Indexed OCR Text

Pages 561-580

ولعل هشام بن حسان أقدم أولئك الرواة جميعهم لزومًا
للحسن، لأنه كان كبير السن، كما سبق عن الإمام الذهبي (١).
ويدل على كبر سنه أيضًا وعلى قِدَم إدراكه: أن علي بن
المديني حرص على ذكره فيمن لم يلق أحدًا من الصحابة(٢). مما
يدل على أنَّ علي بن المديني كان يخشى أن يعتقد أحدٌ لهشام بن
حسان لقاء بأحد الصحابة، لاحتمال سنة هذا اللقاء، فنفاه ابن
المديني لذلك.
المقصود أنَّ كلام هشام بن حسان، وإخباره عن نفسه،
بملازمته الحسن عشر سنين، مقدَّم على نفي غيره، ولذلك حرصنا
على توجيه كلام النفاة للسماع أو للرؤية، أو بالاعتذار عن خطئهم
في اجتهادهم.
وبذلك تعلم خطأ اجتهاد الحافظ في (التقريب) عندما قال
عن هشام بن حسان: ((وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال، لأنه
قيل: كان يرسل عنهما))(٣).
فهشام بن حسان من أوثق تلامذة الحسن .. أوَّلاً، ثم هو
قد سمع من عطاء أيضًا، كما أثبته الإمام البخاري، في (التاريخ
الكبير)، في كلامه المنقول عنه سابقًا.
ثم نعود إلى مبحثنا، وما ذكرناه عن هشام بن حسان، من
أنه سئل عمن أدركهم الحسن من الصحابة؟ فقال: ((ثلاثين ومائة)).
وهذا العدد لم يبلغ نصف عدد الذين ذكر الحسن البصري
نفسه أنه أدركهم في إحدى غزواته، وهو ثلاثمائة صحابي!
فلعل هشام بن حسان قال ذلك العدد على حسب ما وقع
(١) انظر ما سبق في قول الذهبي الذي عقب به كلام ابن عيينة (٥٥٨).
(٢) جامع التحصيل، للعلائي (رقم ٨٤٧).
(٣) التقريب (رقم ٧٢٨٩).
٥٦١

له، وبقدر ما سمعه من الروايات عن الحسن. ولم يقصد هشام
أنَّ ذلك العدد هم من أدركهم الحسن فقط، جازمًا بذلك، نافيًا
سماع الحسن ممن فوق ذلك العدد.
ويحتمل أن يكون الحسن قصد بالثلاثمائة، أنه أدركهم إدراكًا
زمنيًا، بينما قصد هشام من سمع منهم الحسن ولقيهم.
لكن كلام الحسن في تعقيبه على من طلب منه الإسنادَ في
الرواية، بأنه أدرك ثلاثمائة صحابي في غزاة واحدة، يضعف هذا
الاحتمال. لأن ردَّ الحسن بذلك، يريد به أنَّ ما يرويه إنما أخذه
عن الصحابة، وأنه في غِنىّ عن الرواية عن غيرهم! لأنه كان معه
في غزاة واحدة: ثلاثمائة صحابي!
وأخرج محمد بن وضاح القرطبي (ت٢٨٦ - أو - ٢٨٧ هـ)
في كتاب (ما جاء في البدع) من طريق: أسد بن موسى(١) عن
أبي يحيى، عن موسى الجعفي، عن الحسن، قال: ((أدركت عشرة
آلاف من أصحاب النبي وَّر، لو رأوكم لقالوا: ما لهؤلاء
مجانين، ولو رأيتموهم لقلتم: هؤلاء مجانين، ولو رأوا خياركم
لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما
لهؤلاء عند الله خلاق))(٢).
وأبو يحيى، وشيخه في هذه الرواية، لم أعرفهما، إذ ما
استطعت الجزم لهما بترجمة، بعد بذل الجهد وإجالة النظر مرارًا
في قراءة تراجم المکنیین بأبي يحيى.
(١) أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي،
أسد السنة، (ت٢١٢هـ)، وله ثمانون سنة.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٣٩٩): ((صدوق يغرب، وفيه نصب)).
قلت: بل هو ثقة مطلقاً، فانظر سير أعلام النبلاء (١٦٢/١٠ - ١٦٤)،
ونصب الراية للزيلعي (١٧٩/١)، والتهذيب (٢٦٠/١).
(٢) ما جاء في البدع لابن وضاح (رقم ١٧٣).
٥٦٢

