Indexed OCR Text
Pages 1241-1260
فذكر الدارقطني عبيدة بن حميد في موضعه من حروف المعجم في الكتاب (١)، ولم يذكره ضمن من أخرج له البخاري للاعتبار أو مقرونًا مع غيره. فَعَبيدة بن حميد، على ظاهر هذا، ممن أخرج له البخاري في أصول (صحیحه) احتجاجًا! ثم إن عَبيدة بن حميد أخرج له الترمذي في (الجامع)، وقال عقب أحد أحاديثه: ((حسن صحيح غريب من هذا الوجه))(٢). وهو أيضًا من رجال (صحيح ابن حبان)(٣). وصحح الحاكم إسناد حديث من روايته، في (المستدرك)(٤). وصحح البيهقي إسنادًا هو أحد رجاله، في (الأسماء والصفات)(٥). فلعمري! إنّ هذا لهو المعمول على توثيقه حقًّا، وعلى تصحيح حديثه صدقًا (٦) !! فعَبيدة بن حميد، وحمّاد بن سلمة، كلاهما اتفق على مخالفة هشيم !! وكفى بهما! ولكن لم يزل هشيم يجمع عليه من يخالفه، بروايته ذلك الحديث، متفردًا به! (١) ذكر أسماء التابعين للدارقطني (رقم ٧٤٨). (٢) جامع الترمذي (رقم ٢٦٢٥). (٣) انظر فهارس الإحسان (١٩١/١٨). (٤) المستدرك (٤٠٨/١). (٥) الأسماء والصفات للبيهقي (٣٧٦/١). (٦) وانظر حاشية تحقيق: تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي (١٥٥). ١٢٤٠ والمخالفة الآتية لهشيم، ليست فقط مخالفة، لكنها أيضًا فاضحة لروايته، مظهرة لعُوَّارِها! قال الخرائطي في (مكارم الأخلاق): ((حدّثنا سعدان بن يزيد البزاز(١) حدثنا علي بن عاصم (٢) حدثنا حميد الطويل، عن الحسن، قال: أبق عبد لرجل بالبصرة، فحلف إن قدر عليه: ليقطعن منه طائفًا. فقدر عليه! فأرسل ابنه إلى عمران بن حصين، فقال: ما قام فينا رسول الله ﴿ه مقامًا، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة. ثم أرسله إلى سمرة بن جندب رضي الله عنه، فقال: ما قام فينا رسول الله وَ﴿ه مقامًا، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة)» (٣) وإسناده حسن. وقد أظهر هذا الإسناد، أن حديث حميد الطويل، ليس إلا حكاية للقصة التي فَصَّلها قتادة في روايته للحديث عن الحسن. تلك القصة التي بينت أن الحسن إنما يروي حديث (النهي عن المثلة) عن هياج بن عمران، عن سمرة رضي الله عنهما، وأن الحسن لم يسمع الحديث من سمرة! فحميد الطويل، في الرواية المفصّلة عنه، يروي تلك الرواية التي فصلها قتادة أيضًا بأسماء أصحاب الواقعة فيها! ويبدو أن حميدًا لم يحفظ اسم شيخ الحسن البصري، أو (١) سعدان بن يزيد البغداد البزاز، أبو محمد، نزيل سرّ من رأى، (ت٢٦٢ هـ). قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٥٨/١٢): ((المحدث الثقة)). (٢) علي بن عاصم الواسطي، تقدم أنه صدوق يخطيء ويصر. (٣) مكارم الأخلاق للخرائطي (رقم ٥٦٦/أ). ١٢٤١ لم يضبطه، لغرابة اسمه وعدم شهرته: (هياج)، مع نُذْرة ذِكْر هذا الاسم وعدم تِكْرارِه، ومن أجل ذلك أبهمه في الرواية المفصلة! ويظهر أن حميدًا، بعد ذلك، اختصر الرواية، فصار يذكر الحديث دون قصته، تجنبا للاسم الذي لم يضبطه! وذلك كما في رواية حمّاد بن سلمة، وعبيدة بن حميد. أمّا هشيم، فسمع الرواية المفصلة، فلم يضبطها !! إذ جعل الحسن هو المسئول، بمجيء رجل إليه يسأله عن نذر في عبد له أبق، فنذر إن قدر عليه ليقطعن يده. ثم جعل هشيم أن الحسن هو الذي قال مجيبًا: ((حدثنا سمرة .. )) ثم ذكر حديث النهي