Indexed OCR Text

Pages 441-460

والذي ذهب إليه الأستاذ الدميني مسبوق إلى نتيجته، ولا
أدري؟ أأشار إلى من سبقه فيها، أم لم يشر؟! لأني لم أطلع على
دراسته حول قول البخاري: ((فيه نظر))، كما ذكرت آنفًا.
والذي سبقه إلى فهم قول البخاري: (فيه نظر) بأنه ليس
توهينًا شديدًا، هو أعلم الناس بالإمام البخاري، ألا وهو تلميذه
النقاد الجهبذ أبو عيسى الترمذي رحمه الله!
فقد نقل الترمذي في (العلل الكبير) أن البخاري قال عن
حكيم بن جبير: ((لنا فيه نظر))، فأعقبه الترمذي بقوله: ((ولم يعزم
فيه على شيءٍ»(١).
كذا فهم الترمذي عبارة شيخه، أنه متردد في حكيم بن
جبير، أو متوقف فيه، وهذا التردد هو شأن الرواة خفيفي
الضعف، الذين تتردد أحاديثهم بين التحسين والتضعيف.
وممن سبق الأستاذ الدميني أيضًا الحافظ الإمام ابن عدي في
كتابه (الكامل).
ولابن عدي أكثر من تفسير لقول البخاري: (فيه نظر):
فيظهر أنَّ هذه التفاسير تعتمد على اختلاف سياق كلام البخاري،
وإلى حال الراوي أو المروي في واقعه، كما يعلمه ابن عدي.
فمن ذلك أنه نقل عن البخاري أنه قال عن بكير بن مسمار:
((في حديثه بعض النظر)) فأعقبه ابن عدي بقوله: ((لم أجد في
رواياته حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به، والذي قاله البخاري
هو كما قال، روى عنه أبو بكر الحنفي أحاديث لا أعرف فيها
شيئًا منكرًا، وعندي أنه مستقيم الحديث ... ))(٢).
فانظر إلى قوله: ((والذي قاله البخاري هو كما قال))، مما
(١) العلل الكبير للترمذي (٩٦٩).
(٢) الكامل لابن عدي (٤٢/٢).
٤٤١

يعني متابعته له، ثم يقول عن بكير بن مسمار: (لا بأس به)
و(مستقيم الحديث).
وتفسير آخر لابن عدي: أنه ذكر في ترجمة ثعلبة بن يزيد
الحماني أنَّ البخاري قال عنه: ((سمع عليًّا، روى عنه حبيب بن
أبي ثابت، فيه نظر، لا يتابع في حديثه))، فقال ابن عدي: بعد
إخراجه حديثًا له: ((ولثعلبة عن علي غير هذا، ولم أر له حديثًا
منكرًا في مقدار ما يرويه، وأمَّا سماعه من علي ففيه نظر، كما
قال البخاري))(١) .
فها هو ابن عدي يفسِّر قول البخاري: (فيه نظر)، بأنه ينفي
وينكر سماعَ ثعلبةَ من علي رضي الله عنه!
فهذان إمامان متقدمان، من لُبَابِ الحديث وعلومه، ومن
أئمة المحدثين، لا يحملان قول البخاري: (فيه نظر) على أنه
جرح شديد كما ادُّعي! وكفى بهما في الجلائل العظام! فضلاً عن
فهم عبارةٍ كلَّهم أبو عُذْرِها، منهم بدأت وإليهم تعود !!
ونعود إلى قبيصة بن حريث لنقول: إن الترمذي عندما أخرج
حديثه قال: ((حسن غريب))(٢) فهو حُكم على قبيصة أنه لا ينزل
عن مرتية (الصدوق)، وهذا الحكم مما فات الحافظ ابن حجر في
(تهذيب التهذيب) في ترجمة قبيصة(٣).
وقد ذكر الحافظ في (التهذيب) أقوالاً أخرى: لموثقين،
ومُجهلين(٤). وقد خرج منها الحافظ، كما نقلناه أولاً بأن قبيصة:
(صدوق)، وهو كما قال.
(١) الكامل لابن عدي (١٠٩/٢).
(٢) جامع الترمذي (رقم ٤١٣).
(٣) التهذيب (٣٤٦/٨ - ٣٤٧).
(٤) المصدر السابق.
٤٤٢

