Indexed OCR Text
Pages 901-920
الحديث السابع: للحسن، عن جابر، قال: قال رسول الله وَل: ((لكل نبي دعوة، قد دعا بها. وإنّي استخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) . أخرجه الإمام أحمد (١) وعبد الله بن المبارك في (مسنده)(٢) وابن خزيمة في (التوحيد)(٣). كلهم من طريق هشام بن حسان، عن الحسن، عن جابر رضي الله عنه. وقال ابن خزيمة عقبة: ((إنما قلت في هذا الخبر: روى هشام عن الحسن، لأنَّ بعض علمائنا كان يُنكِر أن يكون الحسن سمع من جابر)»(٤). قلت: بعد الحكم الذي سبق تقريره، يكون هذا الحديث صحيح الإسناد. (١) مسند الإمام أحمد (٣٩٦/٣). (٢) مسند ابن المبارك (رقم ١٠٥). (٣) التوحيد لابن خزيمة (٦٣٧ رقم ٣٨٣). (٤) التوحيد لابن خزيمة (٦٣٧ رقم ٣٨٣). ٩٠١ الحديث الثامن: للحسن عن جابر رضي الله عنه، عن النبي وَ *، قال: ((لا يدخل مسجدنا هذا مشرك، بعد عامنا هذا، إلا أهل الكتاب وخدمهم، [في رواية: إلا أهل العهد وخدمهم])). أخرجه الإمام أحمد، قال: ((حدثنا أسود بن عامر (١) وحسين(٢): حدثنا شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر ... ))(٣). وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي، بواسط، ثم الكوفة، (ت١٧٧ - أو - ١٧٨ هـ). قال الحافظ: ((صدوق يخطىء كثيرًا، تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابدًا، شديدًا على أهل البدع)»(٤). وأشعث بن سوار الكندي، النجَّار الأفرق الأثرم صاحب التوابيت، قاضي الأهواز (ت١٣٦هـ). قال الحافظ: ((ضعيف))(٥). فهذا إسناد ضعيف. (١) أسود بن عامر الشامي، نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن، ويلقب شاذان، (ت٢٠٨ هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٠٣): ((ثقة)). (٢) الحسين محمد بن بَهْرَام التميمي، أبو أحمد أو أبو علي، المَرّوني، (ت٢١٣ هـ). قال الحافظ في التقريب (رقم ١٣٤٥): ((ثقة). (٣) مسند الإمام أحمد (٣٣٩/٣، ٣٩٢)، وقد جمع الموطنين، عن الشيخين، ذلك الجمع، لاتفاق الإسناد. (٤) التقريب (رقم ٢٧٨٧). (٥) التقريب (رقم ٥٢٤). ٩٠٢ وإمَّا أنَّ لشريك فيه إسنادًا آخر، أو أنَّه أحد أخطائه! فقد أخرجه أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي المكي (ت بضع وسبعين ومائتين هجرية) في (أخبار مكة)، من طريق شريك، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جابر رضي الله عنه(١) . وإسماعيل بن مسلم المكي ضعيف! فلا فرق شاسعًا بين الطريقين، إن كانا محفوظين، فكلاهما ضعيف! (١) أخبار مكة للفاكهي (رقم ١٧٥٤). ٩٠٣ الحديث التاسع: للحسن عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله : ((كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه. فإن أعرب عنه لسانه: إمَّا شاكرًا وإمَّا كفورًا)). قال الإمام أحمد: ((حدثنا هاشم: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن الحسن، عن جابر رضي الله عنه ... )) (١). وأخرجه اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) من طريق هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي ٠ به (٢) وأبو جعفر