّله مَنْ زَعَمَهُ على الحسن البصري، أنّ الحسن
البصري قال: ((حدثني سبعة من أصحاب النبي ◌َّ: عبد الله بن
عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، وعمران بن حصين،
ومعقل بن يسار، وسمرة بن جندب، وجابر بن عبد الله: أن
رسول الله ﴿ نهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ونهى أن
يشتمل الرجل في ثوب واحد .. )) - الحديث بطوله.
أخرجه بطوله: الحكيم الترمذي في كتاب له سمّاه
(بالمنهيات)(١). أورد فيه الحديث بكامله، وأقام الكتاب عليه،
يشرحه، ويروي فيه ما يوافقه ويخالفه؛ دون أن يشير إلى أنه
مصنوع مكذوب !!!
وأخرج بعضًا منه: أحمد بن عيسى بن زيد الحسيني
(ت٢٤٧ هـ)، في (أماليه)(٢) وابن عدي في (الكامل)(٣) والنسفي
في (القند في ذكر علماء سمرقند) (٤).
وهو حديث تفرّد به عبّاد بن كثير الثقفي.
وعباد بن كثير الثقفي، البصري، توفي بعد الأربعين ومائة.
قال عنه الحافظ: ((متروك، قال أحمد: روى أحاديث
كذب)»(٥).
(١) المنهيات للحكيم الترمذي إسناده في أول الكتاب (٥).
(٢) أمالي أحمد بن عيسى، مع شرحه رأب الصدع (رقم ٢١٨١).
(٣) الكامل لابن عدي (٣٣٤/٤).
(٤) القند في ذكر علماء سمرقند (٢٦٠).
(٥) التقريب (رقم ٣١٣٩).
١٢٧٢

وقال الجوزجاني في (أحوال الرجال): ((لا ينبغي لحكيم أن
يذكر عباد بن كثير في العلم، حسبك عنه بحديث النهي!))(١).
(ما لا ينبغي لحكيم) أين هو عن الحكيم الترمذي؟!
وقال ابن عدي عقب حديث المناهي، بعد أن ذكر طرفًا
منه: ((وهذا حديث منكر، وقد اضطرب في إسناده عباد بن كثير،
فقال مرّة: عن عثمان الأعرج، عن الحسن، وقال: عن الحسن
نفسه، وقال: عن حوشب، عن الحسن.
وجاء بهذا الحديث .. بطوله، وقد مرّ من حديث المناهي
مقدار ثلاثمائة حديث))(٢) !!!
قلت: فهذا مما عملته أيديهم !!
وبانتهاء هذا الحديث، ينتهي كل ما وجدته من أحاديث
يذكر فيها سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه.
وهو آخر أدلة من قال بسماع الحسن، سماعًا مطلقًا، من
سمرة رضي الله عنه.
وقد عرضنا لك أدلتهم، وهي الأحاديث السبعة السابقة. وقد
ذكرناها، مبرزين أسانيدها، موضحين لك عللها.
وبعد ذلك العرض، لم يَصْفُ من أدلة سماع الحسن من
سمرة رضي الله عنه، إلا حديث واحد، وهو حديث العقيقة. فهو
الحديث الوحيد الذي يقوم بإثبات السماع، ولا يقوم بذلك سواه!
وقد لاحظت أنه لم يستدل أحد من أئمة الحديث
(١) أحوال الرواة الجوزجاني (رقم ١٦٣).
(٢) الكامل لابن عدي (٣٣٤/٤).
١٢٧٣
محز

المتقدمين، لسماع الحسن من سمرة رضي الله عنه، إلا بحديث
العقيقة، ولم يلتفتوا إلى ما سواه !!
وذلك مما طمأنني إلى ما توصلت إليه، وزادني ثقة بصحة
ما خرجت به؛ أن وافق ما كان عليه أئمة الحديث الأوائل، الذين
ما زادنا طولُ العهد بيننا وبينهم إلا بصيرة بأنهم الأئمة: يُؤْتَسَى
بهديهم، ويُقْتَبَسُ من علمهم .. فرضي الله عنهم وأرضاهم !!
وإلى هنا أكون قد ذكرت لك أدلة الأقوال الأصول، في
مسألة سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه؛ وهي الأقوال
الثلاثة: نفي مطلق للسماع، وأن الحسن إنما يروي من كتاب
سمرة رضي الله عنه، وإثبات السماع المطلق.
وبقي قولان فرعيان: أن الحسن إنما سمع حديث العقيقة
وحده، والباقي لم يسمعه، أو أنه سمع حديث العقيقة، والباقي
کتاب سمرة، يروي منه وجادة.
وبما أنّ هذين القولين الفرعيين نتاجُ دَمْج بين أكثر من قول
من الأقوال الأصول، فإن أدلتهم أيضًا تظهر بدمج أدلة الأقوال
الأصول، وذلك يكون حين المناقشة والموازنة بين أدلتها!
لذلك فسأبدأ بإذن الله تعالى، مناقشة أدلة الأقوال الثلاثة
الأصلية، والموازنة بينها.
ثم نخرج بعد ذلك، وبعد أن كنا عرضنا أدلة القولين
الفرعيين خلال المناقشة، إلى الثمرة المرجوة، والضالة المنشودة:
ألا وهي بيان القول الراجح، والرأي السديد في المسألة!
والله نستعين، ونطلبه التوفيق والهداية، هو أقرب من سئل،
وأكرم من أجاب .. سبحانه وتعالى.
١٢٧٤