فلا ضير على الحسن أن روى عن قبيصة بن حريث،
لأنه (صدوق) مقبول الراوية.
ثم هذا راوٍ آخر، ذكره الإمام مسلم فيمن تفرد بالرواية عنهم
الحسن البصري، ألا وهو:
١٦ - هياج بن عمران البُرْجُمي.
قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): ((هياج بن عمران بن
الفصيل، بفتح الفاء وكسر المهملة، التميمي، البصري،
مقبول))(١) .
قلت: ولا أدري لم قال الحافظ ذلك، مع أنه في
(التهذيب) نقل أن ابن سعد وثقه، وأن ابن حبان ذكره في
(الثقات)؛ مع ذكره لقول علي بن المديني عن هياج:
«مجهول))(٢).
وعبارة علي بن المديني في علله(٣).
ولفظ ابن سعد في توثيقه، هو قوله في (الطبقات): ((روى
عنه الحسن حديث المثلة عن عمران بن حصين، وكان ثقة قليل
الحديث))(٤).
فلئن تمسك الحافظ بتجهيل علي بن المديني له، فمتى يُقَدَّمُ
من عنده علم على من ليس عنده علم؟ إذا لم نقدم توثيقَ ابن
سعد على تجهيل علي بن المديني!
بل وتوثيق يحيى بن معين الضمني(6) لهياج بن عمران
یعاضد توثيق ابن سعد !!
(١) التقريب (رقم ٧٣٥٦).
(٢) التهذيب (٨٩/١١)، الثقات لابن حبان (٥١٢/٥).
(٣) العلل لابن المديني (رقم ٧٢).
(٤) الطبقات لابن سعد (١٤٩/٧).
(٥) انظر (٣٨١).
1
٤٤٣

ولئن تذكرنا التفسير الذي سبق أن فسرنا به الحكم بالجهالة
والعدالة على راوٍ في آن واحد، وفحواه: أنه لا تعارض بين
الوصف بهما (١)، تعلم أيضًا وجاهة قبول توثيق ابن سعد، بل
لزوم الأخذ به!
ولا أستبعد أنَّ الإمام الذهبي كان آخذًا بتوثيق ابن سعد
لهياج بن عمران، لقوله في (الكاشف) عنه: ((وُثْق))(٢)، مع أنه
قال عنه في (الميزان): ((وثقه ابن سعد وقال ابن المديني:
مجهول، فصدق علي))(٣).
ولم أستبعد أن الإمام الذهبي يُرجِّحُ توثيقَ هياج، مع قوله
هذا في (الميزان)، لأن تفسيرَنا للجهالة، الذي أشرنا إليه آنفًا،
يجعلني مع ميلي لتوثيق هياج، أقول أيضًا: صدق علي، كما قال
الذهبي! لأن هياجًا لم يرو عنه إلا الحسن، وهذا وحده هو معنى
الجهالة، فلا يعارضها أن ابن سعد سبر حديثه فوجده ثقة، ويغلب
على الظن أن يحيى بن معين مثله! وقد يكون علي بن المديني
أيضًا يعلم من ثقة هياج ما يعلمه ابن سعد وابن معين !! وإنما
وصفه بالجهالة لمجرد تفرد الحسن بالرواية عنه، ليس إلا !.
وإذا أردنا سبر حديث هياج بن عمران، فإن الأمر فيه
واضح! فقد تفرد عنه الحسن البصري، كما قال الإمام مسلم وأبو
داود. وكما لم يذكر أحدٌ ممن ترجم له راويًا عنه غير الحسن
البصري. وخلال استقرائي الواسع - بحمد الله تعالى - في كتب
السنة، لم أجد للحسن عن هياج إلا حديثًا واحدًا، فإذا به
الحديث الذي يظهر من كلام ابن سعد أنه حديث هياج بن عمران
(١) انظر ما سبق (٤٣١ - ٤٣٦).
(٢) الكاشف للذهبي (رقم ٦١١٩).
(٣) ميزان الاعتدال للذهبي (٣١٨/٤ رقم ٩٢٨٨).
٤٤٤