الرازي، التميمي مولاهم، واسمه عيسى بن أبي عيسى: عبد الله بن ماهان. وأصله من مرو، وكان يتّجر إلى الري، (ت في حدود ١٦٠هـ). قال الحافظ: ((صدوق سيء الحفظ، خصوصًا عن المغيرة)»(٣). الربيع بن أنس البكري أو الحنفي، بصري، نزل خرسان، (ت١٤٠ هـ أو قبلها). قال الحافظ: ((صدوق له أوهام ورمي بالشتيع))(٤). فهذا إسناد لا بأس به. (١) مسند الإمام أحمد (٣٥٣/٣). (٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (رقم ٩٩٩). (٣) التقريب (رقم ٨٠١٩). (٤) التقريب (رقم ١٨٨٢). ٩٠٤ الحديث العاشر: للحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أنَّ رسول الله ﴿ سئل عن الساعة، قبل أن يموت بشهر؟ فقال: ((تسألوني عن الساعة، وإنَّما علمها عند الله عز وجل. فو الذي نفسي بيده، ما أعلم اليوم نفسًا منفوسة يأتي عليها مائة سنة)). قال الإمام أحمد: ((حدثنا أبو النضر (١): حدثنا المبارك: حدثنا الحسن، عن جابر ... ))(٢). هذا إسناد صحيح صرَّح فيه المبارك بن فضالة بالسماع من الحسن . وقد روى المبارك بن فضالة هذا الحديث أيضًا، باختلاف في لفظه، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، كما (٣) سبق(٣). وقد صرَّح المبارك بن فضالة في ذلك الحديث أيضًا بسماعه من الحسن، كما مرَّ في موضعه. وهذا يذكّرني - وأذكرك به - بخبر المبارك بن فضالة، الذي فيه تصريح الحسن بالسماع من جابر بن عبد الله وأنس رضي الله عنهما . قال المبارك بن فضالة: ((شهدت الحسن، وقال له إبراهيم بن إسماعيل الكوفي: نحب أن تسند لنا؟ فقال: سَلْ عمَّا بدا لك. قال: حديثك في قيام الساعة؟ فقال: حدثني به ثلاثة: حدثني به جابر بن عبد الله، وحدثنيه أنس بن مالك ... )) . (٤) الخبر (٤) . (١) هو هاشم بن القاسم، تقدَّم أنه ثقة ثبت. (٢) مسند الإمام أحمد (٣٢٦/٣). (٣) انظر ما تقدم (٧٤٠ - ٧٤١). (٤) انظر ما تقدَّم (٣٣٥). ٩٠٥ فالذي أراه: أنَّ الحديث الذي سُئل عنه الحسن في هذا الخبر، هو حديثنا هذا: ((تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله عز وجل. فو الذي نفسي بيده، ما أعلم اليوم نفسًا منفوسة يأتي عليها مائة سنة)). بدلیل : ١ - اتفاق الموضوع المسؤول عنه. ٢ - اتفاق اللذين ذكر الحسن أنه سمع منهما الحديث، في ذلك الخبر، بواقع رواية الحسن عنهما للحديث المذكور آنفاً . ٣ - اتفاق أن يكون المبارك بن فضالة الذي حضر تلك القصة، هو نفسه راوي الحديث المذكور، مصرِّحًا بالسماع من الحسن، عن كلِّ من أنس وجابر رضي الله عنهما. ٤ - غرابة الحديث المذكور، وما في دلالته غير الدقيقة من معنًا شديد الغرابة، مما قد يوهم قيام الساعة بعد مائة سنة، وليس هذا هو مقصود الحديث قطعا، كما سبق أن شرحناه(١). هذا الغرابة، لا يُعْجَبُ معها من طلب ذلك السائل للحسن أن يسند له الحديث، من أجل التوثق منه. فيصحّ - استدلالا بهذه القرائن القويّة - اعتبار هذا الحديث مما سمعه الحسن من جابر رضي الله عنه. فيكون هذا الحديث مما لا نتردد في صحته، وأنه متصل بالسماع !! وهذا الحديث هو آخر الأحاديث التي من شرط البحث، مما يرويه الحسن عن جابر رضي الله عنه. وبقي مما يرويه