Indexed OCR Text

Pages 1041-1060

لهذا فإن سماعَ الحسن من الحكم بن عمرو ولقاءَه به غير
قويّ .
فإذا تذكّرنا كثرة رواية الحسن عمّن عاصره ولم يلقه، ازداد
شكّنا في ثبوت سماع الحسن من الحكم بن عَمرو.
ثم إذا علمتَ أنّ أحاديث الحسن عن الحكم بن عَمرو تشهد
بذاتها على عدم السماع، بَعُدَ احتمال سماع الحسن منه أكثر!
فالذي أميل إليه وأرجّحه: أن الحسن لم يسمع من
الحکم بن عمرو رضي الله عنه.
أمّا أحاديث الحسن عن الحكم بن عمرو، فهي:
١٠٤١

الحديث الأول:
قال الإمام أحمد في (المسند): ((حدثنا عبد الصمد(١):
حدثنا حماد(٢): أخبرنا يونس، وحميد، عن الحسن: أن زيادًا
استعمل الحكم الغفاري علی جیش، فأتاه عمران بن حصین،
فلقيه بين الناس (وفي غير رواية أحمد: على باب دار الإمارة]،
فقال: أتدري لِمَ جِئْتُك؟ فقال له: لِمَ؟ قال: هل تذكرِ قَوْلَ
رسول الله ◌َل﴿ للرجل الذي قال له أميرُهُ: فَعْ في النار، فَأُدْرِك،
فَاخْتُبِسَ، فَأَخبر النبي بَّهَ فقال: «لو وقع فيها لَدَخَلاَ النارَ جميعًا،
لا طاعةَ في معصية الله تبارك وتعالى))؟ قال: نعم، قال: إنما
أردتُ أن أُذكِّرك هذا الحديث))(٣).
وهذا إسنادٌ صحيح إلى الحسن البصري.
ووافق هُذْبَةُ بن خالد عبدَ الصمدِ بنَ عبدِ الوارث فيه، وفي
صيغة أداء الحسن البصري فيه: ((أن زيادًا ... )). وأخرجه ابن أبي
عاصم في (الأحاد والمثاني)(٤)، عن هدبة به.
ورواه حجاج بن المنهال، فاختلفَ عليه:
قال البزار في (مسنده): ((حدثنا محمد بن مرزوق،
ومحمد بن معمر، قالا: حدثنا حجاج بن المنهال: حدثنا
حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن، عن عمران بن حصين
والحكم بن عَمر الغفاري، أن رسول الله وَل قال: لا طاعة في
معصية الله))(٥).
وقال البزار عقبه: ((لا نعلم أحدًا يرويه عن النبي وَلّ بأحسن
من هذا الإسناد !!
(١) هو ابن عبد الوارث.
(٢) هو ابن سلمة.
(٣) مسند الإمام أحمد (٦٦/٥).
(٤) الآحاد والمثاني (رقم ١٠١٧).
(٥) مسند البزار - الكتانية - (١٤٤)، وانظر كشف الأستار (رقم ١٦١٣).
١٠٤٢

بينما رواه علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي، وأبو
مسلم إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكَشِّي، كلاهما: عن
حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا
حميد وحبيب بن الشهيد ويونس، عن الحسن: ((أنّ زيادًا ... ))،
كما في رواية عبد الصمد وهدبة في صيغة أداء الحسن.
أخرج حديث علي بن عبد العزيز البغوي: الطبرانيُّ في
(المعجم الكبير)(١)، والحاكم وصحّحه في (المستدرك)(٢)، وأبو
نعيم في (معرفة الصحابة)(٣).
وأخرج حديث أبي مسلم الكشي: الطبرانيُّ في (المعجم
الكبير)(٤).
ولا شك بعد هذا العرض، أن صيغة أداء الحسن (في رواية
يونس عبيد ومَنْ وافقه عن الحسن) هي: (أنّ زيادًا)، أي: الأنأنة.
و (أنّ) أضعف في الدلالة العرفيّة على الاتصال من
(عن)(٥)، ثم هي هنا للحكاية لا للرواية، كما هو ظاهر، حيث
إن الحسن لم يقل: ((إن عمران بن حصين قال ... ))، ولا قال:
((إن الحكم بن عمرو قال ... )) إنما قال: ((إن زيادًا استعمل
الحكم بن عَمرو ... )). فعمّن روى الحسن هذا الحديث، أَخْذًا
من هذه الصيغه؟
ثم تذكّر أننا على شك من كون الحسن البصري في البصرة،
حينما وُلّيَ الحكمُ بنُ عَمرو إمرةَ خراسان، كما سبق(٦).
(١) المعجم الكبير (٣/ رقم ١٠١٧) (١٥٠/١٨، ١٧١).
(٢) المستدرك للحاكم (٤٤٣/٣).
(٣) معرفة الصحابة لأبي نعيم (١٥٤/١/أ).
(٤) المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ١٥٠).
(٥) انظر علوم الحديث لابن الصلاح (٦٢ - ٦٥)، وشرح علل الترمذي لابن
رجب (٦٠١/٢ - ٦٠٥)، وفتح المغيث للسخاوي (١٩٤/١ - ١٩٩).
(٦) انظر (١٠٤٠).
١٠٤٣

