Indexed OCR Text
Pages 1161-1180
الصحابة)(١) وابن حبان باختياره في (صحيحه)(٢) وابن مندة في (معرفة الصحابة)(٣) وأبو نعيم في (معرفة الصحابة) (٤) والحاكم باختياره وتصحيحه في (المستدرك)(٥). فهذا هو الحديث الثاني للحسن عن سلمة رضي الله عنه، وظهر منه أنه إنما يرويه الحسن عنه بواسطة جون بن قتادة. (١) معجم الصحابة للبغوي (٧٥). (٢) الإحسان (رقم ٤٥٢٢). (٣) انظر تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٤ /٨٤). (٤) معرفة الصحابة لأبي نعيم (١٤١/١/ ب). (٥) المستدرك (١٤١/٤). ١١٦٠ الحديث الثالث: حديث الحسن، عن سلمة بن المحبق، عن عبادة بن الصامت، عن النبي وَّر، قال: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالكبر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائه والرجم. فقال ناس لسعد بن عبادة: يا أبا ثابت، قد نزلت الحدود، لو أنك وجدت مع امرأتك رجلًاً، كيف كنت تصنع؟ قال: كنت ضاربهما بالسيف حتى يسكتا: أفأنا أذهب فأجمع أربعة شهداء؟! فإلى ذلك، قد قضى الحاجة !! فانطلقوا، فاجتمعوا عند رسول الله صل﴾. فقالوا: يا رسول الله، ألم تر إلى أبي ثابت؟! قال كذا وكذا !! فقال رسول الله ور: كفى بالسيف شاهدًا. ثم قال: لا، لا، أخاف أن يتتابع فيها السكران والغيران)). يتتابع، التتابع: هو التمادي في الشر والفساد، والتهافت فيهما (١). ورويت بالباء الموحدة التحتية: يتتابع(٢). تفرد بالحديث مسندا: الفضل بن دلهم، عن الحسن البصري .. به. واختلف على الفضل بن دلهم فيه: فرواه محمد بن خالد الوهبي(٣) عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. (١) غريب الحديث لأبي عبيد (١٣/١ - ١٤). (٢) رواية أبي داود في سننه بالياء المثناه، ورواية ابن ماجه بالباء الموحدة، كما سيأتي العزو إلى موطن ذلك في تخريج الحديث. وأحسب رواية الباء الموحدة تصحيفا عن الياء المثناة! (٣) محمد بن خالد بن محمد الوهبي الحمصي، (ت قبل سنة ١٩٠هـ). قال الحافظ في الترقيب (رقم ٥٨٤٨): ((صدوق)). ١١٦١ أخرجه أبو داود في (السنن)(١). ورواه وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه - بذكر قيبصة بين الحسن وسلمة. أخرجه الإمام أحمد(٢) وابن ماجه(٣) والطحاوي في (شرح معنى الآثار)(٤) والدارقطني في (الأفراد)(٥) والحافظ ابن حجر في (موافقه الخبر الخبر)(٦). والفضل بن دلهم، تقدم أنه لين، مرمي ببدعة الاعتزال؛ فلا تقوم الحجة بكلا روایتیه. ((والاضطراب في ذلك من الفضل بن دلهم))، كما قال المزي في (تحفة الأشراف)(٧) . قال الحافظ ابن حجر في (موافقة الخبر الخبر): ((وقال أحمد، في رواية الأثرم: الفضل لا بأس به، إلا أن له أحاديث خطأ. وحديثه هذا منكر، والصحيح: ما رواه قتادة وغيره، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت)) (٨). وترجم البخاري في (التاريخ الكبير) للفضل بن دلهم، فقال: ((الفضل بن دلهم البصري: سمع الحسن، عن قبيصة، عن سلمة بن المحبق، عن النبي وَ له، قال: للبكر جلد مائة وتغريب عام. (١) سنن أبي داود (رقم ٤٤١٧). (٢) مسند الإمام أحمد (٤٧٦/٣). (٣) سنن ابن ماجه (رقم ٢٦٠٦). (٤) شرح معاني الآثار للطحاوي (١٣٤/٣). (٥) أطراف الغرائب والأفراد، لابن طاهر (١٣٩/ب). (٦) موافقة الخبر الخبر (٢٩٧/٢). (٧) تحفة الأشراف للمزي (٢٤٨/٤ رقم ٥٠٨٣٣). (٨) موافقة الخبر الخبر (٢٩٧/٢). ١١٦٢ روی عنه و کیع. وقال قتادة، وسلام، عن الحسن: عن حطان، عن عبادة، عن النبي وَ ل﴿ - وهذا أصح))(١). وتعقب أبو داود الحديث في (السنن)، بقوله: ((إنما هذا إسناد حديث ابن المحبق: أن رجلاً وقع على جارية امرأته. والفضل بن دلهم ليس بالحافظ، كان قصابًا بواسط))(٢). وسأل ابن أبي حاتم أباه في (العلل)، عن هذا الحديث، فقال أبو حاتم: ((هذا خطأ، إنما رواه الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي (وَل 9))(٣). وقال البزار، بعد أن ذكر مخالفة الفضل بن دلهم هذه: ((والفضل بن دلهم لم يكن بالحافظ، والحديث حديث قتادة))(٤). يعني: حديث قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن عبادة: عن حدّ الزنا، فإنه كان قد أخرجه قبل حديث الفضل بن دلهم. وقال الدارقطني في (الأفراد): ((تفرّد به الفضل بن دلهم، عن الحسن عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق. والمحفوظ: عن الحسن، عن حطان الرقاشي، عن عبادة بن الصامت»(٥) . هذه هي أحكام الأئمة على هذا الحديث، وهي متفقة على أنه خطأ من الفضل بن دلهم. وتشير أقوال الأئمة إلى مخالفة وقعت من الفضل بن دلهم، (١) التاريخ الكبير للبخاري (١١٦/٧ - ١١٧). (٢) سنن أبي داود (رقم ٤٤١٧). (٣) العلل لابن أبي حاتم (رقم ١٣٧٠). (٤) مسند البزار (١٣٦/٧). (٥) أطراف الغرائب والأفراد، لابن طاهر (١٣٩/ب). ١١٦٣ خالف بها قتادة وغيره، كما هو ظاهر في كلامهم. وهم بذلك يشيرون إلى حديث الحسن، عن حطان الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ◌َّير: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)). وسوف يأتي تخريج هذا الحديث، إن شاء الله تعالى، في مبحث عبادة بن الصامت رضي الله عنه(١). ولا شك أن الفضل بن دلهم ليس أهلاً للتفرد، فضلاً عن المخالفة، فضلاً عن مخالفة قتادة وأمثاله! هذا بالنسبة لمقدمة حديث الفضل بن دَلْهم، فإنه خالف فيه الحفاظ غيره، بروايته عن الحسن، عن سلمة؛ أوعن الحسن، عن قبيصة عن سلمة. أمّا بالنسبة للقصة الواردة عقب حديث: ((خذوا عني ... ))، والتي جاء فيها قول النبي وَالر: ((كفى بالسيف شاهدا ... ))؛ فقد خالف الفضل بن دلهم غيره فيها أيضًا !. قال أبو عبيد في (غريب الحديث): ((حدثنا هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: لمّا نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ ثُهَدَّةَ فَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهِدَةً أَبَدَّا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾(٢) - قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلاً فقتله، أتقتلونه به؟! وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين؟! أفلا يضربه بالسيف !! فقال رسول الله وسلم: كفى بالسيف شا - أراد أن يقول: شاهدًا، فأمسك - وقال: لولا أن يتتابع فيه الغيران والسكران)) (٣). (١) انظر ما سيأتي (١٥٤٨ - ١٥٥١). (٢) سورة النور: الآية ٤. (٣) غريب الحديث لأبي عبيد (١٣/١ - ١٤). ١١٦٤ وفي (المصنف) لعبد الرزاق: ((عن معمر، عن كثير بن زياد(١) عن الحسن في الرجل يجد مع امرأته رجلاً، قال: قال رسول الله : كفى بالسيف شا - يريد أن يقول: شاهدًا، فلم يتم الكلام - حتى قال: إذا يتتابع فيه السكران والغيران))(٢). فهذان ثقتان من كبار الآخذين عن الحسن: يونس بن عبيد، وكثير بن زياد - يرويان الحديث عن الحسن مرسلاً، غير مسند. فخالفهما الفضل بن دلهم، فأسنده عن الحسن، عن قبيصة، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه! ولا يقوى الفضل بن دلهم على هذا التفرد المخالِفِ فيه، لضعفه في نفسه، ولجلالة من خالفهم. ويبدو أنه اختلط على الفضل بن دلهم حديث الحسن، عن قبيصة، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه: في الرجل يقع على جارية امرأته؛ بحديث الحسن المرسل هذا! لتشابه موضوعيهما: الذي في الزنا، ودرء حدّه !! وإلى هذا أشار أبو داود، عندما تعقب حديث الفضل بن دلهم، كما سبق، بقوله: ((وإنما هذا إسناد حديث ابن المحبق: أن رجلاً وقع على جارية امرأته)). وهذا آخر ما وجدته للحسن عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه . وظهر بعد هذا العرض، أنه لم يصح للحسن عن سلمة رضي الله عنه حديث إلا وكان الحسن إنما يرويه عن رجل عن سلمة . (١) كثير بن زياد أبو سهل البرساني، نزل بلخ. قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٦١٠): ((ثقة)). (٢) مصنف عبد الرزاق (رقم ١٧٩١٨). ١١٦٥ فالحسن لم يسمع من سلمة بن المحبق رضي الله عنه، هذا ما تعلنه روايات الحسن نفسها عن سلمة رضي الله عنه. والله أعلم. ١١٦٦ سَلِيْط التميمي لم يذكره المِزّي في شيوخ الحسن البصري، ولم أجد كلامًا في سماع الحسن منه، نفيًا أو إثباتًا . وليس في أخبار سليط التميمي إلّا أنه: بصري، وأنه روى عنه محمد بن سيرين أيضًا (١). ولم يُذكر له تاريخ وفاة، ولا غير ذلك مما يوضّح معالم حياته. لكنّ ذلك كلّه، سلبيَّهُ وإيجابيَّة، لا يؤثر بشيءٍ، بعد أن كان حديث الحسن عن سَليط وهمّا على الحسن، وخطأً في الرواية عنه !! فالحديث أخرجه الحسن بن سفيان في (الوحدان)، ومن طريقه أبو نعيم في (معرفة الصحابة)(٢) . قال الحسن بن سفيان: ((حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان(٣): حدثنا عبد الله بن نُمير، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سليط، قال: انتهيتُ إلى رسول الله وَحر وهو محتبي في أصحابه، كأني أنظر إلى بياض خاتمه في سواد الليل، فسمعته (١) انظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٠٩/١/ب)، والاستيعاب لابن عبد البر (٦٤٦ رقم ١٠٤٢) وأسد الغابة لابن الأثير (٤٣٨/٢)، والإصابة لابن حجر (١٢٣/٣). (٢) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٠٩/١/ب). (٣) عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الأموي مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، مُشْكُدانه، (ت٢٣٩ هـ). قال عنه الحافظ (رقم ٣٤٩٣): ((صدوق فيه تَشَيُّع)). ١١٦٧ يقول: المسلم أخو المسلم، لا يَظْلِمُه ولا يَخْذُلُه، التّقوىُ ها هنا - وأشار بيده إلى صدره ۔)). وهذا أوّلاً: إسنادٌ ضعيف، لضعف إسماعيل بن مسلم المكي. ثم هو ثانيًا: إسنادٌ مُعَلّ! فالحديث يرويه يونس بن عبيد (١)، والمبارك بن فضاله (مصرّحًا بالسماع من الحسن)(٢)، وعلي بن زيد بن جدعان(٣)، وعبّاد بن راشد(٤)؛ أَرْبَعَتُهم عن الحسن، عن رجلٍ من بني سَليط (بل صرّح الحسن بالسماع من هذا الرجل في رواية المبارك بن فضاله)، عن النبي ◌َالر .. به نحوه. كذا رواه الجماعة، وفيهم أوثق الناس في الحسن، عن الحسن عن رجل من بني سليط. فأبهموا اسم هذا الصحابي، ونسبوه إلى قبيلته (بني سليط). فَوَهِمَ إسماعيلُ بن مسلم، وأخطأ حِفْظُه، فجعله (عن سَلیط) !! وهذا الرجل الذي (مِنْ بني سَليط) هو عُلاَثَةُ (وقيل: عِلاقه) بن شَجَار (وقيل صُحَار)، وقيل في ضبط اسمه غير ذلك. وسيأتي ذلك مفصّلاً في مبحثه، إن شاء الله تعالى. والله أعلم. (١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (رقم ٦٢٠٠)، وأبو طاهر الذهلي في جزء حديثه (رقم ١٠٣). (٢) أخرجه الإمام أحمد (٦٦/٤) (٧١/٥، ٣٧٩)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ◌َلها (٩٧). (٣) أخرجه الإمام أحمد (٧١،٢٥/٥)، وعلي بن المديني في العلل (٩١ رقم ١٤٩). (٤) أخرجه الإمام أحمد (٦٩/٤) (٢٤/٥، ٣٨١). ١١٦٨ سُلَيْك الغطفاني وصف الدارقطني في (العلل) حديث الحسن عن سليك رضي الله عنه - بأنه مرسل (١) . ولم أجد في أخبار سليك الغطفاني رضي الله عنه ما يوضح شيئًا من معالم حياته، لا مسكنًا نزله، ولا تاريخ وفاة! وكل ما ذكر في ترجمته حديثه الذي رواه، وروي عنه من وجوه، منها وجه رواية الحسن عنه(٢). وكثرة إرسال الحسن، الكَثْرة التي جعلت الحُكْم العام الأَوّليَّ في مروياته الإرسال وعدم السماع، حتى يأتي ما ينقض ذلك، مما يدل على السماع؛ مع خفاء معالم حياة سليك الغطفاني رضي الله عنه، مما لم يُبْقِ إلى معرفة احتمال اللقاء أو عدمه سبيلاً - هذا كله هو سبب القول بالإرسال. والدارقطني - بعد ذلك - إمام مطلع، وحكمه على الرأس والعین! وحديث سليك الغطفاني رضي الله عنه هو: أنه جاء ورسول الله ﴿ يخطب على المنبر، فقال له رسول الله وَ ال: ((أركعت؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين، تجوز فيهما)). (١) العلل للدار قطني (٨٤/٤/أ). (٢) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢١٠/١/أ)، والاستيعاب لابن عبد البر (رقم ١١٤٣)، وأسد الغابة لابن الأثير (٤٤١/٢ - ٤٤٢)، والإصابة (١٢٤/٣). ١١٦٩ وقد سئل الدارقطني عن هذا الحديث، في (العلل)، فأجاب عنه، بكلامه النفيس الذي عوّدناه! فأنا أنقله لك، مضمنًا كلامه بزيادات من عندي، أميزها عن كلامه بمعقوفتين تحصره، وبأن أقدمه بقولي: (قلت). والذي أباح لي هذا التدخل في كلام الدارقطني هو: أنني لست في مجال تحقيق كتاب الدارقطني، ولكني في مجال عرض علل هذا الحديث، ومعرفة صواب رواياته من خطئها . ثم إنني محتاج إلى نقل كلام الدارقطني، كما أن كلامه ليس بمستغن عن زیادات لم ترد فیه! هذا هو الذي جعلني أبيح لنفسي أن أضمن كلامًا لغيري، كلامًا لي، لكن مع التمييز بينهما. وسوف أعود إلى مثل