Indexed OCR Text

Pages 1121-1140

فجاء صفوان بن المعطل، فقال: إني جُعْت، قال: ما أنا
بمطعمك حتى يأمرني النبي وَّر، وينزل الناس، فتأكل.
قال: فقال بالسيف هكذا، وكشف عرقوب الراحلة.
قال: وكان إذا حزبهم أمر قالوا: احبس أوّل، فسمعوا
فوقفوا. وجاء رسول الله وَ ل#، فلما رأى ما صنع صفوان بن
المعطل بالراحلة، فقال له: اخرج، وأمر الناس أن يسيروا.
فجعل صفوان بن المعطل يتبعهم، حتى نزلوا، فجعل يأتيهم
في رحالهم ويقول: إلى أين أخرجني رسول الله وَلقول، فقالوا: يا
رسول الله، ما زال صفوان بن المعطل يتجوّب رحالنا، منذ الليلة،
ويقول: إلى أين أخرجني رسول الله وَليه؟ إلى النار أخرجني؟!
فقال رسول الله وَله: إن صفوان بن المعطل: خبيث
اللسان، طيب القلب))(١).
وأخرجه الروياني في (مسنده)، من طريق القواريري به (٢).
وأخرجه الدارقطني في (الأفراد)، وقال عقبه: ((غريب من
حديث عبد الله بن عون عن الحسن عن سفينه، تفرد به سُلَيْم بن
أخضر، ولا أعلم رواه عنه غير القواريري عبيد الله بن عمر))(٣).
.......------
وأخرجه أيضًا ابن عساكر في (تاريخ دمشق) من طريق أبي
يعلى، قال عقبه: ((رواه البغوي عن القواريري، وخالفه غيره،
فقال: عن الحسن عن سعد مولى أبي بكر))(٤).
قلت: لم أجده في مخطوط (معجم الصحابة) للبغوي، لا
(١) المطالب العالية المسندة (١٣١)، والمطبوعة (رقم ٤٠٥٠).
(٢) مسند الروياني (رقم ٦٧٢).
(٣) أطراق الغرائب والأفراد لابن طاهر المقدسي (١٤٢/ب).
(٤) تاريخ دمشق - خط - (٣٥٠/٨).
١١٢٠

في ترجمة سعد مولى أبي بكر، ولا في ترجمة سفينة رضي الله
عنه .
ولم أجده في (الجعديات) للبغوي أيضًا.
وقد ظهر بهذا الحديث متن الإسناد الذي أبهمه الإمام
البخاري في (التاريخ الكبير) في ترجمة سعد مولى أبي بكر!
وظهر أيضًا أن آخر هذا الحديث، الذي يرويه ابن عون عن
الحسن عن صاحب الزاد، الذي سمّاه ابن عون بسفينة - أنه هو
نفسه الحديث الذي رواه أبو عامر الخزاز عن الحسن عن سعد
مولى أبي بكر، كما ساقه البخاري.
أعني بآخر هذا الحديث، قوله ◌ّ﴾: ((إن صفوان بن
المعطل: خبيث اللسان، طيب القلب)).
فهذا الجزء من الحديث السابق، الذي يرويه ابن عون عن
الحسن عن صاحب الزاد - قال ابن عون: واسمه سفينه ـ هو ما
قال فيه البخاري في (التاريخ الكبير) كما سبق: ((قال لنا عمر بن
عبد الوهاب: أخبرنا عامر بن صالح الخزاز، عن أبيه أبي عامر،
عن الحسن، عن سعد: شكا رجل إلى رسول الله وَ ر صفوان بن
المعطل، فقال: إن صفوان هجاني، وكان يقول الشعر. قال:
دعوا صفوان، فإنه خبيث اللسان، طيب القلب))(١).
وأخرجه ابن أبي عاصم في (الآحاد والثماني)(٢)، وأبو
القاسم البغوي في (معجم الصحابة)(٣) والهيثم بن كليب الشاشي
في (مسنده)(٤) في مسند سعد بن أبي وقاص! وهو خطأ نبهنا عليه
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٤٧/٤).
(٢) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (رقم ٦٨٠).
(٣) معجم الصحابة للبغوي (٢٢٧).
(٤) مسند الشاشي (رقم ١٧٦، ١٧٧).
١١٢١