الوحيد. فوافق استقرائي ظاهرَ كلام حافظ مطلع، فاستيقنتُ منه،
ولله الحمد!
وحديث الحسن عن هياج، هو حديث هياج عن سمرة بن
جندب، وعمران بن حصين، كليهما عن النبي وَالفجر، أنه: ((كان
ينهى عن المثلة، ويأمر بالصدقة))(١).
وسيأتي تخريج هذا الحديث في مبحث سمرة بن جندب
رضي الله عنه، إن أذن ربي عز وجل.
فحديث (النهي عن المثلة، والأمر بالصدقة) هو حديث
هياج بن عمران الوحيد، وإليه يَخْتَكِمُ من أراد الحُكْمَ على هياج.
وظاهرٌ أنه حديثٌ لا نكارة فيه البتّة، ولا هو يتفردُ بحكم
جديد، فالنهي عن المثلة، والأمر بالصدقة: من مكارم الدين الثابتة
القطعية، والأدلة على ذلك متواترة.
فرجل من كبار التابعين، مثل: هياج بن عمران، وثقه ابن
سعد تنصيصًا، ووثقه يحيى بن معين في عموم له يشمل كل
شيوخ الحسن البصري، ثم حديثُ هذا الرجل حديثٌ لا غرابة فيه
ولا تفرد، فمن هذا الذي يتوقف عن توثيقه؟ !!
أمَّا الذي يتخذ رواية الحسن عن هياج دليلاً على ضعف
مراسيل الحسن، فهو من لا أَعْقِلُ عنه، ولا يَعْقِلُ عنّي !!
ثم ننتهي إلى راوٍ آخر ممن قد يُتكلم في مراسيل الحسن
لروايته عنه، وهو:
١٧ - وثَّاب مولى عثمان بن عفان:
قال الإمام البخاري في (التاريخ الكبير): ((وثاب مولى
(١) انظر ما سيأتي (١٢٣٢ - ١٢٤٩).
٤٤٥

عثمان بن عفان القرشي الأموي: سمع عثمان بن عفان، روى عنه
الحسن بن أبي الحسن، يعد في أهل المدينة)) (١).
بينما ذكره الإمام مسلم في (الطبقات) في الطبقة الأولى من
تابعي أهل البصرة، فقال: ((وثاب مولى عثمان بن عفان، روى
عنه الحسن)) (٢).
ولم يزد ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) شيئًا عما عند
البخاري(٣)! ولم أجد للحسن البصري عن وثاب سوى أثرين
اثنین :
الأول: في مقتل عثمان رضي الله عنه، وهو الخبر الذي
من أجله ذكروا في ترجمة وثاب أنه يروي عن عثمان بن عفان
رضي الله عنه.
الثاني: أثر يرويه وثاب عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، وهو شيخ آخر، فات من ترجموا لوثاب أن يذكروه في
ترجمته!
أمَّا خبر الحسن عن وثاب عن عثمان، في ذكر يوم الدار،
ومقتل عثمان رضي الله عنه، فهو خبر ليس فيه شيء مستنكر، بل
كل ما جاء في خبر وثاب عن حوادث ذلك اليوم مروي أيضًا من
غير طريق وثاب(٤).
(١) التاريخ الكبير للبخاري (١٩١/٨).
(٢) الطبقات لمسلم (رقم ١٧٠٨).
(٣) الجرح والتعديل (٤٨/٩).
(٤) انظر طبقات ابن سعد (٧٢/٣ - ٧٣)، ومصنف ابن أبي شيبة (١٤/
٥٨٩)، رقم (٣٧٠٧٩) (٢٠٠/١٥) (رقم ٣٧٦٥٤)، وتاريخ خليفة بن
خياط (١٧٠، ١٧٤)، وتاريخ المدينة لعمر بن شبة (١٣٠١/٤)، وتاريخ
الطبري (٣٧١/٤ - ٣٧٢)، والمعجم الكبير للطبراني (رقم ١١٦، ١١٨)،
ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (رقم ٢٥٧)، وتاريخ دمشق لابن عساكر -
ترجمة عثمان (٤٠٨ - ٤١٠، ٤١٤).
٤٤٦

