Indexed OCR Text
Pages 1-20
كَابُ المَدْسِين سَألِيف الإمام الحافِظ أبى زُرعة أحمد بن عبدالرحيم بن العراقي ٨٧٦٢٠١ -٨٢٦ هـ ] الدكتور رفعت فوزي عبدالمطلب أساء التنوع في معنى الشفائية والمدارية الدكتور ناقة حسين حماد الجامعة الإمدرسية حرة التدريبات حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥م = للطباعةو النشر دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة ش.م.م الإدارة والمطابع : المنصورة ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ت : ٢٤٢٧٢١ / ٢٥٦٢٢٠ /٢٥٦٢٣٠ المكتبة : أمام كلية الطب ت: ٢٤٧٤٢٣ ص ب : ٢٣٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، حمداً كثيرا طيباً طاهرا مباركاً فيه ، سبحانك لا نحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام . لك الحمد الدائم السرمد ، حمدا لا يحصيه العدد ، ولا يقطعه الأبد ، كما ينبغى لك أن تحمد ، وكما أنت له أهل ، وكما هو لك علينا حق . وصلى الله تعالى ، وسلّم ، وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله ، وصحبه ، ومن تبعه ، واتبع هداه إلى يوم الدين . وبعد : فهذا الكتاب - كما يتضح من عنوانه - فى بيان الرواة المدلسين. والتدليس فى اللغة : مشتق من الدّلَس ، وهو اختلاط الظلام ، الذى هو سبب لتغطية الأشياء عن البصر (١) . أما فى اصطلاح المحدثين : فيختلف تعريفه باختلاف أقسامه ، ويجمعها كلها : إخفاء الراوى شيئاً فى السند ، وتغطيته لغرض من الأغراض، وكأنه لتغطيته على الواقف على الحديث أو غيره أظلم (١) لسان العرب: مادة ( دلس )، والقاموس المحيط. أمره . وهذه هى الصلة بين المعنى اللغوى والمعانى الاصطلاحية . وقد قسم الحافظ العراقى التدليس إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : تدليس الإسناد : وهو أن يروى المدلس عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه ، أو عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه قد لقيه وسمعه (١) منه ، ثم قد يكون بينهما واحد ، وقد يكون كثر . ويعطى المدلس عبارة تحتمل السماع كقوله: (( قال فلان))، أو ((عن فلان )) ونحو ذلك. أما إذا أعطى الراوى عبارة تنص على السماع فإنه يكون كذابا . والسند بالتدليس هذا يكون منقطعاً . القسم الثانى : تدليس التسوية : وهو أن يسقط المدلس رجلا من السند بعد شيخه ، وذلك لكون هذا الرجل ضعيفاً ، أو صغير السن ، ليحسن الحديث بذلك . ويبدو الإسناد خاليا من هذا الضعف أو يبدو السند عالياً واشترط بعض العلماء فى هذا النوع أن يكون ما قبل الراوى المحذوف قد لقى ما بعده فى غير هذا الحديث . وكان الأعمش والثورى وبقيّة يفعلون هذا النوع . (١) خص الحافظ ابن حجر التدليس بالمعاصرة واللقاء ، أما إذا كان هناك معاصرة دون لقاء فسماه ((الإرسال الخفى)) . ٦ ومثال ذلك ما ذكره العراقى عن بقية بن الوليد قال : حدثنى أبووهب الأسدى ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضى اللّه عنه - مرفوعاً: (( لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عَقّدَة