سابقا(١) وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (٢) وابن قانع في
(معجم الصحابة)(٣) وأبو نعيم في (معرفة الصحابة) (٤) وابن عساكر
في (تاريخ دمشق)(٥).
كلهم من طريق شيخ البخاري: عمر بن عبد الوهاب أبي
حفص الرياحي بإسناده ومتنه، سوى أبي نعيم، فإنه رواه من
طريق محمد بن أبي بكر المقدّمي عن عامر بن صالح بن رستم
عن أبيه أبي عامر به.
وإسناده حسن.
وليس هذا وحده هو وجه التوافق بين حديث ابن عون عن
الحسن عن من سمّاه ابن عون بسفينه، وحديث («أبي عامر
الخزاز، عن الحسن عن سعد مولى أبي بكر !!
إذ قال الهيثم بن كليب الشاشي في (مسنده)، والطبراني في
(المعجم الكبير)، قالا: ((حدثنا علي بن عبد العزيز(٦): حدثنا
عمر بن عبد الوهاب: حدثنا عامر بن صالح، عن أبيه، عن
الحسن، قال: قال سعد: كنّا مع رسول الله مَّ﴿ في مسير، ومعنا
شيء من تمر.
فقال لي صفوان: أطعمني هذا التمر، فقلت: إنه تمر قليل،
ولست آمن أن يدعو به، فإذا نزلوا أكلت معهم. فقال: أطعمني،
فقد أهلكني الجوع، وذكر ما بلغ منه، فأبيت عليه. فعرقب
الراحلة التي عليها التمر، فبلغ ذلك رسول الله وَله، فقال: قولوا
لصفوان فليذهب.
(١) انظر ما تقدم (١١١٦).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٥٤٩٥).
(٣) معجم الصحابة لابن قانع (٥٤/ب).
(٤) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٧٩/١/أ).
(٥) تاريخ دمشق - خط - (٨/ ٣٥٠).
(٦) علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي، تقدم أنه حافظ صدوق.
١١٢٢

قال: فلم يبت تلك الليلة، يطوف على أصحاب
رسول الله وَ﴿. فأتى عليّا، فقال: أين أذهب؟ أذهب إلى الكفر؟!
فأتى عليٍّ النبي ◌َله، فأخبره بذلك، فقال: قولوا لصفوان
فلیلحق»(١).
وأخرجه الشاشي أيضًا، عن عباس بن محمد الدوري، عن
عمر بن عبد الوهاب، بنحوه(٢).
وأخرجه ابن عساكر في (تاريخ دمشق)، من طريق الشاشي،
وغيره، جميعهم من طريق عمر بن عبد الوهاب الرياحي به(٣).
وإسناده حسن.
وهذا الحديث الذي يرويه أبو عامر الخزاز، عن الحسن عن
سعد مولى أبي بكر، هو ذاته الحديث الذي رواه ابن عون، عن
الحسن، عن صاحب زاد النبي ◌ّ، الذي سمّاه ابن عون من عند
نفسه: بسفینه!
وبعد هذا العرض تظهر ملامح مقصود البخاري، من ذكره
لحديث ابن عون، في ترجمة سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه.
فالواضح من تصرف الإمام البخاري، أنه يعتبر الصحابي
الذي أبهمه الحسن، في رواية ابن عون عنه، بقوله: ((أخبرني
صاحب زاد النبي (و9َّ) - يعتبره البخاري سعدًا مولى أبي بكر، لا
غيره، كما زعم ابن عون باجتهاده!
يستدل الإمام البخاري لذلك، بأن الصحابي الذي أبهمه
الحسن، في سماع ابن عون منه، قد سمّاه الحسن نفسه، في
سماع أبي عامر الخزاز منه، أنه: سعد مولى أبي بكر رضي الله
عنه .
(١) مسند الشاشي (رقم ١٧٩)، ومعجم الطبراني الكبير (رقم ٥٤٩٧).
(٢) مسند الشاشي (رقم ١٧٨).
(٣) تاريخ دمشق - خط - (٣٥٠/٨ - ٣٥١).
١١٢٣