وأمَّا أثره عن عمر، فهو ما أخرجه إبراهيم بن إسحاق بن
إبراهيم الحربي (ت ٢٨٥هـ) في (غريب الحديث)، قال: ((حدثنا
شجاع(١) حدثنا ابن عُلية، عن أيوب عن الحسن: حدثني وثاب،
قال عمر: إن قريشًا تريد أن تكون مُغَوَّيَاتٍ لمال الله، أمَّا وأنا حيٍّ
فلا))(٢) .
وإسناده صحيح.
والمغويات جمع مُغَوَّاة، وهي حفرة، كأنه قال: مفسدات
لمال الله تعالى(٣) .
وهذا الأثر أيضًا ليس فيه من النكارة شيء، بل ملامح
الفاروق رضي الله عنه ظاهرة عليه، ولهجة الحق التي كان ينطق
بها لسانه بادیة فیه.
وقد جاء في خبر الحسن عن وثاب في مقتل عثمان،
تعریف بوثاب، لم يرد في ترجماته!
قال الحسن البصري: ((أنبأني وثاب، وكان فيمن أدركه عتق
أمير المؤمنين عمر، وكان بين يدي عثمان، ورأيت بحلقة أثر
طعنتين، كأنهما كيتان، طعنهما يوم الدار ... ))(٤).
(١) شجاع بن مخلد الفلاس، أبو الفضل البغوي، نزيل بغداد (ت ٢٣٥هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)» (رقم ٢٧٤٨): ((صدوق، وهم في حديث
واحد، رفعه، وهو موقوف، فذكره بسببه العقيلي في الضعفاء».
قلت: رفع حديث واحد لا يحط الثقة عن كونه ثقة، فضلاً عن أن يكون
من الضعفاء! وشجاع بن مخلد أثنى عليه جماعة ثناء جليلاً يقضي بثقته،
فانظر التهذيب (٣١٢/٤ - ٣١٣)، وقد أنصفه الذهبي، حيث قدم ترجمته
في الميزان (٢٦٥/٢)، بقوله: ((أحد الثقات))، ثم ذكر الحديث المشار
إليه، فلم ينزله ذلك الحديث الذي رفعه عن أن يكون ثقة عند الذهبي.
(٢) غريب الحديث، للحربي (٢٢٣/١).
(٣) انظر غريب الحديث لأبي عبيد (٣٢٣/٣ - ٣٢٤)، وغريب الحديث
للحربي (٢٢٦/١).
(٤) انظر المصادر السابق ذكرها في تخريج الخبر.
٤٤٧

وفي رواية أخرى، قال الحسن: ((حدثني سياف
عثمان ... ))(١).
-----------
وفي أخرى: ((حدثني وثاب مولى عثمان ... ))(٢).
قلت: فهذا التعريف الذي ورد في رواية الحسن عن وثاب،
أعطانا ترجمة جديدة لوثاب، وصورة أوضح وأدق عنه، أكثر من
الترجمات التي سبق وأن نقلناها له!
فهو قديم أدركه العتق من زمن عمر رضي الله عنه، بل
وروى عنه. وهو مولى عثمان رضي الله عنه، وكان سيَّافًا له،
مقرّبًا إليه. حتى بلغ بوثاب أن حبس نفسه مع عثمان رضي الله
عنه يوم الدار، يوم مقتل عثمان رضي الله عنه، وأصاب وثابًا من
شر ذلك اليوم طعنتان في حلقة، رآها الحسن فيه.
ومثل هذا الرجل الجليل: من كبار التابعين، ومقرَّبٌ ذلك
التقريب إلى ثالث أربعة هم خيرة هذه الأمة بعد نبيها ◌َّر، ثم لم
يُزْو عنه شيء منكر، أو فيه غرابة، مثل هذا الرجل ... لا يميل
القلب إلا إلى أنه ثقة، بل أخجل من أن أصفه بالجهالة! ثم ألوم
الحسن: لِمَ يروي عنه؟ !!
ثم إن وصف الحسن له يدل على معرفته التامة به، وبشيء
من ماضيه ... أخبرنا به الحسن، والله أعلم بما لم يخبرنا به.
فعلى أقل تقدير: ليس وثاب بمجهول عند الحسن، حتى يقال:
إن الحسن كان يروي عن كل أحد، وعمن يجهله هو نفسه، ولا
یتحرَّی !!
ووثاب هو آخر من قد يُحتجُّ برواية الحسن عنه، على وهن
مراسيل الحسن، بحجة أن وثابًا مجهول، ليقال عن الحسن بناءً
على هذه الحجّة الزاهقة: إنه ممن يروي عن المجهولين!
(١) انظر معجم الطبراني للكبير (رقم ١١٨).
(٢) انظر تاريخ المدينة لعمر بن شبة (١٣٠١/٤).
٤٤٨