هذا ما وجدته من الأخبار في ذكر عدد معين لمن لقيهم
الحسن من الصحابة، وأقواها ما سبق عن الحسن نفسه، من أنه
أدرك في غزاة واحدة: ثلاثمائة صحابي، ولم يتعرض الحسن في
ذلك إلى جميع من لقيهم، في حياته كلها.
أُمَّا ما بلغنا من روايات له عن ذلك العدد الكبير، وما حفظ
لنا من علم ذلك الإمام الضخم، فهو أقل من ذلك العدد بكثير!
إذ لم يتجاوز عدد الصحابة الذين ثبت سماع الحسن منهم: نحوًا
من عشرين صحابيًا فقط !!! كما سترى بعضه في خلال هذا
الباب، ونتائجه النهائية، بإذن الله تعالى.
هذا بالنسبة لسماع الحسن على وجه العموم.
أمّا مراسيله على وجه العموم، ومن لم يسمع منهم .. من
الجماعات، فهم:
أولًا: أهل بدر رضي الله عنهم.
قال الفسوي في (المعرفة والتاريخ): ((حدثنا أبو النعمان (١)
حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: قال قتادة: حدثنا الحسن:
أنه ما لقي أحدًا من البدريين شافهه بالحديث))(٢).
هذا إسناد صحيح، رجال إسناده أئمة(٣).
وقال الفسوي أيضًافي (المعرفة والتاريخ): ((حدثنا عمروبن عاصم (2):
(١) هو محمد بن الفضل، عارم، تقدمت ترجمته.
(٢) المعرفة والتاريخ للفسوي (٣٥/٢)،
(٣) تقدمت الترجمة لرجال إسناده جميعهم، وأيوب هو السختياني.
(٤) عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري،
(ت٢١٣ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٥٠٥٥): ((صدوق في حفظه شيء)).
٥٦٣

حدثنا همام(١) قال: كنا عند قتادة ... - ثم ذكر قصة - ثم قال
قتادة: ما حدثنا الحسن أنه لقي أحدًا من البدريين مشافهة
بالحديث))(٢).
وقال الإمام مسلم في مقدمة (صحيحه): ((حدثني حسن بن
علي الحُلواني(٣) قال حدثنا يزيد بن هارون: أخبرنا همام ... -
ثم ذكر قصة لقتادة، روى بعدها أن قتادة قال : - فوالله ما حدثنا
الحسن عن بدري مشافهة» (٤).
وقال ابن سعد في (الطبقات): ((أخبرنا سعيد بن عامر،
قال: حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، قال: لم يحدثنا الحسن
أنه شافه(٥) أحدًا من أصحاب بدر)»(٦).
قلت: فإسناده خبر همام صحيح.
لكن ميزة رواية أيوب السختياني عن قتادة الأولى: أنها تسند
الخبر إلى الحسن البصري ذاته، بأنه ينفي عن نفسِه سماعَه من
أحد من أهل بدر.
أمَّا رواية همام عن قتادة: فإنها تنسب الخبر إلى قتادة أنه
هو الذي ينفي عن الحسن أن يكون سمع من أحد البدريين.
ولا تَعَارُضَ بين الروايتين، خاصة بعد اختلاف مخرجهما
عن قتادة. بل كلام قتادة يوضّح اعتداد قتادة بكلام شيخه، وأنه
(١) هو ابن يحيى بن دينار العوذي، أبو عبد الله أو أبو بكر البصري، (ت
١٦٤ - أو - ١٦٥ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٧٣١٩): ((ثقة ربما وهم)).
(٢) المعرفة والتاريخ، للفسوي (٧٧٦/٢).
(٣) الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال الحلواني، نزيل مكة،
(ت٢٤٢ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٢٦٢): ((ثقة حافظ له تصانيف)).
(٤) صحيح مسلم - المقدمة (٢٢/١).
(٥) تحرفت في مطبوع (الطبقات) إلى: (ساقه)، بالسين المهملة، والقاف !.
(٦) طبقات ابن سعد (١٥٩/٧).
٥٦٤