الحسن عن جابر غيرها كثير جدًّا! (١) انظر (٧٤١). ٩٠٦ فانظر : التاريخ الكبير للبخاري (٤٤/٨). وسنن الدارمي (رقم ٢٩٩٧، ٢٩٩٨). ومصنف ابن أبي شيبة (رقم ٨٩٦٠، ١٦٥٩٤، ٢٤١٢٦، ٣٠٣٩٣، ٣٦٢٧٨). ومسند ابن أبي شيبة، انظر إتحاف الخيرة للبوصيري، الجزء الذي بتحقيق سليمان العريني (رقم ١٩٦). وسيرة ابن هشام (٢٠٥/٢). والجزء التاسع من حديث محمد بن مندة بن أبي الهيثم الأصبهاني (٢٢٤/ أ - ب). وتفسير الطبري (رقم ٤٢٢٤). ومكارم الأخلاق للخرائطي (رقم ٩٩). معجم الطبراني الأوسط (٦٧/٢/ب، ٨١/أ - ب، ٢٦٨/ ب). وجزء الألف دينار للقطيعي (رقم ٢١١). ومسند الشاميين للطبراني (رقم ٢٤٥٨). والكامل لابن عدي (٤٠٣/١) (٣٦٧/٣) (٦ /٤٢٥ - ٤٢٦، ٤٥٥) (٤٢/٧). والشريعة للآجري (٢٦٧، ٢٦٧ - ٢٦٨). وجزء أبي طاهر الذهلي (رقم ٧٠، ٧٢، ٧٣). وسنن الدارقطني (٧٥/٤). وعلل الدارقطني (٨٤/٤/ أ، ب). وأطراف الغرائب والأفراد، للدارقطني، لابن طاهر (١٠٦/أ). ٩٠٧ وقوائد أبي طاهر المخلص، بانتقاء ابن أبي الفوارس، - المجموع رقم ٩٧ - الرابع منه (١٧٣ /أ). وفوائد تمام الرازي (رقم ١٤٣٩). وحلية الأولياء لأبي نعيم (٣٥٦/٢، ٣٥٩) (٢٠٧/٥) (٦) ٢٧٦) . وذكر أخبار أصبهان لأبي نعيم (٢٦٦/٢). ودلائل النبوة لأبي نعيم (رقم ١٤٥). وصفة الجنة لأبي نعيم (رقم ٤٢٩). وجزء فيه منتخب حديث يونس بن عبيد لأبي نعيم (١٤٢/أ). والبعث والنشورة للبيهقي (رقم ٢٥٣). وتلخيص المتشابه في الرسم للخطيب (٣٦٧/١). وتاريخ بغداد له (٣٤٦/٤) (٣٣/٧) (١٣٨/١١). والتمهيد لابن عبد البر (١٠/٢). وذم الكلام للهروي أبي إسماعيل عبد الله بن علي الأنصاري (ت ٤٨١ هـ) - رقم (٢٠٢). والترغيب والترهيب لأبي القاسم التيمي (رقم ٨٤٣). : والقند في ذكر علماء سمرقند (٢٠٥). ومسند الفردوس، انظر حاشية فردوس الأخبار (رقم ٥٩٦٢، ٦٦٦٥). وحادي الأرواح، لابن قيم الجوزية (٢٠٨) والله أعلم. ٩٠٨ الجارود بن المنذر ـته لم يذكره الحافظ المزي في شيوخ الحسن البصري. لكني وجدت للحافظ ابن حجر كلامًا في (الإصابة)، مُحَصَّله إثبات سماع الحسن من الجارود بن المنذر. ولبيان ذلك أقوال: هناك صحابي معروف، هو: الجارود بن المعلَّى العبدي، أبو المنذر. وفد على رسول الله - 18 من البحرين، سنة عشر، وأسلم، وكان نصرانيًا. ففرح النبي ◌َّ بإسلامه، فأكرمه وقرَّبه. ثم إنه رجع إلى البحرين، ثم سكن البصرة، إلى أن خرج مجاهدًا في فتوح المشرق الإسلامي، فقتل في غزاته رضي الله عنه، سنة إحدى وعشرين، وقيل: عشرين(١): هذا صحابي معروف، لا يمكن أن يكون سمع منه الحسن البصري، لوفاته في السنة التي ولد بها الحسن. بعد معرفة هذه المعلومات عن هذا الصحابي، أقول: (١) انظر: طبقات ابن سعد (٥٥٩/٥ - ٦٦١)، وطبقات خليفة (٦١، ١٨٥)، وطبقات مسلم (رقم ٣٤٨)، والمعارف لابن قتيبة (٣٣٨ - ٣٣٩)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٣٥/١/أ - ب)، والاستيعاب لابن عبد البر (٢٦٢ - ٢٦٤ رقم ٣٤٥)، وأسد الغابة لابن الأثر (٣١١/١ - ٣١٢) والإصابة (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧). ٩٠٩ رُوي عن الحسن البصري أنه روى عن صحابي سمَّته الرواية: الجارودَ بن المنذر العبدي(١). وكذا روى محمد بن سيرين، قرينُ الحسن الذي يصغره في السن، عن صحابي سُمِّي: الجارود العبدي(٢). ففرَّق الإمام البخاري، في كتابه (الوحدان)، فيما نقله عنه ابن مندة: بين الجارود بن المعلى العبدي، والجارود بن المنذر العبدي(٣). وتبعه على ذلك ابن مندة في (معرفة الصحابة). وأيَّده الحافظ ابن حجر في (الإصابة)، منتصرًا للبخاري كعادته، فقال: ((والصواب أنَّهما اثنان، لأن الجارود بن المنذر قد بقي حتى أخذ عنه الحسن وابن سيرين. وأمَّا ابن المعلي: فمات قبل ذلك، و (المنذر) كنيته، لا اسم أبيه)) (٤). فمعنى كلام الحافظ: أنَّ الذي يدل على تفريق الجارود بن المعلى أبي المنذر عن الجارود بن المنذر، بعد اختلاف اسم الأب، هو: أنَّ الحسن البصري ومحمد بن سيرين رويا عن الجارود العبدي، الذي سُمِّى في رواية الحسن: بابن المنذر. والذي جعل مجرَّد رواية الحسن عن الجارود بن المنذر (١) سوف يأتي تخريج حديثه، إن شاء الله تعالى. (٢) انظر: التاريخ الكبير للبخاري (٢٣٦/٢)، ومسند ابن أبي شيبة، في المطالب العالية - خط - (٩١)، والمطبوع (رقم ٢٨٧٠)، ومسند أبي يعلى (رقم ٩١٤)، ومعجم الطبراني الكبير (رقم ٢١٢٦، ٢١٢٧)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٣٥/١/ ب). (٣) أسد الغابة لابن الأثير (٣١٢/١)، والإصابة (٢٢٧/١). (٤) الإصابة (١/ ٢٢٧). ٩١٠ دليلاً على التفريق - عند الحافظ ابن حجر - هو أنَّ الحسن لم يدرك الجارود بن المعلى، كما سبق. وكذا ابن سيرين، من باب أولى، لأنه أصغر من الحسن بما يزيد على عشر سنوات(١). فاعتبر الحافظ أنَّ رواية الحسن عن الجارود بن المنذر روايةٌ عن لقاء وسماع، وهذا يعارض ما ثبت من أنَّ وفاة الجارود بن المعلى كانت سنة ولادة الحسن، ولذلك فرَّق الحافظ بين الرجلين: أبي المنذر الجارود بن المعلى، والجارود بن المنذر. ورحم الله الحافظ، فقد خرج بنتيجة لا مقدّمة لها! وبنى على غير أساس! ونقش قبل تثبيت العرش !!! ذلك أنَّ الحافظ بنى التفريق على ثبوت سماع الحسن من الجارود بن المنذر، ولذلك اعتبر الجارود بن المنذر غير الجارود بن المعلى الذي لم يدرك الحسن زمانه. ولم يثبت الحافظ ابن حجر السماع المدعى أولاً: ليبني عليه دلیله بالتفريق! والعجيب أنَّ حديث الحسن عن الجارود بن المنذر لا يرويه الحسن عنه بصيغة من صيغ السماع، وإنما يرويه عن الجارود معنعنا! هذا أوَّلاً . وثانيًا: وهو الأعجب، أنَّ الحديث لا يصح عن الحسن البصري أصلاً، لا بالتصريح بالسماع، ولا من غير تصريح !!! فالحديث أخرجه أبو القاسم البغوي في (معجم الصحابة)، من طريق علي بن عاصم، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن الجارود بن المنذر، قال: ((قدمت على رسول الله وَلقدر، فقال: يا جارود أسلم. قال: قلت: إني على دينٍ يا محمد. قال: إنَّك (١) انظر (٦٩٢). ٩١١ لست على دين يا جارود. قلت: يا محمد، إن تركت ديني إلى دينك فكل تَبِعَةٍ عليّ في شرك ديني إلى دينك، فهو عليك؟ قال: نعم، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسوله. فمكثت أيَّامًا، فأتيته، فقلت: يا رسول الله، احملني، قال: إني لا أجد ما أحملك عليه. فمضيت غير بعيد، ثم قمتُ، وأقبلت بوجهي عليه، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في ضالة الإبل؟ قال: إِيَّاك وإياها، فإنها حَرَقُ النار. قال: فقدمت البلد، فلم ألبث إلا قليلاً حتى جاء موت رسول الله وَّر، وارتد الناس حولي، وقالوا: لو كان رسول الله لم یمت. قال: فقمت للناس، وأرسلت إليهم أن اجتمعوا إليَّ، فاجتمعوا إليَّ. فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه، ثم قلت: يا أيها الناس، ألستم تعلمون أن قد كان لله تبارك وتعالى رسلاً وأنبياء؟ قالوا: بلى. قلت: فأين هم؟ قالوا: ماتوا، قلت: فإنما كان محمد بَّ﴿ رسولاً منهم، ثم قرأ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ﴾(١) وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله، وأكفر من لم يشهد))(٢). هذا هو حديث الحسن عن الجارود بن المنذر، وليس فيه ما يدل على سماع الحسن له من الجارود! ثم راويه عن الحسن هو عَمرو بن عبيد المعتزلي، رجل سوء مُتّهم، لا یعتبر بحديثه !! وقد تفرَّد به عمرو بن عبيد هذا، فيما أزعم! فبعد التقصي الواسع لم أجده، إلا من طريقه، هذا أولاً. (١) سورة الزمر: الآية (٣٠). (٢) معجم الصحابة للبغوي (٧٧/ أ - ب). ٩١٢ ثانيًا: أنَّ أبا نعيم الأصبهاني ذكره في (معرفة الصحابة) مُعلَّقًا، حيث قال: ((رواه عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن الجارود))(١). وتعليق الحافظ الكبير أبي نعيم لهذا الإسناد، مُحدِّدًا مخرجه بعمرو بن عبيد، دون ذكره لمتابع له، ثم خلو كثير من مصنفات السنة من هذا الحديث، فضلاً عن متابع له .. كل ذلك أباح لي القولي بتفرد عمرو بن عبيد، في روايته لهذا الحديث عن الحسن، عمن سمَّاه: الجارود بن المنذر! وقد خولف عمرو بن عبيد! قال ابن إسحاق صاحب السيرة: ((حدثني من لا أتهم، عن الحسن، قال: ((كان الجارود بن المعلَّى رجلاً نصرانيًا، فجاء رسول الله وَالر في وفد عبد القيس. فقال: يا رسول الله، إني على ديني، وإني تارك ديني لدينك، فتضمن لي ما فيه؟ قال: نعم، أنا ضامن لك، أنَّ الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه ... )) - الحديث(٢). إذًا فقد خولف عمرو بن عبيد في اسم هذا الصحابي، بما يُظهر أنه الجارود بن المعلى الصحابي المعروف، لا غيره! ولعَمْري إنَّ الراوي المبهم الذي لا يتهمه ابن إسحاق، خير من عمرو بن عبيد المُتَّهم !! لكن زُعِم أنّ الراوي المبهم في حديث ابن إسحاق، أنّه الحسن بن دينار، وهو متروك مُتّهم، قريب من عمرو بن عبيد في الضعف! (١) معرفة الصحابة، لأبي نعيم (١٣٥/١/). (٢) سيرة ابن هشام (٥٧٥/٢)، ودلائل النبوة للبيهقي (٣٢٨/٥ - ٣٢٩). وقد أخذت قول ابن إسحاق: ((حدثني من لا أتهم)) من سيرة ابن هشام، ثم أكملت النقل من دلائل النبوة، لمسوغ! وهو قبول كلا الروايتين عن ابن إسحاق. ٩١٣ لكن لا يصح هذا عن ابن إسحاق! فإسناده إلى ابن إسحاق، هو ما أخرجه ابن جرير الطبري في (التاریخ). حيث قال الطبري: ((حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن الحسن، قال :... ))(١) الحديث. فمحمد بن حميد