ثم يؤكد أن الحسن لم يقصد روايةَ الحديث عن الحكم بن
عَمرو، لأنّه لم يسمعه منه أصلا= أن الحسن يروي هذا الحديث
عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
قال الطبراني في (المعجم الكبير): ((حدثنا محمد بن علي
الصائغ بمكة(١): حدثنا يعقوب بن حميد (٢): حدثنا يحيى بن
سُلَيم(٣)، عن هشام بن حسان، عن الحسن عن عمران بن
حصين، قال: قال رسول الله وي له: ((لا طاعة لمخلوق في معصيته
الخالق)» (٤).
وهذا إسناد لا بأس به، وله مُتَابع:
قال البزار في (مسنده): ((حدثنا محمد بن موسى القطان)).
(ح) وقال الطبراني في (المعجم الكبير) و (الأوسط):
((حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي).
كلاهما - أعني محمد بن موسى، والإمام أحمد - قال:
((حدثنا إسماعيل بن أبان(٥): حدثنا حفص بن عمران(٦)، عن
(١) محمد بن علي بن زيد المكي، أبو عبد الله الصائغ، (ت٢٩١هـ).
قال عنه الذهبي في السير (٤٢٨/١٣ - ٤٢٩): ((المحدث الإمام الثقة ...
سمع (جماعةً) مع الصدق والفهم وسعة الرواية)).
(٢) يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، نزيل مكه، (ت٢٤٠هـ أو ٢٤١هـ).
قال عنه الحافظ (رقم ٧٨١٥): ((صدوق ربما وهم)).
(٣) يحيى بن سُلَيْم الطائفي، نزيل مكه، (ت١٩٣هـ أو بعدها).
قال عنه الحافظ (رقم ٧٥٦٣): ((صدوق سيء الحفظ)).
(٤) المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ١٧٠).
(٥) إسماعيل بن أبان الورّاق الأزدي، أبو إسحاق أو أبو إبراهيم الكوفي،
(ت٢١٦هـ).
قال عنه الحافظ (رقم ٤١٠): ((ثقة، تُكلِّم فيه للتشيّع)).
(٦) حفص بن عمر، أو ابن عمران، الأزرق البُرْجمي.
قال عنه الحافظ (رقم ١٤٢٧): ((مستورا.
قلت: بل هو (لا بأس به)، كذا قال عنه الدارقطني في العلل (١٤٢/٣/
ب). وفات ذلك الحافظ ابن حجر في التهذيب (٤١٤/٢)، فلم يذكر فيه
جرحاً أو تعديلاً.
١٠٤٤

سِمَاك(١)، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: قال
رسول الله : ((لا طاعة لمخلوق في معصية الله))(٢).
وهذا إسنادٌ حسن، وله متابعٌ أيضًا:
أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير)، لكنه من طريق
الحسن بن دينار، عن الحسن، قال: قال عمران بن حصين(٣).
وهذا إسنادٌ شديد الضعف، لحال الحسن بن دينار.
غير أنّ الإسنادين السابقين كفيلان بإثبات أنّ الحسن إنما
يروي هذا الحديث عن عمران بن حصين.
إذن فالحسن إنما یروي هذا الحديث عن عمران بن حصین،
فيكون هو الذي أخبره بما قاله للحكم بن عَمرو (غالبًا). ولا
يكون للحسن في هذا الحديث رواية عن الحكم بن عمرو أصلاً،
حتى ننظر: هل سمعها منه الحسن؟ أم لم يسمعها؟
وعلى هذا فهمتُ تصحيح الحاكم للحديث، بناءً على أنه
من حديث الحسن عن عمران. خاصّةً وأن الحاكم كان يُثبت
سماع الحسن من عمران، كما سيأتي في مبحثه إن شاء الله
تعالی.
وبذلك يكون هذا الحديث شاهدًا على عدم سماع الحسن
من الحكم بن عمرو رضي الله عنه.
(١) سِمَاك بن حرب الذّهلي الكوفي، أبو المغيرة، (ت١٢٣هـ).
قال عنه الحافظ (رقم ٢٦٢٤): ((صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّة
مضطربة، وقد تغيّر بِأَخَرة، فكان ربّما تَلَقَّن)).
(٢) مسند البزار - الكتانية - (١٣٧)، وكشف الأستار (رقم ١٦١٥)، والمعجم
الكبير للطبراني (١٧٧/١٨)، والأوسط له (٢٦١/١/ب).
(٣) المعجم الكبير للطبراني (١٦٥/١٨).
١٠٤٥

