Indexed OCR Text

Pages 241-260

٤٦
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
وَأَفْضَلَهَا أَنْ يُمْسِكَ هُوَ وَشَيْخُهُ كِتَابَيْهِمَا حَالَ التّسْمِيعِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْظَرَ مَعَهُ مَنْ لاَ نُسْخةَ
مَعَهُ لاَ سِيَّمَا إِنْ أَرَادَ النّقْلَ مِنْ نُسْخَتِهِ، وَقَالَ يَحْيِى بْنُ مَعِينٍ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ مِنْ غَيْرِ أَصْلِ
الشيْخِ إِلا أَنْ يَنْظَرَ فِيهِ حَالَ السَّمَاعِ، وَالصّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ: أَنَّهُ لاَ يُشْترَطُ نَظَرُّهُ وَلاَ
مُقَابَتُهُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَكْفِي مُقَابَلَةُ ثِقَةٍ أَّ وَقْتٍ كَانَ، وَيَكْفِي مُقَابَلْتُهُ بِفَرْعٍ قُويِلَ بِأَصْلِ الشَّيْخِ
وَمَقَابِلْتُهُ بِأَصْلِ أَضْلِ الشَّيْخِ المُقَابِلِ بِهِ أَصْلُ الشَّيْخِ، فَإِنْ لَمْ يُقَابِلْ أَضْلَا فَقَدْ أَجَازَ لهُ الرَّوَايَةَ
مِنْهُ الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَآبَاءُ بَكْرِ الإِسْمَاعِيلِيُّ وَالبَزْقَانِيُّ، والْخَطِيبُ إِنْ كَانَ النّاقِلُ صَحِيحَ
النّقْلِ، قَلِيلَ السَّقْطِ، وَنَقَلَ مِنْ الأَصْلِ، وَبَيْنَ حَالَ الرَّوَايَةِ أَنْهُ لَمْ يُقَابِلْ، وَيُرَاعِي فِي كِتَابِ
شَيْخِهِ مَعَ مَنْ فَوْقَهُ مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِهِ، وَلاَ يَكُنْ كَطَائِفَةٍ إِذَا رَأَوْا
قلت: الحديث الأول رواه الطبراني في الأوسط بسند رجاله موثقون (وأفضلها أن يمسك
هو وشيخه كتابيهما حال التسميع) وما لم يكن كذلك فهو أنقص رتبة، وقال أبو الفضل(١)
الجارودي: أصدق المعارضة مع نفسك(٢). وقال بعضهم: لا يصح مع أحد غير نفسه، ولا يقلد
غيره، حكاه عياض عن بعض أهل التحقيق.
قال ابن الصلاح: وهو مذهب متروك، والقول الأول أولى (ويستحب أن ينظر معه) فيه (من
لا نسخة معه) من الطلبة حال السماع (لا سيما إن أراد) النقل (من نسخته وقال يحيى بن معين لا
يجوز) للحاضر بلا نسخة (أن يروى من غير أصل الشيخ إلا أن ينظر فيه حال السماع).
قال ابن الصلاح(٣): وهذا من مذاهب أهل التشديد (والصواب الذي قاله الجمهور أنه لا
يشترط) في صحة السماع (نظره و) أنه (لا) يشترط (مقابلته بنفسه بل تكفي مقابلة ثقة) له (أي
وقت كان) حال القراءة أو بعدها (ويكفي مقابلته بفرع قوبل بأصل الشيخ ومقابلته بأصل أصل
الشيخ المقابل به أصل الشيخ) لأن الغرض مطابقة كتابه، لأصل شيخه، فسواء حصل ذلك بواسطة
أو غيرها (فإن لم يقابل) كتابه بالأصل ونحوه (أصلاً فقد أجاز له الرواية منه) والحالة هذه
(الأستاذ أبو إسحق) الإسفرايني (وآباء بكر) بلفظ الجمع في آباء، وهم (الإسماعيلي والبرقاني
والخطيب) بشروط ثلاثة (إن كان الناقل) للنسخة (صحيح النقل قليل السقط و) إن كان (نقل من
الأصل و) إن (بين حال الرواية أنه لم يقابل) ذكر الشرط الأخير فقط الإسماعيلي، وهو مع الثاني
الخطيب، والأول ابن الصلاح.
وأما القاضي عياض فجزم بمنع الرواية عند عدم المقابلة وإن اجتمعت الشروط (ويراعى في
كتاب شيخه مع من فوقه ما ذكرنا) أنه يراعيه (في كتابه ولا يكن كطائفة) من الطلبة (إذا أرادوا
(١) له ترجمة في: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٣٨٤ - ٣٨٦.
(٢) علوم الحديث ص (٢١٠).
(٣) المصدر السابق.

٤٧
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
سَمَاعَهُ لِكِتَابِ سَمِعُوا مِنْ أَيِّ نُسْخَةِ اتَّفَقتْ، وَسَيَأْتِي فِيهِ خِلاَفٌ وَكَلاَمٌ آخَرُ فِي أَوَّلِ النَّوْعِ
الآتي :
الْخَامِسَةُ: المُخْتَارُ فِي تَخْرِيجِ السَّاقِطِ وَهُوَ اللحَقُ ((بِفَتْحِ اللامِ وَالْحَاءِ» أَنْ يَخُطَّ مِنْ
مَوْضِع سُقُوطِهِ فِي السَّطْرِ خطًّا صَاعِداً مَعْطُوفاً بَيْنَ السَّطْرَيْنِ عَطْفَةً يَسِيرَةً إِلَى جِهَةِ الْلَحَقِ
وَقِيلَ: يَمُدُّ العَطَفَةَ إِلَي أَول اللحَقِ وَيَكْتُبِ اللحَقَ فُبَالَةَ العَطْفَة في الحَاشِيةِ الْيُّمْنَى إِن اتّسَعَتْ
إِلاَّ أَنْ يَسْقُطَ في آخِرِ السّطْرِ فَيُخَرِّجَهُ إِلَى الشِّمَالِ
:
سماعه) أي الشيخ (لكتاب سمعوا) عليه ذلك الكتاب (من أي نسخة اتفقت وسيأتي فيه خلاف
وكلام آخر في أول النوع الآتي).
(الخامسة: المختار في) كيفية (تخرج الساقط) في الحواشي (وهو اللحق) بفتح اللام
والحاء المهملة، يسمى بذلك عند أهل الحديث والكتابة، أخذاً من الإلحاق أو من الزيادة، فإنه
يطلق على كل منهما لغة (أن يخط من موضع سقوطه في السطر خطاً صاعداً) إلى فوق (معطوفاً
بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة) الحاشية التي يكتب فيها (اللحق(١). وقيل يمد العطفة) من
.(٢): وهو غير مرضي، لأنه
موضع التخريج (إلى أول اللحق) واختاره ابن خلاد، قال ابن الصلاحُ
وإن كان فيه زيادة بيان فهو تسخيم للكتاب وتسويد له، لا سيما عند كثرة الإلحاقات.
قال العراقي: إلا أن لا يكون مقابله خالياً، ويكتب في موضع آخر، فيتعين حينئذ جر الخط
إليه، أو يكتب قبالته ((يتلوه كذا وكذا في الموضع الفلاني)) ونحو ذلك لزوال اللبس (ويكتب
اللحق قبالة العطفة في الحاشية اليمنى إن اتسعت) له لاحتمال أن يطرأ في بقية السطر سقط آخر
فيخرج له إلى جهة اليسار، فلو خرج للأولى إلى اليسار ثم ظهر في السطر سقط آخر، فإن خرّج
له إلى اليسار أيضاً اشتبه موضع هذا بموضع ذاك، وإن خرّج للثاني إلى اليمين تقابل طرفا
التخريجتين وربما التقيا لقربهما فيظن أنه ضرب على ثانيتهما (إلا أن يسقط في آخر السطر
فيخرجه إلى) جهة (الشمال).
قال القاضي عياض(٣): لا وجه لذلك. لقرب التخريج من اللحق وسرعة لحاق الناظر به،
ولأنه أمن نقص حدیث بعده.
قال العراقي (٤): نعم إن ضاق ما بعد آخر السطر، لقرب الكتابة من طرف الورق أو لضيقه
بالتجليد، بأن يكون السقط في الصفحة اليمنى فلا بأس حينئذ بالتخريج إلى جهة اليمين، وقد
(١) هكذا: ( ٢) جهة الحاشية اليمنى، وهكذا: ( ٦) جهة الحاشية اليسرى . ...
(٢) علوم الحديث ص (٢١٢).
(٣) الإلماع ص (١٦٤).
(٤) فتح المغيث ٣٠/٣ - ٣١.
تدريب الراوي / ج ٢/ م ١٦

