Indexed OCR Text

Pages 1101-1120

إذ القول المعتمد في وفاة سراقة رضي الله عنه أنها كانت
سنة أربع وعشرين(١)، أي: وللحسن ثلاث سنوات !!
ولذلك نفى الأئمة السماع، وردّوا صيغة التصريح، إما
بتوهيم علي بن زيد، أو بتأويل صيغة الأداء، كما مرَّ في كلامهم
السابق .
وقد ترجح - عندنا - أن علي بن زيد حسن الحديث، وعن
الحسن البصري خاصة.
ثم قد عُرِف الحسن بالتأول في صيغ الأداء (٢).
لذلك كان الأشبه أن تكون صيغة التصريح من الحسن
نفسه، متأولاً لها، كما قال علي بن المديني في أشبه الرأيين
عنده، وكما قال البزار قاطعًا بذلك.
أمَّا رواية الحسن عن سراقة رضي الله عنه، بتلك الصيغة
الدَّالة في أصل وضعها على السماع، المؤولة عند الحسن، فقد
جاءت في حديث واحد للحسن عن سراقة رضي الله عنه.
وهذا الحديث هو التالي:
قال البخاري في (التاريخ الكبير): ((قال موسى ... )).
(ح) وقال إبراهيم الحربي في (غريب الحديث): ((حدثنا
موسى بن إسماعيل ... )).
(ح) وقال ابن أبي حاتم في (التفسير): ((حدثني أبي، قال:
حدثنا أبو سلمة .... )) يعني: موسى بن إسماعيل.
(١) طبقات خليفة (٣٤)، وتاريخ خليفة (١٥٧)، وتاريخ مولد العلماء ووفياتهم
للربعي (١١١/١)، والاستيعاب لابن عبد البر (٥٨٢/١ رقم ٩١٦)،
وأسد الغابة (٣٣٣/٢)، وتهذيب الكمال (٢١٥/١٠)، والإصابة (٦٩ -
٧٠).
(٢) انظر ما تقدم (٥٢٦ - ٥٢٨).
١١٠٠

(ح) وقال ابن أبي شيبة في (المسند) و (المصنف): ((حدثنا
أسود بن عامر .... )).
(ح) وقال الحارث بن أبي أسامة في (المسند): ((حدثنا
بشر بن عمر الزهراني ... )).
ثلاثتُهُم: موسى بن إسماعيل، وأسود بن عامر، وبشر بنُ
عمر، قالوا: ((حدثنا حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن
الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدَّثهم: أن قريشًا جعلت في
رسول الله وَّل وأبي بكر أربعين أوقية.
قال: فبينما أنا جالس إذ جاءني رجل، فقال: إن الرجلين
اللذين جعلت قريش فيهما ما جعلت، قريب منك، بمكان كذا
و کذا.
فأتيت فرسي، وهو في المرعى، فنفرت به، ثم أخذت
رمحي، قال: فركبته، فجعلت أجر الرمح مخافة أن يشركني فيهما
أهل الماء .
قال: فلمَّا رأيتهما، قال: أبو بكر: هذا باغ يبغينا، فالتفت
النبي ◌َّ، فقال: اللهم اكفناه بما شئت. قال: فوجل فرسي،
وإني لفي جلد من الأرض، فوقعت على حجر، فانفلت، فقلت:
ادع الذي فعل بفرسي ما أرى أن يخلصه، وعاهده أن لا يعصيه،
فدعا له، فخلص الفرس.
فقال رسول الله بَله: أواهبه أنت لي؟ فقلتُ: نعم.
قال: فقال: هاهنا عَمّي عنا الناس، وأخذ في طريق
الساحل، مما يلي البحر.
قال: فكنت أول النهار لهم طالبًا، وآخر النهار لهم مسْلَحةً!
وقال وَّ لي: إذا استقررنا في المدينة، فإن أنت رأيت أن
تأتينا فأتنا.
١١٠١