بدليل اتفاق حديثي ابن عون عن الحسن عن صاحب الزاد،
بحديثي أبي عامر الخزاز، عن الحسن، عن سعد مولى أبي بكر
رضي الله عنه.
أمّا ابن عون فقد اجتهد، بناء على أن صاحب زاد النبي وَ ه
المشهور بذلك: سفينة مولى رسول الله عليه، الصاحب المعروف
رضي الله عنه.
لكنه اجتهاد مع ورود النص من الحسن نفسه، وهو أعرف
بشیخه الذي سمع منه الحدیث !!
فلا شك أن ابن عون وهم في ذلك!
وذلك الوهم هو ما جعل البخاري يذكر إسناد حديثه في
ترجمة سعد مولى أبي بكر، مُنَبِّهَا إلى هذه الفائدة الجليلة، بخفي
الإشارة، كعادة البخاري - رحمه الله - في الإلماحات السريعة
العظيمة!
هذه هي الفائدة الأولى لإسناد حديث ابن عون، عن
الحسن: أنّ صاحب الزاد الذي روى الحسن عنه، ليس إلا سعدًا
مولى أبي بكر رضي الله عنه.
أمّا الفائدة الثانية: والتي هي في الحقيقة أهم الفائدتين،
فهي: أن إسناد حديث ابن عون عن الحسن، هو دليل سماع
الحسن من سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه !!
ذلك أنّ الحسن قال - كما عند البخاري -: ((أخبرني صاحب
زاد النبي (وَ ﴾)) - كذا مصرحًا بالسماع منه.
ومع كونه ورد في رواية ابن عون مبهما: (صاحب زاد
النبي ◌َ(18)، ومع كون ابن عون قد سمّاه بسفينة، إلا أنه ما زال
دالا على سماع الحسن من سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه !!
ذلك لأن الذي استقر ثبوته، والذي جزم به الإمام البخاري،
١١٢٤

كما مرّ آنفا: هو أن صاحب الزاد، في حديث ابن عون عن
الحسن، ليس إلا سعدًا مولى أبي بكر رضي الله عنه.
لذلك كان قول الحسن: ((أخبرني صاحب زاد النبي (وَلا)»
يعني: أخبرني سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه !!
وإسناد حديث ابن عون عن الحسن بالتصريح بالسماع -
إسناد صحيح.
فهو دليل قائم بإثبات سماع الحسن من سعد مولى أبي بكر
رضي الله عنه !!!
ثم أمَّا بعد هذا: فقد جزم علي بن المديني، والبزار بسماع
الحسن من سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه، ولم يخالفهما أحد
علمته. وإنما أعلن البغوي عدم علمه بالسماع وعدمه، أي: أنه لم
يثبت عنده سماع الحسن من سعد مولى أبي بكر، ولم يثبت عنده
عدم سماعه منه أيضًا. لكن من علم حجة على من لم يعلم.
وما خاب أبدًا من جعل علي بن المديني حجته في معرفة
سنة النبي ◌َ®)! وما البزار بالنازل عن هذه الرتبة العليّة !!
فالحسن قد سمع من سعد مولى أبي بكر، بالدليل،
والاتباع، بلا مخالف!
وللحسن عن سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه غير ما
حديث، منها حديثان على شرط البحث.
١١٢٥

فالحديث الأول:
قال الإمام أحمد في (المسند): ((حدثنا سليمان بن داود -
يعني: أبا داود الطيالسي -: حدثنا أبو عامر الخزاز، عن الحسن،
عن سعد مولى أبي بكر، قال: قدّمت بين يدي رسول الله العقل
تمرًا، فجعلوا يقرنون، فقال رسول الله وَله: لا تقرنوا))(١).
أخرجه الترمذي في (العلل الكبير)(٢) وابن ماجه(٣) وابن أبي
عاصم في (الأحاد والمثاني) (٤) وأبو يعلى في (مسنده) (٥)
والطبراني في (المعجم الكبير)(٦) والحاكم في (المستدرك)(٧)
وصححه، والمزي في (تهذيب الكمال)(٨) .
كلهم من طريق أبي داود الطيالسي به.
وإسناده حسن.
لكن سأل الترمذي البخاري في (العلل الكبير)، قال:
((سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: روى أبو عامر الخزاز هذا
الحديث، عن الحسن، عن سعد مولى أبي بكر. وروى ابن
عون، عن الحسن، عن جندب، وليس هو بجندب البجلي.
ولم يقض أحد في هذا: أيّهما أصح!))(٩).
قلت: صحح الحاكم حديث أبي عامر الخزاز عن الحسن
عن سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه.
(١) مسند الإمام أحمد (رقم (١٧١٦).
(٢) العلل الكبير (٧٦٧/٢ رقم ٣٢٣).
(٣) سنن ابن ماجة (رقم ٣٣٣٢).
(٤) الآحاد والمثاني (رقم ٦٨٢).
(٥) مسند أبي يعلى (رقم ١٥٧١).
(٦) معجم الطبراني الكبير (رقم ٥٤٩٨).
(٧) المستدرك (١١٩/٤ - ١٢٠).
(٨) تهذيب الكمال (٣١٤/١٠ - ٣١٥).
(٩) العلل الكبير للترمذي (٧٦٧/٢).
١١٢٦

