Indexed OCR Text

Pages 1061-1080

دَغْفَلُ بن حنظلة النَّسَّابةُ
قال الإمام البخاري في (التاريخ الكبير) و (الأوسط): ((لا
يعرف سماع للحسن من دغفل))(١).
ووافقه على ذلك ابنُ عبد البر في (الاستذكار)(٢).
بينما قال علي بن المديني: ((والذين روى عنهم الحسن من
المجهولين: أحمر السدوسي .. ودغفل بن حنظلة))(٣).
والذي أستشفه من كلام علي بن المديني، أن الحسن عنده
صحيح السماع من دغفل، ولذلك أُخِذ على الحسن أنه روى عن
أولئك الشيوخ المجهولين، كما سبق أن فصلنا في هذه
المسألة (٤)
وأصرح منه على سماع الحسن من دغفل، قول خلف بن
سالم، وقد مضى ذكره أيضًا: ((فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي
الحسن، لأن الحسن كثيرًا ما يدخل بينه وبين الصحابة أقوامًا
مجهولين، وربما دلس عن مثل عتي بن ضمرة، وحنتف بن
السجف، ودغفل بن حنظلة))(٥).
(١) التاريخ الكبير (٢٥٥/٣)، والأوسط - المطبوع باسم التاريخ الصغير - (١/
٥٦).
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (٢٢٦/٢٦ رقم ٣٩٣٦٣).
(٣) تهذيب الكمال (٢٤٥/٣).
(٤) انظر ما سبق (٤١٦ - ٤٢٨).
(٥) معرفة علوم الحديث للحاكم (١٠٨).
١٠٦٠

وقد سبق شرح كلام خلف بن سالم هذا، بما فيه دلالته
على سماع الحسن من دغفل(١).
فمعنى كلام خلف بن سالم: أن دغفل بن حنظلة ممن سمع
منهم الحسنُ، ولذلك خشي خلفٌ، لجهالة دغفل عنده، أن يكون
دغفلٌ أحدَ وسائطِ الحسنِ إلى الصحابة رضي الله عنهم .. .
ولو لم يكن الحسنُ صحيحَ السماع من دغفل عند خلف بن
سالم، لما اعتبر روايةَ الحسن عنه، وتسَميتَه له، سببًا لأن يُخشى
أن يُدَلِّسه الحسن، فيسقطَهُ ويروي عن الصحابة بلا واسطة.
فالواسطة المخوفة: هي دغفل! ولن تكون الواسطة إلا
مسموعًا منها، وإلا لما كانت واسطة !!
ولكن سبق أن لا خوف من دغفل، لأنه ثقة على
الصحيح(٢)!
أمَّا كلام البخاري فقد كان إعلالاً لأحد حديثي الحسن عن
دغفل، وليس طعنا في دغفل نفسه.
ذلك أن الحديث الذي أعله الإمام البخاري بذلك، حديثٌ
فيه مخالفةٌ ظاهرةٌ، فَأَعلَّهُ البخاري بالانقطاع في موضعين من
إسناده، لإلقاء تبعة المخالفة فيه على المجهول في كلا
الانقطاعین.
وهذا أحد طرق المحدثين، كما سبقت الإشارة إليه(٣)، في
القول بالإرسال، أو الإعلال بالتدليس: أن يقولوا بعدم الاتصال،
في الصيغة المحتملة، إذا رأوا في الحديث نكارة ما، أو مخالفة،
لا يحتملها ثقة من رواة السند في ذلك الحديث. وذلك منهم
(١) انظر ما سبق (٤٦٨ - ٤٦٩).
(٢) انظر ما سبق (٤١٦ - ٤٢٨).
(٣) انظر ما سبق (٤٨٧ - ٤٨٩).
١٠٦١

تبرئةٌ للثقات المذكورين في إسناد الحديث، وإلقاءٌ لِتبعَةِ النكارة فيه
على أحد المجهولين، الذين يُحتمل وجودهم، بوجود صيغة للأداء
غير صريحة في السماع في إسناد الحديث.
لكن سيظهر لك بعد قليل، إن شاء الله تعالى، أن حديث
الحسن عن دغفل، لانكارة فيه، تستوجب أو تسوّغ القول بعدم
سماع الحسن من دغفل.
بل إن معاصرة الحسن لدغفل في بلد واحد هو البصرة، ما
يقارب الثلاثين عامًا، حيث إن وفاة دغفل كانت سنة خمس
وستين(١) - هذه المعاصرة أقوى في ترجيح السماع، مِنْ قرينة مَنْ
نفاه!
وقد قال الإمام أحمد، في رواية الأثرم عنه، وسأله:
((لدغفل صحبة؟ قال: لا، ومن أين له صحبة؟! هذا كان صاحب
نسب. قيل له: روي عنه غير حديث: قُبضَ النبي وَط ﴿ وهو ابن
خمس وستين؟ قال: نعم، حديث آخر: كان على النصارى
صوم. قال: لا أعلم روي عن دغفل غيرهما))(٢).
قلت: إذًا، فحديثا الحسن عن دغفل، الآتيان، هما كل ما
لدغفل من الحدیث!
٠
(١) انظر ما تقدم (٤١٦ - ٤١٧).
(٢) تهذيب التهذيب (٢١٠/٢ - ٢١١).
١٠٦٢