بن حيَّان الرازي (ت٢٤٧هـ). قال الحافظ: ((حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فیە))(٢). قلت: بل هو متروك، كما قال الذهبي في (الكاشف): ((وثقه جماعة، والأولى تركه))(٣). وقد نقل الخطيب في (تاريخ بغداد)، عن الحافظ الكبير أبي نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني (ت٣٢٣هـ) - كلامًا طويلاً ومهمًا في محمد بن حميد الرازي، بلغ به أبو نعيم ابنُ عدي أن اتهمه بالكذب! وقال ناقلاً عن أئمة الرازيين، أهل بلد محمد بن حميد: ((وأجمعوا على أنه ضعيف الحديث جدًا))(٤). وترجمته - لمن طالعها - واضحة، بل ناطقة بشدة ضعفه(٥). والعجيب أنَّ رواية محمد بن حميد عن شيخه في رواية ابن جرير السابقة، وهو سلمة بن الفضل، رواية محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل، هذه ذاتها، كانت إحدى دلائل كذب محمد بن (١) تاريخ الطبري (١٣٦/٤ - ١٣٧). (٢) التقريب (رقم ٥٨٣٤). (٣) الكاشف للذهبي (رقم ٤٨٨٣). (٤) تاريخ بغداد (٢٦٠/٢ - ٢٦١). (٥) الجرح والتعديل (٢٣٢/٧ - ٢٣٣)، الكامل لابن عدي (٢٧٤/٦ - ٢٧٥)، تاريخ بغداد (٢٥٩/٢ - ٢٦٤)، سير أعلام النبلاء (٥٠٣/١١ - ٥٠٦)، والتهذيب (١٢٧/٩ - ١٣١). ٩١٤ حميد، في ادعاء سماع ما لم يسمعه، عند غير واحد من النقاد(١) !! وقد قصَّ أبو حاتم الرازي - كما في (الجرح والتعديل) - قصةً اكتشافه لادعاء محمد بن حميد سماع (مغازي بن إسحاق) برواية سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق. وكيف أنَّ أبا حاتم عرف كذب محمد بن حميد في دعواه رواية (المغازي) عن سلمة بن الفضل، إذ لم يكن إلا كتابًا استعاره محمد بن حميد من أحد المحدثين، ثم ادعاه محمد بن حميد لنفسه(٢) !! هذا محمد بن حميد، وروايته عن سلمة بن الفضل الذي عليه مدار هذه الرواية. أمّا سلمة بن الفضل الأبرش، مولى الأنصار، قاضي الري، (ت بعد ١٩٠هـ)، وقد جاوز المائة. فقال الحافظ: ((صدوق كثير الخطأ)) (٣). إذن فلا تقوم رواية الطبري تلك، مقام الحجة في تعيين الرجل المبهم، بين ابن إسحاق والحسن البصري. ولا يمكن بعد ذلك اعتبار الرجل المبهم هو الحسن بن دينار المتروك، لتكون روايته كرواية عمرو بن عبيد المتروك. بل ما زالت رواية ابن إسحاق ضعيفة يُعتبر بها، لكونها عن رجل مبهم، موثّقٍ على الإبهام !! وللحديث طريق آخر عن الحسن البصري، يؤيد أنَّ الجارود الذي روى عنه الحسن الحديث، ما هو إلا الجارود بن المعلى، لا غيره كما زعم عمرو بن عبيد. فقد أخرج الطبري في (التاريخ) أيضًا، الحديث نفسه (١) الجرج والتعديل (٢٣٢/٧ - ٢٣٣)، وتاريخ بغداد(٢٦٢/٢ - ٢٦٣). (٢) الجرج والتعديل (٢٣٢/٧ - ٢٣٣). (٣) التقريب (رقم ٢٥٠٥). ٩١٥ للجارود بن المعلى، بطوله. وأخرجه أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني)، عن الطبري بإسناده ومتنه. لكن من طريق سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: ((قدم الجارود بن المعلى ... ))(١) - الحديث. لكن سيف بن عمر التميمي، صاحب كتاب الرِّدة، ويقال الضبي، ويقال غير ذلك، مات في زمن الرشيد. قال الحافظ: ((ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه»(٢). ولئن