قال: فلما قدم المدينة، وظهر على أهل بدر وأُحُد، وأسلم
الناس من حولهم - بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى
مدلج. فأتيته، فقلت له: أنشدك النعمة؟! فقال القوم: مَوْ !! فقال
رسول الله رَّلإر: دعوه، وقال: ما تريد؟ فقلت: بلغني أنك تريد
أن تبعث خالد بن الوليد إلى قومي، فأنا أحب أن توادعهم، فإن
أسلم قومهم أسلموا معهم، وإن لم يسلموا لم تخشن صدور
قومهم علیھم.
فأخذ رسول الله # بيد خالد بن الوليد، فقال له: اذهب
معه، فاصنع ما أراد.
فذهب إلى بني مدلج، فأخذوا عليهم: ألا يعينوا على
رسول الله وَ﴿، فإن أسلمت قريش أسلموا معهم.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ
سَوَةٌ﴾(١) إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقُّ أَوْ
جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُوِّرُهُمْ أَنْ يُقَائِلُوكُمْ أَوْ يُقَدِلُواْ قَوَمَّهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ
لَسَأَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَلُكُمْ﴾ .
قال الحسن: فالذين حصرت صدورهم: بنو مدلج، فمن
وصل إلى بني مدلج، من غيرهم، كان في مثل عهدهم)) (٢).
هذا لفظ ابن أبي شيبة.
وإسناده حسن إلى الحسن البصري.
(١) سورة النساء: الآية ٨٩.
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٢٠٩/٤)، وغريب الحديث للحربي (٦٨٣/٢)،
وتفسير ابن كثير - تفسير سورة النساء - (٩٠) - (٣٩٣/٢). ومصنف ابن
أبي شيبة (٣٣١/١٤) (رقم ٣٦٦١٢)، والمطالب العالية المسندة - خط -
(١٤٢)، والمطبوعة (رقم ٤٢٩٤)، وبغية الباحث للهيثمي (رقم ٦٧٦).
١١٠٢

غير أنه تحرَّف في (التاريخ الكبير) للبخاري، في إسناد
الحديث: (الحسن) إلى (أنس)! فأصبح الحديث كأنه من رواية
علي بن زيد عن أنس عن سراقة !!
ولا شك في أن هذا خطأ، لاتفاق مصدرين آخرين، هما:
(غريب الحديث) للحربي، و (تفسير ابن أبي حاتم) على رواية
الحديث عن شيخ البخاري: موسى بن إسماعيل، عن حماد بن
سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن: أن سراقة بن مالك
حدَّثهم. فالإسناد واحد، والحديث واحد، وصيغة السماع المؤولة
الغريبة: (حدثهم) واحدة أيضًا!
فهذا هو - إذًا - الحديث الذي كان يتكلم عنه الأئمة، في
حديثهم عن رواية الحسن عن سراقة رضي الله عنه. وهو رواية
علي بن زيد، عن الحسن: أن سراقة بن مالك حدَّثهم!
فأولوا هذه الصيغة، لمَّا قامت الحجة القاطعة عَلَى عدم
احتمال السماع، وهي وفاة سراقة رضي الله عنه وللحسن ثلاث
سنوات !!
ولم أجد للحسن عن سراقة بن مالك رضي الله عنه، سوى
الحديث السابق، وحديث آخر، متعلق بحادث الهجرة، .
لكن لم ترد في هذا الحديث الثاني صيغة تصرّح بالسماع
في ظاهرها، كما وقع في الحديث الأول.
قال ابن عبد البر في (الاستيعاب): ((وروى سفيان بن عيينة،
عن أبي موسى، عن الحسن: أن رسول الله وَلو قال لسراقة بن
مالك، كيف بك إذ لبست سواري كسرى؟.
قال: فلما أتي عمر بسواري کسری، ومنطقته وتاجه، دعا
سراقة بن مالك، فألبسه إياهما.
١١٠٣

وكان سراقة رجلاً أزب(١) كثير شعر الساعدين.
وقال له: ارفع يديك، فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي
سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما
سراقة بن مالك بن جعشم، أعرابي، رجل من بني مدلج. ورفع
بهما عمر صوته))(٢).
هذا إسناد معلق، ظاهر الإرسال، جلي الانقطاع.
وأخرج نحَوهُ مختصرًا: ابنُ عساكر في (تاريخ دمشق)، من
طريق حماد بن زيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن ... به(٣).
وهو آخر ما للحسن عن سراقة في هذا المبحث.
والله أعلم.
(١) الزبب في الناس: كثرة الشعر - القاموس المحيط - زب ب - (١١٩).
(٢) الاستيعاب لابن عبد البر (٢/ ٥٨١).
(٣) تاريخ دمشق لابن عساكر - ترجمة عمر بن الخطاب - (١٢٦/١٣).
١١٠٤

سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي
صحح الحاكم حديثًا يرويه الحسن البصري وسعيد بن
المسيب، كلاهما عن سعد بن عبادة رضي الله عنه (١).
فتعقبه الذهبي في (تلخيص المستدرك) بقوله: ((لا، فإنه غير
متصل))(٢).
وقد نص على عدم سماع الحسن من سعد بن عبادة،
جماعة من المتأخرين: كالمنذري في (مختصر سنن أبي داود)(٣)،
والمزي في (تهذيب الكمال)(٤)، والعلائي في (جامع التحصيل)(٥)
وابن عبد الهادي في (تنقيح التحقيق)(٦).
وإرسال الحسن عن سعد بن عبادة رضي الله عنه من أوضح
الإرسال! حيث إن سعدًا رضي الله عنه توفي سنة خمس عشرة،
أو بعدها بسنة(٧) .
أي: كانت وفاة سعد رضي الله عنه، قبل مولد الحسن
بسنوات!
(١) المستدرك (٤١٤/١).
(٢) المصدر السابق، الحاشية.
(٣) مختصر سنن أبي داود (٢٥٥/٢).
(٤) تهذيب الكمال (٩٨/٦).
جامع التحصيل (١٦٢).
(٥)
(٦) تنقيح التحقيق (١٣٥٣/٢ رقم ٣٠٥).
(٧) الإصابة (٨٠/٣).
١١٠٥

وحديث الحسن عن سعد بن عبادة رضي الله عنه، هو
التالي:
قال الحسن: ((إن سعد بن عبادة، قال: يا رسول الله، إني
كنت أبرُّ أمي، وإنها ماتت. فإن تصدَّقت عنها، أينفعها ذلك؟
قال: نعم.
قال: فمُزْني بصدقة؟ قال: اسق الماء. [وفي رواية: أي
الصدقة أحب إليك؟ قال: سقي الماء].
قال الحسن: فنصب سعد سقايتين بالمدينة.
قال الحسن: فربما سعيت بينهما وأنا غلام)).
أخرجه الإمام أحمد (١) أبو داود(٢) والنسائي(٣) والحاكم في
(المستدرك)(٤) والبيهقي في (السنن الكبرى)(6) وابن الجوزي في
(البر والصلة)(٦). من طريق قتادة مصرّحًا بالسماع من الحسن،
بالحدیث.
وأخرجه سعيد بن منصور في (سننه)(٧) وابن أبي شيبة في
(المصنف)(٨) والحسين بن الحسن المروزي في زوائده على (البر
والصلة) لابن المبارك (٩)، وأبو محمد المخلدي في (فوائده)(١٠)،
وابن الجوزي في (البر والصلة)(١١).
(١) مسند الإمام أحمد (٢٨٤/٥ - ٢٨٥).
(٢) السنن (رقم ١٦٨٠).
(٣) السنن الصغرى (رقم ٣٦٦٦).
(٤) المستدرك (٤١٤/١).
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (١٨٥/٤).
(٦) البر والصلة لابن الجوزي (رقم ١٨١).
(٧) سنن سعيد بن منصور (رقم ٤١٩).
(٨) مصنف ابن أبي شعيبة (٢٣٢/٨) (رقم ٢٤٢٣٠).
(٩) البر والصلة لابن المبارك (رقم ٩٣).
(١٠) فوائد أبي محمد المخلدي (رقم ٣٣٩).
(١١) البر والصلة لابن الجوزي (١٨٢).
١١٠٦

من طريق يونس بن عبيد ومنصور بن زاذان، عن الحسن
به. إلا ابن أبي شيبة والمخلدي فمن طريق يونس وحده.
واللفظ للحسين بن الحسن المروزي، وقريب منه لفظ
سعيد بن منصور، أمَّا الرواية الأخرى، فهي من حديث قتادة عن
الحسن .
وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) من طريق راويين
آخرين عن الحسن: المبارك بن فضالة(١) والربيع بن صبيح (٢).
وأخرجه الهيثم بن كليب الشاشي في (مسنده)، من طريق
هشام بن حسان، عن الحسن، عن سعد رضي الله عنه - به (٣).
لكن الشاشي أورده في مسند سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه، وهو وهم منه رحمه الله تعالی !!
والحديث إسناده صحيح إلى الحسن البصري.
وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في (المصنّف)، عن معمر، عمّن
سمع الحسن، قال: ((جاء سعد بن عبادة ... )) (٤) - فذكره، كذا
بإبهام مَنْ رواه عن الحسن.
وقد سئل الحسن مرَّة: ((أنشرب من ماء هذه الساقية في
المسجد؟ فإنها صدقة؟ فقال الحسن: قد شرب أبو بكر وعمر
رضي الله عنهما من سقاية أم سعد، فمه؟ !! )).
أخرجه ابن سعد في (الطبقات)، من طريق سويد بن إبراهيم
الجحدري عن الحسن(٥).
(١) المعجم الكبير (رقم ٥٣٨٤).
(٢) المعجم الكبير (رقم ٥٣٨٣).
(٣) مسند الشاشي (رقم ١٨٠).
(٤) المصنف لعبد الرزاق (رقم ١٥٩٠٢، ١٦٣٣٤).
(٥) الطبقات لابن سعد (٦١٥/٣).
١١٠٧