فالحديث الأول:
حديث الحسن عن دغفل بن حنظلة، قال: ((توفي
رسول الله (قر، وهو ابن خمس وستين)).
أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير)(١) والترمذي في
(الشمائل المحمدية)(٢) وأبو زرعة الدمشقي في (تاريخه)(٣) وابن
أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)(٤) وأبو القاسم البغوي في (معجم
الصحابة)(٥) وابن جرير الطبري في (تاريخه)(٦) وأبو يعلى في
(مسنده) وفي (المفاريد)(٧) والطحاوي في (مشكل الأحاديث)(٨)
والطبراني في (المعجم الكبير)(٩) وابن الأعرابي في (معجمه) (١٠)
وأبو نعيم في (معرفة الصحابة)(١١) وابن عبد البر في
(الاستذكار)(١٢) وابن عساكر في (تاريخ دمشق)(١٣) والمزي في
(تهذيب الكمال)(١٤).
كلهم من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن
الحسن، عن دغفل به.
وهذا إسناد صحيح إلى دغفل، إن سمع الحسن منه.
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٢٥٥/٣).
(٢) الشمائل المحمدية (رقم ٣٦٦).
- (٣) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ١٥).
(٤) الآحاد والثماني (رقم ١٦٧٢).
(٥) معجم الصحابة للبغوي (١٥٨).
(٦) تاريخ الطبري (٢١٦/٣).
(٧) مسند أبي يعلى (رقم ١٥٧٢)، والمفاريد له (رقم ٨٧).
(٨) مشكل الأحاديث للطحاوي (٢١١/٥ رقم ١٩٥٦).
(٩) المعجم الكبير (رقم ٤٢٠٢).
(١٠) معجم ابن الأعرابي (٢٠٤/أ).
(١١) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٢٤/١/أ).
(١٢) الاستذكار لابن عبد البر (٢٢٦/١٦).
(١٣) تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٨٩/٦).
(١٤) تهذيب الكمال (٤٩٠).
١٠٦٣

وهو الذي أتبعه البخاري بقوله: ((ولا يتابع عليه، ولا يعرف
سماع الحسن من دغفل، ولا يعرف لدغفل إدراك بالنبي وَلِّر.
وقال ابن عباس، وعائشة، ومعاوية: توفي النبي وَ ل وهو
ابن ثلاث وستين، وهذا أصح))(١).
وإذَا: فهذا هو سبب إعلال البخاري لحديث الحسن عن
دغفل، وهو مخالفة خبره الصحيح الثابت في سن النبي وَ له .
لكن كان يكفي البخاري أن يُعِل الحديث بعدم سماع دغفل
من النبي ◌َّر، وأنه ليس بصحابي، ويَرُدَّ الحديث بذلك.
كما فعل الترمذي في (الشمائل) حيث أتبع الحديث بقوله:
((دغفل لا نعرف له سماعًا من النبي ◌َّر، وكان في زمن النبي ◌َل
رجلاً)»(٢).
ولم يعل الترمذي الحديث بعدم سماع الحسن من دغفل!
ثم إن نكارة حديث دغفل هذا، لا أحسبها إلا نوعًا من
التَّجُوُز في الأعداد، بجبر الكسر إلى العقد أو نصفه. فجعل دغفل
(الثلاث والستين): (خمسًا وستين)، على عادة العرب في فعل
ذلك مجازًا، وتساهلاً في التعبير! فلا نكارة في الحقيقة، تستوجب
كل ذاك !!
وأجد أن طول معاصرة الحسن لدغفل، وكونهما بلديين، مع
انفراد الحسن عنه بأشهر ماله من حديث، بل بجميعه كما قال
الإمام أحمد - كل ذلك يَقْوَى على ترجيح احتمال السماع، على
احتمال نفيه.
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٢٥٥/٣).
(٢) الشمائل المحمدية (٣٦٦).
١٠٦٤