عن المثلة. فأغرب هُشيمٌ في ذلك، مخالفًا بذلك مخالفة صريحة للقصة الثابتة عن الحسن في هذه الواقعة! القصة الثابتة من طريق قتادة أولاً، ومن طريق حميد الطويل ثانيًا، الذي إنما يروي هشيمٌ الحديث عنه !!! أما احتمال أن تكون الواقعة حدثت مرتين، مرّة مع عمران والد هياج، ومرة مع ذلك السائل الذي سأل الحسن! هذا .. مع احتمال أن يكون الحسن سمع قصة واقعة عمران من ابنه هيّاج، فروى الحديث عن هيّاج؛ ثم سمع الحديث أيضًا من سمرة رضي الله عنه، بلا واسطة، فرواه عنه، لسائل سأله عن مثل حادثة والد هياج مع عبده .. حذو القذة بالقذة !! ذلك .. مع احتمال أن يكون حميد الطويل سمع الرواية الأولى عن الحسن فرواها، ورواها عن حُميد حمّاد بن سلمة وعبيدة بن حميد وعلي بن عاصم، ثم إن حميدًا سمع الرواية الثانية أيضًا من الحسن، فتفرد بها عنه هشيم !!! ١٢٤٢ فهذه إذًا هي الاحتمالات السمجة، التي لا يَأْبَهُ لها ولأمثالها أئمة الحديث في تعليلاتهم !!! وبعد هذا كله، فمن دلائل وهم هشيم في حديثه ذاك أيضًا؛ أنّ هشيمًا نفسه يروي الحديث، من وجه آخر عنه، بموافقة الصواب: في رواية حمّاد بن سلمة، وعبيد بن حميد، وعلي بن عاصم !!! ---- فيروي هشيم الحديث، يقول فيه: ((أخبرنا منصور، ويونس وحميد، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: خطبنا رسول الله ◌َ، ونهانا عن المثلة)). أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير)(١) وأبو الحسن علي بن عمر بن محمد بن الحسن الحربي البغدادي ابن القزويني (ت٤٤٢ هـ)، في (مجالس أماليه)(٢). فهل هذا من هشيم رجوع عن الخطأ إلى الصواب؟! ولا تقل لعله يروي الروايتين عن حميد! لأنك بذلك تكون قد قلت بكل الاحتمالات السمجة الآنفة الذكر، وأضفت إليها احتمالاً سمجًا جديدًا: هو أين يكون هشيم سمع الروايتين من حمید !!!! وحاشاك من ذاك! لكن عندي احتمال مقبول، فيه: أن هشيمًا لعله سمع من حميد روايتين !! الرواية الأولى: هي التي رواها حمّاد بن سلمة، ومن وافقه، عن حميد عن الحسن، عن عمران بن حصين رضي الله عنه. (١) المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ١٥٠، ١٧٨). (٢) مجالس من أمالي ابن القزويني (٥/ ب). ١٢٤٣ وهي التي ذكرناها عن هشيم أخيرًا، يرويها هشيم عن حميد، مع يونس ومنصور، عن الحسن، عن عمران بن حصين. والرواية الثانية: أن يكون هشيم سمع الرواية التي سمعها أيضًا علي بن عاصم من حميد، والتي يذكر فيها حميد قصة والد هیاج مع عبده، لكن مع إبهام حميد لاسم هياج وأبيه. سمع هشيم هذه الرواية المفصلة من حميد، فلم يضبطها، وظنها للحسن البصري مع سائل سأله، فأجابه الحسن بأن قال: ((حدثنا سمرة .. )) - بحديث النهي عن المثلة! هكذا ظن هشيمٌ الحديثَ، وَهْمًا منه، ورواه على الوهم !! هذا هو الاحتمال الوارد عندي لخطأ هشيم، وتفسير اضطرابه في الحديث. وليس من المهم توضيح أسباب وقوع الوهم، وبيان كيفية حصول الخطأ؛ في تعليل الحديث! لكن قد يكون في بیان ذلك، زيادة تأكيد لوقوع الوهم، وتمام إثبات لحصول الخطأ !! والذي نخلص له بعد هذا: أن هذا الحديث إنما يصح عن الحسن، عن هياج بن عمران، عن عمران بن حصين وسمرة رضي الله عنهما؛ ويصح أيضًا عن الحسن، عن عمران بن حصين رضي الله