زعم الحافظ أنَّ ابن حبان عندما قال عن سيف: ((اتُّهِمَ بالزندقة)) مفحشًا القول فيه، فلقد تساهل الحافظ فيه جدًا بقوله: ((ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ)) !! أمَّا الحديث، فأمره واضح(٣)، حتى قال الذهبي في (المغني في الضعفاء): ((متروك الحديث باتفاق))(٤) !! وأمَّا الزندقة، فلم ينفرد ابن حبان باتهامه بها! فقد قال الحاكم في (المدخل إلى الصحيح) عنه: ((اتهم بالزندقة، وهو ساقط في رواية الحديث))(٥) !! ثم هما - ابن حبان والحاكم - حافظان إمامان، يخبران خبرًا، عن القريب عهدًا بهم، أقرب من الحافظ ابن حجر: أنه متهم بالزندقة !! (١) تاريخ الطبري (٣٠١/٣ - ٣٠٢)، والأغاني للأصبهاني (٢٥٥/١٥ - ٢٥٦). (٢) التقريب (رقم ٢٧٢٤). (٣) انظر التهذيب (٢٩٥/٤ - ٢٩٦)! وزد عليه ما في جامع الترمذي (رقم ٣٨٦٦). (٤) المغني في الضعفاء للذهبي (رقم ٢٧١٦). (٥) المدخل إلى الصحيح اللحاكم (١٤٥ رقم ٧٦). ٩١٦ فبأي حجة يرد الحافظ هذا الخبر منهما !!! هذا سيف. وأمَّا إسماعيل بن مسلم، فضعيف. فمع أنّ هذه الرواية تؤيد الرأي الصواب - عندي -، إلا أني لا أستجيزُ الاحتجاج بها، ولا الاعتبار! وإلى هنا، نكون قد استفدنا فائدتين، بعد حديث ابن إسحاق عمن لا يتهم، وبعد ما سبقه من رواية عمرو بن عبيد الساقطة : الفائدة الأولى: في نقض القاعدة التي بنى عليها الحافظ ابن حجر دليله على التفريق بين الجارودين، وذلك ببيان أنه لا صرَّح الحسن بالسماع من الجارود حتى يصح التفريق، وأنه لا يصح الحديث عن الحسن أصلاً، ولو كان فيه التصريح بالسماع، لأنه من طريق عمرو بن عبيد المُتّهم. والثانية: في بيان دليلٍ من أدلة جمع الجارودين، وأنهما واحد لا غير، هو الجارود بن المعلى أبو المنذر، وَهِمَ فيه أحد المتروكين، فجعله الجارود بن المنذر! هذا الدليل، هو كما سبق، أن الحديث المزعوم للحسن عن الجارود بن المنذر، هذا الحديث نفسه، وبإسنادٍ خير من سابقه، حيث إنه في حيّز الاعتبار، جاء هذا الحديث عن الحسن عن الجارود بن المعلى العبدي، لا عن الجارود بن المنذر! مما يدل على أن الجارود بن المنذر ما هو إلا الجارود بن المعلى نفسه !! وما خبر المتهم يقينا بأولى من خبر غير المتهم، ولو ظنا !!! أفتتبع وَهْمَ المتروکین؟ !! ٩١٧ فإن قيل: فلعل من فرَّق بينهما اعتمد على رواية محمد بن سیرین؟ قلت: لكن ليس في رواية محمد بن سيرين ما يُقوِّي التفرقة! فلا صرَّح ابن سيرين بالسماع من الجارود الذي روى عنه، حتى يقال إنه سوى الجارود بن المعلى الذي توفي قبل ابن سيرين بسنوات. بل ولا سمَّاه ابن سيرين اسمًا يدل على التفرقة، إنَّما روى (عن الجارود العبدي)(١). وهذا يحتمل أن يكون هو ابن المعلى، ولا يدل على أنه سواه! وما جعل الحافظ يجمع بين الذي روى عنه الحسن باسم الجارود بن المنذر، والذي روى عنه ابن سيرين باسم الجارود العبدي، إلا اتفاق الحديث، فقد روى ابن سيرين عن الجارود العبدي مقدمة حديث الحسن عن الجارود بن المنذر(٢). إذن ليس في حديث ابن سيرين دليل على التفرقة، إلا إذا كان في حديث الحسن دليل عليها! لأن حديث ابن سيرين خالٍ من شيء