كان يحتج به، وحُقَّ لقتادة ذلك، بل وجب عليه! بعد أن سمع
من شيخه إخبارَهُ عن نفسِه بذلك.
وقد روي عن قتادة إخباره عن عدم سماع الحسن من
البدريين، من وجه آخر، سوى الوجه السابق(١)، ولا داعي إلى
التطویل بذكره، بعد ثبوته عنه.
ولذلك النص القطعي الدلالة، من صاحب الشأن نفسه،
وصحته عنه، عَظُم اعتدادُ غيرٍ واحد من الأئمة بهذا الأمر،
واحتجّوا بعمومه على عدم سماع الحسن من أحد من أهل بدر.
وقد سبق كلام قتادة في ذلك.
وهذا أيوب السختياني، وهو من جلة تلاميذ الحسن يقول:
((ما حدثنا الحسن عن أحد من أهل بدر مشافهة))(٢).
ويقول يعقوب بن شيبة: ((قلت لعلي بن المديني: يقال عن
الحسن، أخذت بحجز سبعين بدريًا؟ فقال: هذا باطل! أحصيت
أهل بدر الذين يُروى عنهم، فلم يبلغوا خمسين، منهم من
المهاجرين أربعة وعشرون»(٣).
وسئل بهز بن أسد: ((هذا الذي يقول أهل البصرة: سبعين
بدريًا؟ قال: هذا كلام السوقة)» (٤).
وسئل أبو زرعة الرازي: ((لقي الحسن أحدًا من البدريين؟
قال: رآهم رؤية، رأى عثمان بن عفان، وعليًّا، قيل له: سمع
منهما حديثًا؟ قال: لا .. وقال الحسن: رأيت الزبير يبايع عليّا
رضي الله عنهما)) (٥).
(١) المعرفة والتاريخ، للفسوي (٢٣٣/١).
(٢) المراسيل، لابن أبي حاتم (رقم ٩٥).
(٣) سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٦ - ٥٦٧).
(٤) المراسيل، لابن أبي حاتم (رقم ٩٥).
(٥) المراسيل، لابن أبي حاتم (رقم ٩٢).
٥٦٥

وهذا يبين لك دقة عبارة الحسن التي نقلها عنه قتادة: أنه ما
شافه أحدًا من البدريين! ولم يَثْفِ الرؤية.
ونقل الزيلعي في (نصب الراية) كلامًا طويلاً لأبي بكر
البزار، في غاية النفاسة، كله في مراسيل الحسن ومن سمع
منهم (١).
ومع أنَّ الزيلعي قال محددًا موضع ذلك الكلام للبزار: ((في
مسنده، في آخر ترجمة سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة))(٢)،
إلا أنني لم أجد ذلك النقل، حتى بعد وقوفي على ترجمة
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، في مسند البزار المخطوط،
الذي برواية محمد بن أيوب بن حبيب الرقي الصموت نزيل مصر!
فلا أدري! أللسَّقْطِ أو النقص سبب في هذه الحسرة؟ أم أنَّ
للمسند روايات مختلفة، هذا أحد آثارها، أم المسألة مسألة (مسند
صغير) و (مسند كبير) للبزار(٣) فالمخطوط هو الصغير؟
والله أعلم!
وإن كنت أستبعد الاحتمال الأخير، لأسباب ليس هذا
موضعها (٤).
(١) نصب الراية للزيلعي (١/ ٩٠ - ٩١).
(٢) نصب الراية (٩٠/١).
(٣) انظر الرسالة المستطرفة، للكتاني (٦٨)، ومقدمة تحقيق (مسند البزار)
المطبوع (١٤/١).
(٤) وازن بين سند النسخة المخطوطة، كما في مقدمة تحقيق المطبوعة من
(مسند البزار) (١/ ٤٧)، مع رواية أبي بكر الإشبيلي لمسند البزار، كما في
فهرسة أبي بكر الإشبيلي (١٣٨ - ١٣٩) ومع ملاحظة أن المسند الصغير
للبزار يرويه الأصبهانيون، لا الأندلسيون! فقد نص الحافظ ابن حجر على
أنَّ المسند الصغير إنما يعرف برواية الأصبهانيين، فانظر إحالة مقدمة
تحقيق المسند المطبوع (١٤/١).
٥٦٦