ثم يأتي ما قد نستشفه من كلام علي بن المديني، وما يظهر
من كلام خلف بن سالم، في إثبات سماع الحسن من دغفل،
ليكون لنا إمامٌ سابق للقول بالسماع وعدم إنكاره.
لتكون القضية - بعد ذلك - مفروضة في مسألة تنحصر
المرجّحات فيها في جانب إثبات السماع، خالية من المرجحات
في جانب نفيه، كما بيناه آنفًا !!
إذ النكارة التي هي سبب نفي السماع، لو كانت، ففي عدم
سماع دغفل من النبي ◌َّ، وعدم صحبته له - كفاية في تعليق
النكارة عليها، كما فعل الترمذي.
ثم بيّا أنه لا نكارة في خبر دغفل، وله وجه يُحمل عليه،
خاصة مع اشتهار هذا الوجه عند العرب، ومع اشتهار وثبوت ما
تكلم فيه دغفل، من عُمْر النبي ◌َّ.
لذلك أجد أنّ الأرجح - عندي -: إعمال دلالة كلام
علي بن المديني - على ضعفها - وخلف بن سلم - على ظهورها -
في إثبات السماع، ومن ثَمَّ ترجيح ثبوت السماع على نفيه.
١٠٦٥

والحديث الثاني:
قال الإمام البخاري في (التاريخ الكبير): ((حدثنا إسحاق:
حدثنا معاذ، قال: حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن
دغفل بن حنظلة، عن النبي ◌َلجر: قال: كان على النصارى صوم
رمضان، فمرض ملكهم، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدنّ سبعة أيام.
ثم كان عليهم بعد. فقال: ما ندع من هذه الثلاثة الأيام شيئًا أن
نتمها، ونجعل صومنا في الربيع، ففعل. فصارت خمسين
يومًا)»(١).
وأخرجه الطبراني في (المعجم الأوسط)(٢) وأبو نعيم في
(معرفة الصحابة)(٣).
كلاهما من طريق إسحاق بن راهوية، عن معاذ بن هشام .. به.
وقال الطبراني عقبه: ((لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا
هشام، تفرد به معاذ»(٤).
وإسناده صحيح إلى دغفل.
وتوبع إسحاق بن راهويه على رفع الحديث:
قال أبو جعفر النحاس في (الناسخ والمنسوخ)، عن هذا
الحديث: ((كتبناه مسندًا: عن محمد بن محمد بن عبد الله(٥) قال:
حدثنا: الليث بن الفرج(٦) قال: حدثنا معاذ بن هشام بن أبي
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٢٥٤/٣ - ٢٥٥).
(٢) المعجم الأوسط (٢١٧/٢/ب - ٢١٨/أ).
(٣) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٢٤/١/أ).
(٤) المعجم الأوسط للطبراني (٢١٧/٢/ - ٢١٨/أ).
(٥) محمد بن محمد بن عبد الله بن النفاخ الباهلي البغدادي، أبو الحسن،
نزيل مصر، (ت٣١٤).
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٩٥/١٤): ((الإمام المحدث الثبت،
المجود، الزاهد القدوة)).
(٦) الليث بن فرج بن راشد أبوالعباس، ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد
(١٦/١٣ - ١٧). وقال عنه: ((كان ثقة)).
١٠٦٦

عبد الله الدستوائي، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن،
عن دغفل بن حنظلة، عن النبي وَالجزر ... ))(١) - وذكره.
فتابع الليثُ بن الفرج بن راشد أبو العباس، (وكان ثقة)(٢)،
إسحاقَ بن راهوية، على رفع الحديث.
وخالفهما راوٍ لا يبلغ شأو أحدهما:
فرواه عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، عن
معاذ بن هشام عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن دغفل -
موقوفًا على دغفل، غير مرفوع.
أخرجه ابن الأعرابي في (معجمه)(٣) وابن عساكر في (تاريخ
دمشق)(٤).
فخالف عبد الرحمن بن محمد بن منصور كُلَّ من:
إسحاق بن راهوية، والليث بن الفرج.
وعبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي، أبو سعيد
البصري، ثم البغدادي، لقبه: كُرْبُزان (ت٢٧١ هـ).
محدّث متكلّمٌ فيه:
قال أبو حاتم: ((شيخ))(٥).
وقال ابن أبي حاتم: ((تكلموا فيه))(٦).
وكان موسى بن هارون الحمال الحافظ البغدادي (ت٢٩٤هـ)
- ((يرضاه))، كما في (الكامل) لابن عدي(٧).
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس (رقم ٥٧).
(٢) هذه عبارة الخطيب، كما سبق في ترجمته.
(٣) معجم ابن الأعرابي (٢٠٤/أ - ب).
(٤) تاريخ دمشق - خط - لابن عساكر (٨٩ - ٩٠).
(٥) الجرح والتعديل (٢٨٣/٥)، وتاريخ بغداد (٢٧٣/١٠).
(٦) المصدر السابق.
(٧) الكامل لابن عدي (٣١٩/٤).
١٠٦٧