وقد أتينا على هذه التهمة - بحمد الله تعالى - ففندناها، بل
ورددنا على حجج من وهن مراسيل الحسن، وحللنا عقدها: عقدة
عقدة، حتى انبلج وجه الحق وضّاحًا. وأثبتنا الرأي الذي أراناه
الحق والإنصاف، بالبراهين .. لا بالتقليد. وإن كان لنا في الأئمة
الذين قووا مراسيل الحسن أجلُ أسوة، بل كل أسوة، بل إن
رَأْيَهم في أنفسنا أعظم من رأي أنفسنا إلينا !!
فإن بقي بعد هذا كله من يخالف في هذه المسألة! وخاصة
في ردنا الأخير على من عد بعض المجهولين في شيوخ الحسن؛
فاعترض هذا المُخالِفُ على طريقة دفاعي عنهم، وربما رأى أن
بعضهم لم تزل صفة الجهالة لازمةً له، مما قد يكون دليلاً كافيًا
وباقيًا لم يزحزحه كلامي: على رواية الحسن عن المجهولين،
وعلى وهن مراسيل الحسن عند هذا المُخَالِف بالتالي!
فإنّ مثل هذا المخالِفِ، إما أن يكون لم يقرأ ما سبق،
وإنما تصفّحه، وإما أنه متوقّفٌ في بعض من سبقوا دون الأكثر
منهم، فهو موافِقٌ إلا على بعضهم. وهذا هو الذي نُبَيِّنُ له، وأمَّا
الآخر، فنرجو منه أن يُنصفنا من نفسه، ويَعُودَ فيقرأ!
فأقول: إن وقوفنا على من لم نعرفهم نحن، ولا عرفهم
الأئمة المتقدمون، في شيوخ الراوي، أمر لا ينجو منه أحد البتة!
قال علي بن المديني - كما في تاريخ أبي عبد الله
المقدَّمي -: ((نظرت فإذا قَلَّ رجلٌ من التابعين إلا وقد حدّث عن
رجل لم يَرْو عنه أحدٌ غيره.
فقال رجل: يا أبا الحسن، فإبراهيم النخعي عمن روى من
المجهولين؟ فقال: قد روى عن يزيد بن أوس عن علقمة، فمن
يزيد بن أوس؟ لا نعلم روى عنه غير إبراهيم» (١).
(١) تاريخ أبي عبد الله المقدَّمي (رقم ٩٩١).
٤٤٩

فإذا بقي بعد ذلك في شيوخ الحسن راو أو راويان يُتَوقَّفُ دون
الثقة بهم، فلا بأس على الحسن في ذلك، كما أنه لا بأس على
الآخذ واللائم الحسن البصري على ذلك إذا وقع هو في مثله !!
فهذا محمد بن سيرين، الذي يأخذ عن الحسن أنه يروي
عن كل أحد، هو نفسه ينفرد بالرواية عن غير ما واحد من
المجهولين، مثل:
١ - مهاجر: بصري، روى عن عمر بن الخطاب، وتفرد بالرواية
عنه محمد بن سيرين، كما في (الوحدان) للإمام مسلم(١).
ذكره البخاري في (التاريخ الكبير) وابن أبي حاتم في
(الجرح والتعديل) بلا جرح أو تعديل(٢).
بينما ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «لا أدري من هو،
ولا ابن من هو)»(٣).
وقال الحافظ سعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود
الحارثي الحنبلي (ت ٧١١هـ)، كما هو في (ذيل الميزان) و(لسان
الميزان): ((هذا لا أعرف حاله))(٤).
٢ - وجابر الحذاء.
تفرد عنه محمد بن سيرين، كما قال مسلم في
(الوحدان)(٥).
وترجم له البخاري في (التاريخ الكبير) وابن أبي حاتم في
(الجرح والتعديل)، ولم يذكرا فيه جرحًا أو تعديلاً(٦).
(١) المنفردات والوحدان لمسلم (١٤٨).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٣٨١/٧)، الجرح والتعديل (٢٦١/٨).
(٣) الثقات لابن حبان (٤٢٩/٥).
(٤) ذيل ميزان الاعتدال للعراقي (رقم ٧١١)، واللسان (١٠٥/٦).
(٥) المنفردات والوحدان لمسلم (رقم ١٥١).
(٦) التاريخ الكبير للبخاري (٢٠٣/٢)، والجرح والتعديل (٤٩٦/٢).
٤٥٠

ولم أجده حتى في (الثقات) لابن حبان!
٣ - ومحمد بن دیلم.
تفرد بالرواية عنه محمد بن سيرين، كما قال الإمام مسلم
في (الوحدان)(١).
ترجم له البخاري في (التاريخ الكبير) وابن أبي حاتم في
(الجرح والتعديل) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلاً(٢).
وذكره ابن حبان في (الثقات)(٣).
فهذا محمد بن سيرين الذي كان يصف الحسن بأنه يروي
عن المجهولين، لم ينج هو الآخر أيضًا من الرواية عن
المجهولين!
لتعلم أنَّ عدم الرواية عن المجهولين بتاتًا، لا يكاد .. بل لا
يتحقق لأحد أبدًا.
فإذا توقفتَ في بعض من روى عنهم الحسن، ولم تزل ترى
صفة الجهالة لازمةً لهم، فلا يكون ذلك عندك مأخذًا على
الحسن، يدل على تساهله في شيوخه وعدم التحري في التوثق من
ديانتهم وأدائهم. لأن الرواية عن المجهولين، إذا لم تكثر، لا
يكون لها أثر على الراوي وما يرويه، وبخاصة على مراسيله. فهذا
محمد بن سيرين، الذي نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه أصح
الناس مراسيل(٤) يروي عن بعض المجهولين أيضًا.
وهنا: ينقطع الكلام عن مراسيل الحسن وحكمها، ويخفتُ
صوتُ الجدل، بل يصمت، على أنَّ مراسيل الحسن مراسيل
(١) المنفردات والوحدان لمسلم (رقم ١٤٩).
(٢) التاريخ الكبير للبخاري (٧٦/١)، والجرح والتعديل (٢٥٠/٧).
(٣) الثقات لابن حبان (٤١٥/٧).
(٤) انظر (٣٨٤).
٤٥١

