Indexed OCR Text
Pages 421-440
ونقل الحافظ في (اللسان) عن محمد بن أبي عمر، أو ابن أبي عمير - ولم أعرفه - أنه قال: ((كان أبان من أحفظ الناس، بحیث کان یروي کتابه، فلا یزید حرفًا))(١). قلت: ولعل ابن حبان لم يقف لأبان بن عثمان إلا على بعض أحاديثه، مما فيه مخالفةٌ في متنٍ أو إسناد، فقال فيه ما قال في كتابه (الثقات)، ولو وقف ابن حبان على حديثه الذي نتكلم عنه، لسارع إلى وضعه في (المجروحين)، ولَكَالَ له الجرح والاتهام كيلا، كما فعل العقيلي! وبعد أن فُضح بكونه من علماء الإمامية، الذين هم أكذب الفرق، فلا عجب أن يكون هو واضع هذا الحديث! أقول هذا، لأن ذلك الحديث الشديد النكارة ليس في إسناده من يحتمل التهمة به سوى أبان بن عثمان! فأبان بن تغلب، أبو سعد الكوفي (ت ١٤٠هـ)، قال عنه الحافظ في (التقريب): ((ثقة، تكلم فيه للتشيع)»(٢). وعكرمة مولى ابن عباس أشهر وأجل من التعريف. ومع أن أحمد بن محمد بن نصر السكوني لم أجد من وثقه، أو ضعفه، سوى ما سبق، من ذكر الذهبي له في (الميزان). لكن العقيلي وهو الراوي للحديث بإسناده، والأعرف برجاله، والأقرب عهدًا بهم، اختار أبان بن عثمان لهذه التهمة، وبئس ما اختير له! وقد يُتمسك لتبرئة أحمد بن محمد بن أبي نصر السكوني، بالرواية التي سبق ذكرنا له، وهي رواية: محمد بن زكريا الغلابي، عن شعيب بن واقد، عن أبان بن عثمان ... (١) لسان الميزان (٢٤/١). (٢) التقريب (رقم ١٣٦). ٤٢١ فشعيب بن واقد تابع أحمد بن محمد بن أبي نصر. لكن شعيب بن واقد ضرب أبو حفص الفلاس على حديثه في كتاب أبي حاتم الرازي، كما في (الجرح والتعديل)(١). بل ومحمد بن زكريا الغلابي أيضًا متروك الحديث(٢)، وقال الدارقطني: ((يضع الحديث))، كما في (الضعفاء والمتروكين) له (٣)، وكما في (سؤالات الحاكم) له أيضًا(٤). وبالغلابي أعل البيهقي في (دلائل النبوة) هذه الرواية(٥). أمَّا من حسَّن هذا الحديث الشديد النكارة الموضوع! فإنما حسّنه لظاهر إسناد آخر، يوهم أنَّ راويَهُ ليس أبانَ بنَ عثمان الأحمر، وإنما هو أبانُ بنُ عبد الله البجلي، آخرُ صدوقٌ، كما سيأتي(٦) - إن شاء الله تعالى -. فقد رواه غير واحد عن عبد الجبار بن كثير بن سيار التميمي الرَّقي، عن محمد بن بشر بن عبد الرحمن الصنعاني، قال: حدثنا أبان بن عبد الله البجلي، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه(٧) ... فأبان بن عبد الله البجلي الوارد في هذا الإسناد يوجد راو (١) الجرح والتعديل (٣٥٢/٤ - ٣٥٣)، وانظر لسان الميزان (١٥٠/٣). (٢) انظر لسان الميزان (١٦٨/٥ - ١٦٩)، وزد عليه ما في دلائل النبوة للبيهقي (٤٢٧/٢). (٣) الضعفاء والمتروكين للدارقطني (رقم ٤٨٣). (٤) سؤالات الحاكم للدارقطني (رقم ٢٠٦). (٥) دلائل النبوة للبيهقي (٤٢٧/٢). (٦) انظر ما سيأتي (٤٢٣). (٧) أخرجه أبو هلال العسكري في (جمهرة الأمثال) (٤١٣/٢ - ٤١٨ رقم ١٩٣١)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (رقم ٢١٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٤٢٢/٢ - ٤٢٧) والسمعاني في الأنساب (٣٤/١ - ٣٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٦ / ٩٣). ٤٢٢ يعرف بمثل اسمه هو: أبان بن عبد الله بن أبي حازم بن صخر بن عليه البجلي الأحمسي الكوفي، مات في خلافة أبي جعفر. قال الحافظ في (التقريب): ((صدوق في حفظه لين))(١). فعلى ظنّ من ظنّ أن أبان بن عبد الله البجلي هذا ... هو راوي الحديث، حسنَ الحديث من حسنه! لكن أليس من العجيب أن يتفق على رواية هذا الحديث المنكر راويان كوفيان، الأول منهما هو: أبان أبو عبد الله البجلي، والثاني هو: أبان بن عبد الله البجلي !!! فالأول هو الذي صُرِّح بأنه: أبان بن عثمان الأحمر الشيعي المتهم! أو ليس من العجيب حقًّا وقوع هذه المصادفة؟! ويزول العجب إذا علمت أن عبد الجبار بن محمد بن كثير بن سيار الرقي التميمي الحنظلي، قال عنه أبو عبد الله محمد بن يحيى بن إبراهيم بن الوليد الأصبهاني، الحافظ الكبير الشهير بابن مندة (ت ٣٠١ هـ)، قال عنه: ((صاحب غرائب))(٢). ومحمد بن بشر بن عبد الرحمن الصنعاني لم أجد له ترجمة! لذلك فإني أزعم أنّ عبد الجبار بن محمد بن كثير، أو شيخَه، أحدهما صَحَّفَ، عمدًا أو سهوًا، أبانَ أبا عبد الله الذي هو أبان بن عثمان البجلي، إلى أبان بن عبد الله البجلي !! ولو أن أبان بن عبد الله بن أبي حازم البجلي ذلك الصدوق، هو الذي روى ذلك الحديث المنكر، لما كان صدوقًا بحال، وما أحراه حينها بضد (الصدوق)! فالحديث من النكارة - (١) التقريب (رقم ١٤٠). (٢) لسان الميزان (٣٨٩/٣). ٤٢٣ وأماراتِ الوضع، بحيث لا أدري كيف انطلى على من حسَّنه؟! فضلاً عن علته الإسنادية التي تُعلن أنها كذبة من كيس الروافض !! فلا يصح هذا الحديث، بل هو شديد الضعف موضوع. تكلمتُ عن هذا الحديث، لأنه الحديث الوحيد الذي ذُكر فيه لقاء دغفل بالنبي وَ﴿، وإذا كان هذا الحديث شديد الضعف، فلا تَثْبُت به الصُحْبَةُ لدغفل، كما سبق أيضًا أن أشرنا أن قول الأكثرين: أنه لا تَثْبُتُ الصُّخْبَةُ لدغفل. ولدغفل أخبار كثيرة، جُلُّها ببيان علمه بالأنساب، العلم الذي أصبح قرينَ اسمه، فيقال: (دَغْفَلُ النسَّابة)، بل أصبحَ مضرب المثل، حتى قيل: ((أنسب من دغفل)) كما في (جمهرة الأمثال) لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري (ت بعد ٤٠٠هـ) (١)، وفي (مجمع الأمثال) لأبي الفضل أحمد بن محمد بن أحمد الميداني (ت ٥١٨هـ)(٢). وأجلُّ ما أحسبه قاطعًا في الدلالة على عظيم قدر دغفل بن حنظلة، ما رواه أبو هلال محمد بن سليم الراسبي، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة: ((أنَّ معاوية رضي الله عنه أرسل إلى دغفل، فسأله عن العربية، وعن أنساب الناس، وسأله عن النجوم، فإذا رجل عالم، فقال: يا دغفل، من أين حفظت هذا؟! فقال: حفظت هذا، بلسان سئول وقلب عقول، وإن آفة العلم النسيان. قال: فاذهب بيزيد، فعلمه العربية، وأنساب قريش، والنجوم))(٣). (١) جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري (٢٩٩/٢). (٢) مجمع الأمثال للميداني (٣٩٦/٣). (٣) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (رقم ٤٢٠١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٧٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق - خط - (٦/ ٩٢). ٤٢٤ وإسناده لا بأس به، من أجل أبي هلال الراسبي (١)، وعبد الله بن بريدة ثقة (٢)، وقد ثبت سماعه من معاوية رضي الله عنه(٣). فهذا الأثر يدل على عظيم قدر دغفل، إذ نال إعجاب الصحابيِّ الجليلِ مَلِكِ الإسلام، معاويةَ رضي الله عنه، بل ونال ثقته لتأديب ابنه يزيد وتعليمه. وهذا يدل على علم وديانةٍ، وإلا لما بلغ هذا المبلغ في عين معاوية رضي الله عنه. إذ لم يكن الرجلُ ليرتفعَ في أعين أولئك النجوم، إلا إن كان ذا دين، وإلا ... فلا قَدْر له ولا كرامة !! وقال ابن سعد في (الطبقات): ((دغفل بن حنظلة السدوسي: أدرك النبي وِّير، ولم يسمع منه شيئًا، وفد على معاوية بن أبي سفيان، وكان له علم ورواية للنسب و[عُلِم] به))(٤). وقال الفلاس: ((كان علاَّمة))(٥). وقد سبق ذكر ثناء محمد بن سيرين عليه، وفيه ثناء على علمه بالشرع، حيث قال: ((كان عالمًا، ولكن اغتلبه النسب))(٦). (١) محمد بن سليم أبو هلال الراسبي (ت آخر سنة ١٦٧ هـ، وقيل: قبل ذلك). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٥٩٢٣): ((صدوق فيه لين)). وسوف تأتي له ترجمة موسّعة - إن شاء الله تعالى - في مبحث أبي هريرة، رضي الله عنه، إن يسر الله إتمام بقية مباحث الموضوع. (٢) عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي (ت ١٠٥ هـ، وقيل: ١١٥هـ: وله مائة سنة. قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٣٢٢٧): ((ثقة)). (٣) انظر مسند أحمد (٣٤٧/٥)، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ٢٠٥٣)، وتاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة عبد الله بن بريدة في المطبوع (٤١٧). (٤) طبقات ابن سعد (٧/ ١٤٠). وما بين المعكوفتين تصويب من تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٦ /٩١). (٥) تاريخ دمشق - خط - (٦ / ٩١). (٦) انظر ما سبق (٣٧٣). ٤٢٥ فتعقُّبُ ابنِ سيرين على قوله: ((كان عالمًا)» بغلبة النسب عليه، يدل على أنَّ علمه الذي أثنى به عليه سوى النسب الذي اشْتُهِرَ به وعُرف عنه، وأيُّ علم عساه أن يكون، ذاك الذي يُثني به عليه ابنُ سيرين رحمه الله؟ !! إن لم يكن علمَ الدین! ورجلٌ يروي عنه الحسن وابن سيرين، يجتمعان عليه، مع ما سبق في بيان قدره من العلم والدين، مع قول ابن معين: ((إذا روى الحسن ومحمد بن سيرين عن رجل فسمياه، فهو ثقة يحتج بحديثه))، مع كونه مخضرمًا من عُثَّقِ السلف، ما من شكٍ في أنه ثقة مقبول الرواية. وأمَّا ما قاله الذهبي في (الميزان)، عندما عقّب قول الإمام أحمد عن دغفل: ((ما أعرفه)) بقوله: ((يكفي في جهالته كون أحمد ما عرفه))(١)، فلم يُصِبِ الإمامُ الذهبيُّ مَرْمى الإمام أحمد! وأصابه وعرفه ابنُ أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، عندما تعقّبه بقوله: (يعني لا يعرف له صحبة أم لا؟))(٢). وهذا هو ظاهرُ المقصود من السؤال وجوابه، فقد قال السائل للإمام أحمد - كما في الجرح والتعديل -: ((دغفل بن حنظلة له صحبة؟ قال: ما أعرفه))(٣). هذا كله .. مع أنَّ البخاري يشكك في سماع الحسن من دغفل، كما سيأتي في مبحثه (٤) - إن شاء الله تعالى -. فإن كان الحسن لم يسمع من دَغْفَل فلا يعاب عليه روايته عن المجاهيل، لروايته عنه، وإنما يلحق العيب الواسطة التي روى عنها الحسن عن دغفل، أنها تروي عن المجاهيل. (١) الميزان (٢٧/٢). (٢) الجرح والتعديل (٤٤١/٣). (٣) المصدر السابق. (٤) انظر ما سيأتي (١٠٦٠). ٤٢٦ والحق أن دغفلاً مقبول الرواية، فلا يلحق الحسن - إن كان سمع منه - ولا غيره مذمَّة لروايته عنه. وسوف يأتي - بإذن الله تعالى - مزيد تأكيد لثقة دَغْفَل، ببيان أن سبر أحاديثه لا يدل على ضعف فيه! وذلك في مبحثه القادم(١) ... بتوفيق الله وتيسيره سبحانه وتعالى. ١٠ - ثم نقف مع راوٍ آخر، هو: سعد مولى أبي بكر. وسعد مولى أبي بكر صحابي ثابت الصحبة رضي الله عنه، و کفی(٢)! وهذا هو الصحابي الثاني من الذين أوردهم علي بن المديني في سياق (المجهولين) الذين روى عنهم الحسن البصري !! ولعلي بن المديني اصطلاح خاص في إطلاق الجهالة، على ما سنبينه، إن شاء الله تعالى، في موضعه(٣). ونأتي إلى راوٍ آخر، وهو: ١١ - صعصعة بن معاوية بن حصن، أو حصين، بن عبادة بن النزال بن مرة التميمي السعدي، عم الأحنف بن قيس. قيل: إنه صحابي(٤)، والصحيح أنه مخضرم لم يثبت له لقيٍّ (٥) بالنبي ◌ِّ (٥) . لكن وثقه النسائي(٦)، وذكره ابن حبان في (الثقات)(٧)، (١) انظر ما سيأتي (١٠٦٣ - ١٠٧٠). (٢) انظر الجرح والتعديل (٤٢٨/٤)، وأسد الغابة لابن الأثير (٣٤٠/٢)، والإصابة (٩٠/٣)، والتهذيب (٤٨٥/٣). (٣) انظر ما سيأتي (٤٣١ - ٤٣٦). (٤) انظر أسد الغابة (٢١/٣ - ٢٢)، والإصابة (٢٤٤/٣ - ٢٤٥). (٥) انظر التهذيب (٤٢٣/٤)، انظر هنا (١٥٠٤، ١٥٢١ - ١٥٢٢). (٦) تهذيب الكمال (١٧٢/١٣)، وتهذيبه (٤٢٣/٤). (٧) الثقات لابن حبان (٤/ ٣٨٣). ٤٢٧ وأخرج له في (صحيحه)(١) وكذا صحح له الحاكم في (المستدرك)(٢). فلا ريب في أنه (ثقة)! وإن كان صحابيًا فهو الذي (جاز القنطرة) حقًا وصدقًا !! وهو أحد الذين ذكر الإمامُ مسلمٌ أن الحسن تفرد بالرواية عنهم، ولم يذكره علي بن المديني في (المجاهيل) الذين روى عنهم الحسن. وفي ذكر الإمام مسلم له فيمن تفرد عنهم الحسن نظر، فقد ذُكِر له راويان غير الحسن، رویا عنه(٣)! فليس في رواية الحسن عن صعصعة بن معاوية إلا ما يؤيدُ انتقاء الحسن لمن يروي عنهم، وأنه لا يروي عن كل أحد! والراوي التالي هو: ١٢ - عبد الله بن عثمان الثقفي: قال عنه الحافظ ابن حجر في (التقريب): ((مجهول))(٤). وهو أحد من ذكر الإمام مسلم أن الحسن تفرد بالرواية عنهم. وقد ترجم له البخاري في (التاريخ الكبير)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ولم يذكرا فيه جرحًا أو تعديلاً(٥). لكن حديثه الذي يرويه عنه الحسن، برواية عبد الله بن (١) انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (رقم ٢٩٤٠، ٤٦٤٣، ٤٦٤٤، ٤٦٤٥). (٢) المستدرك للحاكم (٨٦/٢). (٣) تهذيب الكمال (١٧٢/١٣)، وتهذيبه (٤٢٣/٤). (٤) التقريب (رقم ٣٤٧٠)، وانظر التهذيب (٣١٧/٥). (٥) التاريخ الكبير (٤٤٤/٥)، والجرح والتعديل (١١١/٥). ٤٢٨ عثمان عن زهير بن عثمان، عن النبي بَّهِ، رَجَّحَ غيرُ واحد من أئمة الحديث أن المحفوظ فيه: عن الحسن مرسلاً إلى النبي ﴾(١)، كما سيأتي تفصيله في موضعه(٢) إن شاء الله تعالى -. وهذا يعني: أنَّ الصواب هو أن الحسن لم يرو عن رجل باسم (عبد الله بن عثمان)، بناءً على أنَّ حديثه الوحيد، الذي رواه عنه الحسن، الصحیحُ فیه عن الحسن: عدمُ ذِكْرِهِ فیه! فلا يؤخذ على الحسن أنه روى عن عبد الله بن عثمان، لأنه لم يرو عن عبد الله بن عثمان !! ١٣ - عُتَيّ بن ضَمْرة التميمي، السعدي البصري. قال الحافظ في (التقريب): ((ثقة))(٣). وقد ذكره علي بن المديني في المجهولين الذين روى عنهم الحسن! وكذا عدَّه خلف بن سالم في من روى عنهم الحسن من المجهولین! وأيضًا هو ممن ذكر أبو داود أن الحسن تفرّد بالرواية عنهم. ولعلي بن المديني كلام آخر عن عُتَي، أفصح فيه عن مقصوده بالجهالة التي أطلقها على عُتَي، وفسر بذلك أيضًا إطلاقه إياها على غير واحد ممن ثبتت لهم الصحبة، كما سبق! وقبل أن أذكر كلام علي بن المديني المشار إليه، أذكر (١) انظر العلل لابن أبي حاتم (رقم ١١٩٣)، والتلخيص الحبير لابن حجر (٢٢١/٣)، وفتح الباري (٩/ ١٥١ كتاب النكاح باب ٧١ حق إجابة الوليمة). (٢) انظر ما سيأتي (١٦٢٧ - ١٦٣٢). (٣) التقريب (٤٤٤٥). ٤٢٩ مستند الحافظ ابن حجر في توثيقه لعُتَي بن ضمرة، بعد إطلاق علي بن المديني صفة الجهالة عليه! وأضيف إلى مستند الحافظ ما يؤيده . قال ابن سعد في (الطبقات): ((كان عتي ثقة، قليل الحديث))(١) وقال العجلي في كتابه المعروف باسم (ثقات العجلي): ((عُتَي السعدي، بصري تابعي ثقة، روى عنه الحسن ستة أحاديث))(٢). وأخرج له ابن خزيمة في (صحيحه)(٣). وذكره ابن حبان في (الثقات)(٤)، وأخرج له في (صحيحه)(٥) . وأخرج له الحاكم في (مستدركه)، وصحح إسناد حديثه(٦)، فقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهو من النوع الذي لا يوجد للتابعي إلا الراوي الواحد فإن عُتَي بن ضمرة السعدي ليس له راوٍ غير الحسن))(٧). ولعل فيما قاله الحاكم، وأبو داود قبله - نظرًا - من جهة أن عُتيًا روى عنه غير الحسن، كما في (سؤالات ابن الجنيد) لابن معين، وغيره(٨). (١) طبقات ابن سعد (١٤٦/٧). (٢) معرفة الثقات للعجلي (رقم ٩١٢٠٥). (٣) صحيح ابن خزيمة (رقم ١٢٢). (٤) الثقات لابن حبان (٢٨٦/٥). (٥) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (رقم ٧٠٢، ٣١٥٣). (٦) المستدرك للحاكم (٣٤٤/١ - ٣٤٥)، ٢٦٢/٢). (٧) المستدرك، للحاكم (٣٤٥/١). (٨) انظر سؤالات ابن الجنيد لابن معين (رقم ١٣٨، ٧٥١)، والتهذيب (٧) ١٠٤). ٤٣٠ وأخرج لعُتَي: الضياء المقدسي في (المختارة)(١). فلا أظهر - بعد هذا - من أن عُتَي بن ضمرة ثقة صحيح الحدیث. ثم انظر إلى قول علي بن المديني: ((عُتي بن ضمرة السعدي، مجهول، سمع من أبي كعب، لا نحفظها إلا من طريق الحسن، وحديثه يشبه حديث أهل الصدق، وإن كان لا يُعرف))(٢). فانظر إلى وصف علي بن المديني لعُتَّي بن ضمرة بأنه مجهول، وبأنه لا يُعرف، مع أنه يشهد له بأن حديثه ليس فيه نكارة، بل إن حديثه يشبه حديث أهل الصدق! فكيف يكون مجهولاً بعد سبر حديثه؟! بل يزيد الأمر عجبًا، بإطلاق علي بن المديني صفة الجهالة على الصحابة رضي الله عنهم! مع أن الصحابة كلهم عدول، لا يوصف أحد منهم بالجهالة! وقد سبق ذلك في مثل أحمر السدوسي، وسعد مولى أبي بكر(٣)، ويأتي أيضًا في عمرو بن تغلب، وحديث عمرو بن تغلب، مخرَّج في صحيح البخاري)) (٤). وموقف علي بن المديني هذا ذكّرني بموقف مشابه له، للحافظ الكبير الناقد: يعقوب بن شيبة، في كتابه العظيم (المسند المعلل)، الذي لم يكمله، ثم ذهبت عوادي الزمان ببعضه، ولم يظهر منه سوى جزء صغير من مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه . فمما جاء في بقية مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولُ (١) المختارة، للضياء، (١١/٤ - ٢١ رقم ١٢٤٢ - ١٢٥٢). (٢) التهذيب (١٠٤/٧). (٣) انظر ما سبق (٣٩٢). (٤) صحيح البخاري (رقم ٩٢٣، ٣١٤٥، ٧٥٣٥). ٤٣١ يعقوب بن شيبة عن حديث: ((هو حديث حسن الإسناد، غير أنَّ في إسناده رجلاً مجهولاً))(١). ثم ذكر عِلَله، وأن ذلك المجهول لم یرو عنه إلا راوٍ واحد. وليعقوب بن شيبة أيضًا موقف آخر على نفس المنوال، فقد نقل الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) أن يعقوب بن شيبة قال عن داود بن خالد بن دينار المدني: ((مجهول لا نعرفه، ولعله ثقة))(٢). بل وهذا أبو حاتم الرازي يصف جماعة من الصحابة، وفيهم من شهد بدرا أنه مجهول! ومنهم مدلاج بن عمرو السلمي، فقد قال عنه أبو حاتم - كما في (الجرح والتعديل) -: ((مجهول)) (٣). فقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان) بعد ذكر كلمة أبي حاتم: ((وكذا هو في كتاب ابن أبي حاتم في جماعة من الصحابة، في الأفراد من حرف الميم، وكذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة، يطلق عليهم اسم الجهالة، لا يريد جهالة العدالة، وإنما يريد أنه من الأعراب الذين لم يرو عنهم أئمة التابعين ... ثم قال الحافظ: لاسيما وهذا رجل من أهل بدر، لم يتخلف عن ذكره أحد ممن صنف في الصحابة)) ثم قال الحافظ جوابًا على اعتراض ذكره: ((ثم إنَّا لا نُسَلْمُ أنَّ الوصف بمجهول ونحوه لا يقتضي التليين، بل يقتضيه، وإن تعدد الرواة، والله أعلم، وهذا من عجيب التناقض، والله الموفق))(٤). (١) مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليعقوب بن شيبة (٨٢ - ٨٣). (٢) تهذيب التهذيب (١٨٢/٣). (٣) الجرح والتعديل (٤٢٨/٨). (٤) لسان الميزان (١٣/٦). ٤٣٢ قلت: فماذا تعني هذه المواقف من الأئمة الجهابذة الثلاثة: علي بن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم؟! فـ (المجهول) في كتب المصطلح وصفٌ يناقض إثبات (الصحبة)، ويُناقض (التوثيق) أو الحكم بـ (حسن الحديث) أيضًا. فوَصْفُ الرواي بأنه (صحابي) وأنه (مجهول) تناقض عجيب، على حسب المقرر في كتب المصطلح، وكما قال الحافظ في كلمته السابقة: ((وهذا من عجيب التناقض)) !!! ے والذي أستَنْتِجُهُ من هذه المواقف أنَّ (الجهالة) عند متقدمي المحدثين، وصف يتعلق بعدد الرواة عن الراوي الموصوف بها، أو باشتهار أخبار الراوي والعلم بكثير من أحواله، ولا تعلق الوصف (الجهالة) بنفي العدالة أو إثباتها، وإن كانت في الأكثر أنها تجتمع مع عدم العلم بالعدالة. فلا تناقض على الاصطلاح الحقيقي للمحدثين بين الوصف بـ(الجهالة) و(العدالة) في آن واحد! فالراوي الذي لم يرو عنه إلا واحد فهو مجهول، وإن كان صحابيًا لا يُتَردّد في الاحتجاج بحديثه يقينًا، أو سُبر حديثه فوجد ضابطًا لا وهن فيه ولا مغمز. و(عجيب التناقض) الذي ذكره الحافظ، إنما هو بين معنى (المجهول) في كتب المصطلح، ومعنى (المجهول) في الاصطلاح الحقيقي للمحدثين !! لأن الوصف بـ (الجهالة) لا يقتضي التليين عندهم، على خلاف المقرر في كتب المصطلح !!! ثم بعد ذلك - والله يشهد - وقفت على نحو هذا التفسير، الذي يدل على أنه لا تناقض بين الوصف بـ(العدالة) و(الجهالة)، في (طبقات الشافعية الكبرى) لعبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي (ت٧٧١ هـ)! قال ابن السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى): ((روى أبو محمد بن حزم الظاهري ٤٣٣ في كتاب (الاتصال)(١): أنَّ أبا محمد حبيبًا البخاري، وهو صاحب أبي ثور، ثقة مشهور، قال: حدثنا محمد بن سهل، قال: سمعت علي بن المديني يقول: دخلت على أمير المؤمنين، فقال لي: أتعرف حديثًا مسندًا فيمن سبَّ النبي ◌َِّ فيقتل؟ فقلت: نعم، فذكرت له حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن عروة بن محمد، عن رجل من بلقين، قال: كان رجل يشتم النبي ◌َلو فقال النبي له: من يكفيني عدوًا لي؟ فقال خالد بن الوليد: أنا. فبعثه النبي ◌ٍَّ﴾و إليه، فقتله. فقال أمير المؤمنين: ليس هذا مسندًا، هو عن رجل. فقلت: يا أمير المؤمنين، هكذا يعرف هذا الرجل، وهو اسمه، وقد أتى النبي ◌َّ فبايعه، هو مشهور معروف، فأمر لي بألف دينار. قال ابن حزم: هو حديث صحيح مسند. قلت: (القائل هو ابن السبكي): لا يريد ابن المديني بقوله: وهو اسمه، أن اسم هذا الرجل المجهول: رجل من بلقين، وأن هذا (١) كذا ورد اسم كتاب ابن حزم في طبقات الشافعية المطبوع، وهو تصحيف! صوابه (الإيصال). وهو: (الإيصال إلى فهم كتاب الخصال، الجامعة لجمل شرائع الإسلام، في الواجب والحلال والحرام، وسائر الأحكام، على ما أوجبه القرآن والسنة والإجماع). كذا ذكره الحميدي في جذوة المقتبس (٤٩٠/٢). وانظر: (ابن حزم خلال ألف عام) لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري (١٠٠/١ - ١٠١)، فقد نبه إلى ما يحصل كثيراً من تصحيف (الإيصال) إلى (الاتصال) !! ٤٣٤ اللفظ عَلَمٌ عليه، وإنما يريد أنه بذلك يُعرف، لا يعرف له اسم عَلَم، بل إنما يعرف بقبيلته، وهي القَيْن، فيقال: رجل من بني القين، يدل عليه - مع وضوحه - قوله: هكذا يعرف هذا الرجل. وقوله: وقد أتى النبي وَلّر فبايعه، جواب السؤال مقدَّر تقديره: إذا كان مجهولاً فكيف يحتج به؟ فأجاب: بأن جهالة العين والاسم، مع العلم بأنه صحابي لا يقدح، لأن الصحابة كلهم عدول، وهذا الرجل كما ذكر ابن المديني، لا يعرف له اسم !! ))(١). هذا الكلام الذي فسر به ابن السبكي مقالة علي بن المديني، هو نحو الكلام الذي وفقني الله تعالى لمثله! فالحمد لله تعالى على توفيقه. وبهذا أفسر جَمْع علي بن المديني بين صفة (الجهالة) و(صدق حديث الراوي) المستنتج من سبر حديثه، في شأن عُتَي بن ضمرة. بل لا يكون هناك تناقض بين وصف علي بن المديني المجوعة من شيوخ الحسن البصري بالجهالة، وقول يحيى بن معين: إن من روى عنهم الحسن وسماهم فهم ثقات يحتج بهم. أقول: إنه لا تناقض بين قولي الإمامين، لأنه لا تناقض بين وصف الراوي بـ(الجهالة) وبكونه (ثقة) في آن واحد، للسبب الذي ذكرناه آنفاً . (١) طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي (١٤٨/٢ - ١٤٩). ٤٣٥ ثم نترك عُتَي بن ضمرة، لنأتي إلى مثال أوضح منه في بيان براءة الحسن من أن يكون مطعونًا في شيوخه، لنقف من وصف صحابي آخر بالجهالة !!! فقد ذكر علي بن المديني: ١٤ - عمرو بن تغلب، في شيوخ الحسن المجهولين. وعمرو بن تغلب النمري صحابي ثابت الصحبة رضي الله عنه(١) أخرج البخاري وغيره حديثه في (الصحاح)، كما سبقت الإشارة إليه(٢) . وعلى كل حال فرواية الحسن عن عمرو بن تغلب من أدلة تقوية مراسيله، إذ إنها رواية عن صحابي رضي الله عنه !! ١٥ - ثم نأتي إلى راوٍ آخر قبيصة بن حريث. قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): ((قبيصة بن حريث، ويقال: حريث بن قبيصة، والأول أشهر، الأنصاري، البصري، صدوق، مات سنة سبع وستين))(٣). وحديث الحسن عنه: هو ما رواه قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه، في حد من وقع على جارية امرأته، وسوف يأتي ذكره في مبحث سلمة بن المحبق(٤) - إن شاء الله تعالى -. لكن وقع في إسناد حديث الحسن هذا عن قبيصة اختلاف (١) الاستيعاب لابن عبد البر (١١٦٦ - ١١٦٧)، وأسد الغابة لابن الأثير (٤/ ٢٠١)، والإصابة لابن حجر (٤ /٢٨٧). (٢) انظر (٤٣١). (٣) التقريب (رقم ٥٥١١). (٤) انظر ما سيأتي (١١٣٧ - ١١٥٢). ٤٣٦ كثير، مما حدا ببعض الأئمة أن يقفوا عن تصحيحه. لا لوهن في قبيصة بن حريث، ولكن للاختلاف في إسناده، كما ستراه - بإذن الله تعالى - مفصَّلاً في موضعه من مبحث سلمة بن المحبق رضي الله عنه. ولذلك فلا تفهم - رعاك الله - كلمة البخاري التي أسندها العقيلي في (الضعفاء) وابن عدي في (الكامل) عن البخاري أنه قال: ((قبيصة بن حريث، سمع سلمة بن المحبق، في حديثه نظر))(١)، فلا تفهم أن النظر متوجه إلى قبيصة، وأن البخاري بذلك يُليّنه، فالنظر عند البخاري متوجه إلى (حديث) قبيصة، لا إلى قبيصة نفسه، وذلك للاضطراب الذي وقع في إسناد حديثه. وهذا هو ما فهمه العقيلي، حيث أورد كلمة البخاري، ثم ذكر الحديث ثم قال: ((وفي هذا الحديث اضطراب))(٢). وقد نبّه غير واحد من العلماء إلى صنيع البخاري هذا(٣)، وهو أنه قد يقول في ترجمة الراوي: ((في حديثه نظر)) أو ((لا يصح حديثه)) ولا يعني بذلك جرح الراوي، وإنما يقصد بيان علة في الحديث قادحة، من غير صاحب الترجمة. وممن نبَّه إلى ذلك ابن عدي في (الكامل) حيث قال في ترجمة عبد الله بن عطية بن سعد العوفي: ((سمعت ابن حماد قال: قال البخاري: ((عبد الله بن عطية بن سعد عن الحسن أخيه، لم يصح حدیثهما. قال الشيخ (هو ابن عدي): وهذه الأسامي التي يذكرها البخاري ليس قصده فيه أن يضعف هذه الأسامى التي يذكرها، (١) الضعفاء للعقيلي (٤٨٤/٣)، والكامل لابن عدي (٥٠/٦). (٢) الضعفاء للعقيلي (٤٨٤/٣). (٣) انظر شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل لمصطفى بن إسماعيل (٣٧٨/١ - ٣٧٩). ٤٣٧ وإنما قصده أن يذكر كل من اسمه عبد الله ممن روى المسند أو غير المسند، أو روى عن التابعين، أو عن الصحابة، أو روى الحرف أو الحرفين، فيعز وجود روايات هؤلاء))(١). وممن نبه إلى هذا المعنى أيضًا الإمام الذهبي في (المغني في الضعفاء) حيث قال: ((حُبْشي بن جنادة السلولي، صحابي، تناكد ابن عدي وذكره في كتابه الكامل، وشبهته في ذلك قول البخاري في حديثه: إسناده فيه نظر، وذلك عائد إلى الرواة إلى حبشي، لا إليه))(٢). ثم إني لم أجد المقالة التي نقلها العقيلي وابن عدي عن البخاري، وهي قوله في ترجمة قبيصة: ((في حديثه نظر)) لم أجد هذه العبارة في (التاريخ الكبير) للبخاري(٣) ولا في شيء من كتبه المطبوعة الأخرى! إلا أنه جاء في ترجمة سلمة بن المحبق، من (التاريخ الكبير) للبخاري، بعد ذكره الحديث الحسن عن سلمة بن المحبق، بحذف قبيصة بن حريث من إسناده من بعض روايات الحديث، أن قال البخاري: ((لم يسمع الحسن من سلمة، بينهما قبيصة بن حریث، ولا يصح))(٤). وهذا إنما يعني به الإمام البخاري، أن رواية من جعل الحديث للحسن عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه غیر صحیح، لأن الحسن لم يسمع من سلمة، والصواب أن بينهما قبيصة بن حریث. فإن لم يكن وقع في (التاريخ الكبير) للبخاري سقط، فإنّ (١) الكامل لابن عدي (٢٣٢/٤). (٢) المغني في الضعفاء، للذهبي (رقم ١٢٧٩). (٣) انظر التاريخ الكبير للبخاري (١٧٦/٧). (٤) التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٧٢). ٤٣٨ خُلُوَّ ترجمته لقبيصة من تلك العبارة في (التاريخ الكبير)، يعني تغيُّرَ اجتهاد الإمام البخاري. ذلك لأن البخاري كان دائم التعديل والتحسين لكتابه، فاختلفت لذلك روايات التاريخ نفسه. وكانت آخر نسخة معلومة عدَّلها الإمام البخاري هي التي من رواية أي الحسن محمد بن سهل بن عبد الله البصري نزيل فسا المقرىء كما حققه العلامة المحقق المتبحر عبد الرحمن المعلمي رحمه الله، في مقدمة تحقيقه، لـ (الموضح الأوهام الجمع والتفريق) للخطيب البغدادي(١) . ولحسن الحظ، فإن النسخة المطبوعة من (التاريخ الكبير) تعتمد في أغلبها على أصل خطي من رواية محمد بن سهل المقري، كما هو واضح في إسنادها (٢). فالنسخة المطبوعة تمثل آخر اجتهادات الإمام البخاري المروية في كتابه (التاريخ الكبير). فخلو هذه النسخة من قول البخاري عن حديث قبيصة بن حريث: ((في حديثه نظر))، قد يكون لاختلاف اجتهاد الإمام فيها، عن رواية العقيلي التي يرويها عن آدم بن موسى عن البخاري، وعن رواية ابن عدي التي يرويها عن الدولابي عن البخاري. ويقطع بتغير اجتهاد الإمام البخاري في شأن قبيصة بن حريث، سواءً ثبت وجود سقط في مطبوع (التاريخ الكبير) أو ثبت صحة ما فيه، هو أنَّ الترمذي في (العلل الكبير) نقل عن البخاري (١) انظر مقدمة تحقيق (الموضح لأوهام الجمع والتفريق) للخطيب، للمعلمي (١١/١ - ١٢). (٢) انظر مثلاً ترجمة قبيصة بن حريث، والصفحة المقابلة لها (١٧٦/٧ - ١٧٧)، ومقدمة تحقيق (الموضح) (١١/١ - ١٢). ٤٣٩ أنه رجَّح رواية من ذكر قبيصة بن حريث في إسناد حديث الحسن عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه(١). وهذا الترجيح يخالف توقف البخاري في الحديث الذي عبر عنه بقوله: ((في حديثه نظر)). وعلى كل حال، فالمهم هو: أن قول البخاري في ترجمة قبيصة بن حريث: ((في حديثه نظر))، لو ثبت عليه البخاري، فإنه متوجه إلى إسناد الحديث والاختلاف فيه، لا إلى قبيصة، فلا دلالة في كلام البخاري هذا على تليين قبيصة. وأنبه هنا: أن قول البخاري: ((فيه نظر))، إن كان المقصود بها الراوي؛ فهي تليين خفيف، وليست توهينًا شديدًا، كما ادَّعاه بعض الأئمة المتأخرين، كالذهبي (٢) وابن كثير(٣) وغيرهما (٤). وقد ردّ على هذا الفهم الخاطىء لتلك العبارة في صدورها من الإمام البخاري، الأستاذ مسفر بن غرم الله الدميني، في دراسة موازنة، جمع فيها المواطن التي أطلق فيها البخاري تلك العبارة، ووازنها بأقوال العلماء غيره في الذين قيلت فيهم، فخرج بأن من قيل فيه إنه: ((فيه نظر)) فإنه تليين خفيف الضعف، وأن البخاري في إطلاق هذه العبارة مثل غيره من الأئمة، لا كما زُعِم من أنَّ له اصطلاحًا خاصًا به في إطلاقها . ولم أطلع على هذه الدراسة الموازنة التي قام بها الأستاذ الدميني وفقه الله، لكنه ذكر قيامه بها، ولخّص نتائجها في دراسة أخرى له، عمن قال فيه البخاري: ((سكتوا عنه)) وذلك في رسالة أسماها: (قول البخاري: سكتوا عنه)(٥). (١) العلل الكبير (٦١٦/٢ - ٦١٧)، وانظر ما يأتي (١١٣٧ - ١١٥٢). (٢) الموقظة للذهبي (٨٣). (٣) اختصار علوم الحديث لابن كثير (١٠٦). (٤) انظر فتح المغيث للسخاوي (١٢٢/٢) وحاشية تحقيقه. (٥) قول البخاري سكتوا عنه، للدكتور مسفر الدميني (٦ - ٧، ٢١٢). ٤٤٠