ويقويه أن أبا عامر الخزاز ذكر هذا الحديث في سياقه
للحديث التالي قريبًا إن شاء الله تعالى، كأنهما حديث واحد، كما
في (الآحاد والمثاني) لابن أبي عاصم (١).
فهذا الحديث ليس إلا جزءًا من حديث لسعد مولى أبي
بكر، لا يُختلف على أوّله أنه من حديث سعد هذا، فكذلك
یکون حکم آخره!
ثم يؤكد هذا أنّ خادم النبي ◌َ ﴿ وصاحب زاده، الحري أن
يكون هو الذي قدّم التمر، إنما هو سعد مولى أبي بكر رضي الله
عنه!
ولا مانع بعد ذلك كله، أن يكون حديث ابن عون، عن
الحسن، عن جندب - صحيحًا أيضًا.
فيكون الحسن قد سمع حديث النهي عن الإقران من
صحابيين: سعد مولى أبي بكر، وجندب - رضي الله عنهما.
(١) الآحاد والمثاني (رقم ٦٨٢).
١١٢٧

والحديث الثاني:
قال الإمام أحمد في (المسند): ((حدثنا سليمان بن داود:
حدثنا أبو عامر، عن الحسن، عن سعد مولى أبي بكر - وكان
يخدم النبي ◌َّ، وكان النبي ◌َّه تعجبه خدمته، فقال: أبا بكر،
أعتق سعدًا، فقال: يا رسول الله ما لنا مَاهِنّ غيره. فقال
رسول الله وَّله: أعتق سعدًا، أتتك الرجال، أتتك الرجال.
قال أبو داود: يعني السبي))(١).
وأخرجه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)(٢) وأبو القاسم
البغوي في (معجم الصحابة)(٣) وأبو يعلى في (مسنده)(٤) وابن
حبان في (الثقات)(٥) وعبد الباقي بن قانع في (معجم الصحابة)(٦)
والحاكم في (المستدرك) وصححه(٧) والبيهقي في (دلائل
النبوة)(٨).
كلهم من طريق أبي عامر صالح بن رستم الخزاز به.
بل لقد قال البغوي في (معجم الصحابة)، عقب حديثه
هذا، وحديثه الآخر، الذي ذكره البخاري في ترجمته، كما سبق -
قال البغوي: ((ولم يحدِّث بهذه الأحاديث غير صالح بن رستم
الخزاز، عن الحسن عن سعد))(٩).
وأقطع من كلام البغوي كلام ابن عبد البر، حيث قال في
(١) المسند (رقم ١٧١٧).
(٢) الآحاد والمثاني (رقم ٦٨٢).
(٣) معجم الصحابة للبغوي (٢٢٧).
(٤) مسند أبي يعلى (رقم ١٥٧٠).
(٥) الثقات لابن حبان (١٥٤/٣ _ ١٥٥).
(٦) معجم الصحابة لابن قانع (٥٤/ ب).
(٧) المستدرك (٢١٣/٢).
(٨) دلائل النبوة للبيهقي (٣٣٧/٦).
(٩) معجم الصحابة للبغوي (٢٢٧).
١١٢٨

ترجمته لسعد مولى أبي بكر، من كتابه (الاستيعاب): ((ليس يوجد
حديثه، إلا عند أبي عامر الخزاز صالح بن رستم)) (١).
قلت: فهذا إسناد حسن غريب.
وقد سبق للحسن عن سعد مولى أبي بكر أربعة أحاديث،
اثنان منها على شرط البحث، واثنان منها إنما سقناهما للاستدلال
على أن الحديث الذي فيه إثبات السماع حديث للحسن عن سعد
مولى أبي بكر أيضًا، خلافًا لعبد الله بن عون راويه عن الحسن.
وللحسن عن سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه حديث
خامس، ليس من شرط البحث، انظره في المصادر التالية:
أمارات النبوة الجوزجاني (رقم٤).
مسند الشاشي (رقم ١٧٤، ١٧٥).
معجم الطبراني الكبير (رقم ٥٤٩٦).
الكامل لابن عدي (٨٦/٥).
دلائل النبوة للبيهقي (١٣٨/٦).
والله أعلم.
(١) الاستيعاب (٦١٢/٢).
١١٢٩