وذكره ابن حبان في (الثقات)(١).
وقال ابن عدي: ((حدَّث بأشياء لا يتابعه أحد عليها))(٢).
وقال الدارقطني، كما في (سؤالات الحاكم): ((ليس
بالقوي))(٣).
وقال مسلمة بن القاسم: ((ثقة مشهور))(٤).
قلت: لعله صدوق يخطيء، (فقد روى عنه أبو عوانة في
صحيحه)، كما قال الذهبي(٥)، وقد وثق.
فهو حسن الحديث خفيف الحُسْنِ، يَضعُف حديثه بأدنى
مخالفة!
ومخالفته هنا أعلى مخالفة، فقد خالف أحد حفاظ الإسلام،
وهو إسحاق بن راهوية، مع متابعة لثقة آخر تابع بها هذا الإمام!
فلا بقاء لمخالفة ◌ُزیزان هذه !!
أمّا الحافظ أبو القاسم الطبراني، فقد اضطرب وخالف في
نقل هذا الحديث !!
فبينما يقول في (المعجم الأوسط): ((حدثنا موسى بن
هارون: حدثنا إسحاق بن راهوية ... )) - ثم ذكره موفوعًا، كما
سبق(٦).
يقول أيضًا في (المعجم الكبير): ((حدثنا موسى بن هارون،
وجعفر بن محمد الفريابي، قالا: حدثنا إسحاق بن راهويه.
(١) الثقات لابن حبان (٣٨٣/٨).
الكامل لابن عدي (٣١٩/٤).
(٢)
(٣) سؤالات الحاكم (رقم ١٤٥).
(٤) لسان الميزان (٤٣١/٣).
(٥) سير أعلام النبلاء (١٣٩/١٣).
(٦) المعجم الأوسط، للطبراني (٢١٧/٢/ب - ٢١٨/أ).
١٠٦٨

وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي: حدثنا أبو هشام
الرفاعي، قالا: حدثنا معاذ بن هشام: حدثني أبي، عن قتادة، عن
الحسن، عن دغفل، قال: كان على النصارى صوم شهر ... ))(١) -
الحديث، كذا موقوفًا !!
فما في (المعجم الكبير) مخالف للصحيح عن إسحاق بن
راهويه، كما رواه عنه الإمام البخاري وغيره، من رواية الحديث
عنه مرفوعًا!
بل أيضًا مخالف لما نقله الطبراني نفسه في (المعجم
الأوسط) من طريق إسحاق بن راهويه - مرفوعًا!
والأعجب من ذلك: أن شيخ الطبراني الراوي عن
إسحاق بن راهويه في (المعجم الأوسط)، وهو موسى بن هارون،
هو نفسه أحد شيخيه الراويين عن إسحاق بن راهويه، في
(المعجم الكبير) !!
وقد كنت أخشى أن يكون في مطبوع (معجم الطبراني
الكبير) خطأ، لولا تنبيه محقق (المعجم الكبير) الشيخ الفاضل:
حمدي السلفي حفظه الله تعالى، إلى مخالفة ما في نسخته
المخطوطة لما في (المعجم الأوسط) نقلا عن (مجمع البحرين)
(٢)
للهيثمي(٢).
بل نبّه إلى ذلك الهيثمي في (مجمع الزوائد) حيث قال
عقب ذكره الحديث مرفوعًا: ((رواه الطبراني في (الأوسط)
مرفوعًا، كما تراه، ورواه الطبراني في (الكبير) موقوفًا على دغفل.
ورجال إسنادهما رجال الصحيح))(٣).
(١) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٤٢٠٣).
(٢) المصدر السابق.
(٣) مجمع الزوائد (١٣٩/٣).
١٠٦٩

