Indexed OCR Text
Pages 521-540
الفصل الرابع: تَأَؤُلُ الحَسَنِ البصري في صِيَغِ السَّمَاعِ إن من أسباب كثرة الإشكالات في مسائل سماع الحسن وإرساله، ومن دواعي تعقيدها، واضطراب الرأي فيها، ما نص عليه بعض الأئمة، من تَأَوُلِ الحسن في صيغ الأداء. وهم يعنون بذلك: أن الحسن كان يتأوّل الصيغ التي تحتمل التأول على غير ظاهرها، مثل تأويل: (أخبرنا) على أنها: أخبر قومنا، و(خطبنا) على أنها: خطب أهل البصرة، و(غزا بنا) أي: بأهل بلدنا ... ونحو ذلك. أمَّا نحو: (سمعت) و(أخبرني) و(حدَّثني) مما لا وجه لتأويله، فلا يحق لأحد التأول فيها (إلّا إذا اقترن بها ما يدل على التأوّل صريحًا)، ولا زعم أحدٌ نسبة ذلك إلى الحسن البصري أو غيره من الثقات، لأن قَصْد التأول فيها غير مقبول لغة، ثم هي بالتأوّل كذب محض. ولبيان جواز تأوّل الصيغ التي لحقها الضميرُ الدالُّ على الجمع ... لغةً وشرعًا، ولكي لا يُظَن بفاعل ذلك الكذب، إذا صدر منه بحسن نيَّة، ومن غير قصد الكذب والغش، أذكر الشواهد والأدلة الآتية: [جواز التأوّل في صيغ السماع لغةً وشرعاً مع خُسْن النيّةِ] ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ◌َّ، في ذكر الدجال، وقتله لذلك الرجل الصالح، أنَّ هذا الرجل الصالح يقول للدجال، كما جاء في الحديث: ((أشهد أنك الدَّجال الذي حدثنا رسول الله وَ الر حديثه ... ))(١). (١) صحيح البخاري (رقم ٧١٣٢)، وصحيح مسلم (٢٩٣٨). ٥٢١ قال السخاوي في (فتح المغيث)، وأورد هذا الحديث: ((إذ من المعلوم تأخر ذلك الرجل، فيكون حينئذ مراده: حدَّث الأمة وهو منهم))(١) . ثم أورد السخاوي اعتراضًا سخيفًا، وكأنه أقره! قال: ((ولكن قد خدش في هذا أيضًا بأنه قد قيل: إن ذاك الرجل هو الخضر عليه السلام، يعني على القول ببقائه، وحينئذ فلا مانع من سماعه))(٢). قلت: وليس الرد على هذا الاعتراض من شأن هذا البحث، ولا حياةُ الخضر أو عدمُ حياته من اهتماماتٍ جدِّ العلم، وهو بالترفِ العلميّ قمین! ويشهد لصحة التأول في الصيغ المتصل بها الضمير الدال على الجمع أيضًا، دون أن يكون للخضر عليه السلام ودعوى حياته اعتراض على دلالته! حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في الموطأ والصحيحين، قال: ((خرجنا مع النبي وَ ل﴿ إلى خيبر ... ))، وفي رواية: ((افتتحنا خيبر ... ))(٣). وأبو هريرة رضي الله عنه إنما قدم المدينة وقد فاته النبيُّ وَّ﴾ إلى خيبر، وما لحق أبو هريرة بخيبر إلا وقد فُتحت، كما صح عن أبي هريرة، في خَبٍ يُخبر بذلك فيه عن نفسه(٤) . لذلك اختلفت الأنظار في شأن تصريح أبي هريرة بالخروج مع النبي ◌َّسير، أو فتحها مع المسلمين، في قوله: ((خرجنا)» أو (١) فتح المغيث، للسخاوي (١٥٧/٢). (٢) فتح المغيث، للسخاوي (١٥٨/٢). (٣) موطأ الإمام مالك (٤٥٩)، وصحيح البخاري (رقم ٤٢٣٤، ٦٧٠٧)، وصحيح مسلم (رقم ١١٥). (٤) انظر: صحيح البخاري (رقم ٢٨٢٧)، وأيضاً: مسند أحمد (٣٤٥/٢ - ٣٤٦)، وصحيح ابن حبان، الإحسان (رقم ٧١٥٦). ٥٢٢ («فتحنا»، فمن العلماء من وهّم راوي هاتين اللفظتين (١)، ومنهم من جَرَى مَجْرى التأويل. ولا شك أن التوهيم صعب! إذ الحديثُ في الصحيحين والموطأ، وما دام للتأويل مكانٌ فهو الأولى. فقيل: إنه عنى بقوله: ((خرجنا إلى خيبر)) خرجنا من خيبر(٢) . وقيل: إنه عنى بقوله: ((افتتحنا)) افتتح المسلمون(٣). وعلى هذا التأويل الثاني يكون أبو هريرة قد تأول مثل التأويل المنسوب إلى الحسن البصري في صيغ الأداء! وشاهد آخر، لكنه لا يصح: ما أخرجه ابن عدي في (الكامل) ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أنه قال: ((لم يكن فينا فارس يوم بدر إلا المقداد بن الأسود» (٤). قال ابن عساكر عقبه: ((قوله: ((فينا)) يعني المسلمين، لأن البراء لم يشهد بدرًا))(٥). قلت: لكن الأثر معلول، أعله الدارقطني في (علله)، بأن الصحيح المحفوظ في الحديث: أنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لا عن البراء(٦)! وحينها لا يكون هناك تأويل، لأن عليّا من شيوخ بدر وأبطالها المعدودين. ١) انظر: تحفة الأشراف، للمزي (٤٥٨/٩ - ٤٥٩ رقم ١٢٩١٦)، وفتح الباري، لابن حجر (٥٥٨/٧ - ٥٥٩). (٢) انظر: النكت الظراف على الأطراف، لابن حجر (٤٥٩/٩). (٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٥٥٨/٧). (٤) الكامل لابن عدي (١٨/٢)، وتاريخ دمشق، لابن عساكر - خط - (١٧/ ١٤٠ - ١٤١). (٥) تاريخ دمشق، لابن عساكر - خط - (١٧/ ١٤١). (٦) علل الدارقطني (١٨٤/٣ رقم ٣٤٨). ٥٢٣ وقد استشهد السيوطي في (تدريب الراوي)(١) بهذا الخبر عن البراء رضي الله عنه، على جواز التدليس، وفي هذا الاستشهاد مافيه، كما سلف! وإليك ما يشهد لذلك أيضًا: ما أخرجه الطحاوي في (مشكل الآثار) وفي (شرح معاني الآثار)، قال: ((حدثنا فهد (٢) وأبو زرعة الدمشقي(٣) قالا: حدثنا أبو نعيم(٤) قال: حدثنا مسعر(٥)، عن عبد الملك بن ميسرة (٦)، عن النَّزَّال بن سَبْرةُ(٧)، قال: قال لنا رسول الله بَلّر: ((إنَّا وإياكم كنا في الجاهلية ندعى بني عبد مناف، فأنتم اليوم: بنو عبد الله، ونحن: بنو عبد الله، يعني: لقوم النزال))(٨). وهاك شاهدًا غريبًا، وقع من الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى! أسند ابن حبان في (المجروحين) إلى علي بن سعيد (١) تدريب الراوي، للسيوطي (٢٣٢/١). (٢) هو ابن سليمان بن يحيى أبو محمد الكوفي الدلال (ت ٢٧٥هـ)، قال ابن يونس في (الغرباء من المصريين): ((كان ثقة ثبتاً)، انظر: كشف الأستار عن رجال معاني الآثار، لرشد الله السندهي (٨٥)، وتراجم الأحبار، لمحمد بن أيوب المظاهري (٢٤٢/٣). (٣) هو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، من كبار الحفاظ، تقدَّم. (٤) هو الفضل بن دكين الكوفي، أبو نعيم، المُلائي (ت ٢١٨ هـ، وقيل: ٢١٩ هـ). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٥٤٠١): ((ثقة ثبت)). (٥) هو ابن كدام الهلالي، أبو زيد الكوفي، (ت ٣ - أو - ١١٥ هـ). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٦٠٥): ((ثقة ثبت فاضل)). (٦) عبد الملك بن ميسرة الهلالي، أبو زيد الكوفي. قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٢٢١): ((ثقة)). (٧) النزال بن سبرة الهلالي الكوفي. قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٧١٠٥): ((ثقة، وقيل: إن له صحبة)). (٨) مشكل الآثار (رقم ٣٢٣٩)، وشرح معاني الآثار، للطحاوي (٤٥٠/١). ٥٢٤ النسائي(١) أنه قال: ((سمعت أحمد بن حنبل يقول: من سمع من ابن لهيعة قديمًا فسماعه صحيح، قدم علينا ابن المبارك سنة تسع وسبعين فقال: من سمع من ابن لهيعة منذ عشرين سنة فهو صحيح. قلت له: سمعتَ من ابن المبارك؟ قال: لا))(٢). فهذا من الإمام أحمد تأول، فهمه تلميذه على ظاهره، فعرَّفه الإمام أحمد أنه على غير ظاهره! ولعله أراد: قدم على أهل بغداد. ثم خُذْ شاهدًا من الشعر: قال كُثَيِّرُ عزَّة يمدح محمد بن علي: ابن الحنفية رحمه الله: هو المهديُّ خَبَّرَنَاه كَعْبٌ أخو الأحبارِ في الحِقَبِ الخوالي (٣) فأخرج الرامهرمزي في (المحدث الفاصل)، وأبو الفرج الأصبهاني في (الأغاني)، بإسنادهما إلى مصعب بن عبد الله الزبيري (ت ٢٣٦ هـ) أنه «قيل لكثير: لَقِيتَ كعبَ الأحبار؟ فقال: لا. قيل: فلم قلت: ((خَبَّرَنَاهُ كعبٌ))؟ قال: بالوَهْم)،(٤). قلت: فهذه كلها شواهد تدل على جواز هذا التأوّل لغة وشرعًا، وأنه لا حرج على فاعل ذلك، إذا لم يكن ينوي بفعله ذلك الغش والتشبع بما لم يعط. والحسن البصري إن ثبت عنه التأول في صيغ الأداء، كما (١) علي بن سعيد بن جرير النسائي، نزيل نيسابور (ت بضع وخمسين ومائتين). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٧٣٧): ((صدوق صاحب حديث)). انظر: طبقات الحنابلة (٢٢٤/١ - ٢٢٥). (٢) المجروحين، لابن حبان (١٢/١). (٣) ديوان كثير عزة (٢٣٢ رقم ٢٥). (٤) المحدث الفاصل، للرامهرمزي (رقم ٦٥٧)، والأغاني، لأبي الفرج الأصبهاني (١٦/٩ - ١٧). ٥٢٥ ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه وغيره، فلا شك أنه أنقى سريرةً، وأخلصُ نيةً، وأبعدُ عن أغراض الدنيا - ولا أُزكّي على الله أحدًا - من أن يكون فِعْله ذلك لنيّةٍ ذميمة، وحاشاه! ـبات تأوّل أمَّا ثبوت التأول عن الحسن البصري: فعامة المتقدمين أثبتوا تأول الحسن في صيغ الأداء، منهم: حسن في يغ السماع محتملة ـأويل] علي بن المديني، الذي أنكر أن يكون الحسن قد سمع مِنْ كلٍ مِنْ: سراقة بن مالك، وعبد الله بن عباس، ومجاشع بن مسعود، رضي الله عنهم، مع تصريح الحسن بالسماع منهم، فاعتبر علي بن المديني أن ذلك التصريح مُؤَوَّلٌ على غير ظاهره، وأن الحسن قصد بصيغة التصريح: أهلَ بلده، أو قومَه، أو نحو ذلك من التأويل(١) . وأبو حاتم الرازي، والبرديجي: أثبتا التأول على الحسن البصري، كما ستراه - إن شاء الله تعالى - في مبحث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما(٢). والطحاوي أثبت أيضًا هذا التأول، كما سيأتي في مبحث عتبة بن غزوان(٣) إن شاء الله تعالى. والخطيب البغدادي مثّل بتأول الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، على التأول في صيغ الأداء(٤). وقال الإمام أبو بكر البزار كلامًا عن تأول الحسن البصري، (١) انظر مبحث سراقة وابن عباس رضي الله عنهما فيما سيأتي (١٠٩٩، ١٥٨٩)، وانظر العلل لابن المديني (٥١). (٢) انظر ما سيأتي (١٥٩٠ - ١٥٩١). (٣) انظر ما سيأتي (١٨٠٣، ١٨٠٥ - ١٨١٠). (٤) انظر الكفاية للخطيب (٣٢٤). ٥٢٦ فاعتنى بنقله المتأخرون، حتى ظنّه بعضهم الكلام الوحيد الذي نسب التأول في صيغ الأداء إلى الحسن البصري. قال البزار: ((سمع الحسن البصري من جماعة من الصحابة، وروى عن جماعة آخرين لم يدركهم، وكان صادقًا متأولاً في ذلك، يقول: حدثنا وخطبنا، يعني قومه الذين حُدِّثوا وخطبوا بالبصرة))(١) . قلت: ومع إثبات هؤلاء الأئمة لوقوع هذا التأول من الحسن البصري، وكفى بهم! إلا أنَّه قد ثبت عندي بالدليل القاطع حصوله من الحسن. فسوف يأتي في مبحث عتبة بن غزوان رضي الله عنه، - إن شاء الله تعالى - أن الحسن قد قال - فيما ثبت عنه -: ((خطبنا عتبة بن غزوان ... )) و((قدم علينا عتبة بن غزوان ... )) و((قال لنا ... ))(٢). مع أنَّ الحسن لم يولد إلا بعد وفاة عتبة بن غزوان ببضع سنوات ... اتفاقًا! كما ستراه مُثْبَتًا في المبحث المشار إليه. ونحوه قول الحسن: ((أن سراقة بن مالك حدثهم .. )). مع أنَّ سراقة بن مالك رضي الله عنه توفي وللحسن ثلاث سنوات، كما سيأتي في مبحث سراقة بن مالك رضي الله عنه، بإذن الله تعالى (٣). فهذا يقطع بالدليل البيّن على وقوع هذا التأول من الحسن! وهذا سوى ما قامت القرائن القوية على ترجيح تأول الحسن (١) نصب الراية، للزيلعي (٩٠/١). (٢) انظر ما سيأتي (١٨٠٥ - ١٨١٠). (٣) انظر ما سيأتي (١١٠٠ - ١١٠٤). ٥٢٧ لصيغة السماع فيه، كما ستراه - إن شاء الله تعالى - أيضًا في مبحث أبي هريرة، وأم سلمة، رضي الله عنهم أجمعين. لكن بعض المتأخرين أنكروا وقوع هذا التأول، لا من الحسن خاصة، بل أنكروا وقوعه من الثقات ... مطلقًا! ومن هؤلاء الحافظ العلائي في (جامع التحصيل)(١). واحتج العلائي بثلاث حجج(٢): الأولى: أنَّه قد اتفق أهل الحديث على قبول ما قال فيه المدلس الثقة: ((حدثنا)) أو ((أخبرنا))، فمتى تطرق وهم التدليس إلى هاتين اللفظتين، أدى ذلك إلى أنه لا يقبل من مدلس خبر أبدًا ... والإجماع على خلافه. الثانية: أنَّ ما ورد بصيغة السماع التي تحتمل التأول، ليس لنا معها إلا أحد وجهين، الأول: إثبات السماع، الثاني: الحكم على رواة هذه الصيغة عن قائلها بالوهم والغلط فيها. ومثّل العلائي لذلك بما ذُكر عن الحسن أنه قال: ((حدثنا أبو