Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٦
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
الْقِسْمُ الرّابِعُ: الْمِنَاوَلَةُ، هِيَ ضَرْبَانٍ مَقْرُونَةٌ بِالإِجَازَةِ، وَمُجَرَّدَةٌ، فَالمَقْرُونَةُ أَعْلَى أَنْوَاعِ
الإِجَازَةِ مُطْلَقاً، وَمَنْ صُوَرِهَا أَنْ يَدْفَعَ الشّيْخُ إِلَى الطَّالِبِ أَصْلِ سَمَاعِهِ أَوْ مُقَابِلاً، بِهِ ويَقُولُ:
هَذَا سَمَاعِي أَوْ رَاوَيَتِي عَنْ فُلاَنٍ فَازْوِهِ أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَيَتَهُ عني، ثُمَّ يُنْقِهِ مَعَهُ تَمْليكاً أَوْ
لِيَنْسَخَهِ أَوْ نَحْوَهُ، وَمِنْهَا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الطّالِبُ سَمَاعَهُ فَيَتَأَمَلَهُ الشّبْخُ وَهُوَ عَارِفٌ مُتَقَظٌ ثُمَّ
يُعِيدُه إِلَيْهِ وَيَقُولُ: هُوَ حَدِيثِي أَوْ رِوايَتِي فَارْوَهِ عَنِي أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَتَهُ، وَهَذَا سَمَّاهُ غَيْرُ
وَاحِدٍ مِنْ أَئِمّةِ الْحَدِيثِ عَرْضاً، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقَراءَةَ عَلَيْهِ تُسَمَّى عَرْضاً فَلْيُسَمِ هذَا عَرْضَ
الصحة، وكذا لو رجع الشيخ عن الإجازة، ويحتمل أَنْ يقال: إن قلنا الإجازة إخبار لم يضر الرد
ولا الرجوع، وإن قلنا إذن وإِباحة ضرا، كالوقف والوكالة، ولكن الأول هو الظاهر، ولم أر من
تعرض لذلك.
فائدة :
قال شيخنا الإمام الشمني: الإجازة في الاصطلاح إذن في الرواية لفظاً أو خطاً، يفيد
الإخبار الإجمالي عرفاً، وأركانها أربعة، المجيز والمجاز له والمجاز به ولفظ الإجازة.
(القسم الرابع) من أقسام التحمل (المناولة) والأصل فيها ما علقه البخاري في العلم ((أن
رسول الله بَ لل كتب لأمير السرية كتاباً وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك
المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ◌ِّ) وصله البيهقي والطبراني بسند حسن.
قال السهيلي: احتج به البخاري على صحة المناولة، فكذلك العالم إذا ناول التلميذ(١)
كتاباً جاز له أن یروى عنه ما فيه، قال: وهو فقه صحيح.
قال البلقيني: وأحسن ما يستدل به عليها ما استدل به الحاكم من حديث ابن عباس ((أن
رسول الله وَّلقر بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة)) وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين
فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى)) وفي معجم البغوي عن يزيد الرقاشي: قال كنا إذا أكثرنا على
أنس بن مالك أتانا بمجال له، فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديث سمعتها من رسول الله وَله
وكتبتها وعرضتها (هي ضربان مقرونة بالإجازة ومجردة) عنها (فالمقرونة) بالإجازة (أعلى أنواع
الإجازة مطلقاً) ونقل عياض الاتفاق على صحتها (ومن صورها) وهو أعلاها كما صرح به عياض
وغيره (أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو) فرعاً (مقابلاً به ويقول) له (هذا سماعي أو
روايتي عن فلان) أو لا يسميه ولكن اسمه مذكور في الكتاب المناول (فاروه) عني (أو أجزت لك
روايتي عني ثم يبقيه معه تمليكاً أو لينسخه) ويقابل به ويرده (أو نحوه ومنها أن يدفع إليه) أي إلى
الشيخ (الطالب سماعه) أي سماع الشيخ أصلاً أو مقابلاً به (فيتأمله) الشيخ (وهو عارف متيقظ ثم
يعيده إليه) أي يناوله للطالب (ويقول) له (هو حديثي أو روايتي) عن فلان أو عمن ذكر فيه (فاروه
عني أو أجزت لك روايته وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضاً) وقد سبق أن القراءة عليه

٢٧
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
المُنَاوَلَةِ وَذَاكَ عَرْض الْقِرَاءَةِ، وَهْذِهِ المُنَاوَلةُ كالسَّمَاعِ في القُوَّةِ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ، وَرَبَيْعَةَ،
وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأَنْصَارِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشّغْيِيِّ، وَعَلْقَمَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي العَالِيَةِ، وَأَبي
الزِّبَيْرِ، وَأَبِي المُتَوَكَلِّ، وَمَالِكِ، وَابْنٍ وَهْبٍ، وَابْنِ القَاسِمِ، وَجَمَاعَاتٍ آخَرِينَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُنْخَطَّةٌ عَنِ السَّمَاءِ وَالْقِرَاءَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ
المُبَارَكِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْبُوَيْطِيِّ، وَالمُزَنِيِّ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَحْيَى بْنِ
يَحْیَى.
