Indexed OCR Text

Pages 321-340

ويجزم أن هذا هو قول ابن معين في علي بن زيد .. أو
يكاد يجزم به! الموازنة التالية:
سئل يحيى بن معين عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم،
وعبد الله بن عقيل، وعلي بن زيد؟ فقال يحيى: ((علي بن زيد
أحبهم إلي))(١).
نعم .. لقد قال ابن معين عن عاصم بن عبيد الله:
((ضعيف))(٢).
لكنه .. وفي شأن عبد الله بن عقيل .. ومن رواية أحمد بن
زهير بن حرب الحافظ الکبیر المشهور بابن أبي خيثمة (ت ٢٧٩
هـ)(٣) عن ابن معين، قال يحيى بن معين: ((عبد الله بن عقيل
ثقة»(٤) .
وفي رواية عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ الناقد
(ت٢٨٠ هـ) (٥) عن ابن معين، أنه قال في عبد الله بن عقيل: ((ثقة
لا بأس به))(٦).
وتفرد المفضل بن غسان الغلابي - الذي قال عنه الخطيب:
(ثقة))(٧) أن يحيى بن معين قال عن عبد الله بن عقيل: ((منكر
الحديث))(٨).
(١) تاريخ يحيى بن معين برواية الدوري (رقم ٤٧٢٤).
(٢) تاريخ الدارمي عن يحيى بن معين (رقم ٤٥١)، ومعرفة الرجال لابن معين
برواية ابن محرز (١٩١/١).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٤٩٢/١١ - ٤٩٣).
(٤) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١٢٥/٥) ..
(٥) انظر سير أعلام النبلاء (٣١٩/١٣ - ٣٢٦).
(٦) تاريخ الدارمي عن ابن معين (رقم ٤٦١).
(٧) تاريخ بغداد (١٢٤/١٣)، والأنساب للسمعاني (٩٧/١٠ - ٩٨).
(٨) تاريخ بغداد (١٩/١٠).
٣٢١

ولعمري إن رواية المفضل هذه عن ابن معين هي المنكرة!
فمع تفرده بها، بل ومخالفته لمن أَحَدُهما أولى بالتقديم عليه؛ مع
ذلك فإن روايته هذه عن ابن معين، هي أشنع ما قيل في
عبد الله بن عقيل، بل لقد وثقه الإمام أحمد، وأبو داود،
والنسائي. وما غض منه إلا قول أبي حاتم: ((شيخ)) (١)، وما أبعد
(شيخ) - مع ذلك - عن (منكر الحديث) !!
وقد استخلص الحافظ ابن حجر أقوال النقاد في عبد الله بن
عقيل، فقال عنه: ((صدوق))(٢).
فإذا كان علي بن زيد أحبَّ إلى ابن معين من عبد الله بن
عقيل، وعبد الله بن عقيل أقل أحواله أن يكون: (لا بأس به) عند
ابن معين، فماذا يكون علي بن زيد في حكم ابن معين؟! أيكون
(ضعيفًا) .. في كل شيء !!! أم (صدوقًا) .. وفي كل شيء !!!
ولا أريد التطويل بأكثر من هذا التطويل في علي بن زيد،
ولكني أحسب أن الأمر كان في حاجة إلى نحو من هذا التطويل،
لكثرة ما يرويه علي بن زيد عمومًا، وعن الحسن البصري
خصوصًا.
والخلاصة: أنَّ علي بن زيد حسن الحديث، وفي الحسن
البصري أولى بالتحسين.
ثم أعود - بعد هذا الابتعاد الطويل عن أصل مبحثنا - إلى
إكمال حجج من وهَّى مراسيل الحسن البصري، وقد ذهب منها
حجتان: من كلام ابن سيرين، ومن كلام علي بن زيد ابن
جدعان .
(١) انظر الجرح والتعديل (١٢٥/٥)، والتهذيب (٣٢٣/٥).
(٢) التقريب (رقم ٣٤٨١).
٣٢٢

فمن حجج من وهَّى مراسيل الحسن أيضًا، ما يلي:
[عَوْدةٌ إلى
حُجَجٍ من
قال الفسوي في (المعرفة والتاريخ): ((حدثنا سعيد (١) حدثنا وَفَّى
ضمرة(٢) عن ابن عون قال: ((كنت عند الحسن البصري جالسًا،
مراسيل
الحسن]
إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا سعيد، عمن تحدِّث؟ قال: عنك،
وعن هذا، وعن هذا))(٣).
وإسناده حسن.
وقال الفسوي أيضًا في (المعرفة والتاريخ): ((حدثني أبو بكر
الحميدي: حدثنا سفيان، عن مساور الوراق (٤) عن أخيه سيار(٥)
قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد عمن هذه الأحاديث التي تحدثنا؟
قال: صحيفة وجدناها)»(٦).
وإسنادهما حسن.
(١) هو ابن أسد بن موسى السنة المصري، روى عن: سفيان بن عيينة،
وضمرة، وأيوب بن سويد، ويحيى بن حسان، وعبد الرحمن بن زياد
الرصاصي.
وروى عنه: أبو زرعة الرازي، ويعقوب بن سفيان الفسوي.
ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) دون تعديل أو تجريج، وذكره
ابن حبان في (الثقات) لكن جاء في سؤالات ابن الجنيد أن يحيى بن
معين قال عنه: ((لا بأس به، فتى صدق صدوق)) انظر سؤالات ابن الجنيد
(رقم ٥١٦)، والجرح والتعديل (٥/٤)، والثقات لابن حبان (٩٢٧١/٨).
(٢) هو ابن ربيعة الفلسطيني، أبو عبد الله، أصله دمشقي، (ت ٢٠٢ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٢٩٨٨): ((صدوق يهم قليلاً)).
(٣) المعرفة والتاريخ للفسوي (٤٣/٢).
(٤) مساور الوراق الكوفي، الشاعر، اسم أبيه: ((سوار بن عبد الحميد، قاله
أسلم الواسطي.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٥٨٨): ((صدوق)).
(٥) هو أبو الحكم العنزي، وهو أخو مساور الوراق لأمه، (ت ١٢٢ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٢٧١٨): ((ثقة)).
(٦) المعرفة والتاريخ للفسوي (٤٥/٢)، والكفاية للخطيب (٣٩١).
٣٢٣

ولقد كان الشعبي ينكر على الحسن كثرة مراسيله، ويقول:
((لو لقيته لنهيته))(١). ويقول كما في الصحيحين: ((أرأيتَ حديث
الحسن عن النبي ( 18 !! [وفي مصنف ابن أبي شيبة: أرأيت
الحسن حين يقول: قال رسول الله ﴿] !! وقاعدتُ ابنَ عمر قريبًا
من سنتين، أو سنة ونصف، فلم أسمعه روى عن النبي الصّ غير
هذا ... وذكر حديثًا واحدًا))(٢).
وقال أبو المليح الحسن بن عمر(٣): سمعت صالح بن
مسمار(٤) وحدثني حديثًا عن الحسن، فرفعه إلى أنس، وحدثني
حديثًا عن الحسن، فقلت له: أسنده؟ فقال: ما كان يُسْنِد، ربما
سمعته يقول: حدث نبيكم عن ربكم عز وجل))(٥) .
وقال علي بن زيد ابن جدعان: ((كان ثلاثة من أصحابنا إذا
سمعوا الحديث رفعوه: الحسن، وأبو العالية، وآخر))(٦).
قلت: يعني أنهم كانوا يرسلون الحديث، فيرفعونه إلى
النبي ◌َ﴿، دون ذكر الواسطة.
فهذا هو ما أُخذ على الحسن البصري في مراسيله، وما
احتج به موهنوها: من أنه كثير المراسيل، مع عدم التحرز في
(١) العلل للإمام أحمد (رقم ١٩٩٩، ٥٦١٤).
(٢) صحيح البخاري (رقم ٧٢٦٧)، وصحيح مسلم (رقم ١٩٤٤)، ومصنف
ابن أبي شيبة (٧٥٥/٨)، (رقم ٢٦٢٢٧).
(٣) هو الحسن بن عمر - أو عمرو - بن يحيى الفزاري مولاهم، أبو المليح
الرقي، (ت ١٨١هـ)، وقد جاوز التسعين.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٢٦٦): ((ثقة)).
(٤) صالح بن مسمار، بصري سكن الجزيرة.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٢٦٦): ((ثقة)).
(٥) العلل للإمام أحمد (رقم ٣٠٦٣).
(٦) العلل للإمام أحمد (رقم ٦٧، ٥٥٤)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٢/
٤٣ - ٤٤).
٣٢٤

الرواية، فيروي عن كل أحد، وعمن لا يدريه هو نفسه، لنسيانه،
وأنه يروي عن الصحف التي وقعت له، دون تقيّد بشروط الوجادة
المقبولة كما يزعمون.
فهذا هو قول من أبَوْا مراسيل الحسن، وبقي قول من
قبلوها، على حد تعبير ابن عبد البر: ((فقبلها قوم، وأباها
قوم))(١).
فهذه أقوال من قبلوا مراسيل الحسن البصري، وقؤوها:
أخرج الطحاوي بإسناد صحيح في (بيان مشكل أحاديث
رسول الله (وَله)، إلى يونس بن عبيد، أنه قال: ((رحم الله الحسن!
ما قال شيئًا، إلا وجدتُ له أصلاً))(٢).
[أقوال مَنْ
قَوَّوْا مراسيلـ
الحسن]
وهذا وإن كان يونسُ بنُ عبيد قاله عن تفسير الحسن، إلا
أنه إن كان تفسير الحسن كلّه له أصل عند أحد أكبر تلامذة
الحسن، فما قال فيه الحسنُ: ((قال رسول الله وَله)) أولى أن يكون
كذلك، لأن التحرِّي والتثبّت في صحّة المنسوب إلى النبي وَله
أوجب من التفسير الذي يصحّ فيه الاجتهاد.
وأورد الترمذي في (العلل الصغير) بإسناده عن يحيى بن
سعيد القطان، أنه قال: ((ما قال الحسن في حديثه: قال
رسول الله (َلته، إلا وجدنا له أصلاً، إلا حديثًا أو حديثين))(٣).
فعلق ابن رجب في (شرح العلل) على كلام يحيى القطان
بقوله: ((يدل على أن مراسيله جيدة))(٤).
(١) انظر ما سبق (٣٠٠).
(٢) بيان مشكل الأحاديث للطحاوي (١٠٤/١٢).
(٣) العلل الصغير للترمذي بذيل الجامع له (٧٥٤/٥).
(٤) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٣٦).
٣٢٥

وأخرج ابن أبي الدنيا: عبد الله بن محمد بن عبيد البغدادي
(ت٢٨١ هـ) في كتاب (المرض والكفارات)، والبيهقي في (شعب
الإيمان)، من طريق الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك، بإسناده
إلى الحسن البصري - حديثًا مرسلاً إلى النبيِ وَل8، ثم قال
عبد الله بن المبارك عقبه: ((هذا من جيد الحديث))(١).
وهذا يدل على قوة مراسيل الحسن عند ابن المبارك، وهو
يعارض ما سبق عن ابن المبارك، من تضعيفه مراسيل الحسن
البصري!
وقد سبق أيضًا عن الشافعي ما يدل على تضعيفه مراسيل
الحسن، مع ذلك يقول البيهقي: ((وليس الحسن وابن سيرين بدون
كثير من التابعين، وإن كان بعضهم أقوى مرسلاً منهما، أو من
أحدهما، وقد قال الشافعي بمرسل الحسن حيث اقترن به ما
يعضده، في مواضع، منها: النكاح بلا ولي (٢)، والنهي عن بيع
الطعام حتى يجري فيه الصاعان(٣)) (٤).
وقال بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت
٧٩٤ هـ) في كتابه (النكت على ابن الصلاح): ((وحكى إمام
الحرمين(٥) عن الشافعي: أن مراسيل الحسن البصري عنده
(١) المرض والكفارات لابن أبي الدنيا (رقم ٢٨)، وشعب الإيمان للبيهقي
·(رقم ٩٨٦٦).
(٢) انظر الأم للشافعي (١٦٨/٥).
(٣) انظر الأم للشافعي (٧٢/٣ - ٧٣)، ومعرفة السنن للبيهقي (رقم ١١٣٠٥ -
١١٣٠٨).
(٤) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٥٠).
(٥) إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف
الجويني، النيسابوري، شيخ الشافعية في عصره، صاحب التصانيف
(٤٧٨ هـ).
سير أعلام النبلاء (٤٦٨/١٨ - ٤٧٧).
٣٢٦

مستحسنة، حكاه عنه ابن رِفْعَة(١)، في مطلب الكلام على قبض
المبيع(٢)، قال: ولهذا احتج به في الأم))(٣).
ونقل القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن
خلف الفراء البغدادي الحنبلي (ت ٤٥٨ هـ)، في كتابه (العدّة في
أصول الفقه)، من كتاب (العلل) لأبي بكر أحمد بن محمد بن
هارون الخلال (ت٣١١هـ)، الذي جمعه من أقوال الإمام أحمد،
في الروايات المتكاثرة عنه ۔
نقل أبو يعلى الفراء منه، قوله: ((وقال - يعني الإمام أحمد -
في رواية أبي طالب(٤)، وقد سأله عن رجل، ما قال الحسن: قال
رسول الله ◌َ، وجدناه من حديث أبي هريرة وعائشة وسمرة؟
قال: صدق.
وقال في رواية مُهَنَّى(٥)، وقد سأله: هل شيء يجيء عن
الحسن، قال: قال رسول الله وَالله:؟ قال: هو صحيح، ما نكاد
نجدها إلا صحيحة))(٦).
(١) أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع الأنصاري، أبو العباس، ابن الرفعة،
المصري، شيخ الشافعية في عصره، مشتهر بإحاطته لأقوال المذهب،
وبالنقول النادرة فيه، (ت ٧١٠هـ).
انظر طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢٤/٩ - ٢٧)، وطبقات
الشافعية لابن قاضي شهبة (٢٢١/٢ - ٢١٣ رقم ٥٠٠).
(٢) سبق آنفاً العزو إلى موضعه في الأم.
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح للزركشي (٥٩٤).
(٤) أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني (ت ٢٤٤ هـ).
قال أبو بكر الخلال، كما نقله ابن أبي يعلى الفراء في (طبقات الحنابلة)
(٣٩/١ - ٤٠): ((كان أحمد يكرمه ويقدمه، وكان رجلاً صالحاً، فقيراً،
صبوراً على الفقر، فعلّمه أبو عبد الله مذهب القنوع والاحتراف)).
(٥) مهنى بن يحيى الشامي الأصل، أبو عبد الله، البغدادي، لزم الإمام أحمد
ثلاثاً وأربعين سنة، ورافقه في رحلته إلى عبد الرزاق باليمن.
انظر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣٤٥/١ - ٣٨١)، وتاريخ بغداد (١٣/
٢٦٦ - ٢٦٨)، ولسان الميزان (١٠٨/٦ - ١٠٩).
(٦) العدة لأبي يعلى الفراء (٩٢٣/٣ - ٩٢٤).
٣٢٧

وأحسب سؤال مهنّى بتقدير محذوف هل شيء يجيء عن
الحسن، قال: قال رسول الله صل﴿ - صحيحًا، أو يحتج به، أو
نحو ذلك. ولذلك جاء جواب الإمام أحمد، يدل على أن هذا هو
ما سئل عنه.
وعندما نقل العلامة محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي (ت
٧٦٣هـ)، في كتابه (الفروع) في المذهب الحنبلي - كلام الإمام
أحمد، من رواية مهنا، كما نقلناه آنفًا؛ قال: ((فلا يضر قوله -
يعني الإمام أحمد - في رواية الفضل بن زياد: ليس في المرسلات
أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، لأنهما يأخذان من كل أحد.
ولعله أراد مرسلات خاصة))(١) !!
يعني ابن مفلح: أن تقوية الإمام أحمد لمراسيل الحسن،
مُقدَّمٌ على تضعيفه لها. وعلَّل ابنُ مفلح ذلك، وهو العليم
بالمذهب وبأقوال إمامه(٢)، بأن تضعيف الإمام أحمد لمراسيل
الحسن لعله كان في مراسيل معينة، لا أنه تضعيف عامّ منه
لمراسیله.
وقال يحيى بن معين في كتابه (التاريخ): ((مرسلات الحسن
ليس بها بأس»(٣).
وقال ابن معين أيضًا، في (معرفة الرجال) برواية أبي العباس
أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز البغدادي - قارنًا مراسيل
الحسن بمراسيل سعيد بن المسيب: ((مرسلات إبراهيم أصح من
مرسلات سعيد بن المسيب والحسن)) (٤).
(١) الفروع لابن مفلح (٢٢٧/٣).
(٢) قال ابن قيم الجوزية: ((ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من
ابن مفلح)) - المقصد الأرشد، لابن مفلح الحفيد (٥١٩/٢).
(٣) التاريخ لابن معين (رقم ٤٢٤٨).
(٤) معرفة الرجال لابن معين، رواية ابن محرز (١ رقم ٥٨٨).
٣٢٨

ولست أزعم أن كلام ابن معين هذا يدل على أنه يساوي
بين مراسيل الحسن ومراسيل سعيد بن المسيب، لكن قَرْنَهما معًا،
ثم موازنتهما بمراسيل إبراهيم النخعي، يدل على قوة مراسيل
الحسن عند ابن معين.
وقال علي بن المديني: ((مرسلات الحسن إذا رواها عنه
الثقات: صحاح، ما أقل ما يَسْقط منها !! ))(١).
ويُروى عن أبي زرعة الرازي، أنه قال: ((كل شيء قال
الحسن: قال رسول الله وَله، وجدت له أصلاً ثابتًا، ما خلا أربعة
أحاديث))(٢).
قال السخاوي في (المقاصد الحسنة)، معلقًا على كلام أبي
زرعة هذا: ((ليته ذكرها))(٣).
قلت: ولكني لم أجد لهذا النقل عن أبي زرعة إسنادًا
مقبولاً، حيث أخرجه ابن عدي في (الكامل)، ومن طريق ابن
عدي أخرجه الخليلي في (الإرشاد)، قال فيه ابن عدي: ((سمعت
الحسن بن عثمان التستري، يقول: سمعت أبا زرعة ...
وذكره»(٤).
والحسن بن عثمان التستري تقدم أنه وضاع للحديث، وصفه
بذلك تلميذه ابن عدي، وغيره من أقرانه ومعاصريه(٥).
فلا يصح هذا الكلام عن أبي زرعة، ولا حسرةَ إذًا على
السخاوي (رحمه الله) في ما تمنّه من أبي زرعة !!
(١) التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم لأبي عبد الله محمد بن أحمد المُقَدَّمي
(رقم ٩٩٢)، وتهذيب الكمال للمزي (١٢٤/٦)، شرح علل الترمذي لابن
رجب (٥٣٧).
(٢) الكامل لابن عدي (١٣٢/١)، الإرشاد للخليلي (٦٨٠/٢).
(٣) المقاصد الحسنة للسخاوي (رقم ٣٨٤).
(٤) سبق هذا العزو إلى مصادره.
(٥) انظر ما سبق (٢٠٩ - ٢١٠).
٣٢٩

وأجل من كلمة أبي زرعة هذه، كلمة يحيى القطان الآنفة،
التي يذكر فيها القطان: أنَّ مالم يجد له أصلاً من مراسيل الحسن،
ليس إلا حديثًا واحدًا، أو حديثين فقط، ولا يتجاوز ذلك!
وأخرج أبو نعيم الأصبهاني في (حلية الأولياء) حديثًا
مرسلاً، من مراسيل الحسن البصري، لكنه من طريق بعض
الضعفاء عن الحسن، فقال عقبه: ((وهذا الحديث خارج من جملة
الأحاديث المراسيل المقبولة عن الحسن، لمكان محمد بن الفضل
وعبد الواحد، وما يرجعان إليه من الضعف))(١).
ففحوى هذا الكلام: أنه لولا المذكوران لكان هذا المرسل
من المراسيل المقبولة، وفي هذا تقوية ظاهرة المراسيل الحسن.
وقال البيهقي - كما سبق عنه -: ((وليس الحسن بدون كثير
من التابعين، وإن كان بعضهم أقوى مرسلاً منهما، أو من
أحدهما))(٢).
وقال البيهقي أيضًا في (السنن الكبير)، معلقًا على حديث
للحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه: «هذا إسناد صحيح،
ومن أثبت سماع الحسن من سمرة بن جندب عدَّه موصولاً، ومن
لم يثبته فهو مرسل جيد، يُضمُّ إلى مرسل سعيد بن المسيب،
والقاسم بن أبي بزة، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه))(٣).
فانظر كيف يصف البيهقي حديث الحسن، مع كونه مرسلاً،
بأنه مرسل جيد. ثم يعتبر به، ويجعله في مرتبة ما يصلح
للمتابعات والشواهد.
أمَّا قوله بضم مرسل الحسن إلى مرسل سعيد بن المسيب،
(١) حلية الأولياء لأبي نعيم (١٦٥/٦).
(٢) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٥٠).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٢٩٦/٥).
٣٣٠

فليس معناه أنهما في مرتبة واحدة، وإنما المعنى: أن مرسل
الحسن الذي ذكره البيهقي وافقه على معناه مرسل آخر لسعيد بن
المسيب والقاسم بن أبي بزَّة، ووافقه أيضًا قول لأبي بكر
رضي الله عنه.
فالمقصود بالضم في كلام البيهقي: خصوصُ مسألتِه
والحديثِ الذي ورد فيه مرسل الحسن، لا أنه كلام عام في منزلة
مراسيل الحسن.
وهذا أبو عمر ابن عبد البر، في (التمهيد)، يضرب المثل
بمراسيل الحسن على مراسيل الثقات، الذين إذا دُقق معهم
وحُوقِقوا في مراسيلهم، أحالوا على الثقات، فذكر مراسيل الحسن
مع مراسيل لغيره مثلاً على ذلك.
قال ابن عبد البر: ((وقال حبيب بن الشهيد: قال لي
محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته،
فقال: من سمرة. قال أبو عمر: فهكذا مراسيل الثقات، إذا سئلوا
أحالوا على الثقات))(١).
فهذا من ابن عبد البر يظهر منه تقوية مراسيل الحسن
البصري!
ونقل أبو محمد ابن حزم في (المحلى) عن المالكيين تقوية
مراسيل الحسن البصري، حيث قال: ((فإن المالكيين يقولون:
المرسل والمسند سواء، لاسيما مرسل الحسن، فإنهم ادعوا أنه
كان لا يرسل الحديث إلا إذا حدَّثه به أربعة من الصحابة
فصاعدًا»(٢).
(١) التمهيد لابن عبد البر (٣٧/١).
(٢) المحلى لابن حزم (٥٥/٧).
٣٣١

هذه أقوال من قووا مراسيل الحسن البصري، كما سبق أن
نقلنا أقوال من وهنوها.
والملاحظ أن غير ما إمام من الأئمة سبق ذكره في صف
المضعفين، ثم أعدناه في صف المقوين! مثل: عبد الله بن
المبارك، والشافعي، وأحمد، والبيهقي.
الجمع بين
ـن ثبت عنه
ـن الأئمة أنه
ـوّى مراسيل
ـحسن
وهَّاها
يضاً]
وهذا يدل بكل وضوح، وبأول تفسير لذلك؛ على أنَّ
تضعيف مراسيل الحسن عند هؤلاء، إنما هو تضعيف نسبي، لم
يبلغ بها درجة الإسقاط، فهي مراسيل حسنة لا بأس بها عندهم،
ليست كمراسيل سعيد بن المسيب صحة، ولا كمراسيل ابن جريج
سقوطًا، هذا ما قد نخرج به من بين تصرفهم بالتضعيف والتقوية
المراسيل الحسن.
وربما شابه هؤلاء الذين نقلنا عنهم التضعيف والتقوية لمراسيل
الحسن: مثل الإمام الدارقطني، حيث إن عبارته بتضعيف مراسيل
الحسن عبارة لطيفة لا تعارض من وصفها بأنها (لا بأس بها).
فالدارقطني هو القائل - كما سبق -: ((مراسيل الحسن فيها
ضعف))(١).
وأما كلمة ابن سعد: ((ما أرسل من الحديث فليس
بحجة))(٢). فمما لا يعارض فيه أحد، فلا يحتج بالمرسل - مفردًا
- كبير أحد من الحفاظ والفقهاء، كما سبق وأن قررناه(٣).
فما أرسله الحسن وسعيد بن المسيب، كلاهما: لا يحتج به.
(١) انظر ما سبق (٣٠٤).
(٢) انظر ما سبق (٣٠٣).
(٣) انظر ما سبق (٢٩٩ - ٣٠٠).
٣٣٢

فإن قيل: فلم خص ابن سعد مرسل الحسن في ترجمته
بالذكر، دون غيره؟ قلنا: لأن كثرة مراسيل الحسن الكثرة البالغة
أحوجته إلى التنصيص على حكمها.
حجج من قووا مراسيل الحسن:
ولئن كان للذين وهَّنوا مراسيل الحسن حُجَجٍ، فإن لمن
قووها حججًا كذلك، فاحتجوا:
أولاً: بالسبر، حيث تتبعوا مراسيل الحسن، فلم يجدوا
فيها مما لا أصل له إلا حديثًا أو حديثين، وقد نص على قيامه
بهذا السبر الإمام الجبل يحيى بن سعيد القطان، وأيضًا فإن ظاهر
كلام علي بن المديني يدل على سبره لمراسيل الحسن.
وكفى بهذين الإمامين البصريين سابرًا مستقصيًا تمام
الاستقصاء لمراسيل الحسن البصري !!
بل إن تصحيح مراسيل الحسن بناء على هذا السبر هو ظاهر
كلام الإمام أحمد أيضًا، في قوله الذي صحح فيه مراسيل
الحسن، بخلاف قوله الآخر الذي يظهر أنه لم يعتمد فيه على
السبر للمرويات !!
فإن قيل: وكذلك من ضعف مراسيل الحسن، احتجوا
بالسبر لمراسيله، فظهر لهم منها خلاف ما ظهر لغيرهم ممن قوَّى
مراسیله؟!
فيقال: من قال إن الذين ضعفوا مراسيل الحسن ضعفوها
بناء على سبرهم لها؟! فهذا قول ما صرح ولا لمَّح به أحد منهم،
بل صرح غير واحد منهم أن تضعيفهم لمراسيل الحسن إنما بنوه
على ما زُعم من أن الحسن كان لا يتحرَّى في من يروي عنهم،
وأنه يروي عن المجاهيل والضعفاء، كما هو صريح كلام
محمد بن سيرين، والإمام أحمد - في أحد قوليه -، وغيرهما.
٣٣٣
[حجج من
قَوَّى
مراسيل
الحسن]
[أولاً: سبر
مراسـيـل
الحسن]

والرواية (عن كل أحد) - كما قالوا - إن صحت عن
الحسن، فليست إلا إشارة إلى ضعف المراسيل، حيث إنها سبب
من أسباب ضعفها، وحصول هذا السبب في حق الحسن - إن
ثبت عنه - لا يلزم منه لزومًا أن يقع الضعف في مراسيله،
لاحتمال أن يكون الحسن ممن ينتقون أحاديث الضفعاء، فيروون
منها ما توبعوا عليه. أو لاحتمال أنه كان لا يرسل إلا عن ثقة،
مع روايته عن الثقات والضعفاء إذا أسند، لما في الإرسال عن
الضعفاء من الغش، وما في الإسناد من الإحالة إليه والنصيحة
للدین بذلك.
أما الاحتجاج بالسبر للأحاديث الي يُرسلها الحسن، فإنه
احتجاج بالأمر نفسه، لا بأسبابه، وبالواقع الحاصل لا بدلائله
وإشاراته .
لذلك كان احتجاج من صححوا مراسيل الحسن بالسبر
للأحاديث ، أحق بالاحتجاج من حجة من ضعفوها لروايته عن
كل أحد!
[ثانياً:
أخبارٌ تدلُّ
على قوة
مراسـيـل
الحسن]
ثانيًا: واحتج أيضًا من قوَّى مراسيل الحسن بأخبار ونقول
تدل على نقيض ما احتج به مضعفوها من الأخبار والنقول!
وقد سبق أن ذكرنا ما أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير)،
بإسناد، رجحنا حسنه، إلى الحسن البصري، أنه قيل له: ((إنك
تحدثنا: قال النبي وَلتر، فلو كنت تسند لنا؟ قال: والله ما كذبناك
ولا كذبنا، لقد غزوت إلى خراسان معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب
محمد (وَلٍ))(١).
قال ابن رجب في (شرح العلل) معلقًا على هذا الخبر:
((هذا يدل على أن مراسيل الحسن، أو أكثرها عن الصحابة))(٢).
(١) انظر ما سبق (٢٩١ - ٢٩٤).
(٢) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٣٨).
٣٣٤

وصدق ابن رجب رحمه الله! وكفى مراسيل الحسن بذلك
قوَّة! وهذا أولى من قول من كان ... سوى الحسن: إنه يروي
عن كل أحد !! فإنه خبرُ الحسنِ عن نفسه، لا خبرُ غيرِه عنه
بالظنون!
وقال البخاري في (التاريخ الكبير) في ترجمة إبراهيم بن
قُعَيْس: ((حدثني عبدة، قال: حدثني عبد الصمد، قال: حدثنا
مبارك، قال: شهدت الحسن، وقال له إبراهيم بن إسماعيل
الكوفي ... الخبر))(١).
(ح)(٢) وقال البزار في مسنده: ((حدثنا عبدة بن عبد الله
القسملي: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا المبارك بن
فضالة، قال: قام إسماعيل بن إبراهيم، أو إبراهيم بن إسماعيل
إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد إنا نسمع منك أحاديث تحدث بها
عن رسول الله وَلجر، فأسندها لنا؟ فقال: سل عما بد لك، قال:
حديث النبي ◌َل﴿ في قيام الساعة؟ فقال: حدثني أنس بن مالك
عن النبي ◌َّير، وحدثني جابر بن عبد الله عن النبي وَّر، وحدثني
عبد الله بن قدامة، [زاد البخاري: العنبري] وكان آمراً صدق، عن
الأسود بن سريع عن النبي و # [زاد عند البخاري: فما سألوه
يومئذ عن شيء إلا أسند]، فقاموا، وقالوا: كِذْنا نُغلب على هذا
الشيخ))(٣).
وإليك تراجم إسناد هذا الخبر، وفيها طول:
(١) التاريخ الكبير للبخاري (٣١٥/١).
(٢) رمز استخدمه المحدثون، قيل: إنه بمعنى: (تحويل)، وقيل: (حاجز)،
وقيل غير ذلك.
انظر فتح المغيث للسخاوي (١١١/٣ - ١١٣)، وتدريب الراوي للسيوطي
(٨٨/٢).
(٣) مسند البزار - الأزهرية - (٦٦/ب، ٧٢ / ب)، وكشف الأستار (رقم ١٨٦).
٣٣٥
،

عبدة بن عبد الله الصفار الخزاعي، أبو سهل البصري،
كوفي الأصل، (ت ٢٥٨ هـ، وقيل: ٢٥٧هـ)، قال الحافظ ابن
حجر: ((ثقة))(١).
هذه ترجمته في (التقريب)، ونحوها مطوّلة في أصله
(التهذيب)(٢).
لكن لم يرد في أحدهما نسبته بـ (القسملي)، كما جاء عند
البزار.
والقساملة من الأزد(٣)، أمَّا خزاعة فالأشهر أنها عدنانية
مضرية. ومن قال إنها من الأزد، فإنها أيضًا لا تلتقي مع جد
القساملة إلا في الأزد(٤)، فلا يصح في الراوي أن يكون قسمليًا
خزاعيًا، في وقت واحد!
لكن ذكر السمعاني في (الأنساب) وأبو بكر الحازمي في
(عجالة المبتدي وفضالة المنتهي) كلاهما: أن القساملة نزلوا في
موضع بالبصرة، فسمي ذلك الموضع بهم، فاشتهر بـ (القسملي)
جماعة ليسوا منهم، لكن لنزولهم في ذلك الموضع(٥).
ثم إنه لم يُذكر في شيوخ البخاري من اسمه (عبدة) إلا
عبدة بن عبد الله الصفار الخزاعي البصري(٦).
(١) التقريب (رقم ٤٢٧٢).
(٢) التهذيب (٦ / ٤٦٠ - ٤٦١).
(٣) انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم (٣٧٦ - ٣٧٧).
(٤) انظر نسب معد واليمن الكبير، لابن الكلبي (٤٣٩)، والإنباه على قبائل
الرواة، لابن عبد البر (٩٦ - ٩٨)، ونهاية الأرب للقلقشندي (٢٤٤ -
٢٤٥).
(٥) الأنساب للسمعاني (٤٢٠/١٠، ٤٢١)، عجالة المبتدي للحازمي (١٠٤).
(٦) انظر المعجم المشتمل لابن عساكر (رقم ٥٧٧).
٣٣٦

ثم إنهم قد ذكروا في شيوخ عبدة بن عبد الله الصفار:
عبد الصمد بن عبد الوارث(١).
فلا شك حينها أن الذي روى عنه البخاري والبزار هذا الخبر
واحد، هو عبدة بن عبد الله الصفار الخزاعي، ويستفاد من هذا
الخبر أنه يقال له: (القسملي) أيضًا، لنزوله في الموضع المذكور
آنفًا .
وشيخه: عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري
مولاهم، التنوري، أبو سهل البصري، (ت ٢٠٧ هـ).
قال الحافظ: ((صدوق، ثبت في شعبة))(٢).
فأنزله الحافظ بذلك إلى مرتبة من يُحَسَّن حديثه في غير
شعبة، وليست هذه مرتبته عند الذهبي!
قال الذهبي في (الكاشف): ((حجة))(٣).
وقال الذهبي أيضًا في (سير أعلام النبلاء): ((الإمام الحافظ
الثقة)) (٤).
ولا أدرى ما الذي أنزل (عبد الصمد) عند الحافظ ابن
حجر، عن أن يكون (ثقة) مطلقًا، كما هو عند الذهبي؟ والحاصل
أن ترجمته في (تهذيب التهذيب)(٥) تقتضي توثيقه!
فقد نقل الحافظ أولاً ما جاء في أصل تهذيبه، وهو (تهذيب
الكمال) للمزي، فنقل عنه أن أبا حاتم الرازي قال عنه: ((صدوق
(١) تهذيب الكمال للمزي - خط - (٨٧٣/٢)، والتهذيب (٤٦٠/٦).
(٢) تقريب التهذيب (رقم ٤٠٨٠).
(٣) الكاشف للذهبي (رقم ٣٤٢٤).
(٤) سير أعلام النبلاء (٥١٦/٩ - ٥١٧).
(٥) التهذيب (٣٢٧/٦ - ٣٢٨).
٣٣٧

صالح الحديث))(١) وأن ابن حبان ذكره في (الثقات)(٢)، هذا هو
ما جاء في (تهذيب الكمال)(٣).
ثم نقل الحافظ من زياداته:
أن ابن سعد قال: ((ثقة إن شاء الله)) (٤).
والحاكم قال: (ثقة مأمون))(٥).
وابن قانع قال: ((ثقة يخطىء)).
وأنَّ ابن نمير وثقه.
وأن علي بن المديني قال: ((عبد الصمد ثبت في شعبة)).
هذا كل ما جاء في التهذيب(٦).
وفات الحافظ أن ابن معين قال: ((كان والله ثقة))(٧).
وأن الإمام أحمد قال: ((لم يكن به بأس، وأرجو أن يكون
كان مخالفًا لأبيه في ذلك الرأي)»(٨)، ويعني (بذلك الرأي): القول
بالقدر، كما تراه فيما يلي:
وأن العجلي أحمد بن عبد الله بن صالح (ت ٢٦١ هـ): قال
(١) وقع في الجرح والتعديل سقط خلال ترجمة عبد الصمد، نبه عليه المحقق
(٥٠/٦ - ٥١)، وتحرف (أبو حاتم) إلى (أبي أحمد)، في التهذيب،
والتصويب من تهذيب الكمال، كما سيأتي العزو إليه، وانظر التعديل
والتجريح لأبي الوليد الباجي (٩٢١).
(٢) الثقات لابن حبان (٤١٤/٨).
(٣) تهذيب الكمال - خط - (٨٣٤/٢).
(٤) الطبقات لابن سعد (٣٠٠/٧).
(٥) المستدرك للحاكم (٢٢/١، ٤٢١).
(٦) تهذيب التهذيب (٣٢٧/٦ - ٣٢٨).
(٧) معرفة الرجال لابن معين برواية ابن محرز (رقم ٧٨٩).
(٨) العلل للإمام أحمد، برواية المروذي (رقم ٢٢٥).
٣٣٨

في كتابه المشهور بـ (الثقات): ((بصري ثقة، وكان أبوه قدريًا، ثقة
في حديثه))(١).
وأن الترمذي حسَّن وصحح له غير ما حديث، مع استغرابه،
مما يدل على أنه يعتبره ممن يصحح حديثهم من الثقات(٢).
بل هو من رجال الصحيحين أصلاً، ولم يتخلف عن
تصحيح حديثه أحد من أصحاب الصحيح الموجودة كتبهم، فقد
أخرج له ابن خزيمة في صحيحه (٣) وابن حبان(٤) في الأصول(٥).
وأحسب أنَّ الذي أنزل (عبد الصمد) عند الحافظ ابن حجر
إلى درجة من يحسن حديثهم، هو كلمة أبي حاتم فيه: ((صدوق
صالح الحديث)) وكلمة ابن قانع: ((ثقة يخطيء)).
فأوَّل ما يقال: لئن كان هذا هو اجتهاد أبي حاتم، فقد
خالفه غيره، وليس قوله بأولى من قول ابن معين: ((وكان والله
ثقة))، أو قول الحاكم: ((ثقة مأمون)) ولا بقول من ذكرناه آنفًا من
النقاد وعلماء هذا الشأن.
ثم إن ابن قانع مع نسبته عبد الصمد إلى (الخطأ) فإن ذلك
الخطأ لم يُنزل عبد الصمد، عند ابن قانع، عن أن يكون (ثقة)!
ذلك لأن الخطأ لا يعرى منه أحد، والتنصيص على الخطأ
ليس يلزم أن يكون لكثرته، إذ قد يكون ابن قانع وقف على خطأ
(١) معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء للعجلي (رقم
١١٠٠).
(٢) الجامع للترمذي (رقم ٤٤٨، ٢٧٢٣، ٣٨٣٨).
(٣) صحيح ابن خزيمة (رقم ٢٢٤، ٩٨٦، ١٦٩٩، ١٨٩٣، ١٩٥٦، ٢١٠٦،
٢١٢١).
(٤) انظر فهارس الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٧٠/١٨ - ١٧١).
(٥) انظر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لابن بلبان (رقم ٢٦٩٩،
٤٤٧٥، ٤٧٤٠، ٥٠٦٨، ٥٥٣٨).
٣٣٩

له، فنص على ذلك، من باب التنبيه على ذلك الخطأ فقط، ولهذا
لم يزل عبد الصمد عند ابن قانع (ثقة).
أمّا قول أبي حاتم: ((صدوق صالح الحديث)) فنعود إليه،
لنقول: إن مصطلح (صدوق) عند أبي حاتم - وربما عند غيره
أيضًا - مما لم ينضبط معناه عندنا إلى هذا الوقت! فهو كثيرًا ما
يصف به كبار الحفاظ الأئمة، لا الثقات فحسب !! فلا يجوز
الغض من درجة الراوي لمجرد قول أبي حاتم فيه: ((صدوق)).
وهاك أمثلة على حفاظ كبار وصفهم أبو حاتم بقوله:
(صدوق):
الإمام محمد بن إدريس الشافعي، قال أبو حاتم - فيما نقله
عنه ابنه في (آداب الشافعي) -: ((فقيه البدن، صدوق)) (١).
ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، قال ابن أبي حاتم:
«ثقة من الحفاظ، له معرفة بالحديث، سئل أبي عنه؟ فقال:
صدوق))(٢).
وعمرو بن علي بن بحر أبو حفص الفلاس (ت ٢٤٩ هـ)،
قال أبو حاتم: ((كان عمرو بن علي أرشق من علي بن المديني،
وهو بصري صدوق))(٣).
في عشرات سوى هؤلاء، أكتفي هنا بتسمية بعضهم،
والإحالة إلى مواطن ذكرهم في (الجرح والتعديل)، وهم:
١ - هارون بن عبد الله الحمال (ت٢٤٣ هـ) (٤).
(١) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (٨٩)، زاد فيه محققة، كلمة
(اللسان)، بعد قوله: (صدوق)، وذكر أنها جاءت في ((البداية والنهاية))
مشيراً بذلك إلى تفرد (البداية) بهذه الزيادة، عن أصله الخطي، وتاريخ
الإسلام وسير أعلام النبلاء والتهذيب !!
(٢) الجرح والتعديل (١٨٢/٨ - ١٨٣).
(٣) الجرح والتعديل (٢٤٩/٦).
(٤) الجرح والتعديل (٩٢/٩).
٣٤٠