عنه. وحديث الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه، له طرق أخرى، لم نذكرها هنا، وفيه بحث طويل يأتي - إن شاء الله تعالى - في مبحث عمران بن حصين رضي الله عنه، إن يسر الله تعالى إتمام هذا البحث على الوجه الذي أردناه. ولا يصح حديث (النهي عن المثلة) هذا، عن الحسن إلا من ذينك الوجهين .. فقط! فالحديث لا يصح للحسن عن سمرة رضي الله عنه معنعنًا، ١٢٤٤ فضلاً عن أن يكون فيه تصريح للحسن بالسماع من سمرة، كما يزعمه خطأ هشيم على حميد عن الحسن !! وهذا هو موقف العلماء من رواية من روى الحديث عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه: معنعنا. فقد تفرد به من الثقات: يزيد بن إبراهيم التستري، عن الحسن، عن سمرة رضي الله عنه - معنعنًا. أخرجه الإمام أحمد (١) والبزار في (مسنده)(٢) والطحاوي في (شرح معاني الآثار)(٣) وفي (بيان مشكل الأحاديث) (٤)، والطبراني في (المعجم الأوسط)(٥) وأبو الطاهر المخلص في (فوائده) بانتقاء ابن أبي الفوارس(٦). فقال البزار عقب الحديث من هذا الوجه: ((وهذا الحديث قد رواه جماعة من الحسن عن عمران بن حصين، والصواب: عن عمران بن حصين))(٧) . فهذا واضح من القول، أن البزار يوهم يزيد بن إبراهيم في روايته هذا الحديث عن الحسن عن سمرة! ويوافقه الدارقطني في (علله)، حيث ذكر رواية يزيد بن إبراهيم هذه، في تعليله للحديث، واصفًا لها بالمخالفة! ثم رجح رواية قتادة، عن الحسن، عن هياج، عن عمران بن حصين وسمرة رضي الله عنهما(٨) . (١) مسند الإمام أحمد (٢٠/٥). (٢) مسند البزار - الكتانية (٢٥٥). (٣) شرح معاني الآثار للطحاوي (١٨٢/٣). (٤) بيان مشكل الأحاديث (رقم ١٨٢١). (٥) المعجم الأوسط للطبراني (٢/ ١٩٢/ ب). (٦) فوائد المخلص، الأول، - المجموع ٢١ - بانتقاء ابن أبي الفوارس (١٥٣/أ). (٧) مسند البزار - الكتانية (٢٥٥). (٨) علل الدارقطني (١٢٤٥). ١٢٤٥ وسوف يأتي نص كلامه، في مبحث عمران بن حصين رضي الله عنه، إن أذن ربي عز وجل. وأنت ترى كيف أن كُلاًّ من البزار والدارقطني، قد اتفقا على توهيم رواية يزيد بن إبراهيم تلك، مع أن كُلاًّ منهما صوّب روايةً سوى التي اختارها الآخر! فالبزار صوّب رواية من جعل الحديث للحسن عن عمران بن حصين. والدارقطني صوّب رواية قتادة، عن الحسن، عن هياج، سمرة وعمران رضي الله عنهما. وتَذَكَّزْ أن هاتين الروايتين عن الحسن، هما اللتان قلنا: إنهما هما اللتان تصحّان للحسن في هذا الحديث، ولا يصح عنه سواهما فيه! والحقيقة أنه لا اختلافَ حقيقيًّا بين البزار والدارقطني، فيما صوّبه كل منهما! ذلك أن رواية الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قد رواها عنه جماعة من كبار تلامذة الحسن؛ ذكرهم الدارقطني نفسه، في تعليله للحديث(١). فلا يمكن أن يكون الدارقطني یحکم بالوهم على ذلك الجمع کله، من كبار تلامذة الحسن! وإنما أراد الدارقطني بتصويب رواية قتادة، عن الحسن، عن هياج، عن سمرة وعمران رضي الله عنهما: أنها أصح الروايات إسنادًا إلى الرسول ﴾. ذلك لأنها رواية متصلة، لا ريب في اتصالها إلى النبي ◌َّر، ولا خلاف في ذلك. أمّا رواية الحسن عن عمران، ففي سماع الحسن من عمران خلاف، كما سيأتي عرضه في موضعه إن شاء الله تعالى. (١) انظر ما تقدم (١٢٤٥). ١٢٤٦ ولذلك رجح الدارقطني رواية من ذكر هيّاجًا بين الحسن وعمران وسمرة، على من لم يذكر هذه الواسطة. فتصويب الدارقطني، قصد به صحة الإسناد واتصاله إلى النبي ◌َلتر . أمّا البزار، فأراد بتصويبه ثبوت رواية الحسن للحديث عن عمران، وأن هذا كان من الحسن فعلاً. بغض النظر - بعد ذلك - عمّا إذا كان الإسناد متصلاً قبل الحسن، أي بينه وبين عمران، أو غير متصل! ونرجع إلى أن رواية يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، عن سمرة رضي الله عنه - وَهْمٌ من يزيد. كما قال البزار والدار قطني. لكن قد توبع يزيد بن إبراهيم على ذلك! فقد روى داود بن الزبرقان، عن مطر الوراق وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة رضي الله عنه: حديث النهي عن المثلة. أخرجه الدارقطني في (الأفراد)، وقال: «تفرد به داود بن الزبرقان))(١). وقد تقدم أن داود بن الزبرقان متروك متهم بالكذب! فلا وزن لمتابعته ولا اعتبار! فنعود إلى أن يزيد بن إبراهيم واهم في رواية الحديث عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه، وهّمه في ذلك العلماء! وهو الموافق للقواعد، لمخالفته الجمع الكبير في ذلك، كما ستراه في مبحث عمران بن حصين، إن شاء الله تعالى. فإذا كان العلماء قد ردوا رواية من جعل حديث (النهي عن (١) أطراف الغرائب والأفراد لابن طاهر (١٣٨/أ). ١٢٤٧ ----- المثلة) للحسن عن سمرة .. بالعنعنة بينهما، فهُم لرواية من جعله للحسن بالسماع من سمرة أشد ردًّا وأعظم رفضًا! تلك هي رواية هشيم، التي يذكر فيها سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه. ولذلك فإن الإمام أحمد، وهو الذي أخرج حديث هشيم في (مسنده)، مع ما فيه من تصريح للحسن بالسماع من سمرة رضي الله عنه، فإنه - مع ذلك - ينفي سماع الحسن من سمرة، ويقول منكرًا: ((قال بعضهم: سمع من سمرة !! ))(١). فالإمام أحمد ينكر على من زعم أن الحسن صرّح بالسماع من سمرة رضي الله عنه، وينفي اللقاء بالكلية بينهما؛ مع أنه يعلم بحديث هشيم ورواه عنه في (مسنده) !! فماذا يعني هذا؟! إلا أنّ الإمام أحمد يرد حديث شيخه، ويضعفه !!! وفوق أن الإمام أحمد (هو الإمام حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا)(٢) !! فوق هذا .. فهو يردّ حديث شيخه !! وهو أعرف الناس بشيخه وحديث شيخه !! فعلى الخبير سقطت !! وليس وراء هذا للمَرْء مَقْنَع !! وقد بيّنّا - فيما قبل - وَهْمَ هُشيم في روايته تلك، بالأدلة الواضحات! فماذا بعد؟ !! إلا أن تكون قد علمتَ بأن حديث (النهي عن المثلة)، لا (١) انظر ما تقدم (١١٧٥ - ١١٧٧). (٢) هذه عبارة الإمام الذهبي، في صدر ترجمة الإمام أحمد، من سير أعلام النبلاء (١٧٧/١١). ١٢٤٨ يدل على سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه؛ بعلمك الجازم: أنه لا يصح فيه التصريح بالسماع، الوارد في أحد طرقه !! هذه نهاية القول في هذا الحديث. ١٢٤٩ الحديث الثالث: قال ابن الملقن في (البدر المنير): ((ذكر النووي في كلامه على (الوسيط) في الجنايات، في كلامه على حديث الحسن عن سمرة: ((من قتل عبده قتلناه)): أن أصحابنا أجابوا بأشياء، منها: أنه مرسل. لأن الحسن لم يسمع من سمرة إلا ثلاث أحاديث، لیس هذا منها. - قال ابن