هذا المنهج، في نقل تعليلات الدار قطني، خلال هذا البحث. فلست بعد هذا التنبيه، بحاجة إلى تقديم كل نقل بنحو هذا التبرير المُبَرِّيء! والحديث الذي يرويه الحسن عن سليك رضي الله عنه، روي عن الحسن، عن جابر رضي الله عنه، عن سليك رضي الله عنه؛ وعن الحسن عن سليك رضي الله عنه، بحذف ذكر جابر رضي الله عنه. فسئل الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: ((اختلف فيه على الحسن: فرواه يونس بن عبيد(١) ومنصور بن زاذان(٢) وأبو حُرّة(٣)، [قلت: وإسماعيل بن مسلم(٤)] عن الحسن، عن جابر. لم أجد رواية يونس بن عبيد. (١) (٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٧١١). (٣) لم أجد رواية أبي حرة واصل بن عبد الرحمن. (٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٧١٠). ١١٧٠ واختلف على منصور بن زاذان [قلت: بل وعلى يونس بن عبيد وأبي حرَّة أيضًا]: فروي عن منصور، [قلت: وكذلك عن يونس بن عبيد، وأبي حرّة] (١) عن الحسن - مرسلاً. ورواه عن الحسن: هشام بن حسّان(٢) وأشعث، والحسن بن دينار، وقتادة(٣) [قلت: ورجل مبهم، رواه عنه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان](٤) عن الحسن - مرسلاً. والأشبه من ذلك بالصواب: المرسل))(٥). وأنت ترى أن الرواة الثلاثة عن الحسن، الذين ذكرهم الدارقطني، وهم يونس ومنصور وأبو حرة، أنهم رووا الحديث عن الحسن عن جابر؛ عاد فذكر أن منصورًا منهم رواه عن الحسن مرسلاً أيضًا. ثم إننا زدنا على كلام الدارقطني هذا، أن ابن أبي شيبة في (١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١٠/٢) (رقم ٥١٦٢)، قال: ((حدثنا هشيم، قال أخبرنا منصور وأبو حرّة ويونس، عن الحسن قال: جاء سليك الغطفاني ... )). (٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم ١٢٢٣، ١٢٨٠)، والطحاوي في شارح معاني الآثار (٣٦٥/١)، والطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٧١٢). وقد دخل إسناد حديث في حديث، في مطبوع معجم الطبراني الكبير! يظهر صواب هذا الخلط، بالنظر في إسناد ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني. (٣) لم أجد رواية أحد من هؤلاء: اشعث، والحسن بن دينار، وقتادة. (٤) أخرجه ابن عدي (٤٦٥/٣). وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي، (ت١٦٥هـ)، وهو ابن تسعين سنة. قال الحافظ في التقريب (رقم ٣٨٢٠): ((الزاهد، صدوق يخطيء، ورمي بالقدر، وتغير بأخرة)). (٥) العلل للدارقطني (٨٤/٤/أ). ١١٧١ (المصنف) قال: ((حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور وأبو حرة ويونس، عن الحسن، قال: جاء سليك الغطفاني ... )) - كذا مرسلاً. فإذا بالرواة الثلاثة الذين رووا الحديث عن الحسن عن جابر، كما ذكر الدارقطني، ثلاثتهم يروونه عن الحسن مرسلاً، على ما يرويه ابن أبي شيبة في (المصنف) !! هذا التناقض بين كلام الدارقطني ورواية ابن أبي شيبة، مع كون كلام الدارقطني واضح التقسيم والتفريع، لا يحتمل وجود خطأ نسخي فيه - جعلني أشك في وجود سقط في (مصنف ابن أبي شيبة) المطبوع! فراجعت لذلك نسختين خطيتين لـ(منصف ابن أبي شيبة)، وهي نسخة المكتبة