٤٨
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
ولَيَكْتُبُهُ صَاعِداً إلى أَعْلَى الْوَرَقَةِ، فَإِنْ زَادَ اللّحَقُ على سَطْرِ ابْتَدَأْ سُطُورِهِ مِنْ أَعْلَى إِلى أَسْفَلَ،
فَإِنْ كَانَ في يمينِ الوَرَقَةِ أَنْتَهَتْ إِلىْ بَاطِنَهَا، وإِنْ كانَ في الشمالِ فَإِلى طَرَفِهَا، ثمَّ يَكْتُبُ في
انْتِهَاءِ اللّحَقِ ((صَحّ)).
وَقِيلَ: يَكْتُبُ مَعَ ((صح)) رجع، وَقِيلَ: يَكْتُبُ الكَلِمَةَ المُتَّصَلَةَ بِهِ دَاخِلَ الكِتَابِ وَلَيْسَ
بِمَرْضِيٍّ لأَنَّهُ تَطْوِيلٌ مُوهمٌ.
وَأَمَّا الْحَواشِي مِنْ غَيْرِ الأَصْلِ كَشَرْحٍ، وَبَيَانِ غَلَطِ، أَوْ اخْتِلاَفِ رِوَايَةٍ، أَوْ نُسْخَةٍ
وَنَحْوِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لاَ يُخْرَجُ لَهُ خَطٌّ، وَالمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُ التّخْرِيجِ مِنْ وَسَطِ
الكلِمةِ المُخَرَّجِ لأَجْلِهَا.
السَّادِسةُ: شَأْنُ المُثْقِنِينَ التّصْحِيحُ، وَالتّضْبِيبُ، وَالْتَمْرِيضُ.
رأيت ذلك في خط غير واحد من أهل العلم. انتهى.
(وليكتبه) أي الساقط (صاعداً إلى أعلى الورقة) من أي جهة كان لاحتمال حدوث سقط
حرف آخر، فيكتب إلى أسفل (فإن زاد اللحق على سطر ابتدأ سطوره من أعلى إلى أسفل فإن
كان) التخريج (في يمنى الورقة انتهت) الكتابة (إلى باطنها وإن كان في) جهة (الشمال فإلى
طرفها) تنتهي الكتابة، إذ لو لم يفعل ذلك لانتقل إلى موضع آخر بكلمة ((تخريج)) أو اتصال (ثم
يكتب في انتهاء اللحق) بعده (صح) فقط (وقيل: يكتب مع صح رجع، وقيل يكتب الكملة
المتصلة داخل الكتاب) ليدل على أن الكلام انتظم (وليس بمرضى، لأنه تطويل موهم) لأنه قد
يجيء في الكلام ما هو مكرر مرتين وثلاثاً لمعنى صحيح، فإذا كررنا الحرف لم نأمن أن يوافق ما
يتكرر حقيقة أو يشكل أمره فيوجب ارتياباً وزيادة إشكال.
قال عياض: وبعضهم يكتب انتهى اللحق، قال: والصواب ((صح)) هذا كله في التخريج
الساقط .
(وأما الحواشي) المكتوبة (من غير الأصل كشرح وبيان غلط أو اختلاف في رواية أو نسخة
ونحوه، فقال القاضي عياض:)(١) الأولى أنه (لا يخرج له خط) لأنه يدخل اللبس، ويحسب من
الأصل، بل يجعل على الحرف ضبة أو نحوها تدل عليه.
قال ابن الصلاح(٢): (والمختار استحباب التخريج) لذلك أيضاً ولكن (من) على (وسط
الكلمة المخرج لأجلها) لا بين الكلمتين، وبذلك يفارق التخريج للساقط.
(السادسة: شأن المتقنين) من الحذاق (التصحيح والتضبيب والتمريض) مبالغة في العناية
(١) الإلماع ص (١٦٤).
(٢) علوم الحديث ص (٢١٣).

٤٩
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
فَالتّصْحِيحُ كِتَابَةُ ((صح)) عَلَى كَلَامٍ صَحَّ رِوَايَةً وَمَعْنَى، وَهُوَ عُرْضَةٌ لِلشَكِّ أَوِ الْخَلَفِ،
وَالتّضْبِيبُ، وَيُسَمَّى التَّمْرِيضُ أَنْ يُمَدَّ خَطُّ أَولُهُ كَالصَّادِ وَلاَ يُلْزُقُ بِالمَمْدُودِ عَلَيْهِ، يُمَدُّ عَلَى
ثَابِتَ نَقْلاً فَاسِدٍ لَفْظاً أَوْ مَعْنِى أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ نَاقِصٍ، وَمِنَ النَّاقِصِ مَوْضعُ الإِزْسَالِ أَوْ الانْقِطَاعِ،
وَرُبَّمَا اخْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَامَةِ التّصْحِيحِ فَأَشْبَهَتِ الضّبَّةَ، وَيُوجَدُ في بَعْضِ الأُصُولِ الْقَدِيمِةِ
في الإِسْنَادِ الْجَامِعِ جَمَاعَةً مَعْطوفاً بَعضُهم عَلَى بَعْضِ عَلَامَةٌ تُشْبِهُ الضّبَّةَ بَيْنَ أَسْمَائِهِمْ وَلَيْسَتْ
ضَبَّةً وَكَأَنّهَا عَلَامَةُ اتِّصَالٍ ..
السَّابِعَةُ: إِذَا وَقَعَ في الكِتَابِ مَا لَيْسَ مِنْهُ نُفِيَ بالضّرْبِ، أَوِ الْحَكِّ، أَوِ المَحْوِ، أَوْ
غَيْرِهِ، وَأَوْلاَهَا الضَّرْبُ،
بضبط الكتاب (فالتصحيح كتابة صح على كلام صح رواية ومعنى وهو عرضة للشك) فيه (أو
الخلاف) فيكتب ذلك الوجه ليعرف أنه لم يغفل عنه، وأنه قد ضبط وصح على ذلك الوجه
(والتضبيب ويسمى) أيضاً (التمريض أن يمد على الكلمة خط أوله كالصاد) هكذا صـ وفرق بين
الصحيح والسقيم حيث كتب على الأول حرف كامل لتمامه، وعلى الثاني حرف ناقص، ليدل
نقص الحرف على اختلاف الكلمة، ويسمى ذلك ضبة لكون الحرف مقفلاً بها، لا يتّجه لقراءة،
كضبة الباب يقفل بها. نقله ابن الصلاح عن أبي القاسم الإِفْلِيلِيّ اللغوي (ولا يلزق) التضبيب
(بالممدود عليه) لئلا يظن ضرباً، وإنما (يمد) هذا التضبيب (على ثابت نقلاً فاسد لفظاً أو معنى)
أو خطأ من الجهة العربية أو غيرها (أو مصحف أو ناقص) فيشار بذلك إلى الخلل الحاصل، وأن
الرواية ثابتة به، لاحتمال أن يأتي من يظهر له فيه وجه صحيح (ومن الناقص) الذي يضب عليه
(موضع الإرسال أو الانقطاع) في الإسناد (وربما اختصر بعضهم علامة التصحيح) فيكتبها هكذا
صـ (فأشبهت الضبة، ويوجد في بعض الأصول القديمة في الإسناد الجامع جماعة) من الرواة في
طبقة (معطوفاً بعضهم على بعض علامة تشبه الضبة) فيما (بين أسمائهم) فيتوهم، من لا خبرة له
أنها ضبة (وليست ضبة، وكأنها علامة اتصال) بينهم أثبت تأكيداً للعطف خوفاً من أن يجعل عن
مكان الواو.
(السابعة: إذا وقع في الكتاب ما ليس منه نفي) عنه إما (بالضرب) عليه (أو الحك) له (أو
المحو) بأن تكون الكتابة في لوح أو رق، أو ورق صقيل جداً في حال طراوة المكتوب، وقد
روى عن سحنون أنه كان ربما كتب الشيء ثم لعقه(١) (أو غيره وأولاها الضرب) فقد قال
الرامهر مزي: قال أصحابنا الحك تهمة، وقال غيره: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس
السماع، حتى لا يبشر شيء، لأن ما يبشر منه ربما يصح في رواية أخرى، وقد يسمع الكتاب مرة
أخرى على شيخ آخر يكون ما بشر من رواية هذا صحيحاً في رواية الآخر، فيحتاج إلى إلحاقه
(١) فتح المغيث ٩٦/٣.