قوية، على ضد ما قيل عنها، خاصة عند عامة المتأخرين، من
أنها من أوهى المراسيل، وأنها شبه الريح!
والذي أثبته هذا المبحث هو: أن القول بضعف مراسيل
الحسن: هو الضعيف، وأنها شبه ريح: ذهب أدراج الريح!
والله يتولانا وإياك بحسن رعايته وعظيم عنايته.
[خلاصة
هذا الفصل]
وخلاصة هذا الفصل:
أنَّ الإنصاف في مراسيل الحسن يرتقي بها إلى أن تكون
مراسيل حسانًا قوية، لا تبلغ درجة أصح المراسيل، كمراسيل
سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، كما لا تسقط إلى أوهى
المراسيل كمراسيل ابن جريج.
وقد رضي علي بن المديني، والإمام أحمد في إحدى
الروايتين عنه، وهي الرواية التي رجحها ابن مفلح من علماء
الحنابلة عن الإمام: رضيا أن يُطلقا على مراسيل الحسن أنها
مراسيل صحاح! كما تقدم عنهما (١).
وأمَّا قرينهما الثالث: يحيى بن معين، فقال، كما سبق عنه:
((مراسيل الحسن لا بأس بها))(٢).
وبالطبع فإن هذا (التصحيح) أو (التحسين) لا يُعنَى به
المعنى الاصطلاحي لـ (الصحيح) و(الحسن)، فقد شرحنا في بداية
هذا المبحث، بأن المقصود من ذلك: بيان درجة مراسيل ذلك
الراوي من غيره. فالمرسل عند المحدثين لا يعدو كونه ضعيفًا،
فتصحيح مرسل على مرسل ليس إلا من باب بيان درجة ضعف
المرسل: خفة أو شدة، لا غير! فتنبه !!
(١) انظر ما تقدم (٣٢٧ - ٣٢٩).
(٢) انظر ما تقدم (٣٢٨).
٤٥٢

وانتبه أيضًا إلى أن كلام الأئمة حول مراسيل الحسن جُلّة
عن مراسيله إلى النبي وَل9، من دون ذكر واسطة بينه وبين
النبي ◌َ﴾، كما هو صريح كلام القطان، وعلي بن المديني،
وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وترجح بعد هذا المبحث الطويل: أن
مراسيله إلى النبي وَلقيه بلا واسطة من أجود المراسيل.
فمن (باب أولى) أن تكون مراسيل الحسن عن الصحابة
الذين لم يسمع منهم، أدركهم أو لم يدركهم، أصحَّ وأقوى، بعد
أن ترجح صحة مراسيله - في المراسيل - عن النبي ◌َليّ!
وذلك لأن احتمال وجود أكثر من واسطة بين الحسن ومن
روى عنهم يَضْعُفُ في مراسيله عن الصحابة الذين لم يسمع
منهم، لقرب عهده بهم، بالنسبة للنبي ◌َّلقول، بل ربما عاصرهم
السنوات الطويلة، لكنه لم يلقهم أو لم يسمع منهم !!
واحتمال ضعف الوسائط المجهولة في المراسيل، هو سبب
تضعيفها. فكُلّما قَلَّ احتمالُ وجودٍ أكثر من واسطة، قلَّ أيضًا
احتمال وجود أكثر من ضعيف، أو قَوي احتمال عدم وجود
ضعيف أصلاً. ولذلك رجَّحنا مراسيل الحسن عن الصحابة في
القوّة على مراسيله عن النبي ◌َ﴾.
وقد قرر نحوًا من هذه القاعدة: الإمام البيهقي، فيما نقله
عنه الحافظ ابن حجر في (النكت على كتاب ابن الصلاح).
قال البيهقي، متحدثًا عن مراسيل إبراهيم النخعي: ((من
المعلوم أنَّ إبراهيم ما سمع من أحد من الصحابة، فإذا حدَّث عن
النبي ◌َل* يكون بينه وبينه اثنان أو أكثر، فيُتَوَقَّف في قبوله من هذه
الحيثية، وأمَّا إذا حدث عن الصحابة، فإن كان ابن مسعود
رضي الله عنه، فقد صرح هو بثقة شيوخه عنه، وأمَّا غيره فلا،
والله أعلم))(١).
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر (٥٥٧).
٤٥٣

فانظر كيف فرَّق البيهقي بين مراسيل إبراهيم النخعي عن
النبي ◌َّ، وعن الصحابة، وبيَّن أنَّ سبب التوقف في مراسيله عن
النبي ◌َّ - زيادة عدد الوسائط.
وهذا هو ما قررته آنفًا في شأن مراسيل الحسن البصري،
والحمد لله. والله أعلم.
٤٥٤

الفصل الثالث
تدليس الحسن البصري
وأثره على رواياته

الفصل الثالث:
تدليس الحسن البصري وأثره على رواياته
بعد أن تكلمت عن حكم مراسيل الحسن البصري، بقي
عليَّ الكلام عن التدليس في مرويات الحسن البصري. إذ يزيد
الأمر إشكالاً، ويصعب البحث في مرويات الحسن البصري
تخريجًا وتعليلاً وحكمًا، مع وَصْفِ جماعة من الأئمة للحسن بأنه
مُدَلِّس!
ويزيدُ الإشكالُ إشكالاً، والبحثُ تعقيدًا، مع اختلافهم في
مرتبة الحسن من المدلسين: أهو ممن تقبل عنعنته؟ أم لا بد له
من التصريح بالسماع في كل حديث؟!
وهذا المبحث من أوثق مباحث الباب الثاني بالباب الأول،
المتعلق بتعريف (الإرسال الخفي) وبيان علاقته بـ (التدليس)، إذ
قد أشبعنا ذلك الباب بالحديث عن (التدليس)، وذكرنا أرجح ...
بل أصح الأقوال في تعريفه.
وقبل الدخول في غمار المعمعة! أذكر من رأيتهم وصفوا [مَنْ وصَفَ
الحسنَ
بالتدليس]
الحسن بالتدليس من الأئمة، وأعتني خاصة بالأئمة المتقدمين،
وبأعلام الأئمة المتأخرين.
فأقدم من وجدته وصف الحسن بالتدليس: الحافظ البغدادي
خلف بن سالم، وقد نقلنا عبارته في أماكن متعددة من بحثنا هذا،
فيما سبق منه، وسوف أعود إلى ذكرها مرَّة أخرى قريبًا، عند
مناقشتنا لمسألة تدليس الحسن، بعد سرد أسماء من وصفوا الحسن
بالتدلیس .
٤٥٧

وكلام خلف بن سالم إنما أورده الحاكم في (معرفة علوم
الحديث)(١).
وبعد خلف بن سالم ... أقدم من وصف الحسن بالتدليس،
فيما وجدته: الإمام النسائي، في أول جزئه الصغير في
المدلسين(٢).
وللفائدة: فإن للنسائي جزءًا عن المدلسين، نص عليه
الحافظ ابن حجر في سياقه للمصنفات عن المدلسين، في كتابه
(تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس)(٣).
ولا يُسْتَبعد أن يكون جزء النسائي في المدلسين جزءًا صغيرًا
جدًا، كأكثر من جزء للنسائي، مثل: (تسمية من لم يرو عنه غير
رجل واحد) و(الطبقات) و(تسمية فقهاء الأمصار).، وهي
مطبوعة، ومنها ما يكتب في صفحة واحدة، وأكبرها لا يتجاوز
ذلك بكثير.
وإذا كان للنسائي أجزاء حديثيّةٌ بهذا الحجم، فجزء النسائي
في المدلسين، هو ما أخرجه الدارقطني في (سؤالات أبي
عبد الرحمن السلمي) له، والذي ذكره الذهبي في (ميزان
الاعتدال) أيضًا، والذي جاء في مطلعه قول النسائي: «ذِكْرُ
المُدَلِسين: الحسن وقتادة ... )) ثم سَرَدَ بقيتهم(٤).
فلا أحسب جزء النسائي في المدلسين إلا هذا الجزء الذي
حفظته لنا سؤالات السلمي للدارقطني، وميزان الاعتدال للذهبي!
(١) معرفة علوم الحديث، للحاكم (١٠٨).
/
(٢) انظر: سؤالات السلمي للدارقطني (رقم ٤٤٢)، والميزان للذهبي (١/
٤٦٠).
(٣) تعريف أهل التقديس، لابن حجر (٢٤).
(٤) سؤالات السلمي للدارقطني (رقم ٤٤٢)، وميزان الاعتدال (١/ ٤٦٠).
٤٥٨

ولم يكن من الإمام النسائي إلا ذكره الحسن في مسرد
أسماء المدلسين ... فحسب، من غير أيّ توضيح أو تعقيب.
وبعد النسائي: يصف ابن حبان الحسن البصري بالتدليس،
في كتابيه: (الثقات) و(مشاهير علماء الأمصار)(١).
ويجيء الحاكم بعد ذلك، ناقلاً كلام خلف بن سالم في
وصف الحسن بالتدليس، ومحتجًا به، في كتابه (معرفة علوم
الحديث)(٢).
بل يضرب الحاكم في القسم السادس من أقسام التدليس
أمثلة للتدليس من هذا القسم، فذكر لتلك أمثلة من روايات
الحسن(٣)، مؤكدًا بذلك أَحَقِيَّةَ وَصخْفِ الحسن بالتدليس عنده.
ثم جاء أبو محمد ابن حزم، فذكر التدليس في كتابه
(الإحكام في أصول الأحكام) وذكر بعض المدلسين، فكان منهم
الحسن البصري(٤).
وسوف يأتي قريبًا ذكر كلامه بالنص، إن شاء الله تعالى.
ثم تتابع المتأخرون على وصف الحسن بالتدليس:
فابن دقيق العيد في (الاقتراح) يصف الحسن بخفي
التدليس(٥) .
والإمام الذهبي، يصفه أيضًا بالتدليس في غير ما موضع من
كتبه، وذكره في منظومته في (أهل التدليس)(٦).
(١) الثقات لابن حبان (١٢٣/٤)، ومشاهير علماء الأمصار (رقم ٦٤٢).
(٢) معرفة علوم الحديث، للحاكم (١٠٨).
(٣) معرفة علوم الحديث، للحاكم (١١١).
(٤) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (١/ ١٤٢).
(٥) الاقتراح، لابن دقيق العيد (٢١٣ - ٢١٤).
(٦) انظر: التأسيس شرح (منظومة أهل التدليس، للذهبي) لعبد العزيز بن
محمد الغماري (٢٣).
٤٥٩

ويصفُ الحسنَ بالتدليس أيضًا العلائيُّ في (جامع
التحصيل)(١).
وشهابُ الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم
المقدسي (ت ٧٦٥ هـ)، في قصيدته في المدلسين(٢) !.
وسبطُ ابن العجمي، حيث ذكر الحسن في (التبيين في
أسماء المدلسين)(٣).
والحافظ ابن حجر في (تعريف أهل التقديس بمراتب
الموصوفين بالتدليس)(٤).
وعندما قسَّم بعض العلماء المدلسين إلى مراتب، اختلفوا في
موضع الحسن من تلك المراتب!
مرتبة
ـدليس
لحسن عِنْدَ
من قَسّم
لمدلسين
إلى مراتب]
فقسم ابن حزم في (الإحكام في أصول الأحكام) المدلسين
إلى قسمين، قال في الأول: ((أحدهما: حافظ عدل ربما أرسل
حديثه، وربما أسنده، وربما حدَّث به على سبيل المذاكرة، أو
الفتيا، أو المناظرة، فلم يذكر له سندًا، وربما اقتصر على ذكر
بعض رواته دون بعض، فهذا لا يضر ذلك سائرَ رواياته شيئًا، لأن
هذا ليس جرحة ولا غفلة، لكنا نترك من حديثه ما علمنا يقينًا أنه
أرسله، وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من
حديثه مالم نوقن فيه شيئًا من ذلك.
وسواء قال: (أخبرنا)، أو قال: (عن فلان)، أو قال: (فلان
عن فلان)، كل ذلك واجب قبوله، مالم يُتَيَقَّن أنه أورد حديثًا
بعينه إيرادًا غير مسند، فإن أيقنا ذلك: تركنا ذلك الحديث وحده
(١) جامع التحصيل، للعلائي (١٠٥).
(٢) قصيدة الحافظ أبي محمود المقدسي في المدلسين (٣٧).
(٣) التبيين في أسماء المدلسين، لسبط ابن العجمي (٧٢).
(٤) تعريف أهل التقديس، لابن حجر (٥٦ رقم ٤٠).
٤٦٠