قَالَ الْحَاكِمُ: وَعَلَيْهِ عَهِدْنَا أَئِمَّتَنَا وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ.
تسمى عرضاً، فليسم هذا عرض المناولة، وذلك عرض القراءة، (وهذه المناولة كالسماع في
القوة) والرتبة، (عند الزهري وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري) من المدنيين (ومجاهد المكي
والشعبي، وعلقمة وإبراهيم) النخعيان من الكوفيين (وأبي العالية) البصري (وأبي الزبير) المكي
(وأبي المتوكل) البصري (ومالك) من أهل المدينة (وابن وهب وابن القاسم) وأشهب من أهل
مصر (وجماعات آخرين) من الشاميين والخراسانيين، وحكاه الحاكم عن طائفة من مشايخه.
قال البلقيني: وأرفع من حكى عنه من المدنيين ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء
السبعة، وعكرمة مولى ابن عباس. ومن دونه العلاء بن عبد الرحمن وهشام بن عروة، ومحمد بن
عمرو بن علقمة. ومن دونهم عبد العزيز بن محمد بن أبي عبيد. ومن أهل مكة عبد الله بن
عثمان بن خيثم، وابن عيينة، ونافع الجمحي، وداود العطار، ومسلم الزَّنْجِي. ومن أهل الكوفة
أبو بردة الأشعري، وعلي بن ربيعة الأسدي، ومنصور بن المعتمر، وإسرائيل، والحسن بن
صالح، وزهير، وجابر الجعفي. ومن أهل البصرة قتادة، وحميد الطويل، وسعيد بن أبي عروبة،
وكهمس، وزياد بن فيروز، وعلي بن زيد بن جُدَعان، وداود بن أبي هند، وجرير بن حازم،
وسليمان بن المغيرة. ومن المصريين عبد الله بن الحكم، وسعيد بن عفير، ويحيى بن بكير،
ويوسف بن عمرو، ونقل ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول أن بعض أصحاب الحديث جعلها
أرفع من السماع؛ لأن الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه، وأثبت لما يدخل من
الوهم على السامع والمسمع (والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة وهو قول) سفيان
(الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، والبويطي، والمزني، وأحمد،
وإسحاق) بن راهويه (ويحيى بن يحيى) وأسند الرّامهُزْمُزي عن مالك.
(قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا وإليه نذهب) قال العراقي: وقد اعترض ذكر أبي حنيفة
مع هؤلاء بأن صاحب القنية من أصحابه نقل عنه، وعن محمد أن المحدث إذا أعطاه الكتاب
وأجاز له ما فيه ولم يسمعه ولم يعرفه لم يجز، قال: والجواب أن البطلان عندهما لا للمناولة
والإجازة، بل لعدم المعرفة، فإن الضمير في قوله ولم يعرفه، إن كان للمجاز وهو الظاهر لتتفق

٢٨
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
وَمِنْ صُوَرِهَا أَنْ يُنَاوَلَ الشَّيْخُ الطَّالِبَ سَمَاعَهُ وَيُجِيزَهُ لَهُ، ثُمَّ يُمْسِكُهُ الشَّيْخُ، وَهْذَا دُونَ
مَا سَبَقَ، وَتَجُوزُ رِوَايَتُهُ إِذَا وَجَدَ الكِتَابَ أَوْ مُقَابَلاَ بِهِ مَوْثُوقاً بِمُوَافَقَتِهِ مَا تَنَاوَلَّهُ الإِجَازَةُ كَمَا
يُعْتَبَرُ فِي الإِجَازَةِ المُجَرَّدَةِ، وَلاَ يَظْهَرُ فِي هذِهِ المُنَاوَلَةِ كَبِيرُ مَزّيةٍ عَلَى الإِجَازَةِ المُجَرَّدَةِ فِي
مُعَيَّنٍ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْفِقْهِ وَالأُصُولِ: لاَ فَائِدَةَ فِيهَا، وَشُيُوخِ الْحَدِيثِ قَدِيماً
وَحَدِيثاً يَرَوْن لَهَا مَزِيَّةً مُعْتَبَرَةً، وَمِنْهَا أَنْ يَأْتِيَهُ الطَّالِبُ بِكِتَابٍ وَيَقُول: هَذَا رِوَايَتُكَ فَنَاوِلِنِيه وأَجِزْ
لِي رِوَايَتَهُ فَيُجِيبُهُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِيهِ وَتَحَقُّقٍ لِرِوَايَتِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِنْ وَثِقَ بِخَبَرِ الطَّالِبِ
وَمَعْرِفَتِهِ اعْتَمَدَهُ وَصَخَّتْ الإِجَازَةُ كَمَا يَعْتَمِدُهُ فِي الْقِرَاءَةِ، فَلَوْ قَالَ: حَدِّثْ عَنِّيَ بِمَا فِيهِ إِنْ
الضمائر، فمقتضاه أنه إذا عرف ما أجيز له صح، وإن كان للشيخ فسيأتي أن ذلك لا يجوز إلا إن
كان الطالب موثوقاً بخبره.
قلت: ومما يعترض به في ذكر الأوزاعي، أن البيهقي روى عنه في المدخل قال: في
العرض يقول: قرأت وقرىء، وفي المناولة یتدیّن به ولا يحدث.
(ومن صورها أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه ثم يمسكه الشيخ) عنده ولا يبقيه عند
الطالب (وهذا دون ما سبق) لعدم احتواء الطالب على ما يحمله وغيبته عنه (وتجوز روايته) عنه
(إذا وجد ذلك الكتاب) المناول له مع غلبة ظنه بسلامته مع التغيير (أو) وجد فرعاً (مقابلاً به
موثوقاً بموافقته ما تناولته الإجازة) كما يعتبر ذلك (في الإجازة المجردة ولا يظهر في هذه المناولة
كبير مزية على الإجازة المجردة) عنها (في معين) من الكتب.
(و) قد (قال جماعة من أصحاب الفقه والأصول: لا فائدة فيها) وعبارة القاضي عياض
منهم: وعلى التحقيق فليس لها شيء زائد على الإجازة للشيء المعين من التصانيف، ولا فرق
بين إجازته إياه أن يحدث عنه بكتاب الموطأ وهو غائب أو حاضر إذ المقصود تعيين ما أجازه (و)
لكن (شيوخ الحديث قديماً وحديثاً يرون لها مزية معتبرة) على الإجازة المعينة (ومنها أن يأتيه
الطالب بكتاب ويقول) له (هذا روايتك فناولنيه وأجز لي روايته فيجيبه إليه) اعتماداً عليه (من غير
نظر فيه و) لا (تحقق لروايته) له (فهذا باطل فإن وثق بخبر الطالب ومعرفته) وهو بحيث يعتمد
مثله (اعتمده وصحت الإجازة) والمناولة (كما يعتمد في القراءة) عليه من أصله إذا وثق بدينه
ومعرفته.
قال العراقي: فإن فعل ذلك والطالب غير موثوق به، ثم تبين بعد ذلك بخبر من يعتمد عليه
أن ذلك كان من مروياته فهل يحكم بصحة الإجازة والمناولة السابقين؟ لم أر من تعرض لذلك،
والظاهر نعم لزوال ما كنا نخشاه من عدم ثقة المجيز. انتهى (فلو قال: حدث عني بما فيه إن
.... ..

٢٩
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
كَانَ مِنْ حَدِيثِي مَعَ بَرَاءَتِي مِنْ الغَلَطِ كَانَ جَائِزاً حَسَناً.