هريرة))، فإن أبا حاتم وأبا زرعة الرازيين حَكَمًا بالغلط على راوبي هذه الصيغة عن الحسن، بينه وبين أبي هريرة رضي الله عنه، ولم يَسْلُكَا مَسْلَكَ الخطيب وغيره، من أنَّ الحسن تأوَّل الصيغة، وفِعْلُ الرازيين هو الصواب عند العلائي، لا فعلُ الخطيب! الثالثة: أن (حدثنا) و(أخبرنا) أرفعُ من (سمعت) على أحد الوجوه، ذلك لأن الشيخ إذا لم يقصد إسماع الراوي، فليس للراوي أن يقول: (حدثنا) أو (أخبرنا) ولكن يقول: (سمعت). (١) انظر جامع التحصيل، للعلائي (١١٥). (٢) جامع التحصيل، للعلائي (١٥٥). ٥٢٨ فإذا كانت (حدثنا) و(أخبرنا) أرفع، فكيف تكونان أدنى من (سمعت) في أنهما تُؤَوَّلان ... ولا تُؤوّل(١)،! قلت: واحتج السخاوي في (فتح المغيث)، بنو الحجة الثانية، لا في إنكار وقوع التأول مطلقًا ... كالعلائي، ولكن في إنكار وقوع التأول في خصوص رواية الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه(٢). والرد على من أنكر التأول في صيغ السماع من وجوه: الوجه الأول: أنَّ ثبوت التأول في نحو (حدثنا) و(أخبرنا) عن بعض الرواة القِلّة، وفي النادر عنهم، لا يلزم منه تطرق احتمال التأول في نحو هاتين الصيغتين مطلقًا ... في جميع الرواة، ولا في كل روايات من ثبت عنه التأول أيضًا. وهذا مثل (التدليس)، فإن وجود من يُدلس (عن) في مالم يسمعه، لم يلزم منه رد العنعنة مطلقًا. كما أنَّ من عُرِف بالتدليس القليل النادر، لم تُرَدَّ عنعنتُه أيضًا مطلقًا. والجامع بين الأصل والفرع: أن الغالب على (حدثنا) و(أخبرنا) الدلالة على السماع، كما أنَّ الغالب في (عن) أنها محمولة على الاتصال. والحكم للغالب، وأمَّا النادر فلا حكم له. بل الفرع، وهو هنا: (حدثنا) و(أخبرنا) دلالته على السماع أغلب وأقوى من دلالة (عن) على الاتصال؛ لأن (حدثنا) و(أخبرنا) دلالتهما على السماع بأصل وضعهما اللغوي، أمَّا (عن) فدلالتها على الاتصال بعرف استخدام المحدثين، لا من أصل (١) المصدر السابق. (٢) فتح المغيث، للسخاوي (١٥٦/٢). ٥٢٩ اللغة (١)، بل زعم بعضهم أنَّ (عن) لا تدل على الاتصال حتى في العُرف(٢). وما أحرى أن يكون الفرع هنا هو الأصل، وأن الأصل هو الفرع !! وليس قولي: (غالب) و(أغلب) مجازفات لا رصيد له من البحث والجهد، بل هو ما ثبت بعد استقراء واسع لكتب تراجم رواة الحديث، وتواريخهم، وغيرها، ومن بين ذلك: (المراسيل) لابن أبي حاتم، و(جامع التحصيل) للعلائي، و(تحفة التحصيل) لأبي زرعة العراقي، و(تهذيب التهذيب) لابن حجر. فكانت حصيلةَ من ذُكر أنه تأوَّل في (صيغ السماع) الأسماءُ الآتيةُ، فهم كل من تأوَّل أو قيل أنه تأوَّل: ١ - الحسن البصري: وهو مبحثنا هذا. ٢ - ثابت بن أسلم البناني: نسبه إلى (التأول) علي بن المديني، في (علله)(٣). ٣ - خُلَيْد بن عبد الله العصري: نسبه إلى ذلك يحيى بن معين، كما في (المراسيل) لابن أبي حاتم، وغيره(٤). ٤ - وطاوس بن كيسان اليماني: نسبه إلى ذلك الطحاوي في (شرح معاني الآثار)(٥). (١) السنن الأبين، لابن رشيد (٤٣، ٤٥). (٢) السنن الأبين، لابن رشيد (٢٢). (٣) العلل لابن المديني (٥١ رقم ٥٠). (٤) المراسيل، لابن أبي حاتم (٥٥ رقم ١٩٧)، وتحفة التحصيل لأبي زرعة العراقي (١٦٢/ ب). (٥) شرح معاني الآثار، للطحاوي (٤٥١/١). ٥٣٠ ٥ - وسعيد بن فيروز أبو البختري: نسبه إلى ذلك أبو حاتم الرازي، كما في (المراسيل)، لابن أبي حاتم، وغيره(١). ٦ - وفطر بن خليفة: نسبه إلى ذلك يحيى بن سعيد القطان، كما في (الضعفاء) للعقيلي (٢)، وعنه في (فتح المغيث) للسخاوي(٣). ٧ - وقتادة بن دعامة السدوسي: أشار إلى احتمال نسبته إلى ذلك ابن القطان الفاسي في (بيان الوهم والإيهام) (٤). ٨ - ومجاهد بن جبر: نسب إلى ذلك في كلام ليحيى بن معين، كما في (تاريخه)(٥) و(تهذيب التهذيب)(٦). هؤلاء هم جميع الرواة الذين وجدتهم، ممن قيل بأنهم تأولوا في شيء من رواياتهم صيغة السماع