المهم أنَّ الزيلعي رحمه الله حفظ ذلك الكلام النفيس،
(مُلخّصًا محررًا)، كما قال.
ومما جاء في ذلك الكلام، قول البزار: ((ولم يثبت للحسن
سماع من أهل بدر، ولا حديثًا واحدًا))(١).
وقال ابن حبان في (المجروحين): ((الحسن ما رأى بدريّا
قط، خلا عثمان بن عفان، وعثمان يُعَدُّ في البدريين، ولم يشاهد
بدرًا))(٢).
ومع هذا الجمع المبارك من نفاة سماع الحسن من البدریین،
بل ومع نفي الحسن نفسه لهذا السماع، لم يبخل علينا الكذابون
و (السوقة) بإثبات هذا السماع !!
جاء في كتاب (زهد الثمانية من التابعين) المنسوب(٣) إلى
علقمة بن مرثد(٤) أنَّ الحسن قال: ((والله لقد أدركت سبعين بدريًّا
أكثر لباسهم الصوف، ولو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوا
خياركم لقالوا: ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا: ما
يؤمن هؤلاء بيوم الحساب)»(٥) .
قلت: لكن الكتاب لا تثبت نسبته إلى علقمة بن مرثد،
(١) نصب الراية، للزيلعي (١/ ٩١).
(٢) المجروحين، لابن حبان (١٦٤/٢).
(٣) وقد نُسب الكتاب إلى أنه من تصنيف ابن أبي حاتم، كما في المجمع
المؤسس لابن حجر (٧٣/٢ رقم ٥٩٥).
وليس كذلك، وإنما هو من رواية ابن أبي حاتم، ويقطع بذلك: أنه مرويٍّ
من غير طريق ابن أبي حاتم، كما في (حديث أبي الفضل الزهري)
و(حلية الأولياء) لأبي نعيم.
(٤) علقمة بن مرثد الحضرمي، أبو الحارث الكوفي.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٦٨٢): ((ثقة)).
(٥) زهد الثمانية من التابعين، لعلقمة بن مرثد (٦٢)، وحديث أبي الفضل
الزهري (١١١/أ - ١١٤/ب رقم ٦٣١)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٢/
١٣٤)، والرقة والبكاء لموفق الدين ابن قدامة المقدسي (٣٠٩ - ٣١٢).
٥٦٧

حيث إنه من رواية يحيى بن سعيد العطار، عن يزيد بن عطاء بن
يزيد اليشكري، عن علقمة بن مرثد.
ويحيى بن سعيد العطار، هو الأنصاري، الحمصي، قال عنه
الحافظ في (التقريب): (ضعيف))(١).
قلت: والذي أرجحه أنه شر من ذلك، فهو شديد الضعف،
فقد وصفه يحيى ابن معين (٢) والجوزجاني(٣) والعقيلي(٤)
والساجي(٥): أنه منكر الحديث، بل قال ابن حبان: ((كان ممن
يروي الموضوعات عن الأثبات، والمعضلات عن الثقات))(٦).
وضعفه غيرهم(٧).
أمَّا قول محمد بن المُصفَّى(٨) عنه: ((ثقة))، كما في (الآحاد
والمثاني) لابن أبي عاصم(٩)، فلا يُعَارَضُ به كلام من سبقوا،
فليس ابن المصفى من فرسان هذا الميدان (١٠).
(١) التقریب (رقم ٧٥٥٨).
(٢) الجرح والتعديل (١٥٢/٩).
(٣) الكامل، لابن عدي (١٩٣/٧)، ولم أجده في (أحوال الرجال)
الجوزجاني!
(٤) الضعفاء للعقيلي (٤٠٣/٤).
(٥)
التهذيب (٢٢١/١١).
(٦) المجروحين، لابن حبان (١٢٣/٣).
(٧) انظر: التهذيب (٢٢١/١١)، وزد عليه ما في حلية الأولياء، لأبي نعيم
(١٩٣/٥).
(٨) محمد بن المصفى بن بهلول الحمصي القرشي (ت٢٤٦هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٣٠٤): ((صدوق له أوهام، وكان
یدلس».
(٩) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (رقم ٢٤٤٨)، وتحرّف فيه اسم
((محمد بن المُصفّى)) إلى ((محمد بن عيسى))، فانظر تاريخ دمشق، لابن
عساكر - خط - (١٣٤/١٨)، والتهذيب (٢٢١/١١).
(١٠) كما في مرتبته من التعديل، ولكونه لم يذكر ضمن علماء الجرح
والتعديل.
٥٦٨