وسويد بن إبراهيم الجحدري، أبو حاتم الحنّاط، صاحب
الطعام، (ت١٦٧ هـ).
قال عنه الحافظ: ((صدوق، سيء الحفظ، له أغلاط، وقد
أفحش ابن حبان القول فيه))(١).
ويشهد لهذا السؤال حديث الحسن عن سعد رضي الله عنه.
ولم أجد للحسن عن سعد بن عبادة رضي الله عنه غير هذا
الحدیث.
والله أعلم.
(١) التقريب (رقم ٢٦٨٧).
١١٠٨

سعد بن هشام بن عامر الأنصاري
قال علي بن المديني في (العلل)، عن الحسن البصري:
(من سعد بن هشام صحيح))(١). أي: سماعه منه.
وقال ابن طاهر المقدسي في (الجمع بين رجال
الصحيحين): ((سمع سعد بن هشام))(٢).
وصحح حديث الحسن عن سعد بن هشام: الإمام مسلم في
(صحيحه)(٣) وأبو عوانة في (مستخرجه)(٤) وابن خزيمة في
(صحيحه)(٥) وابن حبان في (صحيحه)(٦).
وهو أحد وسائط الحسن إلى عائشة رضي الله عنها (٧).
وهو سعد بن هشام بن عامر الأنصاري، المدني، استشهد
بأرض الهند.
قال عنه الحافظ: ((ثقة))(٨).
(١) العلل لابن المديني (٥٧ رقم ٦٩).
(٢) الجمع بين رجال الصحيحين (١/ ٨٠).
(٣) صحيح الإمام مسلم (رقم ٧٦٧).
(٤) مستخرج أبي عوانة، المطبوع باسم مسند أبي عوانة (٣٠٤/٢).
(٥) صحيح ابن خزيمة (رقم ١١٠٤).
(٦) الإحسان (رقم ٢٦٣٥، ٢٦٤٠).
(٧) انظر الإحالات السابقة إلى الكتب التي صححت أحاديث الحسن عن
سعد بن هشام.
(٨) التقريب (رقم ٢٢٥٨).
١١٠٩

قلت: هو ممن نزل البصرة من أبناء الصحابة، كما في
(الطبقات) لكل من ابن سعد وخليفة بن خياط(١).
وقد صرّح الحسن بالسماع منه:
أخرج عبد الرزاق في (المصنف): ((عن معمر، عن قتادة،
عن الحسن، قال: أخبرني سعد بن هشام: أنه سمع عائشة تقول:
كان رسول الله وَلا يوتر بتسع ركعات، ركعتين وهو جالس. فلما
ضعف أوتر بسبع، ركعتين وهو جالس))(٢).
وأخرجه الإمام أحمد(٣) والنسائي في (السنن الصغرى)(٤)
وإسحاق بن راهوية في (مسنده)(٥).
كلهم من طريق عبد الرزاق، بإسناده ومتنه.
وهذا إسناد صحيح.
والله أعلم.
(١) طبقات ابن سعد (٢٠٩/٧)، وطبقات خليفة (٢٠٠).
(٢) مصنف عبد الرزاق (رقم ٤٧١٣).
(٣) مسند الإمام أحمد (١٦٨/٦).
(٤) السنن الصغرى للنسائي (رقم ١٧٢٢).
(٥) مسند إسحاق بن راهوية - مسند عائشة (رقم ٧٧٥).
١١١٠