٥٠
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
ثُمَّ قَالَ الأَكْثِرُونَ: يَخُطُّ فَوْقَ المَضْرُوبِ عَلَيْهِ خطًّا بَيِّناً دَالاً عَلَى إِبْطَالِهِ مُخْتَلِطاً بِهِ، وَلاَ
يَطْمِسُهُ بَلْ يَكُونُ مُمْكِنَ القِرَاءَة، وَيُسْمَّى هَذَا الشقَّ، وقِيلٌ: لاَ يُخْلَطُ بِالمَضْرُوبِ عَلَيْهِ بَلْ
يَكُونُ فَوْقَهُ مَعْطُوفاً عَلَى أَقَلِهِ وَآخِرِهِ، وقِيلَ يحَوِّقُ عَلَى أَزَّلِهِ نِصْفَ دَائِرَةٍ وَكَذَا آخِرِه، وإذَا كثرَ
المَضْرُوبُ عَلَيْهِ فَقَدْ يُكْتَفَى بِالنَّحْوِيقِ أَلَّهُ وَآخِرَهُ وقَدْ يُحَوَّقُ أَوَّلُ كُلِّ سَطْرٍ وَآخِرُهُ، ومِنْهُمْ مِنْ
اكْتَفَى بِدَائِرَةٍ صَغِيرَةٍ أَوَّلَ الزِّيَادَةِ وَآخِرَهَا، وقِيلَ يَكْتُبُ ((لا)) في أَوَلِهِ ((وإِلى)) في آخِرِهِ، وأَمَّا
الضَّرْبُ عَلَى المُكَرّرِ فَقِيلَ يَضْرِبُ عَلَى الثَّانِ، وقِيلَ يُبْقِي أَحْسَنَهُمَا صُورَةً وَأَبيَهُمَا، وَقَالَ
الْقَاضِي عَيَاصٌ: إِنْ كَانَا أَوّلَ سَطْرٍ ضَرَبَ عَلَى الثَّانِ، أَوْ آخِرَهُ فَعَلَى الأَوّلِ،
بعد أن بشر، بخلاف ما إذا خطا عليه وأوقفه رواية الأول، وصح عند الآخر اكتفى بعلامة الآخر
عليه بصحته (ثم) في كيفية هذا الضرب خمسة أقوال.
(قال الأكثرون يخط فوق المضروب عليه خطا بينا دالاً على إبطاله) بكونه (مختلطاً به) أي
بأوائل كلماته (ولا يطمسه بل يكون) ما تحته (ممكن القراءة ويسمى هذا) الضرب عند أهل
المشرق و(الشق) عند أهل المغرب، وهو بفتح المعجمة وتشديد القاف. من الشق وهو الصدع،
أو شق العصا وهو التفريق كأنه فرق بين الزائد وما قبله وبعده من الثابت بالضرب، وقيل هو
النَشَق بفتح النون والمعجمة، من نشق الظبي في حبالته علق فيها، فكأنه أبطل حركة الكلمة
وإعمالها بجعلها في وثاق يمنعها من التصرف (وقيل لا يخلط) أي الضرب (بالمضروب عليه بل
يكون فوقه) منفصلاً عنه (معطوفاً) طرفا الخط (على أوله وآخره) مثاله هكذا - (وقيل) هذا تسويد
بل (يحوق على أوله نصف دائرة وكذا) على (آخره) بنصف دائرة أخرى مثاله هكذا ( ) (و)
على هذا القول (إذا كثر) الكلام (المضروب عليه، فقد يكتفي بالتحويق أوله أو آخره) فقط (وقد
يحوق أول كل سطر وآخره) في الأثناء أيضاً، وهو أوضح (ومنهم من) استقبح ذلك أيضاً
و (اكتفى بدائرة صغيرة أول الزيادة وآخرها) وسماها صفراً، لإشعارها بخلو ما بينهما من صحة،
ومثال ذلك هكذا ٥، (وقيل يكتب ((لا)) في أوله) أو زائداً، ومن (وإلى في آخره).
قال ابن الصلاح: ومثل هذا يحسن فيما سقط في رواية، وثبت في رواية، وعلى هذين
القولين أيضاً: إذا كثر المضروب عليه، إما يكتفي بعلامة الإبطال أوله وآخره، أو يكتب على أول
كل سطر وآخره، وهو أوضح، هذا كله في زائد غير مكرر (وأما الضرب على المكرر فقيل
يضرب على الثاني) مطلقاً دون الأول، لأنه كتب على صواب، فالخطأ أولى بالإبطال (وقيل يبقى
أحسنهما صورة وأبينهما) قراءة، ويضرب على الآخر، هكذا حكى ابن خلاد القولين من غير
مراعاة لأوائل السطور وآخرها، وللفصل بين المتضايفين ونحو ذلك.
(وقال القاضي عياض) هذا إذا تساوت الكلمتان في المنازل بأن كانتا في أثناء السطر، أما
(إن كانا أول سطر ضرب على الثاني أو آخره فعلى الأول) يضرب صوناً لأوائل السطور

٥١
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
أَوْ أَوَّلَ سَطْرٍ وَآخِرَ آخَرَ، فَعَلَى آخِرِ السَّطْرِ، فَإِنْ تَكَوَّرَ المضَافُ وَالمضَافُ إِلَيْهِ أَوِ المَوْصُوفُ
وَالصِّفَةُ وَنحْوُهُ رُوعِي اتِّصَالُهُمَا، وَأَمَّا الْحَكُّ، وَالكَشِطُ فَكَرِهَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ.
الثَّامِنَةُ: غَلَبَ عَلَيْهِمْ الاقْتِصَارُ عَلَى الرَّمْزِ في حَدثَنَا وَأَخْبَرَنَا. وشَاعَ بِحَيْثُ لاَ يَخْفى،
فَيَكْتُبُونَ مِنْ حَدَّثَنَا: الثَّاءَ والثُّونَ والأَلِفَ، وقَدْ تُحْذَفُ الثاءُ، ومِنْ أَخْبَرَنَا: أَنَا، ولاَ يَحْسُنُ
زِيَادَةُ الْبَاءِ قَبْلَ النُّونِ وإِنْ فَعَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وقَدْ يُزَادُ رَاءٌ بَعْدَ الأَلِفِ ودَالٌ أَوَلَ رَمْزِ حَدَّثَنَا،
ووجِدَتْ الدّالُ في خَطِّ الْحَاكِمِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ والْبَيْهقيِّ،
وأواخرها. عن الطمس (أو) الثانية (أول سطر و) الأولى (آخر) سطر (آخر فعلى آخر السطر) لأن
مراعاة أول السطر أولى (فإن تكرر المضاف والمضاف إليه أو الموصوف والصفة ونحوه روعي
اتصالهما) بأن لا يضرب على المتكرر بينهما، بل على الأول في المضاف والموصوف، أو الآخر
في المضاف إليه والصفة، لأن ذلك مضطر إليه للفهم، فمراعاته أولى من مراعاة تحسين الصورة
في الخط .
قال ابن الصلاح: وهذا التفصيل من القاضي حسن (وأما الحك والكشط والمحو فكرهها
أهل العلم) كما تقدم.
(الثامنة: غلب عليهم الاقتصار) في الخط (على الرمز في حدثنا وأخبرنا) لتكررها (وشاع)
ذلك وظهر (بحيث لا يخفى) ولا يلتبس (فيكتبون من حدثنا الثاء والنون والألف) ويحذفون الحاء
والدال (وقد تحذف الثاء) أيضاً ويقتصر على الضمير (و) يكتبون (من أخبرنا أنا) أي الهمزة
والضمير (ولا تحسن زيادة الباء قبل النون وإن فعله البيهقي) وغيره لئلا تلتبس برمز حدثنا (وقد
تزاد راء بعد الألف) قبل النون أو خاء كما وجد في خط المغاربة (و) قد تزاد (دال أول رمز
حدثنا) ويحذف الحاء فقط (ووجدت الدال) المذكورة (في خط الحاكم وأبي عبد الرحمن
السلمي والبيهقي) هكذا قال ابن الصلاح(١)، فالمصنف حاك كلامه، أو رأى ذلك أيضاً، أو
وجدت في كلامه مبنياً للمفعول.
تنبيه :
يرمز أيضاً حدثني، فيكتب ثنى أود ثنى، دون أخبرني وأنبأنا وأنبأني، وأما قال: فقال
العراقي: منهم من يرمز لها بقاف، ثم اختلفوا، فبعضهم يجمعها مع أداة التحديث، فيكتب قثنا.
يريد، قال حدثنا، قال: وقد توهم بعض من رآها هكذا أنها لواو التي تأتي بعد حاء التحويل،
وليس كذلك، وبعضهم يفردها فيكتب ق ثنا وهذا اصطلاح متروك.
وقال ابن الصلاح: جرت العادة بحذفها خطا ولا بد من النطق بها حال القراءة، وسيأتي
(١) علوم الحديث ص (٢١٨).

٥٢
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
وإِذَا كَانَ لِلحَدِيثِ إسْنَادَانٍ، أَوْ أَكْثَرُ كَتَبُوا عِنْدَ الانْتِقَالِ مِنْ إِسْنَادٍ ح وَلَمْ يُعْرَفْ بَيَانُهَا عَمَّنْ
تَقَدَّمَ، وَكَتَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفّاظِ مَوْضِعَهَا صَحِ، فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّهَا رَمْزُ صح، وقِيلَ مِنَ
التَّحَوْيلِ مِنَ إِسْنَادٍ إِلى إِسْنَادٍ، وَقِيلَ لأَنْهَا تَحوُّلُ بَيْنَ الإِسْنَادَيْنِ فَلاَ تَكُونُ مِنَ الْحَديثِ وَلاَ
يُلْفَظِ عِنْدَهَا بِشَيْءٍ، وقِيلَ هِيَ رَمْزٌ إِلَى قَوْلِنَا ((الْحَدِيثَ)) وَإِن أَهْلَ المَغْرِبِ كُلُهُمْ يَقُولُونَ إِذَا
وَصَلُوا إِلَيْهَا: الْحَدِيثَ، وَالمَخْتَارُ أَنْ يَقُولَ حَاوَيَمُرّ.
التاسِعَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ الْبَسْمِلةِ اسْمَ الشّيْخِ وَنَسَبَهُ وَكُنْيَهُ ثُمَّ يَسُوقَ المَسْمُوعَ،
وَيَكْتُبَ فَوْقَ الْبَسْمِلَةِ أَسْمَاءَ السَّامِعِينَ، وَتَارِيخَ السَّمَاعِ، أَوْ يَكْتُبَّهُ فِي حَاشِيَةٍ أَولِ وَرَقَةٍ أَوْ آخِرَ
الكِتَابِ؛ أَوْ حَيْثُ لاَ يَخْفَى مَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِخَطُّ ثِقَةٍ مُعْرُوفِ الخَطِ، وَلاَ بَأْسَ عِنْدَ هَذَا
بَأَنْ لاَ
ذلك في الفرع التاسع من النوع الآتي (وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر) وجمعوا بينهما في متن
واحد (كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ح) مفردة مهملة (١) (ولم يعرف بيانها) أي بيان
أمرها (عمن تقدم وكتب جماعة من الحفاظ) كأبي مسلم الليثي، وأبي عثمان الصابوني
(موضعها صح فيشعر ذلك بأنها رمز صح).
قال ابن الصلاح (٢): وحسن إثبات صح هنا لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا
يركب الإسناد الثاني على الإسناد الأولى فيجعلا إسناداً واحداً (وقيل) هي حاء (من التحويل من
إسناد إلى إسناد وقيل) هي حاء من حائل (لأنها تحول بين إسنادين فلا تكون من الحديث) كما
قيل بذلك (ولا يلفظ عندها بشيء، وقيل هي رمز إلى قولنا ((الحديث)) وإن أهل المغرب كلهم
يقولون إذا وصلوا إليها الحديث والمختار أن يقول) عند الوصول إليها (حاويمر)(٣)
التاسعة: (ينبغي) في كتابة التسميع (أن يكتب) الطالب (بعد البسملة اسم الشيخ) المسمع
(ونسبته وكنيته) قال الخطيب: وصورة ذلك حدثنا أبو فلان فلان بن فلان الفلاني، قال حدثنا
فلان (ثم يسوق المسموع) على لفظه (ويكتب فوق البسملة أسماء السامعين) وأنسابهم (وتاريخ)
وقت (السماع أو يكتبه في حاشية أول ورقة) من الكتاب (أو آخر الكتاب أو) موضع آخر (حيث
لا يخفى منه) والأول أحوط.
قال الخطيب: وإن كان السماع في مجالس عدة كتب عند انتهاء السماع في كل مجلس
علامة البلاغ (وينبغي أن يكون) ذلك (بخط ثقة معروف الخط ولا بأس) عليه (عند هذا بأن لا
(١) قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ١١١/٣: ((بالقصر مهملة مفردة، وهي في كتب المتأخرين أكثر. وفي
: (صحيح مسلم)) أكثر منها في ((البخاري)) كما صرح به النووي في ((مقدمة شرح مسلم))، وهو المشاهد)).
(٢) علوم الحديث ص (٢١٨).
(٣) علوم الحديث ص (٢١٩).

٥٣
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
يصَحِّحَ الشّيْخُ عَلَيْهِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ سَمَاعَهُ بِخَطِّ نَفْسَهِ إِذَا كَانَ ثِقَةً كَمَا فَعَلَهُ الثَّقَاتُ،
وعَلَى كاتِبِ التّسْمِيعِ التَّحَرِّي وبَانُ السَّامِعِ والمُسْمِعِ، والمَسَمُوعِ، بِلَفْظِ وجِيزٍ غَيْرِ مُخْتَمَلٍ
ومُجَانَبَةُ التّسَاهُلِ فِيمَنْ يُِّتُهُ، والْحَذَرُ مِنْ إِسْقَاطِ بَعْضِهِمْ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ، فَأَنْ لَمْ يَحْصُرْ فَلَهُ أَنْ
يَعْتَمِدَ في حُضُورِهِمْ خَبَرَ ثِقَةٍ حَضَرَ، ومَن ثَبَتَ فِي كِتَابِهِ سَمَاعُ غَيْرِهِ فَقَبِيحٌ بِهِ كَثْمانُهُ ومَنْعُهُ
نَقْلَ سَمَاعِهِ مِنْهُ أَوْ نَسْخَ الكِتَابِ، وإِذَا أَعَارَهُ فَلاَ يُبْطِىءُ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ، فَإِنْ كانَ سَمَاعُهُ
مُثَبْتاً بِرِضَا صَاحِبِ الْكِتَابِ لَزِمَهُ إِعَارَتُهُ وَإِلَّ فَلاَ، كَذَا قَالَهُ أَنْمَةُ مَذَاهِبِهِمْ فِي أَزْمَانِهِمْ، مِنْهُمْ
القَاضِي حَفْصُ بْنُ غِيَاتِ الْحَنَفِيُّ،
يصحح الشيخ عليه) أي لا يحتاج حينئذ إلى كتابة الشيخ خطه بالتصحيح (ولا بأس أن يكتب
سماعه بخط نفسه إذا كان ثقة كما فعله الثقات).
قال ابن الصلاح: وقد قرأ عبد الرحمن بن منده جزءاً على أبي أحمد الفرضي وسأله خطه
ليكون حجة له، فقال له، يا بني عليك بالصدق فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد وتصدق فيما
تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك، فلو قيل لك ما هذا خط الفرضي ماذا تقول لهم؟(١) (وعلى
كاتب التسميع التحري) في ذلك والاحتياط (وبيان السامع والمسمع والمسموع بلفظ غير محتمل
ومجانبة التساهل فيمن يثبته والحذر من إسقاط بعضهم) أي السامعين (لغرض فاسد) فإن ذلك مما
يؤديه إلى عدم انتفاعه بما سمع (فإن لم يحضر) مثبت السماع ما سمع (فله أن يعتمد) في إثباته
(في حضورهم) على (خبر ثقة حضر) ذلك (ومن ثبت في كتابه سماع غيره فقبيح به كتمانه) إياه
(ومنعه نقل سماعه) منه (أو نسخ الكتاب) فقد قال وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب (٢).
وقال سفيان الثوري: من بخل بالعلم ابتلى بإحدى ثلاث: أن ينساه، أو يموت، ولا ينتفع
به، أو تذهب کتبه.
قلت: وقد ذم الله تعالى في كتابه مانع العارية بقوله: ((ويمنعون الماعون))(٣) وإعارة الكتب
أهم من الماعون (وإذا أعاره فلا يبطىء عليه) بكتابه إلا بقدر حاجته.
قال الزهري: إياك وغلول الكتب، وهو حبسها عن أصحابها(٤)، وقال الفضيل: ليس من
فعال أهل الورع ولا من فعال الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكُتبه فيحبسه عنه، ومن فعل ذلك
فقد ظلم نفسه(٥) (فإن منعه) إعارته (فإن كان سماعه مثبتاً) فيه (برضا صاحب الكتاب) أو بخطه
(لزمه إعارته وإلا فلا، كذا قاله أئمة مذاهبهم في أزمانهم منهم القاضي حفص بن غياث الحنفي)
(١) علوم الحديث ص (٢٢٠)، وفتح المغيث للعراقي ٤٢/٣، وللسخاوي ١١٦/٣.
(٢) أدب الإملاء ص (١٧٤ _ ١٧٥).
(٣) آية (٧) سورة الماعون.
(٤) الجامع ٢٤٢/١ والإلماع ص (٢٢٤).
(٥) الجامع ٢٤٣/١.
٠٠

٥٤
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
وإِسْمَاعِيلُ القَاضِي المَالِكِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ الشّافِعِيُّ، وَحَكُم بِهِ القَاضِيَانِ، والصِّوابُ
الأَوَّلُ، فَإِذَا نَسَخَهُ فَلاَ يَنْقُلُ سَمَاعَهُ إِلى نُسْخَتِهِ إِلَّ بَعْدَ المُقَابَلَةِ المَرْضِيّةِ، وَلاَ يُنْقَلُ سَمَاعٌ إِلَى
نُسْخَةٍ إِلاّ بَعْدَ مُقَابَلَةٍ مَرْضِيَّةٍ إِلاّ أَنْ يُبِّنَ كَوْنِهَا غَيْرَ مُقَابَلَةٍ.
النوع السادس والعشرون: صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ
تَقَدَّمَ جُمَلٌ مِنْهُ في النَّوْعَيْنِ قَبْلَهُ وَغَيْرِهِمَا،
من الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة (وإسماعيل) بن إسحاق (القاضي المالكي) إمام
أصحاب مالك (وأبو عبيد الله الزبيري الشافعي وحكم به القاضيان) الأولان، أما حكم حفص
فروى الرامهرمزي، أن رجلاً ادعى على رجل بالكوفة سماعاً منعه إياه، فتحاكما إليه، فقال
لصاحب الكتاب، أخرج إلينا كتبك فما كان من سماع هذا الرجل بخط يدك ألزمناك وما كان
بخطه أعفيناك منه(١).
قال الرامهرمزي(٢): فسألت أبا عبد الله الزبيري عن هذا فقال: لا يجيء في هذا الباب
حكم أحسن من هذا، لأن خط صاحب الكتاب دال على رضاه باستماع صاحبه معه، وأما حكم
إسماعيل، فروى الخطيب أنه تحوكم إليه في ذلك فأطرق ملياً ثم قال للمدعى عليه: إن كان
سماعه في كتابك بخط يدك فيلزمك أن تغيره(٣) (وخالف فيه بعضهم والصواب الأول) وهو
الوجوب .
قال ابن الصلاح: قد تعاضدت أقوال هذه الأئمة في ذلك، ويرجع حاصلها إلى أن سماع
غيره إذا ثبت في كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه، قال: وقد لا يلفي له وحه ثم وجهته، بأن ذلك
بمنزلة شهادة له عنده، فعليه أداؤها بما حوته، وإن كان فيه بذل ماله كما يلزم متحمل الشهادة
أداؤها، وإن كان فيه بذل نفسه بالسعي إلى مجلس الحكم لأدائها، وقال البلقيني، عندي في
توجيهه غير هذا، وهو أن مثل هذا من المصالح العامة التي يحتاج إليها، مع حصول علقة بين
المحتاج والمحتاج إليه، تقضي إلزامه بإسعافه في مقصده، قال وأصله إعارة الجدار لوضع جذوع
الجار عليه، وقد ثبت ذلك في الصحيحين، وقال بوجوب ذلك جمع من العلماء، وهو أحد قولي
الشافعي، فإذا كان يلزم الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب، فلأن يلزم صاحب الكتاب
مع عدم دوام العارية أولى (فإذا نسخه فلا ينقل سماعه إلى نسخته)، أي لا يثبته عليها (إلا بعد
المقابلة المرضية و) كذا (لا ينقل سماع) ما (إلى نسخة إلا بعد مقابلة مرضية) فلا يغتر بتلك
النسخة (إلا أن يبين كونها غير مقابلة) على ما تقدم.
النوع السادس والعشرون:
(صفة رواية الحديث) وآدابه وما يتعلق بذلك (تقدم جمل منه في النوعين قبله وغيرهما)
(١) علوم الحديث ص (٢٢٠).
(٢) المصدر السابق ص (٢٢١).
(٣) المصدر السابق.
٠٫٠٠٠