والذي يشكل هو قول أبي داود عنه: ((جائز الحديث))، كما
في (التهذيب)(١).
فإن صحَّت، ولم يكن فيها تصحيف، فلا يقوى أبو داود
وحده على تقوية حال العطار، في مقابل الجمع الكبير من
المضعفين، وفيهم الشامي بلديَّ العطار، كالجوزجاني.
فالذي يترجح - عندي - في أمر يحيى بن سعيد العطار أنَّه
شديد الضعف.
وشيخه: يزيد بن عطاء بن يزيد اليشكري، أبو خالد
الواسطي، البزاز (ت١٧٧هـ)، وقال عنه الحافظ في (التقريب):
((لين احديث))(٢).
فتعلم من هذا، أنَّ كتاب (زهد الثمانية من التابعين)
المنسوب إلى علقمة بن مرثد، لا يصح الاحتجاج بشيء مما فيه،
لأنه ساقط الإسناد إلى علقمة!
وقد أشار إلى شيء من هذا محقق (زهد الثمانية من
التابعين) في مقدمة تحقيقه للكتاب(٣).
فهذه إحدى الروايات الواهية التي تذكر للحسن سماعًا من
سبعين بدريًا!
وقال البخاري في (التاريخ الكبير): ((حدثني عمرو بن علي،
قال: سمعت عبد الصمد بن عبد الوارث: سمعت خالدًا العبد -
ضعيف - يقول: قال الحسن: صليت خلف ثمانية وعشرين بدريًا،
كلهم يقنت بعد الركوع، قلت: من حدثك عن الحسن؟ قال:
(١) التهذيب (٢٢١/١١).
(٢) التقريب (رقم ٧٧٥٦).
(٣) زهد الثمانية من التابعين، لعلقمة بن مرثد، مقدمة التحقيق (٢١ - ٢٨).
٥٦٩

حدثنا ميمون المرئي (١) فسألته؟ فقال: قال الحسن .. مثله، قلت:
من حدثك؟ قال: خالد العبد))(٢).
وأخرجه ابن عدي في (الكامل) من طريق البخاري(٣).
قلت: وخالد بن عبد الرحمن البصري، المعروف بخالد
العبد، متهم بالوضع، كذاب مفضوح (٤)!
وأخرج الإمام العلامة أبو إسحاق أحمد بن محمد بن
إبراهيم الثعلبي (ت٤٢٧ هـ)، في تفسيره (الكشف والبيان في تفسير
القرآن) من طريق كثير بن مروان الفلسطيني، عن عبد الله بن يزيد
الدمشقي، قال: ((أتيت الحسن، فذكر كلامًا، إلا أنه قال: أدركت
ثلاثمائة من أصحاب النبي وَل*، منهمن سبعون بدريًا، كلهم
يحدثونني: أن رسول الله وَالله قال: من فارق الجماعة قيد شبر فقد
خلع ربقة الإسلام من عنقه))(٥).
قلت: كثير بن مروان الفلسطيني شديد الضعف، بل اتهمه
ابن معين بالكذب(٦).
وشيخه: عبد الله بن يزيد بن آدم الدمشقي أسوأ حالاً منه،
حتى قال فيه الإمام أحمد: ((أحاديث موضوعة))(٧) .
(١) ميمون بن موسى المرئي، أبو موسى البصري.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٧٠٥٠): ((صدوق مدلس)).
(٢) التاريخ الكبير، للبخاري (١٦٥/٣).
(٣) الكامل لابن عدي (٢٣/٣).
(٤) انظر: الكامل لابن عدي (٢٣/٣ - ٢٤)، ولسان الميزان (٣٧٩/٣ -
٣٨٠، ٣٩٣).
(٥) انظر: مرويات الحسن البصري في التفسير، من أول الإسراء إلى آخر
القرآن، للأستاذ شير علي شاه (رقم ١٧٨٧).
(٦) تاريخ ابن معين (رقم ٤٩٩٧، ٥١١٤)، وانظر: الجرح والتعديل (٧)
١٥٧)، والمجروحين، لابن حبان (٢٢٥/٢)، والكامل لابن عدي (٦٩/٦
- ٧٠) ولسان الميزان (٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤).
(٧) انظر: الجرح والتعديل (١٩٧/٥)، وتاريخ بغداد (١٩٦/١٠)، ولسان
الميزان (٣٧٨/٣).
٥٧٠

هذه هي الأخبار المكذوبة التي تذكر سماع الحسن من
البدريين، وهي التي سبق أن نقلنا عن علي بن المديني، وبهز بن
أسد، أنهما رداها ردًا شديدًا.
بل وصف بهز بن أسد من يقول: إن الحسن سمع من
سبعين بدريًا، بأنه من السوقة: الذين لا وزن لهم في هذا العلم.
ومن هؤلاء السوقة: محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن محمد
الورّاق، المعروف بابن النديم، (ت٣٨٠هـ)، فقد ذكر في كتابه
(الفهرست): أن الحسن سمع من سبعين بدريًا(١)، وما أَذْرَى هذا
الورَّاق المعتزلي الرافضي بهذا العلم (٢)؟ فهو من السوقة فيه !!
فلا يبقى بعد هذا شك في أن الحسن لم يسمع من أحد من
أهل بدر.
وهذه قاعدة مهمة سوف نلجأ إليها في مواطن عدَّة من هذا
الباب، لنتبين سماع الحسن ممن روى عنهم، من عدم سماعه.
ثانيًا: المدنيون:
قد سبق في مبحث (بعض شئون الحسن التاريخية) أنه صح
عن الحسن، أنه سئل: متى عهدك بالمدينة؟ فقال: ((ليالي
صفين))(٣).
وذكرنا أن صفين كانت في سنة سبع وثلاثين، أي: وللحسن
من العمر: ست عشرة سنة (٤).
وهذا يدل على أنَّ الحسن قد خرج من المدينة وهو في
(١) الفهرست، لابن النديم (٢٣٥).
(٢) انظر لسان الميزان (٧٢/٥ - ٧٣).
(٣). انظر ما تقدم (٢٦٩).
(٤) انظر ما تقدم (٢٧٣).
٥٧١