سعد بن أبي وقاص
قال ابن عبد البر في (التمهيد): ((قد سمع الحسن من عثمان
وسعد بن أبي وقاص))(١).
بينما قال البزار في (مسنده): ((لا نعلم الحسن سمع من
سعد بن أبي وقاص شيئًا))(٢).
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): ((الحسن لم يسمع من
سعد، فيما أحسب))(٣).
والصحيح ما أخبر به الحسن نفسه، أنه لم يسمع من أحد
من أهل بدر(٤). وسعد رضي الله عنه من أواحد البدريين بلاء
وذکرًا(٥).
فالصحيح أن الحسن لم يسمع من سعد رضي الله عنه.
ولا أدري؟ ما الذي جعل ابن عبد البر يعتقد سماع الحسن
من سعد رضي الله عنه؟!
ولعلَّه ما وقع لغيره، من خلط أحاديث الحسن عن سعد
(١) التمهيد (٣٢٧/٢٤).
(٢) مسند البزار - نسخة الرباط - خط - (٢١٠)، وكشف الأستار (رقم
٣١٢٩).
(٣) مجمع الزوائد (١٣٤/١٠).
(٤) انظر ما تقدم (٥٦٣ - ٥٦٦).
(٥) سيرة ابن هشام (١/ ٦٨١).
١١١١

مولى أبي بكر بأحاديث الحسن عن سعد بن أبي وقاص، كما
سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى !!
وليس في أحاديث الحسن عن سعد بن أبي وقاص شيء من
شرط البحث.
بل لم أجد للحسن عن سعد رضي الله عنه سوى حديثين
اثنين.
أذكر أحد هذين الحديثين: للفائدة، ولعلاقته بحديث سبق
بمعناه، في مبحث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
قال البزار في (مسنده)، وأحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي
في (مسند سعد بن أبي وقاص)، قالا: ((حدثنا أحمد بن يونس(١)
قال أخبرنا أبو شهاب(٢) عن يونس، عن الحسن، عن سعد بن
أبي وقاص، قال: أمرنا رسول الله إذا رأينا الغيلان، أن ننادي
بالأذان)»(٣).
وأخرجه ابن أبي الدنيا في (مكايد الشيطان) من طريق
أحمد بن يونس، بإسناده ومتنه(٤).
وأخرجه أبو نعيم في (حديث يونس بن عبيد) (٥) من طريق
أخرى عن أبي شهاب به.
وهذا إسناد حسن.
(١) أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله التميمي اليربوعي، الكوفي
(ت٢٢٧ هـ).
قال عنده الحافظ في التقريب (رقم ٦٣): ((ثقة حافظ)).
(٢) عبد ربه بن نافع الكناني، الحنّاط، نزيل المدائن، أبو شهاب الأصغر
(ت١٧١ هـ - أو - ١٧٢ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٣٧٩٠): ((صدوق یھم)).
(٣) مسند البزار - خط نسخة الرباط - (٢١٠)، وكشف الأستار رقم (٣١٢٩)،
ومسند سعد بن أبي وقاص للدورقي (رقم ١١٩).
(٤) انظر آكام المرجان في أحكام الجان للشبلي (٢٠).
(٥) جزء فيه منتخب حديث يونس بن عبيد لأبي نعيم - خط - (١٤٣/أ).
١١١٢

وقال البيهقي في (دلائل النبوة): ((أخبرنا أبو الحسن علي بن
محمد المقرىء(١) قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق (٢)
قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي (٣) قال: حدثنا محمد بن
أبي بكر(٤) قال: حدثنا عامر بن صالح(٥) عن يونس، عن
الحسن: أن عمر بعث رجلاً إلى سعد بن أبي وقاص، فلما كان
ببعض الطريق عرضت له الغول.
فلما قدم على سعد، قصَّ عليه القصة، فقال: ألم أقل لكم
إنّا كنا إذا تغولت لنا الغول أن ننادي بالآذان.
فلما رجع إلى عمر، فبلغ قريبًا من ذلك المكان، عرض له
يسير معه. فذكر ما قال له سعد، فنادى بالأذان، فذهب عنه، فإذا
سكت، عرض له، فإذا أذَّن، ذهب عنه))(٦).
وإسناده يُحَسَّن إلى الحسن البصري أيضًا.
(١) علي بن محمد بن علي بن الحسين بن شاذان السقا، أبو الحسن،
الإسفرائيني، القاضي (ت٤١٤هـ).
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٠٥/١٧ - ٣٠٦): ((الإمام الحافظ
الناقد».
(٢) الحسن بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الأزهري، أبو إسحاق الإسفراييني
(ت٣٤٦هـ).
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٥٣٥/١٥): ((الإمام الحافظ
المجود».
(٣) يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي،
مولاهم، البصري الأصل، البغدادي، أبو محمد القاضي (ت٢٩٧هـ).
قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٨٥/١٤): ((الإمام الحافظ الفقيه
الكبير الثقة - صاحب التصانيف في السنن)).
(٤) محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدّمي، أبو عبد الله
الثقفي مولاهم، البصري، (ت٢٣٤هـ).
قال عنه الحافظ في التقريب (رقم ٥٧٦١): ((ثقة)).
(٥) عامر بن صالح بن رستم، المزني، أبو بكر بن أبي عامر الخزاز،
البصري.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٣٠٩٥): ((صدوق سيء الحفظ، أفرط ابن
حبان فقال: يضع)).
(٦) دلائل النبوة للبيهقي (١٠٤/٧).
١١١٣