الظاهرية رقم (١٠٨١/ حديث) المصورة في مركز البحوث بجامعة أم القرى رقم (١٤٠/ حديث)(١) ونسخة سراي: مدينة بتركيا، رقم (٣٣٤)، المصورة في مركز البحوث، رقم (١١/ حديث)(٢). فوجدت أن ما في مطبوع (المصنف) لابن أبي شيبة صحيح لا خطأ فيه ولا سقط !! مطابق لما في المخطوطتين! فأحببت التنبيه على ذلك، حتى لا يضيع جهد لغيري في التأكد والتثبت، کنت قد قمت بمثله! وبعد ثبوت ما في (مصنف ابن أبي شيبة) نقلاً، وإسنادًا، يظهر أن جميع من روى هذا الحديث عن الحسن، رووه عنه مرسلاً، إلا إسماعيل بن مسلم المكي! وهو ضعيف كما تقدّم! لكن ينقل الدارقطني أن منصورًا ويونس وأباحرة وافقوا (١) (٢٠٨/ ب). (٢) (٧٧/ ب). ١١٧٢ إسماعيل بن مسلم أيضًا، برواية الحديث من وجه آخر عنهم، عن الحسن، عن جابر. فإن كان هذا الذي نقله الدارقطني صحيحًا عنهم، فأرى الوجهين كليهما صحيحين عن الحسن! ولا أدل على ذلك، من رواية ثلاثة من ثقات تلامذة الحسن، للوجهين كليهما عنه، هم منصور ویونس وأبو حرة! لكني أشك في صحة ما نقله الدارقطني، لا شكّا في صحة نقله، ولكن شكّا في ثبوت ذلك عن تلامذة الحسن! لأعود بعد هذا الشك، إلى ترجيح النتيجة التي ذهب إليها الدارقطني نفسه، وهي: أن الإرسال أشبه الأقوال بالصواب، بل هو الصواب عينه. وعنى الدارقطني بالإرسال، ونعني نحن به: رواية الحسن، عن سليك الغطفاني! فالحسن لم يسمع من سليك، للأسباب المتقدمة. والله أعلم. ١١٧٣ سمرة بن جندب 7 مسألة قديمة حديثة، من أشهر مسائل الإرسال الخفي، التي كثر فيها الخلاف، وتباينت فيها الأقوال ... ألا وهي: مسألة رواية الحسن عن سمرة، أسمع منه؟ أم أرسل عنه؟! ويبين أهمية معرفة صواب هذه المسألة، وخطورة البحث فيها، أنها تحكم في نحو خمسين حديثًا، كثير منها من أحاديث الأحكام، في الأنكحة، والبيوع، والحدود، وغيرها! قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): ((اختلف النقاد في الاحتجاج بنسخة الحسن عن سمرة، وهي نحو من خمسين حديثًا))(١). فالأمر في غاية الخطورة، وما نقدم عليه إلا طالبين العون فيه من الله الفتاح العليم! وقبل عرض اختلاف الأئمة في هذه المسألة، نذكر من ترجمة سمرة بن جندب رضي الله عنه - ما نعرف به قوّة أو ضعف احتمال لقاء الحسن وسماعه منه. وهو، أولاً: سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، حليف الأنصار(٢). (١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٨٧). (٢) الاستيعاب لابن عبد البر (رقم ١٠٦٣)، وأسد الغابة لابن الأثير (٤٥٤/٢ - ٤٥٥). ١١٧٤ نزل البصرة (١) . وكان زياد بن أبيه يستخلفه على البصرة ستة أشهر، وعلى الكوفة ستة أشهر (٢). إلى أن توفي سنة ثمان وخمسين بعد أبي هريرة رضي الله عنه، أو سنة تسع وخمسين، أو سنة ستين(٣). فالحسن سنة وفاة سمرة رضي الله عنه سنة ثمان وخمسين، له من العمر سبع وثلاثون سنة. ساكنه منها بالبصرة: إحدى وعشرين سنة . فاحتمال لقاء الحسن به، وسماعه منه، وارد قوي! ثم نأتي إلى سياق أقوال الأئمة المختلفة في هذه المسألة، مصنفًا أقوالهم إلى خمسة مواقف. مع أن بعض الأقوال، بل وبعض هذه المواقف، يمكن أن يدخل في بعض. وإنما