يشهد لها، إنما هو فرع لأصل !! وقد بينا أن حديث الحسن لا يدل على التفرقة، بل هو في أرجحه دال على الجمع، كما قررناه آنفًا . هذا هو الأصل، لا يدل على التفرقة، فكذا الفرع يكون. وبهذا أسقطنا أدلة التفرقة، وبينا أنها بالأوهام أشبه منها بالأدلة! (١) انظر تخريج حديثه فيما سبق (٩١٠). (٢) انظر تخريج حديثه فيما سبق (٩١٠). ٩١٨ وذكرنا - مع ذلك - شاهدًا أولاً على الجمع، يصح اعتباره دليلاً عليه، إذا ضممناه إلى الدليل الآتي: الثاني: أنه جاء في حديث الحسن الطويل عن الجارود بن المنذر، فيما يزعمه عمرو بن عبيد، سؤال الجارود للنبي وَّ عن ضالة الإبل، وأنَّ النبي ◌َّ نهاه عنها، وقال: ((إنها حَرَقُ النار)). وهذا الحديث نفسه، بلفظه، صحيح مشهور، من رواية غير الحسن البصري، عن الجارود بن المعلّى العبدي(١)! ومثل هذا الدليل وحده كافٍ للقول بالجمع وعدم التفريق، وبأن الذي روى عنه الحسن ما هو إلا الجارود بن المعلى، الذي روى عنه غير الحسن حديث الحسن نفسه !! ثالثًا: أنَّ غالب الأئمة على أن الجارود بن المنذر ما هو إلا الجارود بن المعلى، خلافًا للحافظ ابن حجر. بل لم أجد من يوافق الحافظ: سوى ما نقله ابن مندة عن كتاب (الوحدان) للبخاري، وابنٍ مندة نفسِه .. فقط! كما سبق(٢). وقبل أن أذكر من خالف هؤلاء، أذكر أن الإمام الذي تَقَلَّدَهُ كلٍّ من ابن مندة ثم الحافظ ابن حجر، وانتصرا له، هو أوّل من خالفهما !! أعني به الإمام البخاري !!! فأوّل ما يلفت الانتباه: أن الإمام البخاري لم يترجم في (التاريخ الكبير) إلا للجارود بن المعلى (٣)! (١) أخرجه الإمام أحمد (٨٠/٥)، والنسائي في الكبرى (رقم ٥٧٩٢ - ٥٧٩٨)، والدارمي (رقم ٢٦٠٤)، وابن حبان في صحيحه، الإحسان (رقم ٤٨٨٧)، وغيرهم. وانظر علل الحديث في علل الدراقطني (٢/٥/ ب). (٢) انظر (٩١٠). (٣) التاريخ الكبير (٢٣٦/٢). ٩١٩ فلو كان يفارق الجارود بن المنذر عنه، أين هو في كتابه؟! ثم يقول البخاري في آخر ترجمة الجارود بن المعلى: ((وقال لي عبد الله بن أبي الأسود: حدثني رجل من ولد الجارود بن المعلى، قال: قتل الجارود في خلافة عمر، بأرض فارس. حمدان، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن الجارود العبدي، قال: أتيت النبي وَلتر أبايعه .. - مرسل))(١). فوجّه الإمام البخاري بكلامه هذا طعنته الأولى إلى كلام الحافظ ابن حجر، قبل أن يكون الحافظ ابن حجر، باعتباره أنّ الجارود بن المعلى هو الذي روى عنه محمد بن سيرين، فجمع بين الجارود بن المعلى والجارود العبدي، الذي روى عنه ابن سیرین !! ووجه الإمام البخاري طعنتة النجلاء الثانية إلى كلام الحافظ، بوصفه رواية ابن سيرين عن الجارود العبدي بالإرسال. مما يعني عدم سماع ابن سيرين من الجارود، ذلك السماع الذي بني الحافظ - على تخيُّل ثبوته - القول بالتفريق بين: الجارود بن المعلى والجارود الذي روى عنه ابن سيرين والحسن !! فالبخاري قطع الطريق على تلك الخيالات، بحكمه على رواية ابن سيرين عن الجارود بالانقطاع !! ولكن لا يُقال: وما أدراك أن القول بالجمع هو آخر الاجتهادين من الإمام البخاري؟ (١) التاريخ الكبير (٢٣٦/٢). ٩٢٠