الملقن : - قلت: فهذا مذهب رابع))(١). قلت: وهذا يخالف قول النووي في كتابه (تهذيب الأسماء واللغات)، الذي سبق نقله، بأن الحسن سمع من سمرة رضي الله عنه(٢) - كذا بغير تقييد! أما أن الحسن لم يسمع إلا ثلاثة أحاديث من سمرة، فقول لم أره إلا في هذا النقل. ولا أَعُدُّهُ مذهبًا جديدًا! ولعل مقصود قائله: بأن الحسن ما صرّح بالسماع من سمرة إلا في ثلاثة أحاديث. أوردت هذا النقل لأقول: لعل الحديث الثالث الذي يعنيه النووي، هو الحديث الآتي، المعروف بحديث (السكتتين) في الصلاة . قال الإمام أحمد في (المسند): ((حدثنا هشيم: أخبرنا منصور ويونس عن الحسن، عن سمرة بن جندب: أنه كان إذا صلى بهم، سكت سكتتين: إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ولا الضَّالِّينَ﴾ سكت أيضًا هنيّة. (١) البدر المنير (١٦٠/٢/أ). (٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٦١/١). ١٢٥٠ فأنكروا عليه ذلك. فكتب إلي أبي بن كعب، فكتب إليهم أبي: أن الأمر كما صنع سمرة))(١). وإسناده صحيح. والعبارة التي قد تدل على سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه، في هذا الحديث، هي قوله: ((كان إذا صلى بهم)). فظاهرها: أن الحسن كان يحضر صلاة سمرة رضي الله عنه. لكن للحديث علة ترفض هذا الظاهر من الحديث، وترد الاحتجاج به على سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه !! فالحديث رواه عن الحسن جماعة من تلامذته، يأتي ذكرهم قريبًا إن شاء الله تعالى، فلم يرد في سند أو متن أحد أولئك، ما يدل على سماع أو لقاء أو حضور الحسن لسمرة رضي الله عنه !!! ولم يرد ذلك اللفظ، الموحي بحضور الحسن لصلاة سمرة، إلا في حديث هشيم: عن شيخيه منصور ويونس، عن الحسن !! بل حتى يونس، رواه عنه كبار تلامذته، فلم يذكروا في حديثهم عنه: عبارة تذكر للحسن سماعًا أو لقاء بسمرة رضي الله عنه . فقد رواه إسماعيل بن علية(٢) ويزيد بن زريع(٣) كلاهما: (١) مسند الإمام أحمد (٢٣/٥). (٢) أخرجه الإمام أحمد (٢١/٥)، وأبو داود (رقم ٧٧٧)، وابن ماجة (رقم ٨٤٥)، والدارقطني في سننه (٣٣٦/١)، وأحمد بن عبد العزيز بن أحمد بن ثرثال في جزء حديثه (٤٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٦). (٣) أخرجه الإمام أحمد (٢٣،١١/٥)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (رقم ٢٧٧)، والبزار في مسنده - الكتانية (٢٥١)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (رقم ٢٩٩). ١٢٥١ عن يونس، عن الحسن، عن سمرة رضي الله عنه - بلا لفظ دال على اللقاء. وقد سئل الدارقطني، كما في سؤالات أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي (ت٣٨٨ هـ)، المعروفة بـ(سؤالات ابن بكير): ((عن أرفع من عنده من أصحاب يونس بن عبيد؟ فقال: يزيد بن زريع، وخالد الواسطي، وابن علية))(١). وقال حمّادُ بن سلمة، مِنْ قَبْل: ((كنّا نُشبِّه شمائل ابنِ علية، بشمائل يونس بن عبيد))(٢). فإذا اتفق اثنان، هما أرفع الرواة عن يونس بن عبيد، بوجه واحد عن يونس؛ وخالفه ثالث! لا شك في رد تلك المخالفة. إلا أن هشيمًا ليس بالقليل في يونس بن عبيد أيضًا! فقد قال الإمام أحمد في (علله): ((هشيم أروى الناس عن يونس)» !! (٣) لكن أنقذنا هشيم نفسه من هذا المأزق! بروايته هو نفسه للحديث، من وجه آخر عنه، عن شيخه يونس - فوافق ابنَ علية ويزيدَ بن زريع، في عدم ذكر عبارة تدل على لقاء الحسن بسمرة رضي الله عنه! وذلك فيما أخرجه الدارقطني في (سننه)(٤) ومن طريقه البيهقي في (القراءة خلف الإمام) (٥). (١) سؤالات ابن بكير (٤٥ - ٤٦ رقم ٣٧). (٢) العلل للإمام أحمد (رقم ١٥٤١، ٥٦٠٣). (٣) العلل، للإمام أحمد (رقم ٩٨٠). (٤) سنن الدارقطني (٣٣٦/١). (٥) القراءة خلف الإمام للبيهقي (رقم ٣٠٠). 1 ١٢٥٢ فأراحنا هشيم، بما وافق فيه غيره، عن شيخه يونس! وعلمنا بهذا أن يونس بن عبيد، لم يذكر في حديثه صلاة الحسن خلف سمرة رضي الله عنه، ولا لقاءه به! هذا ما اتفق عليه الرواة عن يونس، وفيهم هشيم؛ إلا عندما جمع هشيمٌ يونسَ ومنصورًا في سِيَاقَةٍ واحدةٍ للحديث! فإن كان هشيمٌ حفظ ما روى، فإن الذي ذكر تلك العبارة الدالةَ على لقاء الحسن بسمرة رضي الله عنه، إنما هو منصور بن زاذان. إذا إني لم أجد أحدًا روى حديث السكتتين هذا، عن منصور، إلا هشيم. لكنّ هُشيمًا جمع مع منصورٍ يونسَ، مع أن منصورًا وحده هو الذي يذكر في روايته ما يدل على لقاء الحسن بسمرة رضي الله عنه، إن حفظ عنه هشيم؛ ولم يقل يونسُ ذلك في روايته، كما تقدم آنفًا . فهشيم - إن حفظ ذلك عن منصور - يكون قد أخطأ، بجمعه شيخيه يونسَ ومنصورًا، على لفظ واحد، مع اختلاف لفظیھما !! وإن حفظ هشيم ذلك عن منصور، يكون منصورٌ قد خالف أربعةً من تلاميذ الحسن، هم الذين رووا عنه هذا الحديث: أولهم: يونس، كما ذكرناه آنفًا. وثانيهم: قتادة: أخرج حديثه الإمام أحمد(١) وأبو داود(٢) والترمذي وقال: (١) مسند الإمام أحمد (٧/٥). (٢) سنن أبي داود (رقم ٧٧٩، ٧٨٠). ١٢٥٣ ٠ ((حسن))(١) وابن ماجه(٢) وأبو علي الطوسي في (مختصر الأحكام)(٣) والطبراني في (المعجم الكبير) وفي (مسند الشاميين)(٤) وابن خزيمة في (صحيحه)(٥) وابن حبان في (صحيحه)(٦) والحاكم في (المستدرك)(٧) والبيهقي في (السنن الكبرى)، و (معرفة السنن والآثار)(٨) وابن حجر في (نتائج الأفكار)(٩). وثالثهم: حميد الطويل: أخرج حديثه الإمام أحمد(١٠)، والبخاري في (القراءة خلف الإمام)(١١) والدارمي في (سننه)(١٢) وابن أبي شيبة في (المصنف)(١٣) والطبراني في (المعجم الكبير) (١٤) وابن المنذر في (الأوسط) (١٥) والدارقطني في (سنته) (١٦) والبيهقي في (معرفة السنن والآثار) (١٧) وابن الطيوري في (١) جامع الترمذي (رقم ٢٥١). (٢) سنن ابن ماجة (رقم ٨٤٥). (٣) مختصر الأحكام للطوسي (رقم ٢٣٣). (٤) معجم الطبراني الكبير (٢٥٤/٧ - ٢٥٥ رقم ٦٨٧٥، ٦٨٧٦)، ومسند الشاميين (رقم ٩١٥، ٢٦٥٢). (٥) صحيح ابن خزيمة (رقم ١٥٧٨). (٦) الإحسان (رقم ١٨٠٧). (٧) المستدرك (٢١٥/١). (٨) السنن الكبرى للبيهقي (١٩٥/٢ - ١٩٦)، ومعرفة السنن والآثار (رقم ٣٨٣١). (٩) نتائج الأفكار (٩٢٢/٢). (١٠) مسند الإمام أحمد (١٥/٥، ٢٠، ٢١). (١١) القراءة خلف الإمام البخاري (رقم ٢٧٨). (١٢) سنن الدارمي (رقم ١٢٤٦). (١٣) مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٦/١) (رقم ٢٨٤٠). (١٤) المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٢٧٣ رقم ٦٩٤٢). (١٥) الأوسط لابن المنذر (١١٨/٣ رقم ١٣٤٠). (١٦) سنن الدارقطني (٣٠٩/١). (١٧) معرفة