رأيه)). روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو ، عن إسحاق بن أبى فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبى معَّه. وعبيد الله بن عمرو كنيته أبووهب وهو أسدى ، فكناه بقية ونسبه إلى قبيلته لكيلا يفطن له ، حتى إذا ترك إسحاق بن أبى فروة - وهو ضعيف - من الوسط لا يهتدى إليه . القسم الثالث : تدليس الشيوخ : وهو أن یروی عن شیخ حديثا سمعه منه ، فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كيلا يعرف . وما فعله بقية فى المثال السابق هو هذا بالإضافة إلى كونه دلس تدليس التسوية ، فقد جمع القسمين من أقسام التدليس ؛ تدليس الشيوخ ، وتدليس التسوية . قال ابن حجر : ويلتحق بقسم تدليس الشيوخ تدليس البلاد ، كما إذا قال المصرى : حدثنى فلان بالأندلس وأراد موضعاً فى القاهرة . أو قال البغدادى : حدثنى فلان بما وراء النهر ، وأراد نهر دجلة . ومن أمثلة هذا النوع ما قاله ابن الصلاح : إن الخطيب البغدادى يروى فى كتبه عن أبى القاسم الأزهرى ، وعن عبيد الله بن أبى ٧ الفتح الفارسى ، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفى ، والجميع واحد من مشايخه . وكذلك يروى عن الحسن بن محمد الخلال ، وعن الحسن بن أبى طالب ، وعن أبى محمد الخلال والجميع واحد . ويروى أيضاً عن أبى القاسم التنوخى ، وعن على ابن المحسن وعن القاضى أبى القاسم على بن المحسن التنوخى ، وعن على بن أبى على المعدل ، والجميع شخص واحد . حكم التدليس والمدلس : يختلف حكم التدليس باختلاف الغرض منه ، ولذلك يحسن بنا أن نبين أغراض التدليس . الأغراض التى تحمل المدلسين على التدليس هى : ١ - كون الراوى ضعيفاً أو متروكاً ، فيحذفه حتى لا يعرف ضعفه ، أو لا يصرح باسمه المعروف به لذلك . وإذا كان الحامل على التدليس هذا الغرض فإنه يصير انقطاعاً وإخفاء لذلك الانقطاع ، وإيهاماً بصحة الحديث . ومن أجل ذلك حكم عليه بأنه مكروه جدًا ، وذمه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له . ٢ - كون المروى عنه أصغر من الراوى فى السن ، فيدلسه تدليس الشيوخ أو تدليس الإسناد . ٣ - كون المروى عنه متأخر الوفاة قد شارك المدلس فى السماع ٨ منه جماعة دونه . فيدلسه تدليس الشيوخ أو تدليس الإسناد . ٤ - كون الراوى كثير الرواية عن شيخه فيدلسه تدليس الشيوخ ؛ كى لا يتكرر ذكره كثيراً ، فيغير حاله بأن يعرفه فى موضع بصفة ، وفى موضع آخر بصفة أخرى ويوهم أنه غيره . ٥ - التخفف من طول الإسناد ، أو اختبار جلسائه بذلك التدليس. وإذا كان التدليس لأحد هذه الأغراض غير الأول فهو أخف كراهة . والله تعالى أعلم . أما حكم المدلس : فقد اختلفوا فى قبول رواية المدلس الذى يؤدى إلى إخفاء الضعف فى الحديث وإيهام أنه غير ضعيف - اختلفوا على خمسة أقوال : أحدها : جعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحاً ، وقالوا: لا تقبل روايته بين السماع أو لم يبين . وقيد بما إذا استكشف فلم يخبر باسم من يروى عنه أو لم يبين حقيقة الرواية . قال العلائى : ينبغى أن ينزل قول من جعل التدليس مقتضياً لجرح فاعله على من أكثر التدليس عن الضعفاء وأسقط ذكرهم