وقال ابن عدي في (الكامل): ((حدثنا ابن بُخَيْت محمد بن
أحمد (١) حدثنا الحسن بن عرفة(٢) حدثنا يعقوب بن إسحاق
الأنصاري(٣) عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: قال سعد بن
مالك: كنا نؤمر إذا تغولت لنا الغول أن ننادي بالأذان)) (٤) .
(١) محمد بن أحمد بن علي بن بُخَيْت، أبو بكر الجُوزي الموصلي.
ترجم له ابن ماكولا في (الإكمال) ووقع له في ترجمته وهمان، بيَّنهما ابن
نقطة في (تكلمة الإكمال).
لكن لم يذكرا فيه جرحاً أو تعديلاً.
غير أنه أحد شيوخ ابن حبان في صحيحه، وهذا توثيق كافٍ!
انظر: الإكمال (٢١١/١، ٢١٥)، وتكملة الإكمال (٢٤١/١ - ٢٤٢) (٢/
٣٨٦)، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (رقم ٥٠٦٥).
(٢) الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي، أبو علي البغدادي، (ت٢٥٧هـ)، وقد
جاز المئة.
قال الحافظ في التقريب (رقم ١٢٥٥): ((صدوق)).
بينما وثقه الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٤٧).
ولعله - أعني التوثيق - أعدل من غيره، فقد وثقه ابن معين، وكفى به!
انظر تهذيب التهذيب (٢٩٣/٢ - ٢٩٤).
(٣) يعقوب بن إسحاق أبو عمار البصري، ثم الرازي.
مترجم له في الميزان (٤٤٨/٤)، واللسان (٣٠٢/٦ - ٣٠٣).
وليس فيهما إلا قول ابن عدي في الكامل (١٥٢/٧): ((روى عن
يونس بن عبيد وغيره ما لا يتابع عليه)).
هذا كل ما في (الميزان) و (لسانه) !.
وفاتهما : .
أنه مترجم في (الجرح والتعديل) (٢٠٣/٩)، ونقل فيه ابن أبي حاتم، عن
أبيه، أنه قال عن يعقوب بن إسحاق: ((ما أرى بحديثه بأساً، وهو أحب إلي
من علي بن عبد بن الله بن راشد مولى قراد، وهما بصريان قدما الري)).
يقول أبو حاتم إن يعقوب أحب إليه من علي بن عبد الله بن راشد، وقد
قال عن علي بن عبد الله بن راشد، كما في الجرح والتعديل (١٩٣/٦):
((كان صدوقاً)).
وقال البرقاني في سؤالاته للداقطني (رقم ٥٦٨): ((سمعته يقول:
يعقوب بن إسحاق أبو عمارة الرازي ثقة .. )).
فهذا عندي لا ينزل عن أن يكون ثقة !!
(٤) الكامل لابن عدي (٧/ ١٥٢).
١١١٤