٥٥
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
وَقَدْ شَدَّد قَوْمٌ في الرِّوَايَةِ فَأَفْرَطُوا، وَتَسَاهَلَ آخَرُونَ فَفَرَّطُوا، فَمِنَ المُشَدِّدِينَ مَنْ قَالَ: لاَ
حُجَّةَ إِلَّ فِيمَا رَواهُ مِنْ حِفْظِهِ وَتَذَتْرِهِ، رُوِيَ عَنْ مَالِكِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وأَبِي بَكُرِ الصَّيْدَلاَنِيِّ
الشّافِعِيِّ، ومِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهَا مِنْ كِتَابِهِ إِلاَ إِذَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ، وأَمَّا المتَسَاهِلُونَ فَتَقَدَّمَ بَيَانُ
جُمَلٍ عَنْهُمْ في النوعِ الرَّابعِ والْعِشْرِينَ، ومِنْهُمْ قَوْمٌ رَوَوْا من نُسَخ غير مُقَابَلَة بِأُصُولِهِمْ
فجعَلَهُمْ الْحَاكِمُ مَجْرُوحِينَ. قَالَ: وَهْذَا كَثِيرٌ تَعَاطَاهُ قَوْمٌ مِن أَكَابِرِ العُلَمَاءِ والصُّلَحَاءِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الرَّابِعَةِ من النّوْعِ المَاضِي أَنَّ النُّسْخَةَ التي لم تُقَابَلْ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ مِنْهَا
◌ِشُرُوطٍ، فَيُحْتَمَلَ أنَّ الحَاكِمِ يُخَالِفَ فيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ إِذَا لم تُوجَد الشُّرُوطُ، والَصّوابُ
مَا عَلَيْهِ الجمهُورُ وَهُوَ التَّوَسُّطُ، فَإِذَا قَامَ في التَّحَملِ وَالمُقَابَلَةِ بِمَا تَقَدَّمَ جازَتِ الرِّوَايَةُ مِنْهُ
وَإِن غَابَ إذَا كَانِ الغَالِبُ
كألفاظ الأداء (وقد شدد قوم في الرواية فأفرطوا) أي بالغوا (وتساهل) فيها (آخرون ففرطوا) أي
قصروا (فمن المشددين من قال لا حجة إلا فيما رواه) الراوي (من حفظه وتذكره روى) ذلك (عن
مالك وأبي بكر الصيدلاني) المروزي (الشافعي) فروى الحاكم من طريق ابن عبد الحكم عن
أشهب قال سئل مالك، أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه وهو ثقة؟ فقال لا، قيل فإن أتى بكتب
فقال سمعتها وهو ثقة، فقال لا يؤخذ عنه، أخاف أن یزاد في حديثه بالليل، يعني وهو لا يدري،
وعن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت أشهب يقول: سئل مالك عن الرجل الغير فهم يخرج
كتابه فيقول هذا سمعته، قال: لا تأخذ إلا عمن يحفظ حديثه، أو يعرف.
وروى البيهقي عن مالك وعن أبي الزناد قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون لا يؤخذ
عنهم شيء من الحديث، يقال ليس من أهله.
ولفظ مالك: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون، وهذا مذهب شديد، وقد استقر العمل على
خلافه، فلعل الرواة في الصحيحين ممن يوصف بالحفظ لا يبلغون النصف (ومنهم من جوزها من
كتابه إلا إذا خرج من يده) بالإعارة أو ضياع أو غير ذلك فلا يجوز حينئذٍ منه لجواز تغييره وهذا
أيضاً تشديد (وأما المتساهلون فتقدم بيان جمل عنهم في النوع الرابع والعشرين) في وجوه التحمل
(ومنهم قوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصول: فجعلهم الحاكم مجروحين، قال: وهذا كثير
تعاطاه قوم من أكابر العلماء والصلحاء) وممن نسب إليه التساهل ابن لهيعة، كأن الرجل يأتيه
بالكتاب فيقول هذا من حديثك فيحدثه به مقلداً له.
قال المصنف زيادة على ابن الصلاح: (وقد تقدم في آخر الرابعة من النوع الماضي أن
النسخة التي لم تقابل تجوز الرواية منها بشروط، فيحتمل أن الحاكم يخالف فيه، ويحتمل أنه
أراد) بما ذكره (إذا لم توجد الشروط، والصواب ما عليه الجمهور وهو التوسط) بين الإفراط
والتفريط، فخير الأمور الوسط، وما عداه شطط (فإذا قام) الراوي (في التحمل والمقابلة) لكتابه
(بما تقدم) من الشروط (جازت الرواية منه) أي من الكتاب (وإن غاب) عنه (إذا كان الغالب) على

٥٦
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
سَلَامَتُهُ من التَّغْيِيرِ، لاَ سِيَّمَا إِنْ كانَ مِمَّنْ لاَ يَخْفَى عَلَيهِ التَّغْيِيرِ غَالِباً.
فروع:
الأَول: الضَّرِيرُ إِذَا لم يَحْفَظْ ما سَمِعَهُ فاسْتَعَانَ بِثِقَةٍ في ضبطِهِ، وَحَفِظَ كِتَابِهُ وَاحْتَاطَ
عِند القِرَاءَةِ عليهِ بحيثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِهِ سَلَاَمَتَهُ من التغبيرِ صَحَّتْ رِوَايَتُهُ، وَهُوَ أَوْلى بالمَنْعِ
من مِثْلِهِ في البَصِيرِ. قَالَ الخَطيبُ: والبصيرُ الأَمِّيُ كَالصِّرِيرِ.
الثاني: إِذَا أَرَادَ الرِّوَايَةَ من نسخةٍ ليسَ فيهَا سَمَاعُهُ وَلاَ هيَ مُقَابَلَةٌ بِهِ، وَلكن سُمِعَتْ
عَلى شيخهٍ أَوْ فِيهَا سَمَاعُ شَيْخِهِ أَوْ كُتِبَتْ عن شيخهِ وَسَكَنَت نَفْسُهُ إِليها لم يَجُزِ الرِّوَايَةُ مِنْهَا
عِند عامَّةِ المحَدِّثينَ، وَرَخّصَ فيه أَيُّوبُ السَّخْتِياني ومحمد بن بكر البُرْسَانيُّ.
قَالَ الخطيبُ: وَالذي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّهُ مَتَى عَرَفَ أَنْ هَذِهِ الأَحَادِيث هيَ التي سَمِعَهَا مِنَ
الشّيْخِ جازَ لَهُ أَنْ يَزْوِيهَا إِذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلى صِخَّتِهَا وَسَلَاَمَتِهَا.
الظن من أمره (سلامته من التغيير) والتبديل (لا سيما إن كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالباً) لأن
الاعتماد في باب الرواية على غالب الظن.
فروع - أربعة عشر:
(الأول: الضرير إذا لم يحفظ ما سمعه فاستعان بثقة في ضبطه) أي ضبط سماعه (وحفظ
كتابه) عن التغيير (واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير صحت روايته
وهو أولى بالمنع من مثله في البصير.
قال الخطيب: والبصير الأمي) فيما ذكر (كالضرير) وقد منع (١) من روايتهما غير واحد من
العلماء . ..
(الثاني: إذا أراد الرواية من نسخة ليس فيها سماعه ولا هي مقابلة به) كما هو الأولى في
ذلك (لكن سمعت على شيخه) الذي سمع هو عليه في نسخة خلافها (أو فيها سماع شيخه) على
الشيخ الأعلى (أو كتبت عن شيخه وسكنت نفسه إليها، لم تجز له الرواية منها عند عامة
المحدثين) وقطع به ابن الصباغ، لأنه قد يكون فيها رواية ليست في نسخة سماعه (ورخص فيه
أيوب السختياني ومحمد بن بكر البُرْسَانِيّ).
(قال الخطيب: والذي يوجبه النظر) التفصيل وهو (أنه متى عرف أن هذه الأحاديث هي التي
سمعها من الشيخ جاز) له (أن يرويها) عنه (إذا سكنت نفسه إلى صحتها وسلامتها) وإلا فلا .
(١) منع من روايتهما غير واحد: كابن معين وأحمد. قال الخطيب: ونرى العلة في المنع هي جواز الإدخال
عليهما ما ليس من سماعهما. ((فتح المغيث)) ١٣٢/٣
:

٥٧
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
هَذَا إِذَا لم يَكُنْ لَهُ إِجَازَةٌ عَامَّةٌ مِنْ شَيْخِهِ لمَرْوِيَّاتِهِ، أَوْ لهذا الكتَابِ فإنْ كَانَتْ جازَ لهُ
الرِّوَايَةُ مِنْهَا، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا، وَإِنْ كَانَ في النُّسْخَةِ سَمَاعُ شيخ شيخِهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ
يَكُونَ لَهُ إِجَازَةٌ عَامَّةٌ من شيخِهِ وَمِثْلُهَا من شیخِهِ .
الثالث: إِذَا وَجَدَ فِي كِتَابِهِ خِلاَفَ حِفْظِهِ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَ مِنْهُ رَجَعَ، وَإِنْ كَانَ حَفِظَ مِنْ
فَمِ الشيخِ اعْتَمَدَ حِفْظَهُ إِنْ لم يَشُكَ، وَحَسُنَ أَنْ يَجْمَعَ فَيَقولَ: حِفْظِي كَذَا وَفِي كِتَابِي كَذَا،
وَإِن خالَفَهُ غيرُهُ قَالَ: حِفْظِي كذا وَقَالَ فِيهِ غَيْرِي أَوْ فُلَانٌ كذا، وَإِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ فِي كِتَابِهِ وَلاَ
يَذْكُرُهُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيّةِ، لاَ يَجُوزُ رِوَايْتُهُ. وَمَذْهَبُ الشافعي وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ،
وأَبي يوسف، ومحمد، جَوَازُهَا، وَهُوَ الصحيحُ، وَشَرْطُهُ أَن يَكُون السَّماعُ بخَطِّهِ أَوْ خَطِّ مَنْ
◌َثِقُ بِهِ، وَالكِتَابُ مَصُونٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سلامَتُهُ مِنَ الَّغْيِيرِ، وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، فإن شكَّ
لم يَجُزْ.
كانت جاز له الرواية منها) مطلقاً، إذ ليس فيه أكثر من رواية تلك الزيادات بالإجازة (وله أن يقول
حدثنا وأخبرنا) من غير بيان للإجازة والأمر قريب يتسامح بمثله (وإن كان في النسخة سماع شيخ
شيخه فيحتاج أن تكون له إجازة عامة من شيخه و) ويكون لشيخه إجازة (مثلها من شيخه).
(الثالث: إذا وجد) الحافظ الحديث (في كتابه خلاف) ما في (حفظه فإن كان حفظ منه
رجع إليه وإن كان حفظ من فم الشيخ اعتمد حفظه إن لم يشك وحسن أن يجمع) بينهما في رواية
(فيقول حفظي كذا وفي كتابي كذا) هكذا فعل شعبة وغيره (وإن خالفه غيره) من الحفاظ فيما
يحفظ (قال: حفظي كذا وقال فيه غيري أو فلان كذا) فعل ذلك الثوري وغيره (وإذا وجد سماعه
في كتابه ولا يذكره فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية لا يجوز) له (روايته) حتى يتذكر (ومذهب
الشافعي وأكثر أصحابه وأبي يوسف ومحمد) بن الحسن (جوازها وهو الصحيح) لعمل العلماء به
سلفاً وخلفاً، وباب الرواية على التوسعة وشرطه أن يكون السماع بخطه أو خط من يثق به
والكتاب مصون بحيث (يغلب على الظن سلامته من التغيير، وتسكن إليه نفسه) وإن لم يذكر
أحاديثه حديثاً حديثاً (فإن شك) فيه (لم يجز) الاعتماد عليه، وكذا إن لم يكن الكتاب بخط ثقة
بلا خلاف، وعبر في الروضة والمنهاج كأصليهما عن الشرط بقوله («محفوظ عنده)) فأشعر بعدم
الاكتفاء بظن سلامته من التغيير. وتعقبه البلقيني في التصحيح، فإن المعتمد عند العلماء قديماً
وحديثاً العمل بما يوجد من السماع والإجازة مكتوباً في الطباق التي يغلب على الظن صحتها،
وإن لم يتذكّر السماع ولا الإجازة ولم تكُن الطبقة محفوظة عنده انتهى. وهذا هو الموافق لما
هنا، وقد مشى عليه صاحب الحاوي الصغير فقال: ويروى بخط المحفوظ ولم تكُن الطبقة
محفوظة عنده.

٥٨
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
الرَّابعُ: إِنْ لم يَكُنْ عَالِماً بالألفاظِ وَمَقَاصِدِهَا، خَبِيراً بمَا يُحِيلُ مَعَانِهَا لم تَجُزْ لهُ
الرِّوَايَةُ بالمَعْنَى بِلاَ خِلاَفٍ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الْلفظُ الذي سَمِعَهُ، فَإِنْ كَانَ عَالمَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ
مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالفِقْهِ وَالأُصُولِ، لا تجُوزُ إِلّ ◌ِلَفْظِهِ، وَجَوَّرَ بَعْضُهُمْ فِي غيرِ حَدِيثٍ
النّبِيِّ وَّهِ، وَلَمْ يُجَوِّزْ فيه، وَقَالَ جمهورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الطَّوَائِفِ: يجوزُ بالمعنى فِي
جَمِيعِهِ إِذَا قَطَعَ بِأَدَاءِ المَعْنَى
(الرابع: إن لم يكُن الراوي عالماً بالألفاظ) ومدلولاتها (ومقاصدها خبيراً بما يحيل معانيها)
بصيراً بمقادير التفاوت بينهما (لم تجز له الرواية) لما سمعه (بالمعنى بلا خلاف، بل يتعين اللفظ
الذي سمعه فإن كان عالماً بذلك فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول لا يجوز إلا
بلفظه) وإليه ذهب ابن سيرين وثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، وروي عن ابن عمر (وجوَّز
بعضهم في غير حديث النبي ◌َّ﴿ ولم يجوِّز فيه، وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف)
منهم الأئمة الأربعة (يجوز بالمعنى في جميعه إذا قطع بأداء المعنى) لأن ذلك هو الذي تشهد به
أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة.
وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في معرفة الصحابة والطبراني في الكبير
من حديث عبد الله بن سليمان بن أكتمة الليثي قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا
أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك، يزيد حرفاً أو ينقص حرفاً، فقال: ((إذا لم تحلوا حراماً ولم
تحرِّموا حلالاً وأصبتم المعنى فلا بأس)) فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا.
(١)
واستدل لذلك الشافعي (٢) بحديث: ((أنزل القرآن، على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر
منه))(٣)، قال: وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف علمنا منه بأن الكتاب قد
نزل لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكُن اختلافهم إحالة معنى، كان ما سوى
كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ، ما لم يحل معناه.
وروى البيهقي عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا له: يا
أبا الأسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول الله وي لو ليس فيه وهم ولا مزيد ولا نسيان، فقال: هل
قرأ أحد منكم من القرآن شيئاً؟ فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جداً، إنا لنزيد الواو والألف
وننقص، قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظاً، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون
وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله وله، عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة
(١) ١١٧/٧، والمجمع ١/ ١٥٤ وعزاه إليه من طريق يعقوب بن عبد الله الليثي عن أبيه، وقال: لم أر من
ذکر یعقوب ولا أباه.
(٢) الرسالة ص (٢٧٤).
(٣) النسائي في: الافتتاح (٢٦)، وأحمد ٢٣٢/٢.

٥٩
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
واحدة، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى(١).
وأسند أيضاً في المدخل عن جابر بن عبد الله قال: قال حذيفة: إنا قوم عرب نردد
الأحاديث فنقدم ونؤخر.
وأسند أيضاً عن شعيب بن الحبحاب قال: دخلت أنا وعبدان على الحسن فقلنا: يا
أبا سعيد، الرجل يحدث بالحديث فيزيد فيه أو ينقص منه، قال: إنما الكذب على من تعمد
ذلك.
وأسند أيضاً عن جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يحدث بأحاديث، الأصل واحد
والكلام مختلف.
وأسند عن ابن عون قال: كان الحسن وإبراهيم والشعبي يأتون بالحديث على المعاني،
وكان القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حَيْوة يعيدون الحديث على حروفه.
وأسند عن أبي أويس قال: سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال: إن هذا
يجوز في القرآن، فكيف به في الحديث؟ إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حراماً ولم تحرم
به حلالاً فلا بأس. وأسند عن سفيان قال: كان عمرو بن دينار يحدث بالحديث على المعنى،
وكان إبراهيم بن ميسرة لا يحدث إلا على ما سمع. وأسند عن وكيع قال: إن لم يكن المعنى
واسعاً فقد هلك الناس.
قال شيخ الإسلام: ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانها
للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى، فجوازه باللغة العربية أولى.
وقيل: إنما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم، وبه جزم ابن العربي في أحكام القرآن،
قال: لأنا لو جوزناه لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، والصحابة اجتمع فيهم
أمران: الفصاحة والبلاغة جبلّة، ومشاهدة أقوال النبي وَلتر وأفعاله، فأفادتهم المشاهدة عقل
المعنى جملة، واستيفاء المقصود كله.
وقيل: يمنع ذلك في حديث رسول الله وَّر، ويجوز في غيره، حكاه ابن الصلاح، ورواه
البيهقي في المدخل عن مالك، وروي عنه أيضاً أنه كان يتحفظ من الباء والياء والتاء، في حديث
رسول الله وَّة، وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال ذلك أيضاً، واستدل له بقوله: ((رب مبلّغ
أوعى من سامع))(٢) فإذا رواه بالمعنى فقد أزال عن موضعه معرفة ما فيه.
وقال الماوردي: إن نسى اللفظ جاز، لأنه تحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أداء أحدهما
فيلزمه أداء الآخر، لا سيما أن تركه قد يكُون كتما للأحكام، فإن لم ينسه لم يجز أن يورده
بغيره، لأن في كلامه 18َ من الفصاحة ما ليس في غيره، وقيل عكسه، وهو الجواز لمن يحفظ
(١) الكفاية ص (٣٠٨)، والجامع ٢١/٢ .
(٢) سبق.

٦٠
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
وَهَذَا فِي غير المصَنَّفَاتِ، وَلاَ يَجُوزُ تَغْيِيرُ مُصَنَّفٍ وَإِنْ كَانَ بِمِعْنَاهُ.
وَيَنْبَغِي لِلرَّاوِي بالمَعنَى أَنْ يَقُولَ عَقِيبَهُ: أَوْ كما قَالَ أَوْ نحْوَهُ، أَوْ شِبَهَهُ، أَو مَا أَشْبَهَ هُذَا
مِنَ الألفاظ،
اللفظ ليتمكّن من التصرف فيه دون من نسيه، وقال الخطيب: يجوز بإزاء مرادف، وقيل: إن كان
موجبه علماً جاز لأن المعول على معناه، ولا تجب مراعاة اللفظ، وإن كان عملا لم يجز.
وقال القاضي عياض: ينبغي سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن
أنه يحسن، كما وقع للرواة كثيراً قديماً وحديثاً، وعلى الجواز، الأولى إيراد الحديث بلفظه دون
التصرف فيه، ولا شك في اشتراط أن لا يكون مما تعبد بلفظه، وقد صرح به هنا الزركشي، وإليه
يرشد كلام العراقي الآتي في إبدال الرسول بالنبي وعكْسه، وعندي أنه يشترط أن لا يكُون من
جوامع الكلم.
(وهذا) الخلاف إنما يجري (في غير المصنفات ولا يجوز تغيير) شيء من (مصنف) وإبداله
بلفظ آخر (وإن كان بمعناه) قطعاً لأن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص، لما كان عليهم في
ضبط الألفاظ من الحرج، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه الكُتب، ولأنه إن ملك تغيير
اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره.
(وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقيبه: أو كما قال، أو نحوه، أو شبهه، أو ما أشبه هذا
من الألفاظ) وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام خوفاً من
الزلل لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر.
روى ابن ماجه(١) وأحمد والحاكم عن ابن مسعود أنه قال يوماً: قال رسول الله وَل،
فاغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه، ثم قال: أو مثله أو نحوه أو شبيه به.
وفي مسند الدارمي (٢) والكفاية(٣) للخطيب عن أبي الدرداء: أنه كان إذا حدث عن
رسول الله وَّ قال: أو نحوه أو شبهه.
وروى ابن ماجه(٤) وأحمد عن أنس بن مالك: أنه كان إذا حدث عن رسول الله وََّ، ففرغ
قال: أو كما قال رسول الله وَ ل .
(١) ١٠/١ -٢٣/١١، وقال محققه: هذا الحديث قد انفرد به المصنف. قال في ((الزوائد)»: إسناده
· صحیح، احتج الشیخان بجميع رواته.
(٢) ١/ ٧١ - ٧٣.
(٣) ص (٢٠٥ - ٢٠٦)
(٤) ١/ ١٠ - ٢٤/١١.
٠٠٠٠