السنن والآثار (رقم ٣٨٢٩). ١٢٥٤ (الطيوريات)(١) وابن حجر في (نتائج الأفكار)(٢). ورابعهم: أشعث بن عبد الملك الحمراني: أخرج حديثه أبو داود في (السنن)(٣). فهؤلاء أربعة رووا الحديث عن الحسن، كلهم خالف منصورًا، في عدم ذكر ما يدل على حضور الحسن لصلاة سمرة رضي الله عنه، أو لقائه به! ورواه أيضًا عوف بن أبي جميلة، قال: ((بلغني عن الحسن، عن سمرة ... )) ـ فذكره مرفوعًا. أخرجه الروياني في (مسنده)(٤). فإن كان هشيم حفظ عن منصور، فقد وهم منصور في ذكره تلك العبارة الدالة على اللقاء، لمخالفته في ذكرها أربعة اتفقوا على عدم ذكرها !! هذه علةٌ إسناديةٌ تُظهر ضعفَ حديث السكتتين عن القيام بإثبات سماع الحسن من سمرة رضي الله عنه. وسوف نعود إلى علل هذا الحديث، مرّة أخرى، في مبحث عمران بن حصين رضي الله عنه، إذ له به متعلق، إن قدّر الله لي کتابته . لكن للحديث علة أخرى، تسقط دلالة صلاة الحسن خلف سمرة رضي الله عنه، وسماعه منه، حتى ولو لم تُضعف هذه الدلالةَ العلةُ الإسناديةُ المذكورةُ آنفًا !! (١) الطيوريات للسلفي (٨٣/أ - ب). (٢) نتائج الأفكار (٢١/٢). (٣) سنن أبي داود (رقم ٧٧٨). (٤) مسند الروياني (رقم ٨٦٧). ١٢٥٥ وهذه العلة الأخرى، مبنية على ملحظ تاريخي قاطع الدلالة !! وقبل أن أتكلم عن هذه العلة، وأوضحَها، أسوق لك أحد ألفاظ الحديث الصحيحة؛ إذ إننا لم نذكر إلا لفظ حديث هشيم، وهو من اختصاره، فقد وقع فيه ذلك الخطأ! قال الإمام أحمد في (المسند): ((حدثنا إسماعيل: حدثنا يونس، عن الحسن، قال: قال سمرة: حفظت سكتتين في الصلاة: سكتة إذا كبّر الإمام حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب وسورة، عند الركوع. قال: فأنكر ذلك علیه عمران بن حصین! فكتبوا إلى أَبيّ في ذلك إلى المدينة. قال: فصدّق سمرة)) (١). وإسناده صحيح. وقد سبق تخريج هذا الحديث، من رواية ابن علية عن (٢) يونس(٢). فإذا أردنا توضيح العلة (التاريخية) لهذا الحديث، أقول: إنه لمن الواضح من نص الحديث، أن سمرة وعمران بن حصين رضي الله عنهما، لم يكونا عند اختلافهما في هذه المسألة بالمدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام -، ألا ترى قوله: ((فكتبوا إلى أبي في ذلك إلى المدينة)). ولو لم يرد هذا النص، فإن العلم بحياة هذين الصحابيين: سمرة وعمران بن حصين رضي الله عنهما، يدلنا على أنهما حين اختلافهما في هذه المسألة، لم يكونا بالمدينة! (١) المسند للإمام أحمد (٢١/٥). (٢) انظر ما تقدم (١٢٥١). ١٢٥٦ إذ إن سمرة رضي الله عنه بصري، كما سبق(١)، وكذلك عمران بن حصين رضي الله عنه، كما سبق في هذا البحث أيضًا (٢). فلو أن سامعًا سمع بالاختلاف الذي وقع بين سمرة وعمران رضي الله عنهما في هذه المسألة، دون أن يسمع بكتابتهما في ذلك إلى المدينة، لغلب على ظنه أن ما وقع بينهما كان بالبصرة .. مسکنهما. فكيف، وقد سمع بكتابتهما في ذلك .. إلى المدينة؟! وليس من المهم المؤثر، لما أريد الاحتجاج له، أن سمرة وعمران رضي الله عنهما، حين اختلافهما، بالبصرة كانا أو بالكوفة! لكن من المهم المؤثر، أن تعلم أن سمرة وعمران رضي الله عنهما، حين اختلفا، كانا في غير مدينة الرسول اله. وهذا مقطوع به: ((فكتبوا إلى أبي في ذلك .. إلى المدينة)). لكن