الحديث الثاني:
وهو حديث يرويه هشام بن حسان، عن الحسن، قال:
((بعث زيادٌ الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان، فأصابوا غنائم
كثيرة. فكتب إليه زياد: أمّا بعد، فإن أمير المؤمنين كتب أن
يُصْطَفَى له البيضاء والصفراء، لا تقسم بين المسلمين ذهبًا ولا
فضة. فكتب إليه الحكمُ: أما بعد، فإنك كتبتَ تذكر كتاب أمير
المؤمنين، وإني وجدتُ كتابَ الله قَبْل كتاب أمير المؤمنين، وإني
أُقْسِمُ بالله! لو كانت السموات والأرضُ رَتْقًا على عبد، فاتقى الله،
لجعل اللَّهُ له من بينهما مخرجًا، والسلام. وأمر الحكمُ مناديًا
ينادي: أَنِ اغْدُوا على فَيئكم، فقسمه بينهم. وإن معاوية لما فعل
الحكم في قَسْمِه الفيءَ ما فعل، وَجّه إليه من قيّده وحبسه، فمات
في قيوده، ودُفِن فيها، وقال: إنّ مُخَاصِم)).
أخرجه ابن سعد في (الطبقات)(١)، وابن أبي شيبة في
(المصنف)(٢)، والفسوي في (المعرفة والتاريخ)(٣)، وابن خزيمة
في (صحيحه) (٤)، والحاكم في (المستدرك)(٥)، وابن عبد البر في
(الاستيعاب)(٦).
كلّهم من طريق هشام بن حسان به.
وهذا إسنادٌ صحيح إلى الحسن البصري.
وهذا الخبرُ نفسُه يدل على أنّ الحسن لم يسمعه من
الحكم بن عمرو، لأنّه يحكي ما وقع للحكم في ولايته بخراسان،
(١) طبقات ابن سعد (٢٨/٧ - ٢٩).
(٢) المصنف لابن أبي شيبة (١٣٠/١١) (رقم ٣٠٦٦٠).
(٣) المعرفة والتاريخ للفسوي (٢٥/٣).
(٤) انظر إتحاف المهرة لابن حجر (٤٧/٩/ ب - ٤٨/أ).
(٥) المستدرك (٤٤٢/٣ - ٤٤٣).
(٦) الاستيعاب لابن عبد البر (٣٥٧/١).
١٠٤٦

وأنه مات بها سنة خمسين كما تقدّم. والحسن حينها كان
بالبصرة، وإنما خرج إلى خراسان مع الربيع بن زياد، الذي كان
قد عُزل به الحكم بن عَمرو، فما بلغ خراسانَ إلا سنة إحدى
وخمسين، وكان قد مات قبل وصوله إليها الحكمُ بن عَمرو
رضي الله عنه(١).
ولذلك فإن تصحيح ابن خزيمة للخبر، لا يُقاومُ دلالة
الانقطاع الواردة في الخبر نفسه، وهذا الذي جعلني لا أعتمده!
(١) انظر (١٠٤٠)، وتاريخ الطبري (٢٢٦/٥ - ٢٥١، ٢٨٥).
١٠٤٧