٦١
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
وَإِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَى القَارِىء لَفْظَةٌ فَحَسَنٌ أَنْ يَقولَ بَعْدَ فِرَاءَتِهَا عَلَى الشك أَوْ كما قَالَ لِتَضَمُّنِهِ
أَجَازَةً وَإِذْناً فِي صَوَابِهَا إِذا بَانَ .
الْخَامِسُ: اخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ بَعْض الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ دُونَ بَعْضٍ، فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مُطْلَفاً بِنَاءً
عَلَى مَنْعِ الرِّوَايَةِ بالمعْنَى، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مَعَ تَجْوِيزِهَا بالمعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ رَوَاهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ
بِتَمَامِهِ قَبْلَ هُذَا، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ مُطْلَقاً.
وَالصَّحِيحُ النَّفْصِيلُ وَجَوَازُهُ مِنَ العَارِفِ إِذَا كَانَ مَا تَرَكَهُ غَيْرَ مُتَعَلّقٍ بِمَا رَوَاهُ بِحَيْثُ لاَ
يَخْتَلُّ البََّانُ وَلاَ تَخْتَلِفُ الدَّلاَلَهُ بِتَزْكِهِ، وَسَوَاءٌ جَوَّزْنَاهَا بالمعْنِى أَمْ لاَ، رَوَاهُ قَبْلُ تَامًا أَمْ لاَ .
هُذَا إِنْ ارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ عَنِ التُّهمَةِ، فَأَمَّا مَنْ رَوَاهُ تَامًا فَخَافَ إِنْ رَوَاهُ ثَانِياً نَاقِصاً أَنْ يُنْهَمَ
بِزِيَادَةٍ أَوَّلاً أَوْ نِسْيَانٍ لَغَفْلَةٍ وَقِلّةٍ ضَبْطٍ ثَانِياً فَلاَ يَجُوزُ لَهُ النُّقْصَانُ ثَانِياً وَلاَ ابْتِدَاءَ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ،
(وإذا اشتبهت على القارىء لفظة فحسن أن يقول بعد قراءتها على الشك أو كما قال لتضمنه
إجازة) من الشيخ (وإذناً في) رواية (صوابها) عنه (إذا بان) قال ابن الصلاح(١): ثم لا يشترط
إفراد ذلك في الإجازة كما تقدم قريباً .
(الخامس: اختلف العلماء في رواية بعض الحديث الواحد دون بعض) وهو المسمى
باختصار الحديث (فمنعه بعضهم مطلقاً بناء على منع الرواية بالمعنى، ومنعه بعضهم مع تجويزها
بالمعنى إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا) وإن رواه هو مرة أخرى أو غيره على التمام
جاز (وجوزه بعضهم مطلقاً) قيل: وينبغي تقييده بما إذا لم يكن المحذوف متعلقاً بالمأتى به،
تعلقاً يخل بالمعنى حذفه، كالاستثناء والشرط والغاية ونحو ذلك، والأمر كذلك، فقد حكى
الصفى الهندي الاتفاق على المنع حينئذ (والصحيح التفصيل) وهو المنع من غير العالم (وجوازه
من العارف إذا كان ما تركه) متميزاً عما نقله (غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان ولا
تختلف الدلالة) فيما نقله (بتركه و) على هذا يجوز ذلك (سواء جوزناها بالمعنى أم لا) (رواه قبل
تامًا أم لا) لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين .
وقد روى البيهقي في المدخل عن ابن المبارك قال: علمنا سفيان اختصار الحديث (هذا إن
ارتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه) مرة (تامًّا فخاف إن رواه ثانياً ناقصاً أن يتهم بزيادة) فيما
رواه (أولا أونسيان لغفلة وقلة ضبط) فيما رواه (ثانياً فلا يجوز له النقصان ثانياً ولا ابتداء إن تعين
عليه) أداء تمامه، لئلا يخرج بذلك باقيه عن الاحتجاج به.
قال سليم: فإن رواه أولا ناقصاً ثم أراد روايته تاماً، وكان ممن يتهم بالزيادة كان ذلك
عذراً له في تركها وكتمانها.
(١) علوم الحديث ص (٢٢٧).

٦٢
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
وَأَمَّا تَقْطِيعُ المُصَنَّفِ الْحَدِيثَ فِي الأَبْوَابِ فَهُوَ إِلَى الْجَوَازِ أَقْرَب.
قَالَ الشَّيْخُ: وَلاَ يَخْلُو مِنْ كَرَاهَةٍ، وَمَا أَظُنُّهُ يُوَافَقُ عَلَيْهِ .
السَّادِسُ: يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَرْوِيَ بِقِرَائَةٍ لَخَانٍ أَوْ مُصَحِّفٍ وَعَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَعَلَّمَ
مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا يَسْلَمُ بِهِ مِنَ اللَّخْنِ وَالتَّصْحِيفِ
(وأما تقطيع المصنف الحديث) الواحد (في الأبواب) بحسب الاحتجاج به في المسائل كل
مسألة على حدة (فهو إلى الجواز أقرب) ومن المنع أبعد.
(قال الشيخ) ابن الصلاح: (ولا يخلو من كراهة) وعن أحمد: ينبغي أن لا يفعل، حكاه
عنه الخلال .
قال المصنف: (وما أظنه يوافق عليه) فقد فعله الأئمة مالك، والبخاري، وأبو داود،
والنسائي، وغيرهم.
تنبيه :
قال البلقيني: يجوز حذف زيادة مشكوك فيها بلا خلاف، وكان مالك يفعله كثيراً تورعاً،
بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله.
قال: ومحل ذلك زيادة لا تعلق للمذكور بها، فإن تعلق ذكرها مع الشك، كحديث العرايا
في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق.
فائدة :
يجوز في كتابة الأطراف الاكتفاء ببعض الحديث مطلقاً، وإن لم يفد.
(السادس: ينبغي) للشيخ (أن لا يروى) حديثه (بقراءة لحان أو مصحف) فقد قال
الأصمعي(١): إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة
قوله ومثل: ((من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار))(٢) لأنه لم يكن يلحن، فمهما رويتَ عنه
ولحنت فيه كذبت عليه(٣)، وشكا سيبويه حماد بن سلمة إلى الخليل فقال له: سألته عن حديث
هشام بن عروة عن أبيه في رجل رُعف فانتهرني، وقال: أخطأت إنما هو رعَف بفتح العين، فقال
الخليل: صدق أتلقى بهذا الكلام أبا أسامة (٤) (وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما
يسلم به من اللحن والتصحيف).
(١) الأصمعي هو: محمد بن قريب، وكان أتقن القوم وأعلمهم بالشعر. مات سنة (٢١٤). له ترجمة في:
وفيات الأعيان ٢٨٨/١، ومرآة الجنان ص (٤٥٨).
(٢) سبق.
(٣) الإلماع ص (١٨٤)، وفتح المغيث للعراقي ٥٣/٣.
(٤) الجامع ٢٧/٢ .
٠٠