سعید بن أبي العاص
لم يذكره المزّي في شيوخ الحسن البصري، بل لم أجد
لسعيد بن أبي العاص ترجمةً أو ذكرًا في شيءٍ من الكُتُب؛ إلا
الكتاب الذي أخرج حدیث الحسن عنه!
قال معمر في (الجامع): ((عن علي بن زيد بن جُدعان، عن
الحسن، عن سعيد بن أبي العاص، قال: رصدتُ عمر ليلة،
فخرج إلى البقيع، وذلك في السحر، فاتّبعتُهُ، فأسرع فأسرعت،
حتى انتهى إلى البقيع، فصلَّى ثم رفع يديه، فقال: اللهم كبرت
سنّي، وضَعُفت قوّتي، وخَشِيتُ الانتشارَ من رعيّتي، فاقبضني
إليك غير عاجزٍ ولا ملومٍ؛ فما يزال يقولها حتى أصبح)) (١).
وهذا إسنادٌ حسنٌّ لكنه مُخَالَف.
فقد أخرجه ابن سعد في (الطبقات)، من طريق أبي
الأشهب، قال: سمعت الحسن ... فذكره(٢)، مرسلاً، لم يذكر
واسطةً بين الحسن وعمر رضي الله عنه.
وأخرجه عمر بن شبّة في (تاريخ المدينة)، من طريق
عوف بن أبي جميلة، عن الحسن ... فذكره(٣)، مرسلاً كالسابق.
فإن كان علي بن زيد حفظَ بعضَ ما روى، فلعلّ الصواب
في سعيد بن أبي العاص، أنه عثمان بن أبي العاص. حيث إن
(١) الجامع لمعمر - بذيل مصنف عبد الرزاق - (رقم ٢٠٦٣٨).
(٢) الطبقات لابن سعد (٣٣٥/٣).
(٣) تاريخ المدينة لعمر بن شبة (٨٧٧/٣ - ٨٧٨).
١١٣٠

الحسن معروفُ الرواية عن عثمان بن أبي العاص، ثم إن هذا
الخبر مرويٍّ عن عثمان بن أبي العاص عن عمر رضي الله عنهما،
من غير طريق الحسن(١).
وعلى هذا لا يُقال: سمع الحسن من سعيد بن أبي العاص،
ولا يُقال: لم يسمع !! لأنّ حديث الحسن عنه غير محفوظ، ثم
إني على شكّ من وجود شيخ للحسن بهذا الاسم، لأني لم أجد
له ذكرًا في كتب التراجم أصلاً!
والله أعلم.
(١) الطبقات لابن سعد (٣٣٥/٣).
١١٣١

سفينة مولى رسول الله
صَلىالله
عاوس
ذكر المزي في (تهذيب الكمال)، في ترجمة سفينة، أنّ
الحسن البصري ممن روى عنه (١).
ثم لم يعلق المزي على ذلك بنفي السماع أو إثباته، ولا
وجدت في ذلك لأحد قولا .
وقد سبق قريبًا جدًا، قول ابن عون، بإسناد صحيح إليه:
((أنبأني الحسن، قال: أخبرني صاحب زاد النبي وَلّ - قال ابن
عون: واسمه سفينة .. ))(٢).
ومع صحة إسناد هذا التصريح بالسماع، إلا أنه لا يدل على
سماع الحسن من سفينة، بل ولا على أن للحسن عن سفينة رواية
أصلاً !!!
ذلك لأننا بيّنا في الموضع القريب، المشار إليه (٣)، أن ابن
عون قد أخطأ في تعيين صاحب حديث الحسن، وأن صوابه:
سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه، لا سفينة!
وقد أشبعنا هذه المسألة كلامًا في المبحث قبل السابق،
فانظره(٤) .
والله أعلم.
(١) تهذيب الكمال (٢٠٥/١١).
(٢) انظر ما تقدم (١١١٨ - ١١٢٠).
(٣) انظر ما تقدم (١١١٨ - ١١٢٤).
(٤) انظر ما تقدم (١١١٨ - ١١٢٤).
١١٣٢