على غير ظاهرها فيما لم يسمعوه. وهؤلاء هم وحدهم حصيلة ذلك الاستقراء الواسع، في جُلّ كتب تراجم الرواة، وغيرها، من مصادر هذا البحث. وأنبِه بخصوص هؤلاء الرواة إلى ثلاث مسائل: أولاً: أنّي لم أُدخل معهم من قيل إنه استخدم (أخبرنا) أو (حدثنا) في الإجازة أو الوجادة، لأن مع فاعل ذلك طرفًا من (١) المراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٢٧٢)، وتحفة التحصيل للعراقي (١٦٤/أ). (٢) الضعفاء للعقيلي (٤٦٥/٣)، ووقع فيه تحريف، صوابه في المصدر التالي. (٣) فتح المغيث، للسخاوي (٢١١/١ - ٢١٢). (٤) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان الفاسي (١٣٠/١/أ - ب). (٥) التاريخ، ليحيى بن معين (رقم ٣٧٠، ٤١١)، وسؤالات ابن الجنيد (رقم ٤٨). (٦) تهذيب التهذيب (٤٤/١٠). ٥٣١ طُرُق التحمُّل المقبولة، وإنما اقتصرت على من استخدم نحو تلك الصيغتين فيما لم يسمعه، أو عمن لم يلقه أصلاً. ثانيًا: أن هؤلاء الرواة الذين ذكرتهم كلهم لم يوصفوا بالتأويل في صيغ السماع مطلقًا، لكن ذُكِر لكل واحد منهم روايةٌ تأوَّل في صيغتها التي للسماع ... فيما لم يسمعه، ولذلك ذكرته. سوى فطر بن خليفة، فإن ظاهر كلام القطان أنه لا يُعتمد على شيء من تصريحه بالسماع، إلا فيما قال فيه: (سمعت)(١). ثالثًا: أن أكثر أولئك الرواة تأولاً في صيغ السماع هو فطر بن خليفة، كما هو ظاهر كلام القطان. ثم يأتي الحسن البصري، الذي ذكرت له خمسة رواة تأوَّل في الرواية عنهم بصيغة السماع، ولم يسمع منهم، كما سبق فيمن أثبت تأول الحسن البصري، وهؤلاء الرواة هم من الصحابة، وهم: سراقة بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعتبة بن غزوان، ومجاشع بن مسعود، وأبو هريرة، ويمكن إضافة سادس لهم، وهي: أم المؤمنين أم سلمة ... رضي الله عنها وعنهم أجمعين. وبعد هذا الذي يشبه الاستطراد، وليس باستطراد، أعود إلى مناقشة كلام العلائي في إنكار حصول التأول. وأكمل الوجه الأول في الرد عليه رحمه الله. فقد ظهر من أولئك الرواة أنهم أندر من النادر، فكلهم ثمانية رواة! وأين ثمانية رواة من آلاف رواة السنة؟! وأيُّ تأثيرٍ لأولئك الثمانية يُمكن أن يقضي على صيغة تدلّ على السماع لغة واصطلاحًا؟! بل وكما سبق أن قلنا: إن هؤلاء الرواة أنفسهم لم يُطلق (١) انظر: الضعفاء للعقيلي (٤٦٥/٣)، وفتح المغيث، للسخاوي (٢١١/١، ٢١٢). ٥٣٢ عليهم أنهم يتأولون صيغ السماع، ولا زعم أحد أنهم مردودوا التصريح بالسماع مطلقًا! إلا ما كان من القطان في حق فطر بن خليفة . فإذا كان تأول هؤلاء الرواة الثمانية لندرته عنهم لم يؤثر في باقي صيغهم التي يذكرونها، فمن باب الحق والصواب، الذي لا سواه إلا الباطل والخطأ، أن لا يكون لتأول هؤلاء الرواة الثمانية أثرٌ على صيغ السماع وقبولها مطلقًا. إذًا فلا وجه لاعتراض العلائي الأول، الذي زعم فيه: أن القول بالتأول يُفضي إلى عدم الاعتماد على صيغ السماع التي تحتمله مطلقًا! وإلى رد رواية المدلسين .. بلا تفصيل .. أبدًا! والوجه الثاني في الرد على العلائي: أن العلائي باعتراضه على حصول التأول في بعض صيغ السماع، كالدافع بالصدر، وكحاجب الشمس بكفيه ... فلم یحجبها إلا عن عينه! فالتأول من الحسن البصري ثابت لا مراء فيه، كما سبق، ومُثبتو التأول جماعةٌ من أئمة النقاد وجهابذتهم! فلا سبيل لإنكاره، بل ولا معنى لنفي وجوده !! وهذا الرد وإن كان هو الرد حقًّا، فإنما جعلته ثانيًا لأسباب منها: أني أردت بيان عدم صحة اعتراض العلائي الأول، وأن أنقض اعتراضاته بالترتيب؛ ثم إن مجيء هذا الرد بعد سرد الرواة الذين وصفهم الأئمة بالتأول، مع الأئمة الذين كنت قد نقلتُ وَصْفَهم الحسن البصري بالتأول، جعل الحقَّ أجلى، ودَفْعَهُ للباطل أقوى، بدلالة كثرة الأئمة الذين أثبتوا لبعض الرواة أنهم تأولوا في صيغ السماع. فبعد أن قام الدليل القاطع على تأول بعض الرواة لصيغ ٥٣٣ السماع، وبعد أن تكلم بإثباته أصحاب الشأن، ما بقي لقائل مقال! إلا التوجيه والتفسير، والتعليل! والوجه الثالث في الرد على العلائي رحمه الله: يتعلق بالوجه الثاني من اعتراضات العلائي، وهو: أن ما ذكر عن الحسن من قوله: ((حدثنا أبو هريرة)) ليس له إلا أحد طريقين: الأول: إثبات السماع، والثاني: تغليط من ذكر الصيغة ممن رواها عن الحسن، كما فعل أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، في توهيم رواة السماع بين الحسن وأبي هريرة رضي الله عنه. والرد على ذلك بما يلي: أنَّ حصر العلائي لِمَا يلزمُ فعلُه أمامَ صيغةِ السماع المشكلةِ في طريقين، حَصْرٌ باطل، وتحكّمٌ لا وجه له، بل يلزم في بعض الأحيان اتباعُ طريقة ثالثة، سوى طريقي العلائي اللذين أجبرنا عليهما! وذلك في مثل ما لو صرح الراوي بالسماع بنحو (حدثنا) عمن توفي قبل ولادة الراوي، وصحَّ ذِكْرُ هذه الصيغة، من وجوه ثابتة عن الراوي: إما بجلالة من ذكر صيغة السماع عن ذلك الراوي، أو بكثرة عددهم، فما القول حينها؟ لم يبق إلا القول بالتأوُّل في صيغ السماع. بل لو تفرد ثقة عن أحد الرواة بذكر صيغة للسماع تحتمل التأول، عمن لا يمكن لقاءُ الراوي به، لمثل أن وفاته قبل ولادة الراوي، فالقول بتوهيم الثقة هنا مجانب للصواب، لأن الأصل في الثقة عدم الوهم، فكل مَحمَلٍ سوى توهيم الثقات يُمكن الحملُ عليه، نقول به، ولا نتجزّأُ على توهيم الثقات بلا برهان يقوى عليه. ولذلك أمثلة: الحسن عن عتبة بن غزوان، والحسن عن سراقة .. كما سيأتي في مبحثهما (١) إن شاء الله تعالى. (١) انظر ما يأتي (١١٠٠ - ١١٠٤، ١٨٠٤، ١٨٠٩). ٥٣٤ أمَّا ما مثّل به العلائي من توهيم أبي حاتم وأبي زرعة لروايتي السماع بين الحسن وأبي هريرة، فليس ذلك منهما رحمهما الله لإنكار التأول، بدليل أن أبا حاتم أثبت التأول من الحسن البصري في تصريحه بالسماع من عبد الله بن عباس، كما سبقت الإشارة إليه، وكما سيأتي في مبحثه الخاص(١) إن شاء الله تعالی. ولا أنَّ الرازيين وهَّما ثقة عندما وهما راوي تلك الصيغة بين الحسن وأبي هريرة، لأن راوييهما، وهما: ربيعة بن كلثوم، وسالم الخياط، ليسا بأهل للثقة، ولا من أهل الاحتجاج أصلاً! أمّا سالم الخياط فسبقت الترجمة له، وأنه ضعيف، وأنه أيضًا معروف بالوهم في صيغ الأداء خاصة! وأمّا ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، قال عنه الحافظ : ((صدوق يهم))(٢). فمثل ربيعة هذا لا يحتمل التفرّد، فضلاً عن المخالفة الحقيقية لكبار تلامذة الحسن. كما ستراه إن شاء الله تعالى، إن أذن ربي في إتمام هذه البحث مستقبلاً. ثم إن من أثبت تأول الحسن في تصريحه بالسماع من أبي هريرة لم يعن رواية هذين الراويين، وإنما عنى رواية غيرهما لهذه الصيغة، ممن يمكن الاحتجاج بحديثه، كما ستراه مفصلاً في موضعه(٣) إن شاء ربي سبحانه وتعالى بأن أكمل مباحث هذا الموضوع مستقبلاً. فما الذي بقي للعلائي - رحمه الله - من اعتراضه هذا؟! (١) انظر ما سيأتي (١٥٩٠). (٢) التقريب (رقم ١٩١٧). (٣) انظر السنن الصغرى للنسائي (رقم ٣٤٦١)، ومسند الإمام أحمد (رقم ٨٧٢٧). ٥٣٥ والوجه الرابع في الرد على العلائي: وذلك حول اعتراض العلائي بأنَّ (حدثنا) و(أخبرنا) أرفع من (سمعت)، للتعليل الذي ذكره، وسبق أن نقلناه عنه(١). قلنا: وسلَّمْنا أن (حدثنا) و(أخبرنا) أرفع من (سمعت) .. على وجه، فماذا كان؟! و(حدثنا) و(أخبرنا) تحتمل من التأويل ما لا تحتمله (سمعت)، كما يعرفه كل من عرف اللغة. فمن هذه الناحية: (سمعت) أرفع من (حدثنا) و(أخبرنا) كما لا يخفى. وإلى هنا نكون قد بينا ما في اعتراضات العلائي من أوجه النظر، وأنها لا تقوى على دفع ما أُرِيدَ لها دفعُه، بل ما زادتنا اعتراضاتُ العلائي إلا يقينًا من وقوع التأول في صيغ الأداء، حيث استخرجت بعضَ خوافي المسألة، واستجلت باقي نواحيها، مما زادها ظهورًا، ووضوحًا. [كيف نُثبت ثم نأتي إلى آخر مسائل هذا المبحث، وهي: كيف نُثبِتُ عن الراوي على الراوي أنه تأول في صيغة السماع؟ وكيف نعامل الرواة الذين ثبت عنهم ذلك؟ أنه تأول في صيغ السماع] وقد كنا أشرنا إلى بعض الإجابة عن ذلك، فيما سبق، ونعود إليه بشيء من التفصيل. قال ابن دقيق العيد في (الاقتراح): ((ورد في بعض الروايات عن الحسن: حدثنا أبو هريرة، فقيل: إنه أراد: حدَّث أهل بلدنا، وهذا إن لم يقم دليل قاطع على أنَّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة، لم يَجُزْ أن يُصار إليه))(٢). قلت: وكلام ابن دقيق العيد كلام دقيق، لكنه يحتاج إلى بيانٍ: الدليل القاطع الذي يُجيزُ القول بالتأول ... ما هو؟ (١) انظر ما سبق (٥٢٨ - ٥٢٩). (٢) الاقتراح، لابن دقيق العيد (٢١٣ - ٢١٤). ٥٣٦ فالدليل القاطع هو: مثل وفاة الشيخ قبل ولادة الراوي عنه، أو العلم اليقيني بعدم اجتماع الراويين في بلد واحد، أو إخبار الراوي عن نفسه بعدم لقائه لذلك الشيخ، من وجه ثابت عنه. فإذا تحقق للراوي أحد هذه الأدلة القاطعة بعدم السماع، فيمن صرَّح بالسماع منه بصيغة تحتمل التأول، جاز حينها المصير إلى القول بتأول الراوي لصيغة السماع على غير ظاهرها. لكني أقيِّد كلام ابن دقيق العيد هذا، في أنه لا يجوز المصير إلى القول بالتأول إلا بالدليل القاطع، أقيد هذا بمن لم يثبت عنه التأول من قَبْلُ بالدليل القاطع، فإذا ثبت عن الراوي التأول بالدليل القاطع، ثم .. وفي مسألة أخرى عن شيخ آخر، ذكر صيغةً تحتمل التأول، وقامت القرائن القوية - لا الدلائل القطعية - على عدم اللقاء، جاز حينها أيضًا القول بالتأول. بل أوسع الدائرة قليلاً، وأقول: حتى من لم يثبت عنه التأول بالدليل القطعي، لكنه عُرِف بالتدليس، فإذا صرَّح بصيغة تحتمل التأول، وقامت القرائن القوية على عدم السماع، جاز القول بالتأول في الصيغة أيضًا. والذي دعاني إلى هذا التوسع في القول بالتأول، أمور عدَّة: الأول: استنباطًا من تصرفات النقاد مع الحسن البصري مثلاً، فإنه بعد ثبوت التأول من الحسن بالدلائل القطعية عن عتبة بن غزوان، وسراقة بن مالك رضي الله عنهما(١) - أجدُ العلماء قد قالوا بتأوله في صيغ السماع مع من لم تقم الدلائل القطعية على عدم سماعه منه، ولكن قامت القرائن القوية به، وذلك في مثل أبي هريرة رضي الله عنه(٢). وأذكر لك مثالاً على توسعي الأكبر في هذه المسألة، وهو (١) انظر ما سيأتي (١٠٩٩ - ١١٠٤، ١٨٠٣ - ١٨١٠). (٢) سبقت الإشارة إلى ذلك، انظر (٥٣٥). ٥٣٧ قولي بجواز القول بالتأول حتى فيمن لم يثبت عنه التأول بالدلائل القطعية، وذلك فيما إذا كان الراوي مدلسًا، وقامت القرائن القوية على عدم سماعه، مع تصريحه بالسماع بصيغة تحتمل التأول. مثال ذلك: ما قاله ابن القطان الفاسي في (بيان الوهم والإيهام)، قال: ((وذكر من طريق مسلم، عن ابن عباس: ((أن النبي ﴿ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم ... الحديث(١) وهو حديث يرويه هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس ... هكذا، معنعنا، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فقال فيه: أن أبا العالية حدَّثهم عن ابن عباس، وهذا ليس من المدلس تصريحًا بأنه سمعه، ولا أنه حدثه به، لاحتمال أن يكون يعني بقوله: أن أبا العالية حدَّثهم: أنه حدَّث الناس غيره، وهذا لم يكن لنا أن نتعسَّف به لولا أنَّ شعبة قد قال: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث: يونس بن مثَّى، وحديث: ابن عمر في الصلاة، وحديث: القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس: حدثني رجال مرضيون منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر، هكذا ذكر أبو داود عن شعبة، في باب الوضوء من النوم(٢)، أمَّا الترمذي فإنه ذكر عن ابن المديني، عن يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث: حديث يونس بن متّى، وحديث عمر، وحديث القضاة، ذكر ذلك في باب النهي عن الصلاة، بعد العصر (٣) والصبح (٣). فعلى هذا: سماع قتادة من أبي العالية لهذا الحديث مشكوك فيه، فاعلم ذلك))(٤). (١) صحيح مسلم (رقم ٢٧٣٠). (٢) سنن أبي داود (١٣٩/١ - ١٤٠ عقب الحديث رقم ٢٠٢). (٣) الجامع للترمذي (٣٤٤/١ - ٣٤٥ عقب الحديث رقم ١٨٣). (٤) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (٣٠/١/أ - ب). ٥٣٨ انتهى كلام ابن القطان، ولستُ هنا في معرض إقراره أو معارضته في هذه الجزئية، حول هذا الحديث، ولكنّي في معرض إقرار هذا المنهج الذي سار عليه. وتَصَرُّفُ ابنِ القطان هذا نص، أو قريبٌ من النص، على ما قررناه آنفًا، من أن الراوي المدلس، إذا صرَّح بصيغة السماع المحتَمِلَةِ للتأول، وقامت قرائنُ قويةٌ على عدم السماع، جاز القول بالتأول. الثاني: أن تضييق القول بالتأول، الوارد في كلام ابن دقيق العيد، لا تختص به صيغ السماع المحتملة للتأول القريب، كـ(حدثنا) و(أخبرنا)، بل يتعدَّى ذلك إلى مثل (سمعت). مثال ذلك: ما قاله البلقيني في (محاسن الاصطلاح) حيث ذكر حديث الرجل الذي يقتله الدجال، وأن الرجل يقول له: ((أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله وَالر ... الحديث)) وقد سبق(١)، ثم ذكر البلقيني أنَّ ذلك لا يخالف أنَّ الأصل في (حدثنا) ونحوها الدلالة على السماع، ثم قال معللاً حديث الرجل الصالح مع الدجال: ((لأن [الكلام إنما هو] حيث كان السماع ممكنًا، [وأمَّا إذا كان غير ممكن]، فحينئذ تَعَيَّنَ الحمْلُ على المجاز بالقرينة، نحو قول أبي طلحة: إني سمعت الله يقول: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُبُّونَ﴾(٢) ... الحديث، والمراد: سمعتُ كلامَ الله))(٣). انتهى كلام البلقيني، والزيادتان اللتان بين المعقوفتين من (النكت على كتاب ابن الصلاح) لابن حجر(٤)، حيث نقل كلام شيخه بزيادتها، وهي زيادة تزيد كلام البلقيني وضوحًا. (١) انظر ما سبق (٥٢١ - ٥٢٢). (٢) سورة آل عمران: الآية ٩٢. (٣) محاسن الاصطلاح، للبلقيني (٢٣٤ - ٢٣٥). (٤) النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر (٦٣٣/٢ - ٦٣٤). ٥٣٩ قلت: فإذا كان الدليل القطعي على عدم السماع، يصح معه صرف وتأويل (سمعت) على غير ظاهرها، وهي - أعني: (سمعت) . أقوى من (حدثنا) و(أخبرنا) ونحوهما، اللاتي هُنَّ - أعني: (حدثنا) ونحوها - أكثر احتمالاً للتأول من (سمعت)، ظهر من ذلك أن التأول في (حدثنا) ونحوها يجب أن تكون شروطه أخف من الشروط التي جمعت (حدثنا) بـ(سمعت). وإلا لكنا قد تشددنا مع الأخف، فجعلناه في مرتبة الأقوى، وهذا ضرب من الظلم الذي يرفضه إنصاف العلم. إذ نحن بجعلنا (حدثنا) ونحوها في مرتبة (سمعت)، قد ألغينا ما في دلالة (حدثنا) ونحوها على التأوّل، اللاتي هُنّ فيه أقوى من (سمعت)، وهذا الإلغاء لهذا المعنى الذي تتضمنه (حدثنا) ونحوها ليس من حقنا .. وهذا هو الظلمُ عينه! ولذلك خَفّفتُ شَرْطَ القول بالتأول في (حدثنا) ونحوها، اعتبارًا لما تتضمنه من معنى يُخَوِّلُها للتأول أكثر من (سمعت)، التي دخلها التأول مع تَحَقُّقِ ذلك الشرط أيضًا. الثالث: أن قولي بتخفيف شرط القول بالتأول في (حدثنا) ونحوها، التخفيف الذي أوضحته آنفًا، يمكن استنباطه من القياس أيضًا، بعد أن استنبطناه من تصرفات النقاد، ومن دلالة اللفظ نفسه . ذلك أنهم أجروا على من ثبت عنه التدليس معاملة معينة، وحملوا ما ظهر لنا من تدليسه على ما خفي علينا من رواياته التي تحتمل التدلیس. كما قال الخطيب في (الكفاية): ((فإن قيل: لم إذا عُرف تدليسه في بعض حديثه وجب حمل جميع حديثه على ذلك؟ مع جواز أن لا يكون كذلك! قلنا: لأن تدليسه الذي بان لنا صيَّر ذلك هو الظاهر من حاله، كما أنَّ من عُرف بالكذب في حديث واحد صار الكذب هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع ٥٤٠