٦٣
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
وَطَرِيقُهُ فِي السَّلَامَةِ مِنَ النَّصْحِيفِ الأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ المَعْرِفَةِ وَالتَّحْقِيقِ، وَإِذَا وَقَعَ فِي
رِوَايَتِهِ لَحْنٌ أَوْ تَحْرِيفٌ، فَقَدْ قَالَ ابنُ سِيرِينَ، وَابْنُ سخْبرَةَ: يَزْوَيِهِ كَمَا سَمِعَهُ.
وَالصَّوَابُ وَقَوْلُ الأَكْثَرِينَ يَزْوِيِهِ عَلَى الصَّوَابِ .
وَأَمَّا إِصْلَاحُهُ في الكِتَابِ فَجَوّزَهُ بَعْضُهُمْ وَالصَّوابُ تَقْرِيرُهُ فِي الأَصْلِ عَلَى حَالِهِ مَعَ
التَّضْبِيبِ عَلَيْهِ وَبَيَانِ الصَّوَابِ في الحَاشِية
روى الخطيب عن شعبة قال: من طلب الحديث ولم يبصر العريبة كمثل رجل عليه برنس
وليس له رأس.
وروي أيضاً عن حماد بن سلمة قال: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل
الحمار عليه مخلاة ولا شعير فيها .
وروى الخليلي في الإرشاد عن العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: جاء
عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليعرضوا عليه كتاباً، فقرأ لهم الدراوردي، وكان رديء
اللسان يلحن، فقال أبي: ويحك يا دراوردي أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا
الشأن أحوج منك إلى غير ذلك.
(وطريقه في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق) والضبط عنهم لا
من بطون الكتب (وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف فقد قال ابن سيرين و) عبد الله (بن سخبرة)
وأبو معمر وأبو عبيد القاسم بن سلام فيما رواه البيهقي عنهما (يرويه) على الخطأ (كما
سمعه)(١).
قال ابن الصلاح(٢): وهذا غلو في اتباع اللفظ، والمنع من الرواية بالمعنى (والصواب
وقول الأكثرين) منهم ابن المبارك والأوزاعي والشعبي والقاسم بن محمد وعطاء وهمام
والنضر بن شميل: أنه (يرويه على الصواب) لا سيما في اللحن الذي لا يختلف المعنى به.
واختار ابن عبد السلام ترك الخطأ والصواب أيضاً، حكاه عنه ابن دقيق العيد(٣).
أما الصواب فإنه لم يسمع كذلك. وأما الخطأ فلأن النبي وَ لّ لم يقله كذلك.
(وأما إصلاحه في الكتاب) وتغيير ما وقع فيه (فجوزه بعضهم) أيضاً (والصواب تقريره في
الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية) كما تقدم، فإن ذلك أجمع
للمصلحة وأنفى للمفسدة، وقد يأتي من يظهر له وجه صحته، ولو فتح باب التغيير لجسر عليه
(١) انظر: الكفاية ص (١٨٦ و١٨٧ و٢٠٦)، والجامع ١٧/١ و٢٢، والإلماع ص (١٨٨).
(٢) علوم الحديث ص (٢٢٩).
(٣) الاقتراح ص (٣٩٤).
تدريب الراوي / ج ٢/ م ١٧

٦٤
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
ثُمَّ الأَوْلِى عِنْدَ السَّمَاعِ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ يَقُول في روايتنا أَوْ عِنْدَ شَيْخِنَا أَوْ مِنْ طَرِيقٍ
غُلاَنٍ كَذَا، وَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ مَا في الأَصلِ ثُمَّ يَذْكر الصَّوَابَ، وَأَحْسَنُ الإِصْلَاحِ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ
أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ.
وَإِنْ كَانَ الإِصْلاَحُ بِزَيَادَةِ سَاقِطٍ فَإِنْ لَمْ يُغَايرْ مَعْنَى الأَصْلِ فَهُوَ عَلَى مَا سَبَقَ وَإِنْ غَايَرَ
تَأَكّدَ الحُكم بِذِكْرِ الأَصْلِ مَقْرُوناً بِالبَيَانِ، فَإِنْ عَلم أَن بَعْضَ الزُّوَاةِ أَسْقَطَهُ وَحْدَهُ فَلَهُ أَيْضاً أَنْ
يُلْجِقَهُ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ مَعَ كَلِمَةِ يَعْنِي،
من ليس بأهل (ثم الأولى عند السماع أن يقرأه) أولاً (على الصواب ثم يقول) وقع (في روايتنا أو
عند شيخنا أو من طريق فلان كذا وله أن يقرأ ما في الأصل) أولاً (ثم يذكر الصواب) وإنما كان
الأول أولى، كيلا يتقوّل على رسول الله وَّ ل ما لم يقل (وأحسن الإصلاح) أن يكون (بما جاء في
رواية) أخرى (أو حديث آخر) فإن ذكره أمن من التقول المذكور (وإن كان الإصلاح بزيادة
الساقط) من الأصل (فإن لم يغاير معنى الأصل فهو على ما سبق).
كذا عبر ابن الصلاح أيضاً(١)، وعبارة العراقي(٢): فلا بأس بإلحاقه في الأصل من غير
تنبيه على سقوطه، بأن يعلم أنه سقط في الكتابة، كلفظة ابن في النسب، وكحرف لا يختلف
المعنى به، وقد سأل أبو داود أحمد بن حنبل فقال: وجدت في كتابي حجاج عن جريج، يجوز
لي أن أصلحه ابن جريج قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به، وقيل لمالك: أرأيت حديث
النبي ◌َّ يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد، فقال أرجو أن يكون خفيفاً(٣) (وإن غاير)
الساقط. معنى ما وقع في الأصل (تأكد الحكم بذكر الأصل مقروناً بالبيان) لما سقط (فإن علم أن
بعض الرواة) له (أسقطه وحده) وأن من فوقه من الرواة أتى به (فله أيضاً أن يلحقه في نفس
الكتاب مع كلمة يعني) قبله، كما فعل الخطيب، إذ روي (٤) عن أبي عمر بن مهدي عن
المحاملي بسنده إلى عروة، عن عمرة يعني عن عائشة قالت: كان رسول الله وَّه يدني إليّ رأسه
فأرجله(٥)، قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي عن عمرة قالت كان، فألحقنا فيه ذكر عائشة
إذ لم يكن منه بدّ، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا وقلنا له ما
فيه: يعني، لأن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك، قال: وهكذا رأيت غير واحد من شيوخنا يفعل في
(١) علوم الحديث ص (٢٣٠ - ٢٣١).
(٢) فتح المغيث ٥٦/٣ .
(٣) علوم الحديث ص (٢٣١).
(٤) المصدر السابق.
(٥) مسلم في: الحيض (٦)، وابن ماجه في: الصيام (٦٤)، ومالك في: الاعتكاف (١)، وأحمد
م
٦ /١٠٤.

٦٥
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
هَذَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ شَيْخَهُ رَوَاهُ عَلَى الْخَطَأْ، فَأمَّا إِن رَوَاهُ فِي كِتَابِ نَفْسِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ
كِتَابِهِ لاَ مِنْ شَيْخِهِ فَيَتْجِهُ إِصْلَاحُهُ فِي كِتَابِهِ وَرِوَايَتِهِ كَمَا إِذَا دَرَسَ مِنْ كِتَابِهِ بَعْضُ الإِسْنَادِ أَوِ
المَتْنِ فإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتَدْرَاكُهُ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ إِذَا عَرَفَ صِخَّتَهُ وَسَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ
السّاقِطُ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ التّحْقِيقِ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَبَيَانُهُ حَالَ الرَّوَايَةِ أَوْلِىَ: وَهَكَذَا الْحَكْم في
اسْتِثْبَاتِ الحَافِظِ مَا شَكّ فِيهِ مِنْ كِتَابِ غَيْرِهِ أَوْ حِفْظِهِ فَإِنْ وَجَدَ فِي كِتَابِهِ كَلَمَةٌ غَيْرَ مَضْبُوطةٍ
أَشَكَلتْ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَسأَلَ عَنْهَا العُلَمَاءَ بِهَا وَيَزْوِيهَا عَلَى مَا يُخبِرُونَهُ.
السَّابعُ: إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنِ اثْنَيْنِ أَوُ أَكْثرِ وَاتَفَقَا فِي المَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ فَلَهُ
جَمِعُهُمَا في الإِسْنَادِ ثُمَّ يَسُوقُ الْحَدِيثَ عَلَى لَفْظِ أَحَدِهِمَا، فَقُولُ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَاللّفْظُ
مثل هذا، ثم روي عن وكيع قال: أنا أستعين في الحديث بيعني (هذا إذا علم أن شيخه رواه) له
(على الخطأ فأما إن رواه في كتاب نفسه وغلب على ظنه أنه) أي السقط (من كتابه لا من شيخه
فيتجه) حينئذٍ (إصلاحه في كتابه و) في (روايته) عند تحديثه، كما تقدم عن أبي داود (كما إذا
درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن) بتقطع أو بلل ونحوه (فإنه يجوز) له (استدراكه من كتاب
غيره إذا عرف صحته) ووثق به، بأن يكون أخذه عن شيخه وهو ثقة (وسكنت نفسه إلى أن ذلك
هو الساقط، كذا قال أهل التحقيق) وممن فعله نعيم بن حماد (ومنعه بعضهم) وإن كان معروفاً
محفوظاً، نقله الخطيب عن أبي محمد بن ماسي (وبيانه حال الرواية أولى) قاله الخطيب (وهكذا
الحكم) جار (في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتاب) ثقة (غيره أو حفظه) كما روي عن
أبي عوانة وأحمد وغيرهما، ويحسن أن يبين مرتبته، كما فعل يزيد بن هارون وغيره، ففي مسند
أحمد (١) حدثنا يزيد بن هارون أنا عاصم بالكوفة فلم أكتبه، فسمعت شعبة يحدث به فعرفته به،
عن عاصم عن عبد الله بن سَرجس، أن رسول الله ◌َ # كان إذا سافر قال: اللهم إني أعوذ بك من
وعثاء السفر، وفي غير المسند عن يزيد: أنا عاصم وثبتني فيه شعبة، فإن بين أصل التثبت من
دون من ثبته فلا يأمن، فعله أبو داود في سننه عقب حديث الحكم بن حزن قال: ثبتني في شيء
منه بعض أصحابنا (فإن وجد في كتابه كلمة) من غريب العربية (غير مضبوطة أشكلت عليه جاز
أن يسأل عنها العلماء بها ويرويها على ما يخبرونه) به فعل ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما، وروى
الخطيب عن عفان بن سلمة أنه كان يجىء إلى الأخفش وأصحاب النحو يعرض عليهم نحو
الحديث يعربه .
(السابع إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر) من الشيوخ (واتفقا في المعنى دون اللفظ
فله جمعهما) أو جمعهم (في الإسناد) مسمين (ثم يسوق الحديث على لفظ) رواية (أحدهما فيقول
أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان أو هذا لفظ فلان) وله أن يخص فعل القول مَن له اللفظ، وأن
(١) ٢/ ١٥٠، ومسلم في: الحج (٤٢٥).