مناقشة أدلة
المختلفين في سماع الحسن من سمرة
ونبدأ بمن نفى السماع مطلقًا، متشبثين بعدم صحة حديث
يذكر تصريح الحسن بالسماع من سمرة رضي الله عنه!
هذا هو الأساس الذي اعتمدوا عليه.
وما ذكروه بعد هذا من أدلة: من كثرة إرسال الحسن،
وذكره الواسطة بينه وبين سمرة رضي الله عنه - فمما ذكروه
تعضيدًا، بعد تضعيفهم لكل حديث فيه تصريح الحسن بالسماع من
سمرة رضي الله عنه.
فلو ثبت السماع عند أصحاب هذا القول، لما بقي معه
لكثرة إرسال الحسن، أو ذِكْرِهِ الواسطة - أيُّ أثر، على ما قد ثبت
له من السماع!
فإذا كان هذا هو عمدة قولهم، فقد بينا صحة حديث
العقيقة، الذي صرّح فيه الحسن بالسماع من سمرة رضي الله
عنه(١)، بما يغني عن إعادته هنا.
بل ورددنا على من ضعف هذا الحديث، وبينا أنه حديث
صحيح الإسناد، لا يحتمل تطرق الوهم العفوي إليه، لكون الخبر
كله في التثبت من السماع وإثباته، فكيف يقع فيه الوهم
العفوي؟ !!
(١) انظر ما تقدم (١٢٢٠ - ١٢٣١).
١٢٧٥

وذلك كله بيّناه في موضعه، مما سبق(١).
وعلى هذا: فالقول بعدم سماع الحسن من سمرة رضي الله
عنه، قول ينقضه الدليل، ويردّه الصواب.
أمّا القول الثاني: وهو أن الحسن إنما يروي من كتاب سمرة
رضي الله عنه، فقد احتُجَّ له بدليلين: خبري، وواقع ملحوظ في
مرويات الحسن عن سمرة رضي الله عنه.
الخبري، وهو صحيح الإسناد: أن ابن عون وجد عند
الحسن كتاب سمرة رضي الله عنه، بل وقرأه عليه، ثمت روى
عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه!(٢).
وهذا ما تقدم عرضه.
ثم يؤكد ويثبت هذا الخبر، واقع ملحوظ في مرويات
الحسن عن سمرة رضي الله عنه: وهو توافق أحاديث الحسن عن
سمرة، مع أحاديث أبناء سمرة عن كتاب أبيهم رضي الله عنه، في
بضعة وثلاثين حديثًا!(٣).
وهو اتفاق كنّا قد وعدنا بعرضه، ولم نزل على وعدنا،
ويأتي بإذن الله تعالى قريبًا، عقب هذه المناقشة .. والترجيح(٤).
فلا مجال لدفع هذا القول بالكلية !!
فقد جاء به الخبر الصحيح، وأيده الواقع الملحوظ.
لكن يعكر عليه دليل القول الثالث، الذي هو أيضًا خبر
صحیح !!
ودليل القول الثالث، الذي هو القول بالسماع المطلق:
(١) انظر ما تقدم (١٢٢٠ - ١٢٣١).
(٢) انظر ما تقدم (١٢١٣ - ١٢١٧).
(٣) انظر ما تقدم (١٢١٨ - ١٢١٩).
(٤) انظر ما سيأتي (١٣٠٦ - ١٣٦٦).
١٢٧٦