الحديث الثالث:
أخرج ابن جرير الطبري بإسنادٍ صحيح إلى الحسن البصري،
عن الحكم بن عمرو الغفاري: («أنه صَلَّى بأصحابه صلاة الصبح،
قال: فمرَّ حماران بين أيديهم، يَطْرُدُ أحدُهما الآخرَ، فلما
انصرف، أعاد بهم الصلاة ... ))(١) الخبر.
وقرائن عدم السماع في هذا أيضًا لائحةٌ، فانظر قوله:
((صلى بأصحابه)) ولم يقل: ((بنا)) وقوله ((بين أيديهم)) ولم يقل
((أيدينا))، وقوله: ((أعاد بهم الصلاة)) ولم يقل: ((أعاد بنا)).
وبقي للحسن عن الحكم بن عمرو رضي الله عنه خبران،
كلاهما یحکیان له بعض ما وقع له أثناء ولايته بخراسان، مما يدل
على عدم سماع الحسن لهما منه، إضافةً إلى ما فيهما من ضعف
قبل الوصول إلى الحسن البصري.
الحديث الأول: أخرجه الحاكم في (المستدرك)(٢).
والحديث الثاني: أخرجه عبد الرزاق في (المصنف)(٣)،
والطبراني في (المعجم الكبير) (٤).
والله أعلم.
(١) تهذيب الآثار لابن جرير الطبري - الجزء المفقود - (رقم ٥٧٣).
(٢) المستدرك للحاكم (٤٤٣/٣)، ووازنه بما في معجم الطبراني الكبير
(رقم ٣١٦٢) . .
(٣) المصنف لعبد الرزاق (رقم ٢٣١٨).
(٤) المعجم الكبير للطبراني (رقم ٣١٦١).
١٠٤٨

◌ُمران بن أبان مولى عثمان
قال الإمام البخاري في (التاريخ الكبير): ((سمع منه عروة بن
الزبير .... والحسن))(١).
وصحح حديث الحسن عنه: الإمام الترمذي (٢) والحاكم(٣)
والضياء(٤).
وهو حمران بن أبان، مولى عثمان بن عفان رضي الله،
اشتراه في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، (ت٧٥هـ)، وقيل
غير ذلك.
قال عنه الحافظ: ((ثقة))(٥).
وهو مدني(٦) ثم نزل البصرة(٧).
وحديث الحسن عنه كافٍ بإثبات السماع!
لكن وقع في رفع الحديث إلى النبي ◌ّقر خلاف، لا يؤثر
في إثبات السماع، فهو ثابت به على اختلافات الحديث!
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٨٠/٣).
(٢) جامع الترمذي (رقم ٢٣٤١).
(٣) المستدرك (٣١٢/٤).
(٤) المختارة (رقم ٣٢٨ - ٣٣١).
(٥) التقريب (رقم ١٥١٣).
(٦) طبقات ابن سعد (٢٨٣/٥)، والتاريخ الكبير للبخاري (٨٠/٣)، وطبقات
مسلم (رقم ٦٤٨).
(٧) طبقات ابن سعد (١٤٨/٧)، وطبقات خليفة (٢٠٠، ٢٠٤).
١٠٤٩

والحديث هو:
حديث حريث بن السائب قال: ((حدثني الحسن، قال:
حدثني حمران بن أبان، عن عثمان رضي الله عنه، أن
رسول الله ﴾ قال: ثلاث ليس لابن آدم بعدهن فضل: جِلَفُ هذا
الطعام، وثوب يستره، وبيت يُكِنُّه. وما كان بعد ذلك، فليس
لابن آدم فیه فضل.
قال الحسن: فقلت لحمران: ما بطّأ بك عن هذا؟ قال:
دنيا أقعدتني)).
الجِلَفُ: جمعٌ، واحدها جِلْفة.
قال الخطابي في (غريب الحديث): ((هي قطع الخبز
اليابس، الذي ليس بلين ولا مأدوم» (١).
أخرجه الإمام أحمد في (المسند) و (الزهد) (٢) والترمذي(٣)
وأبو داود الطيالسي في (مسنده)(٤) وعبد بن حميد في (مسنده)(٥)
وابن أبي الدنيا في (الجوع)(٦) والبزار في (مسنده)(٧)، والخلال في
كتاب (العلل)(٨)، والعقيلي في (الضعفاء) (٩) وابن الأعرابي في
(الزهد)(١٠) والطبراني في (المعجم الكبير)(١١) وابن السني في
(١) غريب الحديث للخطابي (١٧٩/١).
(٢) المسند (رقم ٤٤٠)، والزهد - (رقم ١١٤).
(٣) جامع الترمذي (رقم ٢٣٤١).
(٤) مسند الطيالسي (رقم ٨٣).
(٥) انظر منتخب مسند عبد بن حميد (رقم ٤٧).
(٦) الجوع لابن أبي الدنيا (رقم ١٧٢).
(٧) مسند البزار (رقم ٤١٤).
(٨) المنتخب من كتاب العلل للخلال، لابن قدامة (١٩٤/ أ الصفحة الأولى
من الجزء العاشر منه).
(٩) الضعفاء للعقيلي (٢٨٨/١).
(١٠) الزهد لابن الأعرابي (رقم ٨٢).
(١١) المعجم الكبير للطبراني (١/ ٩١ - ٩٢ رقم ١٤٧).
١٠٥٠