صنّفتُ الأقوال هذا التصنيف، زيادةً في التوضيح، وحرصًا على إظهار حقيقة المسألة، وتَبِينًا لنواحي الخلاف فيها! الموقف الأول: النافون للسماع نفيًا مطلقًا: قال شعبة بن الحجاج: ((لم يسمع الحسن من سمرة)) (٤). وفي مسائل صالح ابن الإمام أحمد لأبيه: ((قال أبي: سمع الحسن من ابن عمر، وأنس، وابن مغفل. (١) طبقات ابن سعد (٤٩/٧ - ٥٠)، وطبقات خليفة بن خياط (١٨١)، وطبقات مسلم (رقم ٣٤٥). (٢) التاريخ الكبير للبخاري (١٧٦/٤)، والأوسط - المطبوع باسم الصفير (١/ ١٣٢ - ١٣٣). (٣) المصدرين السابقين، والإصابة في تمييز الصحابة (١٣٠/٣ - ١٣١). (٤) التاريخ لابن معين (رقم ٤٠٥٣)، ومعرفة الرجال لابن معين، برواية ابن محرز (١ / رقم ٦٦١)، ومسند الإمام أحمد (١٠/٥)، وسنن البيهقي (٨] ٣٥)، ورجال صحيح البخاري للكلاباذي (١٦٧/١). ١١٧٥ وقال بعضهم: حدثني عمران بن حصين !! وقال بعضهم: حدثنا أبو هريرة !! وسمع من عمرو بن تغلب أحاديث، وهو من أصحاب النبي ◌َل﴾. وقال بعضهم: سمع من سمرة بن جندب !! ))(١). كذا قال الإمام أحمد، ولعل ناظرًا يفهم هذا الكلام على أنه إثبات لسماع الحسن: من عمران، وأبي هريرة، وسمرة! لكن روى ابن أبي حاتم في (المراسيل) كلام الإمام أحمد، عن صالح ابن الإمام أحمد، فروى الرواية على وجهها، مبينًا مقصود الإمام أحمد. فقال ابن أبي حاتم في موطن: ((حدثنا صالح بن أحمد، قال: قال أبي: قال بعضهم: عن الحسن: حدثنا أبي هريرة !! قال ابن أبي حاتم: إنكارًا عليه، أنه لم يسمع من أبي هريرة))(٢). وقال ابن أبي حاتم في موطن آخر من (المراسيل): ((حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: الحسن قال بعضهم: حدثني عمران بن حصین !! يعني إنكارًا عليه، أنه لم يسمع من عمران بن حصين))(٣). قلت: وكلام الإمام أحمد في رواية الحسن عن سمرة رضي الله عنه قرين كلامه الذي فسّره ابن أبي حاتم، في أنه من رواية صالح بن أبيه، وفي نفس الموطن الذي فسره ابن أبي (١) مسائل صالح (رقم ٨٤٤). (٢) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ١٠٣) (٣) المرسيل لابن أبي حاتم (رقم ١٢٠). ١١٧٦ حاتم، وبالتعبير والأسلوب نفسه الذي تكلم به الإمام أحمد في رواية الحسن عن أبي هريرة وعمران: ((قال بعضهم :...!! )). ويؤكد أن هذا هو موقف الإمام أحمد من المسألة، ما نقله مُغلطاي في (إكمال تهذيب الكمال)، قال: ((في كتاب الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في سماع الحسن من سمرة؟ فقال: قد أدخل بينه وبينه هيّاج بن عمران، لا أراه سمع منه، وكأنه ضعف حديث قريش))(١). وحديث قريش الذي ضعفه الإمام أحمد، هو حديث قريش بن أنس، الذي يسند فيه سماع الحسن من سمرة بن جندب رضي الله عنه، وسوف يأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى(٢). وقال يحيى بن معين في (معرفة الرجال)، برواية ابن محرز: ((لم يسمع الحسن من سمرة حرفًا قط))(٣). وفي (تاريخ الدارمي)، أنه سأله عن لقاء الحسن بسمرة، هل لقيه؟ فقال: ((لا))(٤). وفي رواية أبي خالد يزيد بن الهيثم الدّقاق، أن يحيى بن معين: ((قيل له: أيما أحب إليك: قتادة عن الحسن عن سمرة؟ أو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة؟ فقال: الحسن لم يسمع من سمرة. وكلاهما ليس بشيء. لو كان الحسن سمع من سمرة، كان أحب إليّ !! ))(٥). (١) إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (١٥٢/أ). (٢) انظر ما سيأتي (١٢٢٠ - ١٢٣١). (٣) معرفة الرجال (١ / رقم ٦٦١). (٤) تاريخ الدارمي (رقم ٢٧٧). (٥) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال، رواية الدقاق (رقم ٣٩٠). ١١٧٧ وفي (تاريخ ابن أبي خيثمة): ((سمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من سمرة))(١). وقد ضعف يحيى بن معين حديث قريش بن أنس، الذي ضعفه الإمام أحمد كما سبق. وسيأتي نقل كلامه في ذلك، في الموطن اللائق به، إن شاء الله تعالى(٢). ورد ابن المنذر حديثًا في كتابه (الأوسط)، قائلاً: ((في إسناده مقال، يقال: الحسن لم يسمعه من سمرة))(٣). وهذا وإن كان تعليلاً لحديث مُعيّن، إلا أنه مبني - غالبًا - على نفي سماع الحسن من سمرة النفي المطلق، إذ لا معنى لتخصيص ذاك الحديث دون غيره بنفي السماع. وقال ابن حبان في (صحيحه): ((لم يسمع من سمرة شيئًا))(٤). وقال أيضًا في (المجروحين): ((لم يشافه سمرة))(٥). مع ذلك يقول مغلطاي في (الإعلام: بسنته عليه السلام): ((وممن صحح سماعه منه: أبو حاتم البستي، بتخريجه حديثه عنه في صحيحه: ((من صلى الغداة فهو في ذمة الله))(٦). كذا قال مغلطاي! وكيف يصحح ابن حبان في (صحيحه) سماع الحسن من سمرة بن جندب رضي الله عنه؟! وهو القائل في صحيحه أيضًا: ((لم يسمع من سمرة شيئًا)). (١) البدر المنير لابن الملقن (٥٩/٢/أ). (٢) انظر ما سيأتي (١٢٠٩). (٣) الأوسط (١١٧/٣). (٤) الإحسان (رقم ١٨٠٧). (٥) المجروحين (١٦٣/٢). (٦) الإعلام بسنته (٨٣/٤/أ). ١١٧٨ أمّا الحديث الذي ذكره مغلطاي، نقلاً من (صحيح ابن حبان)، فهو فيه من حديث جندب بن عبد الله (١)! وهو معروف ثابت من حديث جندب، كما سبق في مبحث جندب بن عبد الله؛ لا من حديث سمرة بن جندب، كما وقع لمغلطاي !! ولعله وهم في نسخته من صحيح ابن حبان !! لكني وقفتُ على حديثٍ آخر غير الذي ذكره مغلطاي، عزاه الحافظ ابن حجر في (إتحاف المهرة) إلى صحيح ابن حبان(٢)، ولم أجده في طبعتي (الإحسان) !! فإن صحّ هذا العزو، يكون ابن حبان ممّن يصحّح حديث الحسن عن سمرة مع عدم سماعه منه عنده، لأنّ الحسن يروي عن كتاب سمرة، كما يأتي في خلاصة هذا المبحث! ونقل مغلطاي أيضًا، في موطن آخر من (الإعلام: بسنته عليه السلام)، أن أبا سعيد الإدريسي صاحب (تاريخ سمرقند)، قال فيه: ((لم يسمع الحسن من سمرة))(٣). وقال ابن حزم في (المحلى): ((الحسن لم يسمع من سمرة)»(٤). وقال عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى)، مخبرًا عن بعض اجتهادات أبيه: ((وذهب: أن الحسن لم يسمع من سمرة شيئًا، لا حديث العقيقة، ولا غيره، وهو رأي أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين))(٥). (١) الإحسان (رقم ١٧٤٣). (٢) إتحاف المهرة (٦/ ٢١ رقم ٦٠٦٤). (٣) الإعلام بسنته لمغلطاي (١٣٤/٤/ ب). (٤) المحلى (١٧٢/٩). (٥) طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي (٣٠٦/١٠). ١١٧٩