تصريح الحسن الصحيح بالسماع من سمرة رضي الله عنه، في
حديث العقيقة!
والقاعدة المعلومة، والتي سبق ذكرها في بداية هذا
البحث(١): أن ثبوت السماع مرّة، يقتضي صحة السماع مطلقًا.
لذلك اكتفى الأئمة الذين يقولون بهذا القول، بثبوت حديث
العقيقة عندهم، ليصححوا جميع أحاديث الحسن عن سمرة
رضي الله عنه، مما يصح إلى الحسن البصري.
وذلك منهم، اعتمادًا على القاعدة المذكورة آنفًا: أن ثبوت
السماع مرّة، يقتضي صحة السماع مطلقًا.
خاصة وأنه قد شهد لذلك، طول معاصرة الحسن لسمرة
رضي الله عنه، ومساكنته له في بلد واحد!
لكن يعود دليل القول الثاني (أن الحسن روى من كتاب
سمرة) إلى الساحة، معارضًا لدليل من قال بالسماع المطلق !!
ولئن اعتمد من قال بالسماع المطلق على الخبر الدال على
السماع، فلقد اعتمد من قال بأن الحسن إنما يروي من كتاب
سمرة على خبر يدل على ما قال، ويشهد لهذا الخبر أيضًا واقع
ملحوظ في أحاديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه.
فهذان دليلان متعارضان، كل منهما قائم بإثبات ما يدل
عليه، حجة على صحة ما جاء به !!!
فنقف لحل هذا الإشكال مع كلام نفيس نادر، للإمام في
علم علل الحديث، بل رأس هذا العلم وسيده، ألا وهو علي بن
المديني!
فأذكر لك كلام هذا الإمام، ثم أشرحه، لحاجته إلى ذلك،
كما سترى.
-
(١) انظر ما تقدم (٢٢٤ - ٢٢٦).
١٢٧٧

قال علي بن المديني في (علله): ((ولم يرو عن الحسن
شيء، يقول: قرأت في كتاب سمرة إلا حديثًا واحدًا، ورواه ابن
عون: ((متى يحل للرجل أن يأكل الميتة)).
ولا أعلم أحدًا رواه عن الحسن عن سمرة.
ولو رواه أحد عن الحسن عن سمرة؟!
ورواه ابن عون: ((قرأت في كتاب سمرة)).
وهذه الأحاديث في كتاب سمرة، ولكن أحاديثه التي رواها
من سمرة غير هذا الحديث.
وقد روى سمرة أكثر من ثلاثين حديثًا مرفوعًا وغيرها.
والحسن قد سمع من سمرة، لأنه كان في عهد عثمان ابن
أربع عشرة وأشهر، ومات سمرة في عهد زياد))(١).
انتهى كلام علي بن المديني بحروفه.
وهو كلام نفيس عزيز، لإمام علل الحديث بلا منازع.
وهوموطن من أندر المواطن، التي يظهر لنا فيها أحد أئمة
الحديث، أسلوبه في التعليل، ومنهجه الجدلي في ذلك.
وأبدأ بتوضيح كلام هذا الإمام:
فأذكِّرُ أوّلاً: بأن علي بن المديني ممن يقولون بصحة سماع
الحسن من سمرة رضي الله عنه، سماعًا مطلقًا، كما مرّ في هذا
المبحث(٢). فهو في كلامه هذا، ينتصر لهذا المذهب.
وقبل كلامه هذا في كتابه (العلل)، كان قد ذكر حديث
العقيقة، وتصريح الحسن فيه بالسماع من سمرة رضي الله عنه.
(١) العلل لابن المديني (٥٣ رقم ٥٦، ٥٧).
(٢) انظر ما تقدم (١١٨٥)
١٢٧٨

ثم بعد أن أبرز علي بن المديني حجته على السماع يكون
قد ردّ على من نفى السماع نفيًا مطلقًا؛ وإنما بقي من يقول بأن
أحاديث الحسن عن سمرة إنما هي كتاب. فنصب علي بن المديني
كلامه المنقول عنه آنفًا، في مناظرة أصحاب هذا الرأي، والرد
علیهم.
فأنا أشرح لك هذه المناظرة، ثم بعد الانتهاء منها، أذكر
التعقيب عليها، من وجهة نظر مخالفيها .. إن كان لهم تعقيب!
فيبدأ علي بن المديني، رادًا على من يقول بأن الحسن إنما
يروي من كتاب سمرة بقوله: ((ولم يرو عن الحسن شيء، يقول:
قرأت في كتاب سمرة)) .
يعني: أنه لم يُزو نص قاطع على ما يزعمون، من أن
الحسن كان يروي من كتاب سمرة. إذ لم تأت رواية قط، من
روايات الحسن عن سمرة رضي الله عنه، يقول فيها الحسن:
قرأت في كتاب سمرة كذا وكذا.
فعلي بن المديني يريد - أولاً - أن ينفي وجود النص
القطعي، على دعوى رواية الحسن من كتاب سمرة رضي الله عنه.
لأنه لو وجد مثل هذا النص، لكان للمتمسّكين بالقول
المخالِفِ لعلي بن المديني، أن يردوا به عليه. وَلَكَانَ لَهُمُ الحقُّ
في ذلك، على ما يظهر من كلام علي بن المديني نفسه، لأنه
نص قاطع في المسألة.
ثم استثنى علي بن المديني، من هذا النَّفْي المُطْلَقِ لوجود
نصِّ قطعيٍّ بأن الحسن يروي من كتاب سمرة - استثنى حديثًا
واحدا!
والمستثنى - في الأصل - يجب أن يكون من جنس المستثنى
١٢٧٩