1
1
(كتاب القناعة)(١) وحمزة السهمي في (تاريخ جرجان)(٢) وأبو نعيم
الأصبهاني في (حلية الأولياء)(٣) و (ذكر أخبار أصبهان) (٤) و (معرفة
الصحابة)(٥) والبيهقي في (شعب الإيمان)(٦) والخطيب في (تاريخ
بغداد)(٧) وابن عساكر في (تاريخ دمشق)(٨) وابن الجوزي في (العلل
المتناهية)(٩) والضياء في (المختارة)(١٠) والمزي في (تهذيب
الكمال)(١١) .
كلهم من طريق حريث بن السائب، عن الحسن البصري:
مصرّحًا بالسماع من حمران بن أبان، عند جلهم، عن عثمان بن
عفان رضي الله عنه، عن النبي بَّه ـ مرفوعًا .
وقد تفرد حريث بن السائب بالحديث مسندًا.
قال الترمذي: ((هو حديث حريث بن السائب)) (١٢).
وقال البزار عقبه: ((وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان
إلا بهذا الإسناد، ولا أسند الحسن عن حمران عن عثمان إلا هذا
الحديث)) (١٣).
وحريث بن السائب التميمي، وقيل الهلالي، البصري،
المؤذن .
(١) القناعة (رقم ٦٧ - ٧٠).
(٢) تاريخ جرجان (٢٢١ رقم ٣٥٠).
(٣) حلية الأولياء (١/ ٩١).
(٤) ذكر أخبار أصبهان (٢٥٤/١).
(٥) معرفة الصحابة لأبي نعيم (رقم ٢٨٤).
(٦) شعب الإيمان (رقم ٦١٧٩، ٦١٨٠، ١٠٣٦٧).
(٧) تاريخ بغداد (١٨٣/٦ - ١٨٤).
(٨) تاريخ دمشق - خط - (٢٨٩/٥ - ٢٩٠).
(٩) العلل المتناهية (رقم ١٣٣٤).
(١٠) المختارة (رقم ٣٢٩ - ٣٣١).
(١١) تهذيب الكمال (٥/ ٥٦١).
(١٢) جامع الترمذي (رقم ٢٣٤١).
(١٣) مسند البزار (رقم ٤١٤).
١٠٥١

قال عنه الحافظ: ((صدوق يخطيء))(١).
وقد اختلف في هذا الحديث:
فصححه الترمذي، بقوله عقب الحديث: ((هذا حديث حسن
صحيح، وهو حديث حريث بن السائب))(٢).
وقال الحاكم عقبه في (المستدرك): ((صحيح الإسناد))(٣).
وذكره الضياء في (المختارة) مصححًا له بذلك، مع أنه ذكر
قول من خالف في ذلك (٤).
بينما قال أحمد بن محمد بن هانيء أبو بكر الطائي الأثرم
(ت٢٧٣هـ): ((حدثنا أحمد، وسمعته يسأله عن حريث بن السائب؟
فقال: هذا شيخ بصري يروي حديثًا منكرًا، عن الحسن، عن
حمران، عن عثمان عن النبي ◌َّر: كل شيء فضل.
قلت: قتادة يخالف؟ قال: نعم، سعيد عن قتادة، عن
الحسن، عن حمران، عن رجل من أهل الكتاب.
قال أبو عبد الله: حدثناه روح عن سعيد)»(٥).
وفي رواية حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني، ابن عم
أحمد، (ت٢٧٣هـ)، قال: ((سألت أبا عبد الله - يعني: الإمام
أحمد - عن حريث بن السائب؟ فقال: ما كان به بأس، إلا أنه
روى حديثًا منكرًا، عن عثمان عن النبي ◌َّ﴾، وليس هو عن
النبي ◌َّر. يعني هذا الحديث))(٦).
(١) التقريب (رقم ١١٨٠).
(٢) جامع الترمذي (رقم ٢٣٤١).
(٣) المستدرك (٣١٢/٤).
(٤) المختارة (رقم ٣٢٩ - ٣٣١).
(٥) تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٢٩٠/٥)، والتهذيب (٢٣٤/٢).
(٦) المنتخب لابن قدامة (٢/١/١٠)، نقلته بواسطة سلسلة الأحاديث الضعيفة
للألباني (١٧٦/٣ رقم ١٠٦٣). ثم وقفت على كتاب المنتخب من العلل
=
للخلال، لابن قدامة (١٩٤/ أ الصفحة الأولى من الجزء العاشر منه).
١٠٥٢