الست عشرة من عمره، ثم لم يعد إليها بعد ذلك أبدًا، إذ آخر
عهده بالمدينة يوم خرج منها ليالي صفين.
وقد اعتبر الأئمة خروج الحسن في هذا السن سببًا للقول
بعدم سماعه من المدنيين، واستصغروه عن السماع منهم.
مثال ذلك: قول ابن حبان في (صحيحه) عن الحسن: ((لم
يسمع من أبي هريرة، لخروجه من المدينة في يفاعته))(١).
لذلك كثر عن الأئمة إنكار سماع الحسن من الصحابة
المدنيين، لصغر سن الحسن يوم خروجه من المدينة.
حتى قال علي بن المديني، كما في (المعرفة والتاريخ)
للفسوي: ((ولا سمع من أحد في المدينة، إلا من عثمان بن
عفان))(٢).
وهذا النص من علي بن المديني هو الذي سار على مقتضاه
كل من وقفت على كلام له في شأن سماع الحسن من المدنيين،
كما ستراه في عُرض هذا الباب، إن شاء الله تعالى.
وعبارة علي بن المديني في غاية الدقة، حيث قال: ((ولا
من أحد في المدينة)).
فنفى أن يكون الحسن سمع من أحد في المدينة، أي: في
مدينة النبي * ذاتها، ولم يتعرض إلى نفي سماع الحسن من
المدنيين مطلقًا، لاحتمال سماع الحسن من أحد المدنيين في غير
المدينة، كما وقع حقيقة، فأثبت علي بن المديني سماع الحسن
من عبد الله بن عمر، ولكن أثناء الحج بمكة، كما سيأتي في
مبحث عبد الله بن عمر، إن شاء ربي سبحانه(٣).
(١) انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٢٥٢/٣ رقم ٩٧١).
(٢) المعرفة والتاريخ، للفسوي (٥٢/٢).
(٣) انظر ما سيأتي (١٦٣٦).
٥٧٢

لكن احتمال لقاء الحسن بالمدنيين خارج المدينة، إن كان
احتمالاً مجرَّدًا، لم يُقِم له الأئمة وزنًا، وإلا لما نفوا سماع
الحسن من كل مدني، لم يثبت عن الحسن أنَّه صرح بالسماع
منه. فإن صرَّح الحسن بالسماع من أحد المدنيين، ولم يظهر
للأئمة أنه سمع منه خارج المدينة، قالوا بتأول الحسن في صيغة
السماع! كما وقع في مسألة سماع الحسن من أبي هريرة، كما
سبقت الإشارة إليه .
وذلك لما ثبت عن الحسن البصري أنه أكثر الرواة رواية
عمن عاصرهم ولم يلقهم، فتشدد معه الأئمة في قبول ما يرويه
عن معاصريه عمومًا، وخاصة المدنيين منهم، لخروجه عن المدينة
في یفاعته، كما قال ابن حبان.
فَتَفْيُ سماع الحسن من المدنيين لم يكن فقط لخروج الحسن
من المدينة وله ست عشرة سنة، وإنما كان أكثر ما يكون لكثرة
(تدليس) الحسن عمن عاصرهم ولم يلقهم، ثم لمَّا اجتمع مع
ذلك ضعف احتمال اللقاء أيضًا، بخروج الحسن صغيرًا من
المدينة، نفوا سماع الحسن من المدنيين مطلقًا، إلا إن ثبت
سماعُهُ من أحدهم خارج المدينة: كما سبق.
فهذه قاعدة مهمة أخرى، تفيدنا عدمَ سماع الحسن من
المدنيين، ما لم يقم دليل ثابت على السماع.
ومن هذه القاعدة نأتي إلى المسألة التالية.
ثالثًا: غير البصريين.
نعم .. لقد بلغ بالأئمة نفي سماع الحسن من كل صحابي
ليس ببصري، أو لم نعلم اجتماعهما بالبصرة في زمن واحد!
وهذا مما سيتضح لك تمام الوضوح خلال هذا البحث، إن
شاء الله تعالى.
٥٧٣