رضىعنه
سلمان الفارسي
لم يذكر المزي سلمان رضي الله عنه في شيوخ الحسن
البصري.
لكن قال أبو حاتم الرازي كما في (الجرح والتعديل)، في
ترجمة عقيل الجعدي عنه: ((منكر الحديث، ذاهب، ويشبه أن
یکون أعرابیا.
إذا روى عن الحسن البصري، قال: دخلت على سلمان
الفارسي !! فلا يحتاج أن يُسأل عنه))(١).
وكذلك قال البخاري في (التاريخ الكبير) في ترجمة عقيل
الجعدي: ((سمع الحسن، قال: دخلت على سلمان الفارسي.
روى عنه الصعق بن حزم، وعكرمة بن عمّار.
منكر الحديث))(٢).
وعقيل الجعدي هذا، ذكره أبو زرعة الرازي في الضعفاء(٣).
وقال ابن حبان في (المجروحين): ((منكر الحديث، يروي
عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، فبطل الاحتجاج بما روى
وإن وافق فيه الثقات))(٤).
(١) الجرح والتعديل ٢١٩/٦.
(٢) التاريخ الكبير (٥٣/٧ - ٥٤).
(٣) أسامي الضعفاء لأبي زرعة الرازي (رقم ٢٥٩).
(٤) المجروحين ٢/ ١٩٢.
١١٣٣

وسلمان رضي الله عنه ممن نزل الكوفة من الصحابة (١) ثم
إنه توفي بالمدائن، سنة أربع وثلاثين(٢).
والحسن البصري سنة وفاة سلمان رضي الله عنه، ابن ثلاث
عشرة سنة، لم يبرح المدينة بعد.
فليس للحسن بسلمان رضي الله عنه لقاء، ولا له عنه
سماع.
ورواية الحسن عن سلمان رضي الله عنه التي من شرط
البحث، تحمل في طياتها دلائل إرسالها، فعدم السماع أحد
مضامينها الذاتية!
قال الحسن: ((لمّا نزل بسلمان الموت، بكى، فقيل له: ما
يبكيك يا أبا عبد الله؟! قال: أخشى أن لا نكون حفظنا وصية
رسول الله ◌َ﴿، إنه كان يقول: ليكنْ بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد
الراكب)».
أخرجه الإمام أحمد في (المسند) و (الزهد)(٣) ووكيع في
(الزهد)(٤) وابن سعد في (الطبقات)(٥) والحسين المروزي في
زوائده على كتاب (الزهد) لابن المبارك (٦) وابن أبي الدنيا في
كتاب (المحتضرين)(٧) وأبو القاسم البغوي في (معجم الصحابة)(٨)
والحكيم الترمذي محمد بن علي بن الحسن بن بشر (ت حدود
(١) طبقات ابن سعد (١٦/٦ - ١٧)، وطبقات مسلم (رقم ٢٤٥).
(٢) طبقات ابن سعد (٣١٩/٧)، وسير أعلام النبلاء (٥٥٤/١ - ٥٥٧)
والإصابة (١١٣/٣ - ١١٤).
(٣) المسند للإمام أحمد (٤٣٨/٥)، والزهد له (رقم ١٥٥).
(٤) الزهد لوكيع (رقم ٦٧).
(٥) الطبقات لابن سعد (٩١/٤).
(٦) الزهد لابن المبارك (رقم ٩٦٦، ٩٦٧).
(٧) المحتضرين لابن أبي الدنيا (٣٩/ب - ٤٠/أ، ٦٨/ب).
(٨) معجم الصحابة للبغوي (٢٥٩).
١١٣٤