فلا شك في أن ما في (المعجم الكبير)، من ذكر الحديث
موقوفًا خطأ. صوابه ما في (المعجم الأوسط) من ذكر الحديث
مرفوعًا !!
والحديث صحيح إلى دغفل، وتبقى فيه علة الإرسال بين
دغفل والنبي وَلّر.
وليس في الحديث نكارة، بل يشهد له قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾(١) .
ولذلك ذُكِر الحديث في تفسير هذه الآية (٢)!
فالحسن سمع دغفلاً، ودغفل لم يَزْوِ مُنكرًا!
والله أعلم.
(١) سورة البقرة: الآية ١٨٣.
(٢) انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس (رقم ٥٧)، والدر المنثور للسيوطي (١/
٤٢٨ - ٤٢٩).
١٠٧٠

ضعيه
الزبير بن العوام
قال ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار)، متعقبًا أسانيدَ
لحديثٍ للحسن عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، قال: ((هذه
أخبار واهية الأسانيد، لا تثبت بمثلها حجَّة.
وذلك لأن مراسيل الحسن أكثرها صحف غير سماع، وأنه
إذا وصلت الأخبار، فأكثر روايته عن مجاهيل لا يُغْرفون.
ومن كان كذلك فيما يروي من الأخبار، فإن الواجب عندنا
أن نتثبّت في مراسيله))(١).
وقال البيهقي في (شعب الإيمان) عقب حديث للحسن عن
الزبير رضي الله عنه: ((هذا منقطع)) (٢).
وقال مغلطاي في (إكمال تهذيب الكمال): ((ذكر أبو الحسن
الدارقطني في كتابه (العلل الكبير) تأليفه: أن الحسن لم يسمع من
الزبير بن العوام، يُذْخَل بينهما أبو سليط وجون بن قتادة)(٣).
ووجدت كلام الدارقطني في (علله)، لكن ليس فيه النص
على عدم سماع الحسن من الزبير رضي الله عنه (٤)!
وأدلة عدم سماع الحسن من الزبير تظهر في أمرين:
(١) تهذيب الآثار، مسند علي، لابن جرير الطبري (١١٢ - ١١٣).
(٢) شعب الإيمان (رقم ٨٨٩٢).
(٣) إكمال تهذيب الكمال (١٥٢/أ).
(٤) العلل للدارقطني (٢٤٨/٤ - ٢٤٩ رقم ٥٤٥).
١٠٧١

الأول: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه، من شيوخ بدر
الكبار (١) .
والحسن نفسه نفى أن يكون سمع من أحدٍ من أهل بدر،
وكذلك نفى هذا السماع مِنْ عُموم البدريين جماعة من تلامذة
الحسن وغيرهم من العلماء، كما تقدم(٢).
الثاني: أن الزبير رضي الله عنه مدني، استُشهِد عندما خرج
منها، عقب يوم الجمل، سنة ست وثلاثين (٣).
وسنة ست وثلاثين لم يكن الحسن بَعْدُ قد خرج من
المدينة، فينحصر إمكان سماع الحسن من الزبير بالمدينة.
وقد علمت - سابقًا - نفي الأئمة القاطع لأن يكون للحسن
سماع من أحد من الصحابة المدنيين بها، وأنّ هذا كالقاعدة
عندهم: عدم سماع الحسن من أحد في المدينة (٤).
مع ذلك فقد قيل بأن الحسن رأى الزبير بن العوام.
قال ابن أبي حاتم في (المراسيل): ((سئل أبو زرعة: لقي
الحسن أحدًا من البدريين؟ قال: رآهم رؤية، رأى عثمان، وعليًا.
قلت: سمع منهما حديثًا؟ قال: لا.
وقال الحسن: رأيت الزبير يبايع عليّا رضي الله عنهما))(٥).
وقال البزار: ((ذكر الحسن أنه رأى الزبير في بعض بساتين
المدينة))(٦).
(١) انظر سيرة ابن هشام (٦٨٠/١)، وسير أعلام النبلاء (٤٦/١).
(٢) انظر ما تقدم (٥٦٣ - ٥٦٦).
(٣) انظر التقريب (رقم ٢٠٠٣).
(٤) انظر ما تقدم (٥٧١ - ٥٧٣).
(٥) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٩٢).
(٦) نصب الراية للزيلعي (١/ ٩١).
١٠٧٢