ألا وإني لأكره هذه الإحالة إلى صلب البحث، لكني مضطر
إليها! إذ لستُ بمستطيع توضيحَ ما أريدُ توضيحَه والاستدلالَ به،
بغير ذلك التطويل المُضْطَّرٌ إليه، الذي ستجده فيما تستقبل من هذا
البحث، إن شاء الله تعالى.
لذلك كم أفرح إن وجدت إمامًا سابقًا ينص على مثل ما
أذكره لك مُحيلاً على بقية البحث، من أن الأصل في الأعم
الأغلب أن الحسن لم يسمع من غير البصريين أهل بلده، لأني
أعلم من نفسك رعاك الله - بل ومن نفسي - الثقة التامة بعلماء
الأمة، رحمهم الله تعالى.
قال ابن رجب في (شرح العلل) وهو يذكر أدلة الأئمة على
عدم السماع: ((كذلك رواية من هو ببلد عمن هو ببلد آخر، ولم
يثبت اجتماعهما ببلد واحد، يدل على عدم السماع منه، وكذلك
كلام علي بن المديني، وأحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم،
والبرديجي، وغيرهم، في سماع الحسن من الصحابة، كله يدور
على هذا، وأن الحسن لم يصح سماعه من أحد من الصحابة، إلا
بثبوت الرواية عنه أنه صرَّح بالسماع منه، ونحو ذلك، وإلا فهو
مرسل))(١).
قلت: هذه قاعدة جليلة في معرفة المراسيل، لكن ينبغي أن
يُتنبه معها إلى أمور:
١ - أنَّ القول بإرسال الراوي إذا روى عمن ليس ببلده، لا يكون
الجزم به أوَّلاً إلا بعد البحث الدقيق في رواياته، لعله أن
یکون صرّح بالسماع منه في إحدى رواياته عنه.
٢ - وأن القول بإرسال الراوي إذا روى عمن ليس ببلده يقوى إذا
كان الراوي معروفًا بالرواية (عن معاصر لم يلقه)، أمَّا إذا
(١) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٥٩٦).
٥٧٤

كان غير معروف به، أو كان شديدًا على أهل التدليس
والرواية لما لم يسمعوه، كشعبة - رحمه الله - فهذا لا يُتجَرَأ
إلى القول بعدم سماعه من معاصر ليس في بلده، إلا إن قام
دليل قاطع بذلك، سوى مجرَّد اختلاف البلد، لما قرره
الإمام مسلم وغيره: من الحكم باتصال رواية المتعاصرين
مع إمكان اللقاء.
٣ - أنَّ القول بعدم التلاقي استنادًا إلى بُغد ما بين بلدي الروایین،
لا يمكن القول به بالنسبة لنا في هذه الأعصار المتأخرة، إلا
في مشاهير الرواة، الذين انبسطت تراجمهم في المصادر،
وتوسعت الكتب في سياق أخبارهم، ليكون ذلك معينًا على
معرفة حياة الراوي، وأماكن تنقلاته، ووجهاته ورحلاته،
ليمكن على ضوء ذلك القول بعدم اللقاء، بناءً على غلبة
الظن.
٤ - هذا مع ملاحظة رواية الراوي عن ذلك الشيخ، كثرة وقلة،
وصحة ونكارة، وما إذا كان يذكر بينه وبين ذلك الشيخ
وسائط، ثم عدد هذه الوسائط، ونسبة الأحاديث التي يرويها
بواسطة إلى التي لا واسطة فيها .. مع ملابسات كل قضية،
واعتباراتها .
لذلك: فيُنصح بعدم التجرؤ على هذه القاعدة، إلا مع
وضوح الرؤية، وضوحًا كبيرًا، مع بذل الجهد، ومع توفر
المصادر، والاستقصاء التام، أو شبه التام، وشمول النظرة إلى
جوانب القضية كلها، والاحتياط للسنة بعدم إدخال ما ليس منها
فيها، والغيرة عليها أيضًا بعدم إخراج ما هو منها عنها .. مع
طلب العون من الله عز وجل، والدعاء بالتوفيق.
أمَّا الحسن البصري: فالأئمة على عدم سماعه من غير
البصريين، إذا لم يصرَّح هو بالسماع منهم، بل كثيرًا ما يشكون
٥٧٥