أحببنا بما سبق زيادة التأكيد والتثبيت! إذًا .. فالمقدمة الأولى: أن الاختلاف الذي كان بين سمرة وعمران رضي الله عنهما في شأن سكتتي الصلاة، وقع وهما بالبصرة؛ أو في غير المدينة، إذا أردنا التنطع !! والمقدمة الثانية: أننا كنّا قد تكلمنا في مبحث أبي بن كعب رضي الله عنه، عن سنة وفاته، وبيّنا الخلاف الواقع فيها (٣). فإذا هو دائر بين سنة اثنتين وعشرين، أو اثنتين وثلاثين! (١) انظر ما تقدم (١١٧٥). (٢) انظر ما تقدم (٥٧٦). (٣) انظر ما تقدم (٥٨١ - ٥٨٧). ١٢٥٧ وعامة المتأخرين، وفيهم الإمام الذهبي والحافظ ابن حجر، على ترجيح الأولى: أن أبي بن كعب توفي في خلافة عمر رضي الله عنه، سنة اثنتين وعشرين. وجمعٌ من المتقدمين، فيهم الإمام البخاري، على ترجيح الثانية: أن وفاة أبي بن كعب كانت في خلافة عثمان رضي الله عنه، حدود سنة ثلاثين أو اثنتين وثلاثين أو نحوهما. هذا كله عرضناه في مبحث أبي بن كعب رضي الله عنه، وصوّبنا هناك القول الثاني، أن وفاة أبي بن كعب رضي الله عنه كانت في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه(١). فعلى القول الأول في وفاة أبي رضي الله عنه، يكون للحسن سنة وفاة أبيّ سنة واحدة. وعلى القول الثاني في وفاة أبي رضي الله عنه، يكون للحسن عند وفاته تسع سنوات إلى أربع عشرة سنة، إن كانت وفاة أبي سنة وفاة عثمان رضي الله عنهما. أمّا على القول الأول في وفاة أبي رضي الله عنه، والذي عليه عامة المتأخرين: فكيف يصلي الحسن خلف سمرة رضي الله عنه بالبصرة، ويحضر اختلافه في سكتتي الصلاة مع عمران، وكتابتهما في ذلك إلى أبي بن كعب، والحسن حينها رضيع بالمدينة، ابن سنة واحدة؟ !!! فعلى القول الأول لوفاة أبي بن كعب رضي الله عنه، يكون الحسن لم يدرك ذلك الاختلاف أصلاً، الذي وقع بين سمرة وعمران رضي الله عنهما، ولا عاصر زمنه !! وعلى ذلك يكون حديث السكتتين مرسلاً، لا شك في إرساله !! (١) انظر ما تقدم (٥٨٢ - ٥٨٧). ١٢٥٨ أمّا القول الثاني لوفاة أبي بن كعب رضي الله عنه، فنحتاج للبت فيه إلى مقدمة ثالثة. والمقدمة الثالثة: هي ما تقدم في (شئون الحسن التاريخية)، من أنه لم يخرج من مدينة الرسول وَليقر إلا سنة سبع وثلاثين، وله من العمر ست عشرة سنة(١). فالنتيجة من هذه المقدمات الثلاث: أنه إذا كان ما وقع بين سمرة وعمران كان خارج المدينة، وهما بالبصرة. وأنهما كتبا في الاختلاف الذي وقع بينهما من البصرة إلى أبي بن كعب بالمدينة. وأن وفاة أبي بن كعب كانت وللحسن أربع عشرة سنة، في أقصى تقدير. وأن الحسن لم يخرج من المدينة، إلا وله ست عشرة سنة. فالنتيجة: أن الحسن في ذلك الحين، حين وقوع الاختلاف بين سمرة وعمران وكتابتهما إلى أبي بالمدينة وهما بالبصرة في سكتتي الصلاة - أن الحسن حينها كان بالمدينة، لم يَبْرَحْها بَعْدُ! فأَنَّى يُصلي مَنْ بالمدينة خلف مَنْ بالبصرة؟ !! أو قل للمتنطع: فأنَّى يصلي من بالمدينة خلف من ليس بالمدينة؟ !!! فرجع حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه في سكتتي الصلاة، من أن يكون الحسنُ صرّح فيه بالسماع من سمرة، لا إلى أنه لم يصرح فيه وحسب، بل إلى أنه حديث مرسل لم يسمعه الحسن من سمرة رضي الله عنه !!! (١) انظر ما تقدم (٢٦٩ - ٢٧٥). ١٢٥٩