أمَّا علي بن المديني، فيبدو أنه كان يضعف الرواية التي
تذكر رؤية الحسن للزبير رضي الله عنه!
قال علي بن المدني في (علله): ((قال الحسن: رأيت الزبير
یبایع علیًا .
وخالفه موسى بن داود: رأيتُ طلحةً يبايع عليًّا في حَشّ(١).
فسأل خالدُ بنُ القاسم عليَّ بن المديني عن هذا الحديث؟
فقال: ليس من صحيح حديث هُشَيْم.
والحسن لم يَرَ عليًّا، إلا أن يكون رآه بالمدينة وهو
غلام))(٢).
وقد بحثتُ عن هاتين الروايتين، اللتين أَعَلَّ عليّ بن المديني
أولاها بأُخراهما.
أمّا الرواية المُعَلّة: فقال ابن جرير الطبري في (تاريخه):
«حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا إسحاق بن إدريس،
قال: حدثنا هُشَيْم، قال: أخبرنا حميد، عن الحسن، قال: رأيتُ
الزبير بن العوّام بايع عليًّا في حَشّ من حُشان المدينة))(٣).
محمد بن سنان بن يزيد القزاز، أبو بكر البصري، نزيل
بغداد، (ت٢٧١ هـ).
قال عنه الحافظ: ((ضعيف)) (٤).
وإسحاق بن إدريس الأسواري البصري، أبو يعقوب: تركه
(١) الحَشّ - بفتح أوله -: البُسْتَان. ويُجْمَع على: حُشّان، بفتح الحاء
وضمها.
انظر: تاج العروس للزبيدي - حشش - (١٤٦/١٧).
(٢) العلل لابن المديني (٥٣ - ٥٤ رقم ٥٩).
(٣) تاريخ الطبري (٤٢٩/٤).
(٤) التقريب (رقم ٥٩٣٦).
١٠٧٣

علي بن المديني، والبخاري، والنسائي، واتهمه يحيى بن معين بالوضع(١).
هذه إحدى الروايات التي ردّها علي بن المديني، وحُقَّ له
ذلك، كما تراه من ترجمة رجال إسنادها.
لكن للراوية وجه آخر ظاهره الصحّة، فقد قال البَلاذُري في
(أنساب الأشراف): ((حدثنا خلف بن هشام: حدثنا هُشيم بن
بشير: حدثنا حُميد، عن الحسن، قال: رأيتُ الزبير بايع عليًّا في
حش من أحشاش المدينة))(٢).
وهذا إسناده صحيح، فخلف بن هشام بن ثعلب المقرئ
ثقةٌ، وقد صرّح هشيمٌ بالسماع.
لكن أعلّ هذه الراوية عليَّ بن المديني بالمخالفة أيضًا!
حيث ذكر أن موسى بن داود روى هذا الحديث، فجعل الذي رآه
الحسنُ يبايع عليًّا طلحةَ بنَ عبيد الله، لا الزبير بن العوام.
وموسى بن داود هذا هو موسى بن داود الضبّي الطَّرَسُوسي،
نزيل بغداد، (ت٢١٧ هـ).
قال عنه الحافظ: ((صدوق فقيه زاهد، له أوهام))(٣) .
وهو معروفُ الرواية عن هُشَيم، كما في (تهذيب الكمال)(٤).
ـرة
فظاهر كلام علي بن المديني: أن موسى بن داود روی
الحديث، عن هشيم، عن حميد، عن الحسن، قال: ((رأيتُ
طلحة يبايع عليًّا في حَشّ .. )).
ولم أجد هذه الرواية من هذا الوجه، لكني وجدته من وجه
أقوى منه!
قال ابن عدي في (الكامل): ((حدثنا الحسين بن عبد الله
القطان: حدثنا نوح بن حبيب: حدثنا عبد [الرحمن] بن مهدي:
حدثنا هشيم، عن حميد، عن [الحسن]، قال: رأيتُ طلحة بن
(١) لسان الميزان (٣٥٢١).
(٢) أنساب الأشراف للبلاذري (١٦/٣).
(٣) التقريب (رقم ٦٩٥٩).
(٤) تهذيب الكمال (٥٨/٢٩).
١٠٧٤