قال ابن عدي عقبه: ((وهذا عن يونس، يرويه يعقوب هذا)).
قلت: لم ينفرد به يعقوب هذا، بل تابعه عليه من سبق،
ومَنْ سيأتي إن شاء الله تعالى.
وهذا إسناد صحيح، يتابعه الإسنادان السابقان، في إثبات
الحديث إلى يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه.
وقد توبع السابقون على يونس بمتابع رابع:
أخرجه البزار في (مسنده) من طريق أخرى، سوى المذكورة
آنفًا: من طريق عبد السلام بن أبي الجنوب، عن يونس، عن
الحسن(١).
وعبد السلام بن أبي الجنوب المدني.
قال عنه الحافظ: ((ضعيف))(٢).
وللحديث طريق أخرى لغير يونس بن عبيد:
حيث أخرجه بن عدي في (الكامل) من طريق عمرو بن
عبيد، عن الحسن عن سعد رضي الله عنه (٣).
وعمرو بن عبيد متروك، متهم، کما تکرر مرارًا.
فهذا حديث الحسن الأول عن سعد بن أبي وقاص
رضي الله عنه.
وهو صحيح إلى الحسن، وتبقى فيه علة الإرسال بين
الحسن وسعد رضي الله عنه.
(١) مسند البزار (خط) - نسخة الرباط - (٢١٠)، وكشف الأستار (رقم
٣١٢٩).
(٢) التقريب (رقم ٤٠٦٥).
(٣) الكامل لابن عدي (١٠٧/٥).
١١١٥

أمّا حديثه الثاني: فنقله ابن كثير عن تفسير ابن أبي حاتم
بإسناده ومتنه (١).
ولم أجد للحسن عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه غير
هذین الحدیثین.
غير أن الهيثم بن كليب الشاشي، في مسنده، وفي مسند
سعد بن أبي وقاص منه، بوَّب لأحاديث الحسن عن سعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه، ثم ذكر في هذا الباب أربعة أحاديث(٢)!
ولم يكن شيء من هذه الأحاديث الأربعة واحدًا من الحديثين
السابق ذكرهما للحسن عن سعد !!
وهذا وهم من الهيثم بن كليب الشاشي رحمه الله! سَبَّبَهُ له
إهمال اسم سعد في الأسانيد التي ذكرها، فظنه الشاشي سعد بن
أبي وقاص !!
أما سعد صاحب تلك الأحاديث في الحقيقة، فأحدها
لسعد بن عبادة رضي الله عنه، وقد سبق ذكر حديثه هذا الذي
وهم الشاشي في تعيين (سعده)، ونبهنا هناك إلى وهم الشاشي
هذا(٣). وبقية الأحاديث الثلاثة التي ذكرها الشاشي إنما هي لسعد
مولى أبي بكر رضي الله عنه، وليست لسعد بن أبي وقاص، كما
نبّه عليه محقق مسند الشاشي، وكما سيأتي بعد هذا المبحث إن
شاء الله تعالى.
والله أعلم.
(١) تفسير ابن كثير، سورة الصافات: الآية ٣٣، (١٧٦/٦).
(٢) مسند الشاشي (٢١٥/١ - ٢١٩ رقم ١٧٤ - ١٨٠).
(٣) انظر ما تقدم (١١٠٧).
١١١٦

سعد مولى أبي بكر الصديق
قال أبو القاسم البغوي في (معجم الصحابة): ((لا أدري؟
سمع الحسن من سعد أو أرسل؟!(((١).
بينما جزم غيره:
قال علي بن المديني في (العلل): ((سمع من سعد مولى
[أبي بكر](٢))(٣).
وقال البزار: ((سمع من سعد مولى أبي بكر))(٤).
وصحح الحاكم حديث الحسن عنه في (المستدرك)(٥).
وسعد مولى أبي بكر صحابي، سبقت الترجمة له رضي الله
عنه، في كلامنا عن (المجاهيل) الذين تفرَّد الحسن بالرواية
(٦)
عنهم(٦).
وسعد مولى أبي بكر رضي الله عنه مذكور فيمن نزل البصرة
من الصحابة(٧).
(١) معجم الصحابة للبغوي (٢٢٧).
(٢) سقطت من المصدر، وأضفتها لأنها إضافة يدل عليها حصر شيوخ
الحسن!
(٣) العلل لابن المديني (٥٥/ رقم ٦٥).
(٤) نصب الراية (٩٠/١).
(٥) المستدرك (٢١٣/٢) (١١٩/٤ - ١٢٠).
(٦) انظر ما تقدم (٤٢٧).
(٧) طبقات مسلم (رقم ٣٨٦)، والجرح والتعديل (٤/ ٩٧).
٠٠٫٠٠
١١١٧