وقال العقيلي عن حديثه هذا في (الضعفاء): ((لا يتابع على
حديثه .. وقد روي عن النبي ◌َ﴿ ﴿ بغير هذا اللفظ، والرواية فيه
أيضًا ليّنة)).
وسئل الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: في (العلل):
(كذا رواه حريث بن السائب، عن الحسن، عن حمران، عن
عثمان، عن النبي ◌َّلته .
ووهِم فیه!
والصواب: عن الحسن، عن حمران، عن بعض أهل
[الكتاب](١)(٢).
وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في (العلل المتناهية) وأعله
بحريث السائب، وذكر كلام الدارقطني، وصوَّبه(٣).
ولا شك أن الإسناد الذي ذكره الإمام أحمد، مقدَّم على
إسناد حديث حريث بن السائب.
قال الإمام أحمد، كما سبق: ((حدثنا روح، عن سعيد عن
قتادة، عن الحسن، عن حمران، عن رجل من أهل
الكتاب .. ))(٤).
وسعيد هو ابن أبي عروبة، وهو مشهور بالاختلاط في آخر
حیاته، کما سبق بيانه.
وفيه زيادة فائدة، وهي قول الإمام أحمد عن حريث، مع إنكاره لحديثه:
=
((ما به بأس)) !.
(١) وقع في علل الدارقطني، مطبوعة ومخطوطة: ((عن بعض أهل البيت)) كذا!
والتصويب من العلل المتناهية لابن الجوزي (رقم ١٣٣٤)، والمختارة
للضياء (٥٤٧/١)، ومن كلام الإمام أحمد السابق ذكره.
(٢) العلل للدارقطني (٢٩/٣ - ٣٠ رقم ٢٦٥)، والمخطوط (٧٥/١/ب).
(٣) العلل المتناهية لابن الجوزي (رقم ١٣٣٤).
(٤) تاريخ دمشق - خط - (٢٩٠/٥) والتهذيب (٢٣٤/٢).
١٠٥٣

لكن راوي هذا الحديث عن ابن أبي عروبة، وهو روح بن
عبادة، ممن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الاختلاط، خلافًا
لمن زعم خلاف ذلك!
قال عبد الله بن الإمام أحمد في (العلل): ((وجدت في
كتاب أبي بخط يده، قال: قلت لروح: متى سمعت التفسير من
سعيد؟ قبل الهزيمة؟ قال: إي والله))(١).
وفي (الجرح والتعديل) أنه قيل لروح: ((متى سمعت من
سعيد بن أبي عروبة؟ قال: قبل الاختلاط. ثم غبت وقدمت،
وقيل إنه اختلط))(٢).
فتنبه إلى أنه أجاب عن وقت سماعه من سعيد، بأنه كان
قبل الاختلاط، فهذا هو وقت سماعه. ثم ذكر أنه قدِم قدمَة
أخرى على البصرة بلد سعيد، فسمع أنه قد اختلط. وظاهر هذا
أنه لم يسمع منه وهو في حال اختلاطه، بدلالة إجابته عن وقت
سماعه من سعيد (وتحديده له) بأنه كان قبل اختلاطه.
وقال الإمام أحمد عن ابن أبي عروبة: ((روح حديثه عنه
صالح))(٣).
وقال أبو داود كما في (سؤالات الآجري)، وسئل: ((عن
سماع روح من سعيد؟ فقال: سماعه قبل الهزيمة، كذا قال
روح)»(٤).
وقال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل): ((قلت لأبي:
(١) العلل للإمام أحمد (رقم ٥٤٢٧).
(٢) الجرح والتعديل (٣٩٨/٣ - ٤٩٩).
(٣) الجرح والتعديل (٤٩٨/٣).
(٤) سؤالات الآجرى (رقم ٢٦٤).
١٠٥٤