عبيد الله بايع عليًّا في حَشّ من حُشَان المدينة - يعني: في بعض
حيطان المدينة))(١) .
وقد تحرّف في مطبوع (الكامل): (عبد الرحمن) إلى
(عبد الله)، والتصويب: من السياق، حيث إن ابن عدي كان في
سياق ذكر من روى عن هشيم من كبار الأئمة، فذكر حديثًا
لعبد الرحمن بن مهدي عن هشيم، ثم أتبعه بهذا الحديث. ثم إن
عبد الرحمن بن مهدي معروف الرواية عن هشيم (٢)، ونوح بن
حبيب معروفُ الرواية عن عبد الرحمن بن مهدي(٣).
وتحرف أيضًا في مطبوع (الكامل) !: (الحسن) إلى (أنس)،
والتصويب: مما عرفناه من أسانيد هذا الحديث ووجوهه المختلفة
في مصادر عدّة، أنّه من حديث: هشيم، عن حميد، عن
الحسن، لا (عن أنس)! ثم إنه قد جاء في (الكامل) تعقيبٌ على
الحديث، قال فيه نوح بن حبيب: ((قال ابن مهدي: وقد أدركه
الحسن))، كذا على الصواب !!
أمّا تراجم إسناد ابن عدي:
فالحسين بن عبد الله بن يزيد القطان المالكي، أبو علي،
(ت حدود ٣١٠هـ).
قال عنه الدارقطني - كما في سؤالات السهمي -: ((ثقة))(٤).
وهو من شيوخ ابن حبان في (صحيحه)، الذين أكثر عنهم
فیه(٥) .
(١) الكامل لابن عدي - ترجمة هُشَيم بن بشير - (١٣٧/٧).
(٢) تهذيب الكمال (٤٣٣/١٧).
(٣) تهذيب الكمال (٤٣٤/١٧) (٤٠/٣٠).
(٤) سؤالات السهمي (رقم ٢٧٦)، وانظر سير أعلام النبلاء (٢٨٦/١٤ -
٢٨٧).
(٥) انظر فهارس الإحسان (٥٥/١٨ - ٥٦).
١٠٧٥

ونوح بن حبيب القُوْمَسِي، أبو محمد، (ت٢٤٢هـ).
قال عنه الحافظ: ((ثقة سُنّي)(١).
وبهذا يظهر رُجحان رواية من قال عن الحسن: ((رأيت
طلحة يبايع عليًّا .. ))، على رواية من قال: ((رأيت الزبير ... ))،
كما قال علي بن المديني ورجّح.
ومع ذلك: فقد كان علي بن المديني يردّ الخبر من وجهيه
كليهما، حيث تعقّب الرواية الراجحة بقوله: ((وليس من صحيح
حديث هشيم)).
فعلي بن المديني يرى أن هشيمًا حدّث بما رجّحه من
روايتيه: أن الحسن رأى طلحة، لا الزبير. لكن ابن المديني مع
ذلك يضعّف هذه الرواية أيضًا، ويرى أنّها من ضعيف أحاديث
هشيم، ولعلّه أعلّها بعنعنة هشيم، لتدليسه.
لكني وجدت متابعة تذكر رؤية الحسن للزبير وطلحة
رضي الله عنهما، يبايعا عليّا، .. إن صحت المتابعة !!
فأخرج أخو تبوك عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد الكلابي
في (مسنده)، من طريق يونس بن أرقم، عن الصلت بن دينار،
عن الحسن، قال: ((رأيت طلحة والزبير بايعا عليًّا عشية، وهو
على منبر رسول الله(وَل﴾)(٢).
لكن يونس بن أرقم الكندي البصري:
قال عنه البخاري في (التاريخ الكبير): ((كان يتشيع، معروف
الحديث))(٣).
(١) التقريب (رقم ٧٢٠٣).
(٢) منتخب مسند أخي تبوك (رقم ١٧).
(٣) التاريخ الكبير (٤١٠/٨).
١٠٧٦

ولينه الحافظ البارع .. الرافضي! عبد الرحمن بن يوسف بن
سعد بن خراش البغدادي (ت٢٨٣هـ)(١).
وقال عنه البزار في (مسنده): ((كان صدوقًا، روى عنه أهل
العلم، على أن فيه شيعية شديدة))(٢).
وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: ((كان يتشيع))(٣).
قلت: وكلام البخاري، والبزار، من فوات (الميزان) و
(لسانه)(٤) فقيذه.
أمَّا شيخه: الصلت بن دينار، فتقدم أنه متروك ناصبي!
فماذا نُأَمِّلُ في حديث خرج من بين شيعي وناصبي !!!
فهذه المتابعة لا اعتبار لها!
وهناك رواية أخرى تذكر رؤية الحسن للزبير أيضًا.
. أخرج البخاري في (التاريخ الكبير) ومن طريقه ابن عدي في
(الكامل) كلاهما من طريق سليمان بن سالم القرشي، عن علي بن
زيد، عن الحسن، قال: ((رأيت عليًّا والزبير التزما، ورأيت عثمان
وعليًا التزما)»(٥).
قال البخاري عقبه: ((لا يتابع عليه)).
يعني سليمان بن سالم القرشي، حيث أورد الحديث في
ترجمته .
(١) تليين ابن خراش في الميزان (٤/ ٤٧٧)، وترجمة ابن خراش نفسه، انظرها
في سير أعلام النبلاء (٥٠٨/١٣ - ٥١٠).
(٢) مسند البزار (رقم ٥٠٧)، وانظر كشف الأستار (رقم ٣٤٠٦).
(٣) الثقات لابن حبان (٢٨٧/٩ - ٢٨٨).
(٤) انظر لسان الميزان (٣٣١/٦).
(٥) التاريخ الكبير للبخاري (١٨/٤)، والكامل لابن عدي (٢٧٠/٣).
١٠٧٧