٣٢٠هـ)، في كتابه (منازل العباد من العبادة)(١) وابن السني في
(القناعة)(٢) وأبو نعيم في (حلية الأولياء)(٣) والبيهقي في (شعب
الإيمان)(٤) وأبو القاسم التيمي في (الترغيب والترهيب)(٥) وابن
عساكر في (تاريخ دمشق) (٦) وأبو الطاهر السلفي في (الوجيز في
ذكر المجاز والمجيز)(٧).
أخرجوه من وجوه عن الحسن، فهو صحيح عن الحسن
البصري .
والحديث يحكي كلامًا لسلمان رضي الله عنه عند وفاته،
وسلمان رضي الله عنه توفى بالمدائن، ووفاته كانت والحسن في
المدينة لم يرحل بعد. فالحسن لم يشهد وفاة سلمان قطعًا.
وعليه: فهذا الحديث مرسل يقينًا، لعدم احتمال السماع.
هذا فضلاً عن دلائل عدم السماع المطلق، بين الحسن
وسلمان رضي الله عنه، التي ذكرناها آنفًا.
وللحسن عن سلمان رضي الله عنه غير ما أثر، في بيان
زهده، ووصف حاله من التقلل من الدنيا، ونحو ذلك.
انظر :
الزهد للإمام أحمد (رقم ٨١٢).
وطبقات ابن سعد (٩١/٤ - ٩٢).
والزهد لأبي داود (رقم ٣٤).
وحلية الأولياء (١٩٧/١ - ١٩٨).
والله أعلم.
(١) منازل العباد من العبادة (٧١ - ٧٢).
(٢) القناعة (رقم ١٩).
(٣) حلية الأولياء (١٩٦/١) (٢٣٧/٢).
(٤) شعب الإيمان للبيهقي (رقم ١٠٣٩٤، ١٠٣٩٧).
(٥) الترغيب والترهيب للتيمي (رقم ١٤٧٤).
(٦) تاريخ دمشق - خط - (٧ /٤٣٣ - ٤٣٤، ٤٣٤).
(٧) الوجيز في ذكر المجاز والمجيز (١١٧ - ١١٨).
١١٣٥

٠٦
سلمة بن المُحَبِّقِ
قال البخاري في (التاريخ الكبير): ((لم يسمع الحسن من
سلمة، بينهما قبيصة بن حريث))(١).
وفي (العلل) لابن أبي حاتم، أنه سأل أباه: ((الحسن عن
سلمة، متصل؟ قال: لا))(٢).
وقال ابن أبي خيثمة في (تاريخه) كما نقله مغلطاي في
(إكمال تهذيب الكمال): ((روايته عن سلمة بن المحبق هي
مرسلة، بينهما جون بن قتادة))(٣).
وقال البزار: ((حدّث عن سلمة بن المحبق، ولم يسمع منه،
بينهما جون بن قتادة وقبيصة))(٤).
وهذا من هؤلاء الأئمة مبني على علل حديث الحسن عن
سلمة بن المحبق، لا على احتمالات اللقاء وعدمها، كما سيأتي
إن شاء الله تعالى قريبًا.
فسلمة بن المحبق رضي الله عنه لم أجد من ذكر له وفاة
(١) التاريخ الكبير (٧٢/٤).
(٢) العلل لابن أبي حاتم (رقم ١٣٤٦)، وهذا النقل من فوات (المراسيل)
لابن أبي حاتم!
(٣) إكمال تهذيب الكمال (١٥٥/أ).
(٤) نصب الراية (١/ ٩١).
١١٣٦

متقدمة أو متأخرة (١) وهو بصري(٢) أيضًا، مع ذلك نفوا السماع
كما رأیت!
ذلك أن علل أحاديث الحسن عن سلمة بن المحبق
رضي الله عنه ليست فقط خُلْوًا من ذكر السماع، بل هي تدل على
عدم السماع!
فأحاديث الحسن عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه، هي:
الحديث الأول:
حديث الحسن، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه: ((أن
رجلاً غشي جارية امرأته، فَرُفع ذلك إلى النبي ◌ِّ، فقضى: إن
كان استكرهها فهي حرّة من ماله، وعليه شراؤها لسيدتها. وإن
كانت طاوعته فهي له، ومثلها من ماله لسيدتها)).
اختلف فيه على الحسن:
فاتفق يونس بن عبيد (٣) وهشام بن حسان(٤) ومنصور بن زاذان(٥)
(١) انظر أسد الغابة (٤٣١/٢ - ٤٣٢)، وتهذيب الكمال (٣١٨/١١ - ٣٢٠)،
والإصابة (١١٨/٣ - ١١٩).
(٢) طبقات خليفة بن خياط (١٧٦)، ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان (رقم
٢٤٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٦/٥)، والنسائي في السنن الكبرى (رقم ٧٢٣١)،
وسعيد بن منصور (رقم ٢٢٦٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط -
(٤/ ٥١).
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (رقم ٧٢٣٠)، وابن ماجه (رقم
٢٥٥٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٧/١٠) (رقم ٢٨٥٥٢) والمسند
له (٤٢/أ)، وأحمد بن عيسى في أماليه (رقم ٢٣٨٢)، وابن أبي عاصم
في الآحاد والمثاني (رقم ١٠٦٥)، والدارقطني في السنن (٨٤/٣).
(٥) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٥١/٤) وذكره أبو داود في
سنته (رقم ٤٤٦٠)، وابن عدي في الكامل (١٧٨/٢). بينما نقل الترمذي
في العلل الكبير (٦١٦/٢ - ٦١٧)، عن البخاري، أنه ذكر منصوراً فيمن
روى الحديث عن الحسن، عن قبيصة بن حريث عن سلمة !!
١١٣٧