في سماعه من البصريين أيضًا، مع المعاصرة الطويلة !! وما ذاك
إلا لكثرة إرسال الحسن عمن عاصرهم ولم يلقهم إكثارًا بالغًا،
فاق به الرواة جميعهم .. على ما رأيت وعلمت!
ومن أمثلة تشدد الأئمة مع الحسن البصري في إثبات السماع
له من البصريين، مسألة سماع الحسن من عمران بن الحصين
رضي الله عنه. فإن عمران بن حصين رضي الله عنه ممّن نزل
البصرة من الصحابة، وتوفي بها سنة اثنتين وخمسين(١). فيكون
الحسن قد ساكن عمران بالبصرة خمس عشرة سنة، بعد خروج
الحسن من المدينة إلى البصرة.
مع ذلك ينفي جماعة من الأئمة سماع الحسن من عمران
رضي الله عنه(٢)، بل وينكر الإمام أحمد على المبارك بن فضالة،
وهو من ثقات تلامذة الحسن، روايته عن الحسن تصريحه بالسماع
من عمران رضي الله عنه(٣) !!!
وهذه الكوفة أحد المِصْرَين العراقِيَّين، مع قربها من البصرة،
لم يزل الأئمة لا يعتبرون قربها منها مانعًا من القول بعدم سماع
الحسن البصري من الکوفیین!
وانظر إلى قول البزار عن الحسن البصري: ((حدَّث عن
النعمان بن بشير، ولا أحسبه سمع منه، لأن النعمان لا نعلمه
دخل البصرة، وإنما كان بالكوفة، وقد رأيته يحدِّث عن رجل
عنه»(٤).
(١) طبقات ابن سعد (٢٩١/٤)، وتاريخ خليفة (٢١٨)، وتاريخ مولد العلماء
ووفياتهم للربعي (١٥٤/١)، وسير أعلام النبلاء (٥١١/٢).
(٢) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ١١٩ - ١٢٦).
(٣) الجرح والتعديل (٣٤٠/٨).
(٤) نصب الراية، للزيلعي (٩٠/١).
٥٧٦

هذا مع أنَّ للحسن البصري رحلة إلى الكوفة، سمع في
تلك الرحلة من كعب بن عجرة رضي الله عنه (١).
أمّا الشاميون: فالأئمة أنفى لسماع الحسن منهم من غيرهم!
فليس للحسن رحلة إلى الشام، لا ذُكرت له، ولا ترجم له
أمثال ابن عساكر في (تاريخ دمشق)، ولا ابن العديم: عمر بن
أحمد بن أبي جرادة (ت٦٦٠هـ)، في (بغية الطلب في تاريخ
حلب).
ولو كان للحسن اشتباه رحلة - لا رحلة محققة - إلى الشام،
لطرزوا بترجمته كتبهم، ولفاخروا بوروده إليها أهل الخافقين،
ولاشتهر ذلك. كما اشتهر وروده إلى البيت العتيق، مع أنَّ الحج
إليه - زاده الله شرفًا - أمر لا يحتاج إلى تنصيص، لأنه ركن ما
يخل به أحد، ويجتمع فيه من العلماء في وقت واحد عدد كبير،
مع ذلك نصّوا على ذكر الحسن فيه، بل محددين سنة حجّه !!.
أمَّا المصريون: وأهل إفريقية: فالأمر فيهم مقطوع عند
الأئمة، ولا شك أنه كذلك! أنّ الحسن لم يَلْقهم ولم يَرَهُم!
وكذا بقية الأقطار البعيدة!
فالحسن البصري عند الأئمة لكثرة إرساله، لا يكادون
يرضون منه إلا التصريح بالسماع مرَّة ليثبت اللقاء، إلا في
البصريين، بل ربَّما تشددوا حتى في البصريين! كما سبق.
تلك خلاصة هذه القاعدة، وهي آخر قواعد هذا المبحث.
والله أعلم.
(١) انظر معجم الطبراني الكبير (١٦٠/١٩)، والرحلة في طلب الحديث
للخطيب (١٤٣ رقم ٥٢)، وغيرهما.
٥٧٧

مباحث القسم
من روى عنهم الحسن سماعًا أو إرسالًا
سأذكر هنا من روى عنهم الحسن، استقراء، دارسًا
سماعه منهم أو إرساله عنهم، موردًا ما يؤيد ذلك من
الروايات، مع ما شرطته على نفسي من بقية روايات الحسن
عنهم، في الكتب الستة ومسند أحمد، تخريجًا وحكمًا.
وذلك على ترتيب حروف المعجم.

: