Indexed OCR Text
Pages 161-180
الصوابُ خلافَه، فيما أراه بعيني، وألمسه بيدي! ولست أقول: فيما أحسب !! ثم نرجع إلى أحد المُتَّخِذِينَ ابنَ الصلاح وكتابَه أساسًا [عند ابن ومنطلقًا لمؤلفاتهم في علوم الحديث، وهو الشيخ الإمام بدر الدين جماعة] محمد بن إبراهيم بن جماعة (ت٧٣٣هـ) وكتابه هو (المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي)، وهو اختصار وتهذيب لکتاب ابن الصلاح. فنقف أولاً مع تعريفه للتدليس، حيث تابع ابنَ الصلاح في التعريف، مع اختصار ألفاظه، حيث قال: ((تدليس الإسناد: هو أن يروي عمن لقيه، أو عاصره، مالم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه)) (١). فظاهرٌ مِنْ ذِكْرِهِ المعاصرةَ، مسبوقة بـ (أو) التي تقتضي المغايرة، لإفادتها التقسيم(٢)، أن الروايةَ مع المعاصرة هي غير الرواية مع اللقاء، فقوله: ((أنه يروي عمن لقيه)) أي: عمن سمع منه ما لم يسمعه، قوله: (أو عاصره)، أي: رواية الراوي عن المعاصر له مع تخلف اللقاء، أي: (رواية المعاصر عمن لم يلقه). وابن جماعة يقصد من هذا أن يختصرَ تعريفَ ابنِ الصلاح لـ (التدليس)، فالاختصار مَطْلَبٌ في صناعةِ الحدود المنطقية! فلا شك أن ابن جماعة يعتبر (رواية المعاصر عمن لم يلقه) (تدليسًا) من (التدليس)، مخالِفًا الحافظ ابن حجر، موافقًا صريحَ أقوال من سبقوه من الأئمة جميعهم. أمّا (الإرسال الخفي) الذي أفرده ابن الصلاح بنوع خاص، (١) المنهل الروي (٧٢). (٢) انظر مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام (٩٢). ١٦١ فلم يقف منه ابنُ جماعة مِثْلَ موقفِ ابن الصلاح، ولا رَضِيَ إفرادَه بنوع خاص، بل ولا رَضِي بِمُسَمَّى خاص به: (الإرسال الخفي)! وإنما ضَمَّهُ إلى (المنقطع) كنوع من أنواعه !! فقد لاحظتُ - أولاً - خُلُوَّ (المنهل الروي) لابن جماعة، عن فَضْلِ (للإرسال الخفي). ثم وجدتُه تَكَلَّم في فَضْلٍ (المنقطِع) بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ ابنُ الصلاح به في فصل (الإرسال الخفي). قال ابنُ جماعة في آخر النوع السابع (وهو المنقطع): ((فَرْعٌ: قد يخفى الانقطاع، فلا يدركه إلا أهل المعرفة التامة، كحديث العوام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى: (كان النبي ◌ّ﴿ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض وكبر). قال أحمد بن حنبل: العوام لم يدرك ابن أبي أوفى. ومثل هذا كثير، ولا سيّما في الآحاد. وقد يُعْرَفُ الانقطاع بمجيئه من وجه آخر بزيادة رجل أو أكثر، وهذا مع ما يأتي في نوع المزيد في الأسانيد يعرض بكل واحد منهما على الآخر))(١). فواضح من كلام ابن جماعة هذا، أنه مختصر من كلام ابن الصلاح في (الإرسال الخفي)، لكن ابن جماعة وضعه في نوع (المنقطع). وواضح من هذا التَصَرُّفِ أن ابن جماعة مخالِفٌ لابن الصلاح في إفراده (الإرسال الخفي) بنوع خاص، غيرُ راضٍ عن فَضْلِهِ فِي فَضْلٍ منفرد. فما هي وِجْهَةُ نَظَرِ ابن جماعة؟ وما هو سبب مخالفته ابن الصلاح؟ قبل الجواب عن هذا، نقف مع السبب الذي من أجله أفرد ! (١) المنهل الروي لابن جماعة (٤٦ - ٤٧). ١٦٢ ابن الصلاح (الإرسال الخفي) بنوع خاص، لِنَرَى: هل هو سبب مُقْنِعٌ لهذا الإفراد؟ أم أنه تَعَلَّقٌ ضعيفٌ، وَوَجْهٌ غير مقبول له؟ وبعد التمعُّنِ في الفَصْل الذي عقده ابنُ الصلاح لـ (الإرسال الخفي)، وتَذَكَّرِ منهج ابن الصلاح في التعويل على كتب الخطيب البغدادي، توصلت إلى السبب الذي من أجله خص ابن الصلاح ما أسماه (إرسالاً خفيًا) بنوع منفرد. فالسبب الذي من أجله أفرد ابن الصلاح (الإرسال الخفي) بنوع خاص؛ هو إفراد الخطيب البغدادي كتابًا سمّاه (التفصيل لمبهم المراسيل). هذا وحده هو السببُ، والمُسْتَنَدُ، والمُعْتَمَدُ، الذي أباح عند ابن الصلاح إفراد نوع خاص باسم (الإرسال الخفي). وهذا التصرّفُ منهجْ معلومٌ من ابن الصلاح، أن يُفرد ما أفرده الخطيبُ بالتصنيف في نوع على حِدَة. فـ (السابق واللاحق) كتابٌ للخطيب، وهو نوع من أنواع علوم الحديث في كتاب ابن الصلاح. وكذا (المتفق والمفترق) و(المتشابه في الرسم) وغيرها، كتبٌ للخطيب أفردها ابن الصلاح بأسمائها في أنواع. ولا يُنازع أحد من أهل العلم بأن (السابق واللاحق) ليس مصطلحًا من مصطلحات علوم الحديث، ولم يكن مُتَداوَلاً كمصطلح (الصحيح) و(المنقطع) و(الغريب) وغيرها من المصطلحات على ألسنة أئمة الحديث ونُقَّادِه وفي مصنفاتهم. فإفرادُ ابنِ الصلاح له نوعًا خاصًا في كتابه، لا لأنه مصطلح من مصطلحات العلم، ولكن لتصنيف الخطيب فيه كتابًا. وكذا الحال بالنسبة لـ (المتفق والمفترق) و(المتشابه في الرسم) بل وكذا الحال بالنسبة لـ (الإرسال الخفي). ١٦٣ [(الإرسال الخفي) ليس من مصطلحات أقسام الحديث.] ومن خلال قراءتي الشاملة لكتب المراسيل الموجودة - مطبوعها وما وقفت عليه من مخطوطها - ولجُلّ كتب علم الرجال والتراجم، لم أجد - استقراءً - أن أحدًا من المتقدمين المصنفين في المراسيل، والتواريخ، والجرح والتعديل، والعلل، وعلوم السنة، استخدمَ لفظَ (الإرسال الخفي) في شيءٍ من كلامه، ولا ما يُشابهه أو يُقاربه! فلو كان مصطلح (الإرسال الخفي) له وُجودٌ كمصطلح، فأين هو في مصنفات القوم؟ ولماذا لم يَرِد لفظُه على لسانٍ أحمدَ، وابنٍ معين، وابنِ المديني، والبخاري، وأبي حاتم، وابنه، وأبي زرعة، والدارقطني، وغيرهم؟ !!! ولا يعني تصنيف الخطيب كتابًا باسم (التفصيل لمبهم المراسيل) أن هناك مصطلحًا باسم (الإرسال الخفي)، كما أن تأليفه لـ (السابق واللاحق)، و(المتفق والمفترق) لم يعن ذلك أيضًا. وهذا كتاب (الكفاية في علم الرواية)، الذي خصه الخطيب لمصطلحات الحديث وعلومه، لم يرد فيه شيء عن (الإرسال الخفي)، أو (مبهم المراسيل)، فَلِمَ يُغفله الخطيب لو كان مصطلحًا؟! أم أنه غفل عنه، وهو المصنِّفُ فيه كتابًا؟! ولو كان مجرد تصنيف الخطيب كتابًا يخدم السنة، وتسميته إياه باسم معين، يعني أنه مصطلح من مصطلحات الحديث، فقل مثل ذلك في (تقييد العلم) و(الرحلة في طلب الحديث) و(شرف أصحاب الحديث) للخطيب، وقل مثله في مصنفات غير الخطيب، كـ(الإلزامات) و(التتبع) للدارقطني، و(مشاهير علماء الأمصار)، لابن حبان، وغير ذلك. وفي اختلاف اللفظ المُدَّعى لهذا المصطلح وهو (الإرسال الخفي) عن اللفظ الذي سمّى الخطيب به كتابه (مبهم المراسيل) ما يكفي للدلالة على أن (المرسل الخفي) ليس مصطلحًا، لأن ١٦٤ المصطلح لفظً متواضعٌ عليه بمعنى معيّن، فأين التواضعُ على اللفظ في هذا المصطلح المدَّعى؟ !! ولجميع ذلك خالف ابنُ جماعة ابنَ الصلاح، فلم يَرْضَ إفرادَ نوعٍ خاص لـ (الإرسال الخفي)، لأن إفرادَه يُوهم أنه مصطلح من مصطلحات القوم. وقد بيَّنَا لك بيانًا شافِيًا: أن (الإرسال الخفي) ليس مصطلحًا من مصطلحات الحديث التي تكلم بها نقّادُه في عصوره الأولى المزدهرة بالسنة، فلن يولد بعدهم! لأنه لا يولد الابن بعد وفاة الأب بقرون !!! وهذه النتيجة العظمى، وهي: أن (الإرسال الخفي) ليس من مصطلحات علوم الحديث، هي في الحقيقة حَبْكَةُ هذا الفَضْلِ وعُقْدَتُه! فما قبلها إلا مُقدِّماتٌ ومُمَهِّدات، وما بَعْدَها إلا آثارٌ وظلال !! فالحقَّ أقول: إن إفراد ابن الصلاح نوعًا جديدًا باسم (المرسل الخفي)، كان هو أول خطوةٍ أحدثت ذلك الخَزْقَ الواسع، وأولَ تغييرِ سَبَّبَ ذلك الاضطرابَ الكبير في مصطلح (التدليس) وعلاقته بما أسموه بـ(الإرسال الخفي)، وما تبع ذلك من نتائج خطيرة، وأوهام كثيرة، وظهور تناقض مزعوم بين القواعد النظرية لـ (التدليس) وتطبيقات أئمة الحديث العملية. وما أَضْوَبَ موقف ابن جماعة، فإنَّ ما أَسْمَاهُ ابنُ الصلاح بـ (الإرسال الخفي) ما هو إلا انقطاع خفي. وهذا الحاكم أبو عبد الله في كتابه (معرفة علوم الحديث)، يذكر أحد الأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في (الإرسال الخفي)، يذكره الحاكم في نوع (المنقطع)! ثم يُشِيْدُ الحاكم بعلم (المنقطع)، وأنه عِلْمْ لا يَقِفُ عليه إلا الحافظ الفَهِمُ المتبحِّرُ في الصَّنْعة، كما قال الحاكم(١). (١) انظر معرفة علوم الحديث للحاكم (٢٨ - ٢٩). ١٦٥ 1 فهل أدَلَّ من صنيع الحاكم هذا على أنَّ ما أسماه ابنُ الصلاح (إرسالاً خفيًا) ما هو إلا فَرْعٌ من الانقطاع، كما قال ابن جماعة !! وأعود لأعلنها صريحة: لا وجود لمصطلح باسم (الإرسال الخفي) !!! هذا هو القول الصحيح - عندي - ولستُ أرضى وصفه بأنه: (الراجح)، فـ(الراجحُ) وصف لا يُمَثِّلُ الحقيقةَ، ولا ينطبق على وضوح الحقِّ وظهور البرهان. ولهذا القول الصحيح من النتائج الخطيرة، ما يجب معه أن يكون نُصْبَ عَيْنِ القارىء، خلال هذا البحث جميعه، ما سبق منه وما سيأتي. وهو فَضْل الخطاب في مسألة التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه: الإرسال الخفي) فلا (إرسالَ خفيًّا) أصلاً، حتى نُسمِّي به (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، لنفارقها عن (التدليس) !! ومع أن هذه هي نتيجة هذا الفَصْل، إلا أننا سَنُكْمِلُ رحلتنا مع المصنّفين في علوم الحديث، حتى نصل إلى نهاية الرحلة، فلعلنا نتوصل إلى نتائج أخرى. [عند الطَّبي] فهذا هو الإمام الحسين بن عبد الله الطّيبي (ت١٤٣هـ) مصنف (الخلاصة في أصول الحديث)، مع كونه صرح في مقدمته أنه لخصه من كتب كل من ابن الصلاح والنووي وابن جماعة (١)، إلا أنه لم يتبع أحدهم في شأن (الإرسال الخفي)! فلا هو قلد ابن الصلاح والنووي في إفرادهما (الإرسال الخفي) بنوع خاص، ولا هو تبع ابن جماعة في إدخاله ما أسماه ابن الصلاح بـ (الإرسال الخفي) في (المنقطع)! فأغفل الطيبي (الإرسال الخفي) و(الانقطاع الخفي) بالكلية . (١) الخلاصة للطيبي (٣١). ١٦٦ لكنه عند تعريفه للتدليس تبين أنه جار على منوال من سبقوه من إدخال (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس)، حيث اختار لفظ ابن جماعة في تعريف (التدليس): ((أن يروي عمن لقيه، أو عاصره، مالم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه))(١) . ثم نأتي للحافظ صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كَيْكلدي [عند العلائي (ت٧٦١هـ)، وكتابه (جامع التحصيل في أحكام المراسيل). العلائي] فقد ذكر العلائي كلام ابن عبد البر الذي يرد به على من جعل (الرواية مع عدم المعاصرة): (تدليسًا)، وأنه لو كان هذا (تدليسًا) لما نجا منه أحد، وقد تقدم ذكرنا إياه(٢). فأعقبه العلائي مشيرًا إلى من جعل (الإرسال): (تدليسًا)، بقوله: ((والقول الأول ضعيف، لأن التدليس أصله التغطية والتلبيس، وإنما يجيء ذلك فيما أطلقه الراوي عن شيخه بلفظ موهم للاتصال، وهو لم يسمعه منه. فأما إطلاقه الرواية عمن يُعْلَم أنه لم يلقه، أو لم يدركه أصلاً، فلا تدليس في هذا يوهم الاتصال، وذلك ظاهر، وعليه (٣) جمهور العلماء)) قلت: فظاهر كلام العلائي فيه دلالة على التفريق بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس)، فهو يصلح أن يكون دليلاً للحافظ ابن حجر على دعواه. ووجه دلالته على ذلك يؤخذ من قَصْرِ التغطية والتلبيس، اللذين هما أَضْلُ التدليس، على ما يرويه الراوي عن شيخه مما لم يسمعه منه؛ فموطن الشاهد قوله: ((عن شيخه))، فكأنه يحصر التدليس فيما يرويه الراوي عمن سمع منه مالم يسمع منه. ثم يكاد يتأكد هذا المعنى من كلام العلائي بقوله عن رواية (١) الخلاصة للطيبي (٧١ - ٧٢). (٢) انظر ما سبق (١١٨). (٣) جامع التحصيل للعلائي (٩٧). ١٦٧ الراوي عمن يُعلم أنه لم يلقه: ((لا تدليس في هذا يُوهِمُ الاتصال)». ومع ظهور دلالة التفريق بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس) في كلام العلائي، إلا أنَّ هذا لا يُقَدِّمُ ولا يُؤَخّرُ ... إذا كان العلائي على مثل ما عليه الحافظ ابن حجر! فمعنى المصطلح إنما يُستنبط من أقوال أهل الاصطلاح، ونستشهد لصحة الاستنباط بجهود المُسْتَنبِطِين الأول: كالخطيب، ونتأكد من المعنى بموافقة طَوْر ما بعد ابن الصلاح، هو ومَنْ جاء بعده. فمن خالف بعد ذلك فإنه مخطىء! كائنًا من كان !! وقد قَرَّرنا ذلك في المقدمة التمهيدية (١) . ثم إن كلام العلائي جاء شَرْحًا تَعْقِيبيًا لكلام ابن عبد البر، وكلامُ ابن عبد البر إنما كان يتضمَّنُ التفريق بين؛ (الرواية مع عدم المعاصرة) و(التدليس)، كما سبق عند شرحنا لكلامه(٢). فإما أنَّ العلائي فَهِمَ كلام ابن عبد البر خطأ، فبنى عليه كلامَه بالتفريق بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس). وحينها نقول: إن المبنيَّ على الفهم الخطأ خطأ، ولئن اغترّ العلائيُّ بما فَهِمَهُ هو من كلام ابن عبد البر، فلن يغترَّ من عَرَفَ صوابَ معنى كلام ابن عبد البر بخطأ العلائي وما بُنى على خطئه !! وإمَّا أن العلائي فهم كلام ابن عبد البر فَهْمًا صحيحًا، فجاء كلامُه على غِرَارِ كلام ابن عبد البر. وحينها لا بدَّ أن يكون لكلام العلائي معنىّ غير المعنى الظاهر منه، فيلزم أن نتأول كلامه على غير ظاهره. وليس هناك احتمالٌ آخر، كأن يكون العلائيُّ فَهِم كلامَ ابن (١) انظر المنهج المقترح (١٧٣ - ١٨٠، ٢٥٦ - ٢٥٨، ٢٧٧ - ٢٧٨). (٢) انظر (ص ١١٩ - ١٢٠). ١٦٨ عبد البر فَهْمًا صحيحًا لكنه يُخَالفه فيه. حيث إن صيغة كلام العلائي، وسياقه، ليس فيه رائحةٌ للاعتراض، وإنما جاء تعقيبًا شارِحًا موضّحًا، وذلك ظاهرٌ لكل من طالعه، ممن له فَهْمٌ باللسان العربي. فإذا أردنا التأَوُّلَ للعلائي، فإننا نحمل كلامه على أنه بمعنى كلام ابن عبد البر: من التفريق بين (الإرسال الظاهر) و(التدليس)، لما تقدم: من أن كلامَ ابن عبد البر كان القاعدةَ التي انطلقَ منها العلائي، والأساسَ الذي بنى عليه. وَكَوْن كلام ابن عبد البر مُنْطَلَقَ العلائيّ في كلامه، يصحُ اعتباره القرينةَ الأولى الصارفة لكلام العلائي عن ظاهره. والقرينة الثانية: قوله: إن أصْلَ التدليس التغطيةُ والتلبيس. فأيُّ تغطيةٍ وتلبيسٍ أشدّ من أن يُوهم الراوي لقاءَ من لم يلقه؟! بروايته عن معاصرٍ بصيغة تُوهم السماع كالعنعنة. فإذا كانت التغطيةُ والتلبيسُ أصلَ التدليس، فإن (رواية المعاصر عمن لم يلقه) عريقةٌ في هذا الأصل. والقرينة الثالثة: قول العلائي عن مذهبه في هذه المسألة: ((وعليه جمهور العلماء)). فإن المذهب الذي عليه جمهور العلماء (بلا ريب) هو أن (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليس)، هذا ما لا يُخالِفُ فيه إلا مُؤْبِقٌ لعقله بالتعصُّب ... فَمُهْلِكُهُ !! فإذا كان العلائي يَصِفُ مذهبَه بأنه قول الجمهور، وقول الجمهور هو ما علمتَ، وكَوْنُه رَأْيَ الجمهور من الوضوح والشُهرة على ما رأيتَ = تأكّدتْ لديك قوَّةُ هذه القرينة في صَرْفِ كلامِ العلائي عن ظاهره، وحَمْلهِ على المعنى الذي ذكرناه. ثم نجد العلائيَّ في مواضع من كتابه يقول كلامًا يُمَرِّرُ فيه القول بأن (رواية المعاصر عمن لم يلقه) (تدليس)، دون أن يتعقب أو يستدرك، بل يُمَرِّرُ هذا المعنى تمريرَ المُقِرّ الموافق. ١٦٩ فمن ذلك أن العلائي ذكر اختلافَ العلماء في معاملة المدلِّس، فكان مما قال: ((وقال آخرون: إن كان الغالب عليه التدليس عمن عاصره ولم يلقه ولا سمع منه، لم تُقبل روايته مطلقًا))(١). ولم يتعقّب العلائيُّ في هذا الرأي وَصْفَ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بـ (التدليس) بل سكت عليه. وإن كان خالف صاحب هذا المذهب، في حكم الراوي المدلس. وكذلك فقد ذكر العلائيُّ التقسيمَ الذي قسم به الحاكم (التدليس) إلى ستة أقسام، والذي كان القسم السادس منه هو: ((قوم رَوَوْا عن شيوخ لم يَرَوْهُم قط، ولم يسمعوا منهم ... ))(٢). يذكر العلائي هذا القَسمَ في التدليس، نَقْلاً عن الحاكم، دون أن يتعقّب أو يشير إلى التعقُّب. غير أن العلائي خالفَ الحاكم في مثالٍ ذكره في هذا القِسْم، فتعقبه العلائي في مَدَى انطباقِ المثالِ الذي ذكره على هذا القسم من التدليس. فهذه قرينة رابعة تدل على أن العلائي يعتبر (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليسًا). فهذه القرائن الأربع، تكاد بمجموعها أن تكون دليلاً مُوجِبًا حَمْلَ كلام العلائي على غير ظاهره، وَجَعْلَهُ موافِقًا لرأي الجمهور !! ولعمري إن هذه القرائن ـ عندي - لكذلك، فهي - عندي - دليلٌ مُوجِبٌ حَمْلَ كلام العلائي على غير ظاهره. لكني تَرَفّقْتُ في العبارة! وعلى القارىء! حتى لا يَرُدَّ الحقَّ كلَّه، لظنه أني أُحَمّل الكلامَ ما لا يحتمل، وأني أحاول لَيَّ المعاني على ما أُريد. وتَرَفَّقْتُ .. لأن الأمر أسهلُ من التصلّبِ على ما أراه حقًّا! (١) جامع التحصيل للعلائي (٩٨). (٢) جامع التحصيل (٩٩ - ١٠٠). ١٧٠ فإما أن العلائي على ما أريدُ حَمْلَ كلامِه عليه، من موافقة الجمهور، فبها ونعمت! وإما أنه على ما يُوجبه ظاهرُ كلامه، فلا بأس في إضافة اسمه إلى القِلّة الذين أخطؤوا في هذه المسألة! فإذا أردنا - بعد تقرير قوة القرائن - حَمْل كلام العلائي على غير ظاهره، وعلى الرأي الذي تُشير إليه القرائن: من أن (رواية المعاصر عمن لم يلقه) (تدليسٌ) عند العلائي، فيجب علينا تفسير كلامه على هذا الأساس، وبيان وجه تحمله لهذا المعنى غير الظاهر فيه . فأمَّا قوله: ((وإنما يجيء ذلك - يعني التغطية والتلبيس اللذين هما أصل التدليس - فيما أطلقه الراوي عن شيخه، بلفظ موهم لمـ للاتصال، وهو ما يسمعه منه)). فقوله عن ((شيخه)): التي إن حُمِلت على ظاهرها دلت على أن العلائي يشترط اللقاء في (التدليس)، يُمكن حَمْلُها على معانٍ أخرى لا تدلُّ على اشتراط اللقاء: فيُمكن أن يكون العلائي عبَّر بها باعتبار ظاهرٍ رواية المدلْس، لا باعتبار الحقيقة والواقع، فظاهر رواية المعاصر عمن لم يلقه تُوهم أنه شيخه، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة. ويمكن أن يكون العلائي قصد بها الحقيقة، لكنه قَصَدَ بيانِ أشدِّ أنواع التدليس تأثيرًا على قبول عنعنة الراوي، لا أنه أراد حصر التدليس فيما ذكر. وإن كان ظاهر العبارة يدل على الحصر فيه، فإننا قد اعترفنا بذلك، لكنا وجدنا للكلام صوارف عن ظاهره !! وأمَّا تأويل قول العلائي: ((فأمَّا إطلاقه الرواية عمن يُعْلَم أنه لم يلقه، أو لم يدركه أصلاً، فلا تدليس في هذا ... )). فإني أحمل كلامه هذا على من عُلِمٍ واشتُهر عدم لقائه بمن روى عنه اشتهارًا لا يخفى، فالعلائي يقصد تمام القصد كلمة (يُعْلَم)) في قوله: ((يُعْلَمُ أنه لم يلقه)). والعلم بعدم اللقاء، الذي لا يدخل معه الراوي في الموصوفين بالتدليس، يكون مع أوجه عدَّة: ١٧١ منها: أن يُصَرِّح الراوي نفسه بعدم اللقاء والسماع، كأن يقول: قال فلان، ولم ألقه، أو لم أسمع منه، أو أن يقول إذا روى عنه: نُبِّئْتُ، أو حُدِّثت، أو أُخبرت عن فلان، ونحوها. ومنها: أن تكون معاصرةُ الراوي لمن روى عنه معاصرةً لا يصح معها تَوَهُمُ السماع بينهما، للعلم بعدم اللقاء من أمور خارجية. مثلما لو روى الخطيب البغدادي عن ابن حزم الأندلسي، فإنهما متعاصران، لكن ابن حزم لم يحج(١)، وما برح الأندلس، والخطيب ليس له رحلة للأندلس، فأنَّى يكون لقاء بینھما؟! وللعلم بعدم اللقاء، عِلْمًا لا يُوصف معه الراوي بالتدليس، طرقٌ ووجوه غير ما سبق، ليس هذا مجال ذكرها. لكن يُكْتَفَى بما يُوجِّه كلام العلائي ويفسِّره على ما وجدنا القرائن تصرفه إليه، من أنه لا يشترط اللقاء في (التدليس). فإن كان كلام العلائي مازال - لغيري - ظاهرًا على اشتراط اللقاء في (التدليس)، بما يُظَنُّ العلائيُّ معه موافقًا للحافظ ابن حجر في جميع ما قال، فإن ظانَّ ذلك مُقوِّلٌ العلائيَّ غيرَ ما قال. فإن العلائي وإن كان ظاهرُ كلامه يدل على حصر (التدليس) في (رواية من سمع مالم يسمعه منه)، إلا أنه لم يتطرَّق في كلامه السابق إلى حصر (الإرسال الخفي) في (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، كما فعل الحافظ ابن حجر. فظاهر كلام العلائي يوافقُ رأيَ ابن حجر في المسألة الأولى، دون التعرُّض للمسألة الثانية. لكن مذهب العلائي كما في الباب الذي خصه لـ (الإرسال الخفي) في (جامع التحصيل) - ظاهرُ المخالفة للحافظ ابن حجر، في تعريفه (الإرسال الخفي) (١) انظر زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية (٢٩٢/٢). ١٧٢ قال العلائيُّ في طُرق معرفة الإرسال الخفي: ((إحداها: عدم اللقاء بين الراوي والمروي عنه، أو عدم السماع منه، وهذا أكثر ما يكون سببًا للحكم. لكن ذلك يكون تارة بمعرفة التاريخ، وأن هذا الراوي لم يدرك المروي عنه بالسن، بحيث يتحمل عنه .. ))(١). فظاهر كلام العلائي هذا: أنه يدخل (رواية الراوي عمن لم يدركه) في (الإرسال الخفي)، وهذا يُخالف الحافظ ابن حجر، الذي حصر (الإرسال الخفي) في الرواية مع الإدراك: (رواية المعاصر عمن لم يلقه). في حين أنَّ كلامَ العلائي هذا موافِقٌ لابن الصلاح في نوع (الإرسال الخفي) من كتابه. فمن أراد أن يحتج للحافظ ابن حجر بالعلائي، فقد بان له أن احتجاجَه به مردود، لأن حُجَّتَه خِدَاجٌ، بل هي في طرفها الآخَرِ حجةٌ على الحافظ ابن حجر ... لا حجة له! : أما الباب الذي عقده العلائي لـ (الإرسال الخفي) في (جامع التحصيل)، فلا حاجة للوقوف عنده إلا بالقدر الذي ذكرناه، وذلك لما قررناه سابقًا من عدم وجود مصطلح باسم (الإرسال الخفي) أصلاً. وإن كان الباب فيه فوائد كثيرة، لكن لا تعلق لها بمسألتنا المطروحة في هذا الباب. ونعود إلى كتاب من الكتب التي اعتنت بكتاب (معرفة أنواع [عند ابن علم الحديث) لابن الصلاح، ألا وهو كتاب (اختصار علوم كثير] الحديث) للحافظ الإمام المحقق عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، الشهير بـ (ابن كثير) (ت٧٧٤هـ). قال ابن كثير في تعريفه للتدليس: ((التدليس قسمان: (١) جامع التحصيل للعلائي (١٢٥). ١٧٣ أحدهما: أن يروي عمن لقيه مالم يسمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه، موهمًا أنه سمعه منه))(١). فهذا هو رَسْمُ (التدليس) عند الخطيب، وابن الصلاح .. وغيرهما، خلافًا للحافظ ابن حجر! ثم عقد ابنُ كثير بابًا لـ (الإرسال الخفي)، جرَى فيه على منوال ابن الصلاح. فلم يُقَيِّد (الإرسال الخفي) بما قَيَّدهُ به الحافظ ابن حجر، بل أطلقه، ليشمل كل انقطاعٍ غيرِ ظاهر. وأستغني عن ذكر نص كلامه، لتجنب الإطالة، بالإحالة إلى موضعه(٢). [عند ابن رجب] ثم نقف مع إمام كبير من جِلَّةِ المحقّقين في علل الحديث، ألا وهو الإمام زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي، الشهير بابن رجب الحنبلي (ت٧٩٥هـ)، وكتابه الجليل (شرح علل الترمذي). فقد تكلم ابن رجب عن شروط قبول الحديث عند الشافعي، فكان مما قال: ((سادسًا: أن لا يكون مدلسًا، فمن كان مدلسًا يحدِّث عمن رآه بما لم يسمعه منه، فإنه لا يقبل منه حديثه حتی یصرح بالسماع ممن روى عنه)). ثم ذكر ابن رجب بعض مذاهب العلماء في (الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه مه) أعقبها بقوله: ((وأما من يُدلِسُ عَمّنْ لم يره، فَحُكْمُ حديثه حكم المُرْسِل، وقد سبق ذكره، ومتى صَرَّحَ بالسماع، أو قال: (ثنا)، أو (أنا) فهو حجة))(٣). (١) اختصار علوم الحديث لابن كثير (٥٠ - ٥١). (٢) انظر اختصار علوم الحديث لابن كثير (١٧٢ - ١٧٣). (٣) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٨٢ - ٥٨٤). ١٧٤ فعبارته الأخيرة هذه تدل على أنه يعتبر (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليسًا) فانظر قوله: ((من يدلس عمن لم يره)). أمّا دليلُ أنه يتكلم عن رواية المعاصر مع عدم ذكره المعاصرة في كلامه؛ فقد سبق الكلام عن مثله، وأنه من الأمور الواضحات التي لا تحتاج إلى نَصِّ عليها، إذ إخراجُ (الرواية مع عدم المعاصرة) عن (التدليس) قول نَقَلَ عليه الاتفاقَ الخطيبُ وغيره، كما تقدم. ثم إنَّ في كلام ابن رجب ما يشير إلى (المعاصرة)، وأنها مُعْتَبَرَةٌ ومنظورة في كلامه، وذلك في مثل قوله؛ ((عمن لم يره))، فنفي الرؤية يشير إلى أن أسبابها غير ممنوعة، كالمعاصرة. وأيضًا قول ابن رجب: ((ومتى صرح بالسماع فهو حجة))، يعني أن السماع محتمل، ولا يكون محتملاً إلا مع المعاصرة. وقد سبق أن نقلنا عن ابن رجب قوله أيضًا: ((وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه»(١)، ليؤكد ابنُ رجب لنا بذلك دخولَ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس). هذه الفائدة الأولى التي نخرج بها من كلام ابن رجب، وهي ألصق بمسألتنا من الفائدة التالية، وإن كانت الثانية في غاية الأهمية أيضًا. فالفائدة الثانية: تتعلق بحكم حديث الراوي المعروف بـ (الرواية عن معاصرين لم يلقهم)، هل حكمه حكم (الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه)؟. من رَدِّ ما عنعنه وقبول ما صرح فيه بالسماع؟ مادام أنَّ كلا من (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(الرواية عمن سمع منه مالم يسمعه) تسمَّى (تدليسًا). (١) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٨٥). ١٧٥ الجواب عن هذا السؤال: هو الحكم الذي تطرقت إليه الفائدة الثانية من كلام ابن رجب. غير أن الذي أجزم به - مُقَدَّمًا - من ظاهر كلام ابن رجب: أن حُكْمَ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) مُخَالِفٌ لحكم (رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه) من ناحية قبول العنعنة، مع تسمية كل منهما (تدليسًا) عند ابن رجب. والمُعَايَرَةُ بين حُكم المسألتين ظاهر من تفصيل كلامه، ومن تقسيم فقرتيه، وأنا أعيده ليكون ماثلاً أمام عينيك. قال ابن رجب: ((فمن كان مدلسًا: يحدث عمن رآه بما لم يسمعه منه، فإنه لا يقبل منه حديثه حتى يصرح بالسماع ممن روى عنه ... وأما من يدلس عمن لم يره، فحكم حديثه حكم المرسل، ومتى صرح بالسماع، أو قال: (ثنا)، أو (أنا) فهو حجة))(١). فظاهرٌ من هذا أن بين المسألتين تغايرًا في الحكم، فمع وَضْع كل مسألة في فقرةٍ وفَضْلِها عن الأخرى، فإن ابن رجب قدَّم الثانية بـ (أمَّا) التي تفيد التفصيل، ثم جاءت الفاء في قوله: ((فَحُكْم))، لتبين أن سبب هذا التفصيل والتغايُرَ هو (الحكم). فلا شك - بعد هذا - أن ابن رجب يرى حكم (رواية المعاصر عمن لم يلقه) مُخَالِفًا لحكم (رواية الراوي عمن سمع مالم يسمعه منه). ويُستفاد من هذا أيضًا؛ أن سبب هذا الفَضْل بين المسألتين، لا لأن إحداهما تدليسًا والأخرى ليست كذلك، بل كُلٌّ منهما تدليس؛ ولكنّ سببَ الفصل: هو اختلافُ الحكم (اختلافُ الحكم وحده) مع اتفاق المُسَمَّی. (١) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٨٢ - ٥٨٤). ١٧٦ فأمَّا حكم (رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه) فحكمها معروف، وقد ذكره ابن رجب والاختلافَ فيه. وأما (رواية المعاصر عمن لم يلقه) وهي مقصودُ كلامِنا، فإنه وإن ذكر ابن رجب حكمها، إلا أنه في حاجة إلى شرح وبيان. قال ابن رجب: ((وأمّا من يدلس عمن لم يره، فحُكم حديثه حُكم المُرسلِ، وقد سبق ذكره، ومتى صرح بالسماع، أو قال: (ثنا)، أو (أنا) فهو حجة)). فلماذا خصص ابن رجب (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بأن حكمها حكم المرسل؟ وما هو وجه الشبه بينهما الذي يختلفان فيه عن (رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه)؟ لأن كلام ابن رجب يستلزم أن حكم (رواية المعاصر عمن لم يلقه) يختلف عن (رواية السامع مالم يسمعه) كما سبق، فيجب أن يكون الحكم الذي شمل (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، و(المرسل) يخالف حكم (رواية السامع مالم يسمعه). لذلك: فإننا سوف نرفض تفسير الحكم بأنه مُجَرَّدُ (الانقطاع) أو مجرد (الضعف) لأن ذلك يشمل (المرسل) وكُلّ من (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(رواية السامع مالم يسمعه)، ولا اختلاف. والذي يظهر لي أن حُكْمَ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) عند ابن رجب، ذلك الحكم المشبّه بحُكْم المرسل: هو تحَفُّق الانقطاع فيهما. أمّا (رواية الراوي عمن لم يسمع منه مالم يسمعه) فالانقطاع فيها غير متحقّق، بل هو مجرّد احتمال كما بيّناه في سابق هذا البحث. إذن فالفارق الأول الذي خالف بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه) - عند ابن رجب -: متعلْقٌ بتحقّقِ الانقطاع أو مجرّد احتماله. ١٧٧ وهناك فرقٌ آخر بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه)، وأرى ابن رجب قد أشار إلى هذا الفرق أيضًا في كلامه السابق. هذا الفرق هو حكم عنعنة الراوي المعروف بکل واحدٍ من نوعي (التدلیس) هذین. والمُتَمَعِّنُ ولا شك يرَى أنّ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) حالةٌ وسَطَ بين (رواية السامع مالم يسمعه) و(الرواية مع عدم المعاصرة)، لذلك استلزمت أن تكون في حكمها أيضًا حالةً وسطًا، من ناحية قبول وردّ عنعنة المعروف بمثل هذا النوع من الرواية (الرواية عن معاصر لم يلقه). وإلى هذه الحالة الوسط في حكم (رواية المعاصر عمن لم يلقه) أشار ابن رجب عندما قال: ((فحكم حديثه حكم المرسل)) ثم قال: ((ومتى صرح بالسماع، أو قال: (ثنا)، أو (أنا) فهو حجة))! فهذا يعني أن الراوي المعروف بالرواية عن معاصرين لم يلقهم يُتوقَّفُ في عنعنته عن كل معاصر، حتى يقول - ولو في حديث واحد -: (سمعت) أو (حدثنا) أو (أخبرنا) ونحوها، مما يُثْبِتُ له السماع، فإذا قال ذلك، فباقي حديثه عن ذلك المعاصر حُجّةٌ مطلقًا وإن جاء بالعنعنة بينهما، لأننا أمِنَّا ما عُرف به الراوي من (رواية المعاصر عمن لم يلقه). هذه هي الحالة الوسط: فلا نحن قبلنا عنعنة (الرواي عن معاصرين لم يلقهم) قبولاً مطلقًا، كالرواي مع عدم المعاصرة، ولا رَدَدْنا العنعنة مطلقًا، وتَطَلَّبْنَا السماعَ في كل حديث، كما نفعل مع المعروف بـ (الرواية عمن سمع مالم يسمعه منه). وكلام ابن رجب يشير إلى هذا، وأفعال الأئمة صريحة فيه، وسوف نعود إلى هذه المسألة مرة أخرى - إن شاء الله تعالى - في آخر هذا الباب، بالاستدلال، ودفع الاعتراض .. إن قدَّر ربي سبحانه لنا ذلك وأقدر. ١٧٨ وهذا إمامٌ آخر ممن اختصر كتاب ابن الصلاح، وهو الإمام [عند ابن سراجُ الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المصري، الشهير الملقّن] بابن المُلَقِّن (ت ٨٠٤هـ). يقول ابن الملقِّن في كتابه (المقنع في علوم الحديث): («تدليس الإسناد، بأن يروي عمّن لقيه، أو عصره مالم يسمعه منه، موهمًا سماعه منه))(١) . وأما باب (الإرسال الخفي) فهو اختصار لكلام ابن (٢) الصلاح (٢). وعلى هذا فابن الملقّن مِمّن مشى على الجادّة في تعريف التدلیس !! ثم نأتي إلى إمام آخر، ممن جعلوا كتاب ابن الصلاح [عند منطلقهم في التصنيف في علوم الحديث .. ألا وهو سراج الدين البُلْقِيْنِي] أبو حفص عمر بن رسلان الكناني البُلْقِيني (ت٨٠٥هـ). فقد مرَّر البُلقيني تعريف ابن الصلاح للتدليس دون تعقب، فكأنه يقرّه على إدخال (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس)(٣) . بل هو يُقِرُّ ابن الصلاح على ذلك، حيث ذكر تقسيم الحاكم للتدليس، والذي كان القسمُ السادس منه: (رواية المعاصر عمن لم يلقه) ولم يخالف البُلقيني الحاكمَ في هذا، حيث أورده (١) المقنع لابن الملقن (١٥٤/١). (٢) المقنع لابن الملقن (٤٨٧/٢ - ٤٨٩). ولمحقق هذا الكتاب، وهو فضيلة الشيخ عبد الله بن يوسف الجُديع، كلامٌ في غاية الجودة في حاشية تعليقه على هذا الموطن، توافَقْنا فيه في غالب ما ذكر، وفاته بيانُ حُكم مَنْ عُرف بهذا النوع من التدليس (رواية المعاصر عمن لم يلقه). (٣) محاسن الاصطلاح للبلقيني، مطبوع بحاشية مقدمة ابن الصلاح بتحقيق عائشة بنت عبد الرحمن (٢٣٠). ١٧٩ وسكت عنه. بل قال عقبه: ((فالقسم الأول والثاني والثالث والخامس والسادس داخلة تحت القسم الأول، والرابع عين القسم الثاني))(١). فالقسم الأول الذي عناه البلقيني هو (تدليس الإسناد) عند ابن الصلاح، والقسم اثاني هو (تدليس الشيوخ). فقرر البلقيني بذلك دخول (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (تدليس الإسناد) بقوله: إن القسم السادس من أقسام التدليس عند الحاكم داخل في (تدليس الإسناد). [عند ونقف الآن مع قَرينٍ آخر للبلقيني، لكنه فاق أهل عصره في العراقي] علم الحديث، ألا وهو الحافظ الإمام زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت٨٠٦هـ). فكان موقف هذا الإمام من مسألتنا من أقوى المواقف وأوضحها فيُعَرِّفُ التدليسَ في كتابه (التبصرة والتذكرة) بقوله: ((وإنما يكون تدليسًا: إذا كان المدلس قد عاصر المروي عنه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسە عنه»(٢) . وهذا تعريفٌ في وضوح تعريف الخطيب وابن الصلاح، في إدخال (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس). ويتجاوز العراقيُّ هذا الوضوح إلى قوة المُدَافِع عن هذا القول، حيث يذكر تعريف كل من البزار وابن القطان لـ (التدليس)، الذي سبق أن ذكرناه عنهما(٣)، والذي يُوهم حَصْرَ (التدليس) فيمن سمع فيروي مالم يسمعه. وقد شَرَحْنَا - فيما تقدّم (١) محاسن الاصطلاح (٢٣٢ - ٢٣٣). (٢) التبصرة والتذكرة للعراقي (١٨٠/١). (٣) انظر ما سبق (٨٦، ١٢٥). ١٨٠