ولم أجد تصريح الحسن بالسماع منه، إلا ما جاء في ظاهر
ترجمته في (التاريخ الكبير) للبخاري.
قال البخاري في (التاريخ الكبير): ((سعد مولى أبي بكر
الصدیق :
قال لنا عمر بن عبد الوهاب(١): أخبرنا عامر بن صالح
الخزاز، عن أبيه أبي عامر (٢) عن الحسن، عن سعد: شكا رجل
إلى رسول الله 18 صفوان بن المعطل، فقال: إن صفوان هجاني،
وكان يقول الشعر، قال: دعوا صفوان، فإنه خبيث اللسان، طيب
القلب.
وقال عبيد الله(٣) عن سُلَيْم (٤) عن ابن عون(٥) عن الحسن:
أخبرني صاحب زاد النبي ◌َّ - قال ابن عون: واسمه سفينه))(٦).
وكنت قد عجبت من سياق الإمام البخاري للإسناد الثاني في
هذه الترجمة، ومن علاقته بالترجمة !!
إذ إنّ ظاهر الإسناد الثاني أنه لصحابي مشهور، هو سفينة
مولى رسول الله وَلَ(٧) .
والترجمة لسعد مولى أبي بكر رضي الله عنه!
(١) عمر بن عبد الوهاب بن رياح بن عبيدة الرِّياحي البصري، (ت٢٢١ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٤٩٤٤): ((ثقة)).
(٢) صالح بن رستم المزني مولاهم، أبو عامر الخزاز البصري (ت١٥٢هـ).
قال الحافظ التقريب (ررقم ٢٨٦١): ((صدوق كثير الخطأ)).
(٣) عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، تقدم أنه ثقة، وهو من شيوخ
الإمام البخاري، انظر المعجم المشتمل لابن عساكر (رقم ٥٨٤).
(٤)
سُلَيْم بن أخضر البصري، (ت١٨٠ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٢٥٢٣): ((ثقة ضابط)).
(٥) هو عبد الله بن عون بن أرطبان، تقدم أنه ثقة.
(٦) التاريخ الكبير للبخاري (٤٧/٤).
(٧) الإصابة (١٠٩/٣).
١١١٨

فما علاقة ذلك الإسناد بالترجمة التي سيق فيها؟ !!
ولم يوضّح الإمام البخاري تلك العلاقة، ولا ساق متن
الإسناد الثاني، ولا أشار إليه، حتى نعلم شيئًا عن غرضه
ومقصوده!
وبعد يأس، وبعد أن بيضت كلامًا لحل هذا الإشكال،
وقفت على متن الإسناد الثاني، في (مسند أبي يعلى الكبير) فظهر
لي الأمر جليًا، والحمد لله تعالى !!
قال أبو يعلى في (مسنده الكبير)(١): ((حدثنا القواريري:
حدثنا سُلَيْم بن أخضر: حدثنا ابن عون، قال أنبأني الحسن، عن
صاحب زاد النبي ◌َ﴿ - قال ابن عون: كان يُسَمّى سفينة -: أن
النبي ◌َّه كان في سفر وراحلته عليها زاد النبي بَّه.
(١) لأبي يعلى نسختان مرويتان في (مسنده): إحداهما: كبيرة، وهي رواية أبي
بكر محمد بن إبراهيم المقريء، عن أبي يعلى. والأخرى: صغيرة، وهي
رواية أبي عمرو محمد بن أحمد بن أحمد بن حمدان الحيري عن أبي
يعلى.
انظر سير أعلام النبلاء (١٤ / ١٨٠).
ومسند أبي يعلى المطبوع من رواية أبي عمرو الحيري، فهو النسخة
المختصرة من مسند أبي يعلى.
انظر مسند أبي يعلى (٣١/١). ومقدمة تحقيقه (١٨/١).
وكذا كان اعتماد الهيثمي في (مجمع الزوائد) على الرواية المختصرة، لأنه
ساق إسناد روايته لمسند أبي يعلى، فذكره من رواية أبي عمرو الحيري.
انظر مجمع الزوائد (٩/١ - ١٠).
أمَّا الحافظ ابن حجر، فقد اعتمد على الرواية المطولة، في كتابه
(المطالب العالية).
قال في مقدمة المطالب العالية (٤/١): ((إلا أنني تتبعت ما فاته - يعني:
الهيثمي - من مسند أبي يعلى، لكونه اقتصر على الرواية المختصرة».
ومثله البوصيري في (إتحاف الخيرة بزوائد المسانيد العشرة).
قال البوصيري في مقدمة كتابه الذي بخطه (٢/١/أ): ((فقد استخرت الله
الكريم الوهاب، في إفراد زوائد مسانيد الأئمة الحفاظ، الأعلام الأجلاء
الأيقاظ: أبي داود الطيالسي .. وأبي يعلى الموصلي الكبير)).
١١١٩