روح أو عبد الوهاب الخَفّاف أو أبو يزيد النحوي: أيهم أحب
إليك في ابن أبي عروبة؟ فقال: روح أحب إليَّ))(١) ..
يقول أبو حاتم هذا، مع أن الخفّاف ممن سمع من سعيد
قبل اختلاطه، كما سبق!
وأخرج البخاري في (صحيحه) لروح عن سعيد حديثًا متفردًا
به(٢)، وحديثًا آخر لم يُتابع روحًا عليه كثيرُ أحد (٣)، واختار في
حديث آخر حديثًا لروح عن سعيد على غيره عنه (٤).
وأخرج مسلم، وابن حبان لروح عن سعيد في
صحیحیھما(٥).
وصحح الترمذي لروح عن سعيد حديثًا غريبًا، كما قال
الترمذي: ((صحيح [غريب]))(٦).
هذا كله يعارضه ما نقله أبو داود عن يحيى بن سعيد
القطان، حيث قال عقب حديث لمعاذ بن معاذ وروح بن عبادة
عن سعيد، قال: ((كان يحيى يطعن في هذا الحديث، لأنه ليس
من قديم حديث سعيد، لأنه تغير سنة خمس وأربعين، ولم يُخرج
هذا الحديث إلا بأخرة))(٧).
وذكر الحافظ ابن حجر في (هدي الساري) روحًا، فيمن
سمع من سعيد بعد الاختلاط(٨).
قلت: وروح أدرى بنفسه من غيره!
(١) الجرح والتعديل (٤٩٨/٣).
(٢) صحيح البخاري (رقم ١١٣٤).
(٣) صحيح البخاري (رقم ٤٩٦١).
(٤)
صحيح البخاري (رقم ٣٠٦٥).
صحيح مسلم (رقم ٢٨٧٥)، والإحسان (رقم ٣٧٠، ٤٧٧٨).
(٥)
(٦) الجامع للترمذي (رقم ٣١٧٤)، والزيادة من تحفة الأشراف (رقم ١٢١٧).
(٧) سنن أبي داود (رقم ٢٦٩٥).
(٨) هدي الساري (٤٢٦).
١٠٥٥

ولذلك فإن أبا داود - ناقل كلام القطان - لم يلتفت إلى
كلامه! بَلْ نبَّه إلى أحقيّة اعتماد كلام روح عن نفسه على كلام
غيره عنه! عندما قال: كما في (سؤالات الآجري): ((سماعه قبل
الهزيمة، کذا قال روح»(١).
.--
إذًا: فحدیث روح عن سعید، من صحیح حدیث سعيد!
فيصح بذلك ما رواه روح، عن سعيد، عن قتادة، عن
الحسن عن حمران، عن بعض أهل الكتاب.
يخالف قتادة بذلك حديث حريث بن السائب، عن الحسن،
عن حمران، عن عثمان - مرفوعًا.
وقتادة أجل وأعلم وأحفظ من حريث!
ولذلك أعلَّ الإمام أحمد، وغيره، حديث حريث هذا برواية
قتادة، وقدّم - هو وغيره - رواية قتادة وصححوها.
لكن يؤيد رفع الحديث إلى النبي ◌ّله: أنه صح عن الحسن
من غير وجه عنه، عن النبي ◌َّ - مرسلاً !!
قال أبو القاسم البغوي في (الجعديات): ((حدثنا على (٢)
حدثنا مبارك (٣) عن الحسن، قال: قال رسول الله ◌َّهو: ثلاث ليس
على ابن آدم فيهن حساب: طعام يقيم به صلبه، وبيت يُكنّه،
وثوب يواري عورته، فما فوق ذلك فكله حساب))(٤).
وأخرجه الإمام أحمد في (الزهد)، من طريق المبارك بن
فضالة به(٥) .
(١) سؤالات الآجرى (رقم ٢٦٤).
(٢) علي بن الجعد بن عبيد الجوهري البغوي (ت٢٣٠هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٤٦٩٨): ((ثقة ثبت، رمي بالتشيع)).
(٣) هو ابن فضالة.
(٤) الجعديات (رقم ٣٣٣٠).
(٥) الزهد للإمام أحمد (رقم ٢٣٥٣).
١٠٥٦
:

وهذا إسناد حسن، لعنعنة المبارك.
وقال عبد الله بن أحمد في زوائده على (الزهد) لأبيه:
((حدثنا بيان بن الحكم (١) حدثنا محمد بن حاتم (٢): حدثنا بشر بن
الحارث(٣) حدثنا عيسى بن يونس(٤) عن هشام، عن الحسن،
قال: قال رسول الله وَجه: ثلاث لا يحاسب بهن العبد: ظلُّ خُصّ
يستظل به، وکسرةٌ يشد بها صلبه، وثوب یواري عورته))(٥).
وأخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) من طريق إسحاق بن
راهوية عن عيسى بن يونس - به (٦).
وإسناده صحيح.
فهذان راويان عن الحسن: مبارك بن فضالة، وهشام بن
حسان، يرويان الحديث عن الحسن، عن النبي ◌َّ - مرسلاً.
(١) بيان بن الحكم. ترجم له الخطيب في (تاريخ بغداد) (١١١/٧)، ولم
يذكر فيه جرحاً أو تعديلاً. سوى أنه ذكر أنه يروي عن محمد بن حاتم،
وأنه يروي عنه عبد الله بن الإمام أحمد.
لكن قال ابن عدي في (الكامل) (١٣٧/١)، عن عبد الله بن الإمام
أحمد: ((لم يكتب إلا عمن أمره أبوه أن يكتب عنه)).
ولذلك كان الحافظ ابن حجر يعتمد هذه القاعدة، فيقوي من روى عنه
عبد الله، ممن لم يجد فيه جرحاً أو تعديلاً: انظر تعجيل المنفعة (رقم
٩، ٩١٨، ٩٤٣، ٩٨٤).
(٢) محمد بن حاتم بن سليمان الزّمي، المؤدب الخراساني، نزيل العسكر،
(ت ٢٤٦ هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٧٩٢): ((ثقة)).
(٣) بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء المروزي، نزيل بغداد، أبو
نصر الحافي، (ت٢٢٧هـ)، وله ست وسبعون.
قال الحافظ في التقريب (رقم ٦٨٠): ((الزاهد الجليل المشهور ثقة،
قدوة).
(٤) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام
مرابطاً، (ت١٨٧ هـ) وقيل (١٩١هـ).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٣٤١): ((ثقة مأمون)).
(٥) الزهد للإمام أحمد (رقم ٦٤).
(٦) شعب الإيمان للبيهقي (رقم ١٠٣٦٨).
١٠٥٧

بل قد رُوي من طريق حريث بن السائب نفسه، عن الحسن
مرسلاً إلى النبي وَلّ!
أخرجه ابن الأعرابي في (الزهد)(١).
وهذا مع إرساله إلا أنه يثبت أن الحديث كان عند الحسن
مرويًا إلى النبي وَلهر، وأنه محفوظ فيه الرفع إليه وَّر، من طريق
الحسن البصري.
ولهذا ذكر البيهقي في (شعب الإيمان) الحديث من طريق
حريث بن السائب، ثم أتبعه بهذا الحديث المرسل، ثم قال:
((هكذا جاء مرسلاً، وهو مرسل جيد في هذا المعنى، شاهد لما
(٢)
تقدم))(٢).
وصدق البيهقي! فهو شاهد جيد لحديث حريث بن السائب!
لذلك فإني أميل إلى تصحيح الحديث، كما قال الترمذي،
والحاكم، والضياء!
اعتمادًا على حسن إسناده، وعلى شاهديه المرسلين !!
والله أعلم.
(١) الزهد لابن الأعرابي (رقم ٨٣).
(٢) شعب الإيمان للبيهقي (رقم ١٠٣٦٨).
١٠٥٨

خَنْتَفُ بن السِّجْف
تابعي ثقة، وأحد قوَّاد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
وقد روى عنه الحسن خبرًا عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنه .
وقد تقدَّم جميع ذلك، في مطلب كلامنا عن مراسيل
الحسن، وما اتُّهم به من الرواية عن المجهولين(١).
ومما تقدم أيضًا ترجيح عدم سماع الحسن من حنتف بن
السجف، لأسباب قدَّمنا ذكرها.
وقد أشبعنا - بحمد الله - هذا المبحث في الموطن المشار
إليه، فلا معنى لإعادته هنا.
والله أعلم.
(١) انظر ما تقدم (٤٠٥ - ٤١٦).
١٠٥٩

چفى
المِنْسَلِ لْلَـ
وَعَ قَرُهُ بِالتَّزْلِيْسِ
دِرَاسَةُ نَظَريَّةٌ، وَتَطْرِقِيَّةٌ عَلَى:
مَزْوِيَاتِ الحَسَنِ البَضِرِيِّ
تَأليفُ
الشَّرِيِفْ حَاتِمِ بن عَارفْ العُونيّ
المَجَلّد الثّالِثُ
دَارُ الهجرة للنّشر وَالتوزيع