ومبارك بن فضالة(١) وأبو حرّة واصل بن عبد الرحمن(٢) وأشعث بن
عبد الملك(٣) - على رواية الحديث عن الحسن، عن سلمة بن المحبق
رضي الله عنه - بلا واسطة .
بينما اتفق سلام بن مسكين(٤) وأبو بكر الهذلي(٥)
والفضل بن دلهم(٦) على روايته عن الحسن، عن قبيصة بن
حريث، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه - بذكر قبيصة فيه،
بين الحسن وسلمة رضي الله عنه.
وروى الحديث عن الحسن أيضًا - قتادة، واختلف عليه فيه:
فرواه سعيد بن أبي عروبة، كما ثبت من وجوه عنه، وفي
هذه الوجوه رواية من سمع منه قبل اختلاطه، كيزيد بن زريع
وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وغيرهما، عن سعيد بن أبي
عروبه، عن قتادة، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق رضي الله
عنه - بلا واسطة(٧).
(١) أخرجه الإمام أحمد (٤٧٦/٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط -
(٤/ ٥١).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٥١/٤).
(٣) ذكره علي بن المديني في علله (٥٩ رقم ٧٤).
(٤) أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٢٥٢)، وابن أبي حاتم في
العلل (رقم ١٣٤٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٤٤/٣).
والطبراني في المعجم الكبير (رقم ٦٣٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى
(٢٤٠/٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٥٠/٤).
(٥) أخرجه الشافعي، كما في كتاب حرملة عنه، انظر معرفة السنن والآثار
للبيهقي (رقم ١٦٨٨٥).
(٦) ذكره البخاري، فيما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير (٦١٦/٢ - ٦١٧).
والفضل بن دلهم الواسطي، ثم البصري، القصاب.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٤٠٢): ((لين، ورمي بالاعتزال)).
(٧) أخرجه الإمام أحمد (٦/٥)، وأبو داود - من حديث عبد الأعلى السامي
عن سعيد - (رقم ٤٤٦١)، والترمذي في العلل الكبير (٦١٦/٢)، =
١١٣٨

ووافق سعيدًا عليه شعبة، فيما رواه محمد بن جعفر غندر
عنه. حيث رواه غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن
سلمة رضي الله عنه - بلا واسطة(١).
لكن ذكر علي بن المديني في (علله)، أن شعبة يروي
الحديث، هو ومعمر، عن قتادة، عن الحسن، عن قبيصة بن
حريث، عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه - بذكر قبيصة في
إسناده(٢).
ولم أجد رواية شعبة بذلك! أمّا رواية معمر فستأتي قريبًا إن
شاء الله تعالى.
غير أن علي بن المديني عاد، عقب كلامه السابق، وفي
آخر تعليله للحديث، ليقول: ((وإنما أسنده عن قبيصة بن حريث:
معمر بن راشد، عن قتادة، عن الحسن، عن قبيصة))(٣).
قلت: فأين شعبة في هذا الحصر، من موافقته لمعمر، كما
في كلام علي بن المديني السابق؟!
إما أنه خطأ نسخي، أو أن الطريق إلى شعبة غير محتج
بها، ولذلك حصر علي بن المديني ذكر قبيصة في رواية معمر!
وهناك احتمال ثالث: أن يكون الاختلاف على شعبة بغير ما
وجه - سبق اثنان منها، ويأتي الثالث إن شاء الله تعالى - هو الذي
والنسائي في المجتبى (رقم ٣٣٦٤)، والكبرى - من حديث يزيد بن زريع
عن سعيد - (رقم ٥٥٥٧، ٧٢٣٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط -
(٤/ ٥١).
(١) أخرجه الإمام أحمد (٦/٥). لكن لم يذكر الحافظ ابن حجر هذا الإسناد،
في كتابه (إتحاف المهرة بأطراف الكتب العشرة) !.
(٢) العلل لابن المديني (٥٩/ رقم ٧٤).
(٣) المصدر السابق.
١١٣٩