وسليمان بن سالم القرشي، أبو داود البصري العطَّار، هذا -
قال فيه البخاري ما سبق.
وترجم له ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ولم يذكر فيه
جرحًا أو تعديلاً(١).
أمَّا ابن حبان فذكره في (الثقات)(٢).
وثلاثتهم: البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان، بل وأبو
حاتم فيما نقله عنه ابنه، أربعتهم - فرقوا بين سليمان بن سالم
القرشي أبي داود العطار هذا، وسليمان بن سالم أبي أيوب مولى
(٣)
قریش(٣) .
وقال أبو حاتم عن الثاني، أبو أيوب القرشي مولاهم، :
(شیخ)(٤).
فخلط ابن عدي بين هذين الراويين، وجمعهما في ترجمة
واحدة !!
ولذلك اختلف حكم ابن عدي في سليمان بن داود العطار
عن حكم البخاري فيه، الذي إنما يروي ابن عدي الحديث من
طريقه. حيث قال ابن عدي في آخر ترجمته: ((لا أرى بمقدار ما
يرويه بأسًا، وإنما أنكر عليه البخاري حديثًا مقطوعًا))(٥).
وتبع الإمام الذهبي ابن عدي على خلطه هذا، في
(الميزان)(٦) !!
(١) الجرح والتعديل (١٢٠/٤).
(٢) الثقات لابن حبان (٣٨٩/٦).
(٣) انظر مصادر ترجمة الأول في التعاليق الثلاثة السابقة، أما التالي: فانظر
التايخ الكبير للبخاري (١٨/٤)، والجرح والتعديل (١١٩/٤)، والثقات
لابن حبان (٨/ ٢٧٣).
(٤) الجرح والتعديل (١١٩/٤).
(٥) الكامل لابن عدي (٢٧٠/٣).
(٦) الميزان (٢٠٨/٢)، وانظر آخر الترجمة فيه.
١٠٧٨

فتعقبه الحافظ في (اللسان) وقال في آخر ذلك: ((وما أدري!
كيف خفي هذا على الذهبي، مع نقده؟ !! ))(١).
قلت: والبخاري أنكر حديثه، ولم يدفع ذلك حتى ابن
عدي، الذي خلطه بغيره، فقوَّى الراوي بناء على ذلك الخَلْط!
ومع أن خلط ابن عدي بين الراويين أَثّر على حكمه في
الراوي الضعيف، بأن مشاه. مع ذلك .. فقد خفف نكارة الحديث
عند ابن عدي، ولم يحمل بشدّةٍ على راويه، بسبب أنه حديث
موقوف غير مرفوع!
فانظر عبارة ابن عدي متمعنًا: ((لا أرى بمقدار ما يرويه
بأسًّا، وإنما أنكر عليه البخاري حديثًا مقطوعًا)).
فهو لم ينكر نكارة الحديث، وإنما تهاون بتأثير نكارته،
مشيرًا إلى الوصف الذي من أجله تهاون بالنكارة، وهو كونه
((حديثًا مقطوعًا)).
وبعد موافقه ابن عدي للبخاري على نكارة الحديث، وبعد
ترجيح تفريق البخاري ومن وافقه على خلط ابن عدي، يكون
سليمان بن سالم هذا منكر الحديث، كأنه بالاتفاق!
وإن لم يكن كذلك بالاتفاق، فهو منكر الحديث عند
البخاري، وهو أعلم من تكلم فيه، إن كان لغيره - سوى ابن
عدي - کلام فيه أصلاً !!
إذًا: فيكون هذا الخبر الذي يذكر فيه الحسن رؤيته للزبير
رضي الله عنه ملتزمًا - خبرًا لا حجة به، ولا اعتبار!
أو كما عبَّر الإمام البخاري: ((لا يتابع عليه)).
(١) اللسان (٩٢/٣ - ٩٣).
١٠٧٩