تغطية لحالهم ، وكذلك من دلّس اسم الضعيف حتى لا يعرف . الثانى : قبول رواية المدلس مطلقاً ، صرح بالسماع أولا ، قال ٩ أصحاب هذا الرأى : إن نهاية أمر الحديث الذى دلس فيه هو الإرسال . الثالث : وعزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث ، وهو من كان لا يدلس إلا عن الثقات ، كان تدليسه عند أهل العلم مقبولاً ، وإلا فلا . الرابع : إن كان وقوع التدليس منه نادراً قبلت عنعنته ونحوها ، وإلا فلا . الخامس : التفصيل : فما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع ، فحكمه حكم المرسل وأنواعه . وما رواه بلفظ مبين للاتصال كسمعت وأخبرنا وحدثنا وأشباهها فهو مقبول محتج به إذا كان مستكملاً لشروط الاحتجاج والقبول الأخرى ، وفى الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة حديث هذا الضرب الكثير جدًا كقتادة والأعمش والسفيانين وهشيم وغيرهم ، وهذا لأن التدليس ليس كذباً . ثم الحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبين ، أجراه الشافعى فيمن عرفناه دلس مرة . والله أعلم . قال النووى : إن الصحيح هو هذا الرأى . قال النووى : ما كان فى الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة عن المدلسين بـ (( عن)) محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى . والله أعلم . ١٠ قال السيوطى : وإنما اختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطه دون تلك . وقد تعرف الروايات التى لم يدلّس فيها المدلسون ، كأن تكون فى الصحيحين ، أو يعرف أن أحد الأئمة لا يروى عنهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع كشعبة الذى يقول : كنت أنظر إلى فم قتادة ، فإذا قال : ((سمعت بل عنيتر به وفإذا لم يقا منية سمعت ا الميكرعن، عن جابر، فإن الليث لم يسمع منه إلا مسموعه من جابر . طبقات المدلسين : مما تقدم يتبين أن المدلسين ليسوا على درجة واحدة من حيث الثقة فيهم أو عدمها ، ومن حيث قبول مروياتهم أو عدم قبولها ، ولهذا رتبهم بعض العلماء على طبقات ، وقد نقل المصنف فى آخر هذا الكتاب تصنيف العلائى لهم . قال الحافظ العلائى : ثم يعلم بعد ذلك أن هؤلاء كلهم ليسوا على حد واحد بحيث إنه يتوقف فى كل ما قال فيه واحد منهم (( عن )) ولم يصرح بالسماع ، بل هم على طبقات : الطبقة الأولى : من لم يوصف بذلك إلا نادراً جدا ، بحيث إنه ١١ لا ينبغى أن يعد فيهم كيحيى بن سعيد الأنصارى ، وهشام بن عروة ، وموسى بن عقبة . الطبقة الثانية : من احتمل تدليسه ، وخرجوا له فى الصحيح ، وإن لم يصرح بالسماع ، وذلك إما لإمامته ، أو لقلة تدليسه فى جنب ما روى ، أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة ، وذلك كالزهرى ، وسليمان الأعمش ، وإبراهيم النخعى ، وإسماعيل بن أبى خالد ، وسليمان التيمى ، وحميد الطويل ، والحكم بن عتيبة ، ويحيى بن أبى كثير ، وابن جريج ، والثورى ، وابن عيينة ، وشَريك ، وهُشَيم ، ففى الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير ، مما ليس فيه التصريح بالسماع ، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذى أخرجه بلفظ (( عن )) ونحوها من شيخه ، وفيه نظر ، بل الظاهر أن ذلك لبعض ما تقدم آنفاً من الأسباب . قال البخارى : لا أعرف لسفيان الثورى عن حبيب بن أبى ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور - ذكر ذلك مشايخ كثيرة - لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليساً ، ما أقل تدليسه . الطبقة الثالثة : من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا بهم إلا فيما صرحوا فيه بالسماع ، وقبلهم آخرون مطلقاً كالطبقة التى قبلها لأحد الأسباب المتقدمة ؛ كالحسن ، وقتادة وأبى إسحاق السبيعى ، وأبى الزبير المكى، وأبى سفيان، وعبد الملك بن عمير . الطبقة الرابعة : من اتفقوا على أنه لا يحتج بشىء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ؛ لغلبة تدليسهم ، وكثرته عن الضعفاء ١٢ والمجهولين كابن إسحاق ، وبقية ، وحجاج بن أرطاة ، وجابر الجعفى ، والوليد بن مسلم ، وسويد بن سعيد ، وأدرابهم ممن تقدم، فهؤلاء الذين يحكم على ما رووه بلفظ (( عن )) بحكم المرسل. الطبقة الخامسة : من ضعف بأمر آخر غير التدليس ، فرد حديثهم به ، إذ لو صرح بالحديث لم يكن محتجا به كأبى جناب الكلبى ، وأبى سعد البقال ونحوهما ، فليعلم ذلك . هذا ولم يزد ابن حجر فى كتابه إلى أنه نقل هذه المراتب مع شىء من التلخيص. ولكنه طبق ذلك فى كتابه فقدم المدلسين على هذه الطبقات ، وسماها مراتب . والله عز وجل أعلم . الكتب المصنفة فى التدليس : وقد تعددت الكتب المصنفة فى المدلسين ، ذكر الحافظ ابن حجر معظمها فى مقدمة كتابه طبقات المدلسين ، فقال : وقد أفرد أسماء المدلسين بالتصنيف من القدماء : الحسين بن على الكرابيسى ، صاحب الإمام الأعظم الشافعى ، ثم النسائى ، ثم الدارقطنى ، ثم نظم شيخ شيوخنا الحافظ شمس الدين الذهبى فى ذلك أرجوزة وتبعه بعض تلامذته وهو الحافظ أبو محمود أحمد بن إبراهيم المقدسى ، فزاد عليه من تصنيف العلائى شيئاً كثيراً مما فات الذهبى ذكره ، ثم ذيل شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن الحسين فى هوامش كتاب العلائى أسماء وقعت له زائدة ، ثم ضمها ولده العلامة قاضى القضاة ولى الدين أبو زرعة الحافظ إلى من ذكرها العلائى ، وجعله تصنيفاً مستقلاً (١) وهو كتابنا هذا. ١٣ وزاد من تتبعه شيئاً يسيراً جداً، وعلّم بما زاده على العلائى(١). وأفرد المدلسين بالتصنيف من المتأخرين المحدث الكبير المتقن برهان الدين الحلبى سبط بن العجمى غير متقيد بكتاب العلائى فزاد عليهم قليلاً (١). قلنا : وإضافة إلى كتاب الحافظ ابن حجر فى طبقات المدلسين والمعروف باسم تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ، فقد ألف الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطى رسالة لطيفة فى أسماء المدلسين ، رتبها على حروف المعجم. وفى العصر الحديث ألف فى التدليس الشيخ حماد الأنصارى كتابه: (( التدليس والمدلسون)) والدكتور مسفر بن غرم الله الدمينى كتابه: (( التدليس فى الحديث)). (١) طبقات المدلسين ٢٤ . ١٤ ترجمة المؤلف اسمه ونسبه : هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام قاضى قناة الشافعية ، ولى الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبى بكر بن إبراهيم الكردى الأصل، المهرانى ، القاهرى ، الشافعى ، ويعرف بابن العراقى (١). مولده : ولد فى سحر يوم الإثنين ، الثالث من ذى الحجة الحرام ، سنة اثنتين وستين وسبعمائة بالقاهرة (٢). أسرته : كانت ولادة ولى الدين فى أسرة علمية عرفت بالعلم والمعرفة . (١) مصادر ترجمته: الضوء اللامع للسخاوى ١ / ٣٣٦ - ٣٤٤، البدر الطالع للشوكانى ١ / ٧٢ - ٧٤، إنباء الغمر لابن حجر ٣ / ٣١١ - ٣١٢، رفع الإصر لابن حجر ١ / ٨١، الدليل الشافى لابن تغرى بردى ١ / ٥٣، المنهل الصافى لابن تغرى بردى ١ / ٣١٢ - ٣١٥، لحظ الألحاظ لابن فهد المكى ٢٨٤ - ٢٩١، بدائع الزهور لابن إياس الحنفى ٢ / ٨٧، طبقات الحفاظ للسيوطى ٥٤٣ ، حسن المحاضرة للسيوطى ١ / ٣٦٣، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلى ٧ / ١٧٣، طبقات المفسرين الداودى ١ / ٥٠ - ٥١، فهرس الفهارس للكتانى ١١١٨ - ١١١٩، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١/ ٢٧٠ - ٢٧١، الأعلام للزركلى ١ / ١٤٨. (٢) الضوء اللامع ١ / ٣٣٦، البدر الطالع ١ / ٧٢، لحظ الألحاظ ٢٨٤. ١٥ أما جده الحسين بن عبد الرحمن ، فقد صحب الشيخ تقى الدين القنائى واختص بخدمته ، وأحضر ولده عبد الرحيم عليه وتوفى سنة ٧٢٨ هـ (١). وأما أبوه فهو حافظ العصر وشيخ الإسلام زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم ، ولد بمنشأة المهرانى ونشأ بها وسمع مشايخها ورحل إلى الشام والحجاز فاستفاد وأفاد وأخذ عنه الكثير ، وله مصنفات فى الحديث وغريب القرآن والأصول ، وولى قضاء المدينة الشريفة ، وتوفى سنة ٨٠٦ هـ (٢). وأما أمه فهى أم أحمد عائشة بنت طغاى العلائى ، كانت خَيّرة صالحة ، رحلت مع زوجها عبد الرحيم إلى الشام سنة ٧٦٥ هـ ، وسمعت معه من الشيوخ ، وجاورت مع زوجها بالحرمين الشريفين ، وتوفيت سنة ٧٨٣ هـ (٣). نشأته : وهكذا قيض الله تعالى لولى الدين أسرة كريمة ، وجهته نحو طلب العلم ، وأسهمت فى تكوين شخصيته العلمية ، وكان والده هو شيخه الأول الذى سمع منه قبل سن التمييز ، كما اعتنى به أبوه (١) لحظ الألحاظ ٢٢٠ - ٢٢١ . (٢) الضوء اللامع ٤ / ١٧١، إنباء الغمر ٢ / ٢٧٥، حسن المحاضرة ١ / ٣٦٠، لحظ الألحاظ ٣٧٠ . (٣) الذيل على العبر لولى الدين ٢ / ٥١١ - ٥١٢ . ١٦ وأحضره مجالس العلماء قبل الثالثة من عمره ، فأحضره على المسند أبى الحرم محمد القلانسى ، ومحب الدين أحمد الخلاطى ، وناصر الدين محمد التونسى ، وشهاب الدين أحمد بن العطار ، وغيرهم كثير (١) . رحلاته فى طلب العلم : ارتحل الإمام ولى الدين مع والده منذ نعومة أظفاره إلى دمشق ، وبيت المقدس ، وأحضره والده وهو لازال فى الثالثة من عمره مجالس عدد من أعيان علماء الشام من أصحاب فخر الدين على بن أحمد البخارى وغيره . واستجاز له والده خلقاً ، روى ولى الدين بالإجازة عن بعضهم. ولما رجع من هذه الرحلة مع أبيه إلى القاهرة ، حفظ القرآن ، كما حفظ عدداً من المختصرات والفنون . ثم بدأ يطلب العلم بنفسه ، ويجتهد فى استيفاء شيوخ الديار المصرية . وارتحل مع أبيه أيضاً إلى مكة والمدينة غير مرة ، ترافق مع والده فى أولها - وكانت سنة ٧٦٨ هـ - شهاب الدين أحمد بن النقيب فأقاموا بالمدينة المنورة شهراً ، ثم توجهوا إلى مكة ، وسمع ولى الدين من أشهر علماء الحجاز . وعاود الرحلة إلى الشام ثانياً بعد سنة ٧٨٠ هـ بصحبة رفيق (١) الضوء اللامع ١ / ٣٣٧، طبقات الحفاظ ٥٤٣ . ١٧ والده الحافظ نور الدين الهيثمى ، وكان ذلك بعد موت الطبقة الأولى التى سمع عليها فى رحلته السابقة ، فأخذ بها عن عدد من الأئمة الحفاظ . كما عاد إلى مكة المشرفة فى موسم سنة ٨٢٢ هـ ، فأفاد فى هذه الرحلة كثيراً ، وقام بالتدريس والإملاء فى مجالس متعددة حضرها جمع كبير من العلماء والطلبة ، وبعد الحج رجع إلى القاهرة وبالجملة فهو مكثر سماعاً وشيوخاً (١) . مكانته العلمية وثناء العلماء عليه : حظى ولى الدين بحافظة قوية ، ونبوغ مبكر ، وذكاء شديد ، كما. وجدنا عناية كبيرة به من والده ، حيث ارتحل به إلى الشام والحجاز أكثر من مرة فأخذ عن كبار العلماء ، فكان لذلك نتيجة طيبة جعلته يتصف بالعلم الغزير والاطلاع الواسع ، فعلا شأنه ، وارتفعت مكانته العلمية . وقد تضافرت أقوال العلماء من معاصريه ومن بعدهم على الاعتراف بعلمه وفضله إلى جانب تواضعه وحسن خلقه ، فقد وصفه تلميذه تقى الدين الفاسى، فقال: (( هو أكثر فقهاء عصرنا هذا حفظاً للفقه وتعليقاً له وتخريجاً ، وفتاويه على كثرتها مستحسنة ، ومعرفته للتفسير والعربية والأصول متقنة ، وأما الحديث فأوتى فيه حسن الرواية وعظيم الدراية فى فنونه)) (٢). (١) الضوء اللامع ١ / ٣٣٧، لحظ الألحاظ ٢٨٤ - ٢٨٩. (٢) الضوء اللامع ١ / ٣٣٧، البدر الطالع ١ / ٧٣ . ١٨ وأشاد السخاوى بعلمه وفضله وتواضعه ، فقال: ((برع فى الحديث والفقه وأصوله والعربية ، والمعانى والبيان ، وشارك فى غيرها من الفضائل وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس ، واستمر يترقى لمزيد ذكائه حتى ساد وظهرت نجابته ونباهته واشتهر فضله وبهر عقله مع حسن خُلُقه وخَلْقه ونور خطه ومتين ضبطه وشرف نفسه وتواضعه وشدة انجماعه وصيانته وديانته وأمانته وعفته)) (١). وقال البرهان الحلبى : ((وكان بعد الجلال البلقيني أوحد فقهاء مصر والقاهرة وعليه المعتمد فى الفتيا)) (٢) . وقال ابن تغرى بردى: (( كان إماماً فقيهاً عالماً حافظاً محدثاً أصولياً محققاً واسع الفضل ، غزير العلم ، كثير الاشتغال)) (٣). وقال الحافظ ابن حجر: (( واستيعاب فضائله يطول وكان من خير أهل عصره بشاشة وصلابة فى الحكم وقياماً فى الحق وطلاقة وجه وحسن خلق وطيب عشرة)) (٤). إلى غير ذلك من النصوص التى وردت فى مصادر ترجمته والتى تبين ثناء العلماء عليه وتقديرهم له وتشير إلى نبوغه فى أكثر من (١) الضوء اللامع ١ / ٣٣٨ . (٢) الضوء اللامع ١ / ٣٤١ . (٣) المنهل الصافى ١ / ٣٣٤ . (٤) إنباء الغمر ٣ / ٣١١ . ١٩ میدان (١) . المناصب التى شغلها : تولى ولى الدين التدريس فى عدد من مدارس القاهرة ودور العلم ، ومن الأماكن التى درّس فيها الحديث المدرسة الظاهرية البيبرسية ، والمدرسة القانبيهية ، والمدرسة القراسنقرية ، وجامع ابن طولون ، والمدرسة الفاضلية ، والمدرسة الجمالية الناصرية ، وتولى مشيخة التصوف فيها ، ومسجد علم دار . كما كان له مجالس للإملاء ومجالس للتحديث فى أماكن كثيرة ومختلفة داخل القاهرة وخارجها ، وقد بلغت مجالسه التى أملاها أكثر من ستمائة مجلس . أما دار الحديث الكاملية فعندما تولى والده قضاء المدينة عهد بها إلى ابنه ، ولكن وثب عليه شيخه السراج بن الملقن فانتزعها منه . كما عمل ولى الدين فى القضاء ، فناب فى القضاء العماد أحمد ابن عيسى الكركى فى سنة نيف وتسعين وسبعمائة فمن بعده ، وأضيف إليه فى بعض الأوقات قضاء منوف وعملها وغير ذلك ، وسار فيه سيرة حسنة واستمر فى النيابة نحو عشرين سنة ، ثم تَرَفّع عن ذلك وفرّغ نفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف إلى أن اختاره الملك (١) انظر: شذرات الذهب ٧ / ١٧٣، طبقات المفسرين ١ / ٥١، لحظ الألحاظ ٢٨٦ - ٢٨٧، طبقات الحفاظ ٥٤٣، بدائع الزهور ٢ / ٨٧. ٢٠ الظاهر ططر إلى قضاء الديار المصرية فى منتصف شوال سنة أربع وعشرين وثمانمائة ، وذلك عقب موت الجلال البلقينى فسار فيه أحسن سيرة بعفة ونزاهة وحرمة وصرامة وشهامة ومعرفة ، وكانت مدة ولايته سنة وأقل من شهرين ، ففى يوم السبت سادس ذى الحجة سنة خمس وعشرين وثمانمائة وفى عهد الملك الصالح محمد بن الظاهر ططر صُرُف ولى الدين عن القضاء وذلك لإقامته العدل وعدم محاباته لأحد وتصميمه على أمور لا يحتملها أهل الدولة حتى شق على كثيرين ، وتمالؤوا عليه (١) . شيوخه : تلقى ولى الدين العلم على مجموعة من شيوخ عصره ، منهم : ١ - والده زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى (٨٠٦ هـ) (٢). ٢ - بهاء الدين محمد بن عبد البر السبكى (٧٧٧ هــ) (٣) . ٣ - شهاب الدين أحمد بن لؤلؤ بن النقيب ( ٧٦٩ هـ ) (٤) ٤ - نور الدين على بن أبى بكر الهيثمى ( ٨٠٧ هـ ) (٥). (١) الضوء اللامع ١ / ٣٣٨ - ٣٣٩، البدر الطالع ١ / ٧٣ - ٧٤، رفع الإصر ١ / ٣١٣، حسن المحاضرة ١ / ٣٦٣ . (٢) البدر الطالع ١ / ٣٥٤ . (٣) الذيل على العبر ٢ / ٤٠٦. (٤) الذيل على العبر ١ / ٢٦٠ . (٥) البدر الطالع ١ / ٤٤١ . ٢١ ٥ - سراج الدين عمر بن على بن الملقن (٨٠٤ هـ ) (١). ٦ - سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (٨٠٥ هـ) (٢) . ٧ - برهان الدين إبراهيم بن موسى الأنباسى (٨٠٢ هـ) (٣) تلامذته : وقد كثرت تلامذته والآخذون عنه بحيث إنه قل من فضلاء سائر المذاهب من لم يأخذ عنه (٤) ، ومن هؤلاء التلاميذ : ١ - شرف الدين يعقوب المغربى (٧٨٣ هـ ) (٥) ، مع كون السراج ابن الملقن كان قرأ عليه فى مذهب مالك ، ولذا قال الولى ، فقد أخذ المذكور عنى ، وأخذ عنه شيخى ، قال : وهذه ظريفة (٦) . ٢ - تقى الدين محمد بن أحمد الفاسي (٨٣٢ هـ) (٧) . ٣ - زين الدين رضوان بن محمد العقبى (٨٥٢ هـ) (٨). (١) البدر الطالع ١ / ٥٠٨. (٢) البدر الطالع ١ / ٥٠٦ . (٣) الضوء اللامع ١ / ١٧٢ . (٤) الضوء اللامع ١ / ٣٤٢ . (٥) الذيل على العبر ٢ / ٥١٦ . (٦) الضوء اللامع ١ / ٣٤٢. (٧) لحظ الألحاظ ٢٩١ . (٨) البدر الطالع ٢٤٩/١، لحظ الألحاظ ٣٤٣ . ٢٢