الضَّرْبُ الثَّانِي: المُجَرَّدَةُ بِأَنْ يُنَاوِلَهُ مُقْتَصِراً عَلَى: هَذَا سَمَاعِي، فَلاَ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا
عَلَى الصَّحِيحِ الّذِي قَالَهُ الفُقَهَاءُ وَأَصْحَابُ الأُصُولِ، وَعَابُوا المُحَدِّثِنَ المُجَوِّزِينَ.
فَرْعٌ: جَوَّزَ الزّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُهُمَا، إِطْلَاقَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فِي الرِّوَايَةِ بِالمُنَاوَلَةِ،
وَهُوَ مُفْتَضَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهَا سَمَاعاً، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي نُعَيْمِ الأصْبَهَانِيِّ وَغَيْرِهِ جَوَازُهُ فِي
كان من حديثي مع براءتي من الغلط) والوهم (كان) ذلك (جائزاً حسناً. الضرب الثاني) المناولة
(المجردة عن الإجازة بأن يناوله) الكتاب كما تقدم (مقتصراً على) قوله (هذا سماعي) أو من
حديثي، ولا يقول له اروه عني، ولا أجزت لك روايته ونحو ذلك، (فلا تجوز الرواية بها على
الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وعابوا المحدثين المجوزين) لها .
قال العراقي: ما ذكره النووي مخالف لكلام ابن الصلاح، فإنه إنما قال: فهذه مناولة
مختلفة لا تجوز الرواية بها، وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين
أجازوها وسوغوا الرواية بها .
وحكى الخطيب عن طائفة من أهل العلم أنهم صححوها. ومخالف أيضاً لما قاله جماعة
من أهل الأصول منهم الرازي فإنه لم يشترط الإذن بل ولا المناولة، بل إذا أشار إلى كتاب،
وقال هذا سماعي من فلان جاز لمن سمعه أن يرويه عنه، سواء ناوله أم لا، وسواء قال له اروه
عني أم لا .
وقال ابن الصلاح: إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ لما فيه من
المناولة، فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الرواية.
قلت: والحديث والأثر السابقان أول القسم يدلان على ذلك، فإنه ليس فيهما تصريح
بالإذن. نعم الحديث الذي علقه البخاري فيه ذلك حيث قال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا.
فمفهومه الأمر بالقراءة عند بلوغ المكان، وعندي أن يقال: إن كانت المناولة جواباً لسؤال، كأن
قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك، فناوله ولم يصرح بالإذن صحت، وجاز له أن يرويه
كما تقدم في الإجازة بالخط، بل هذا أبلغ، وكذا إذا قال له: حدثني بما سمعت من فلان،
فقال: هذا سماعي من فلان، كما وقع من أنس فتصح أيضاً، وما عدا ذلك فلا، فإن ناوله
الكتاب ولم يخبره أنه سماعه لم تجز الرواية به بالاتفاق، قاله الزركشي.
فرع :
في ألفاظ الأداء لمن تحمل الإجازة والمناولة (جوز الزهري ومالك وغيرهما) كالحسن
البصري (إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة، وهي مقتضى قول من جعلها سماعاً. وحكى
عن أبي نعيم الأصبهاني وغيره) كأبي عبد الله المرزباني (جوازه) أي إطلاق حدثنا وأخبرنا (في

٣٠
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
الإِجَازَةِ المُجَرَّدَةِ.
وَالصَّحِيحُ الّذِي عَلَيْهِ الْجَمْهُورُ وَأَهْلُ التَّحَرِّي المَنْعُ وَتَخْصِيصُهَا بِعِبَارَةٍ مُشْعِرَةٍ بِهَا:
كَحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا إِجَازَةً أَوْ مُنَاوَلَةً وَإِجَازَةً أَوْ إِذْناً أَوْ فِي إِذْنِهِ أَوْ فِيمَا أَذِنَ لِي فِيهِ أَوْ فِيمَا أَطْلَقَ لِي
رِوَايَتَهُ أَوْ أَجَازَنِي أَوْ لِي أَوْ نَاوَلَنِي أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ وَعَنِ الأَوْزَاعِيِّ تَخْصِيصُهَا بِخَبَرَنَا وَالقِرَاءَةَ
بِأَخْبَرَنا. واصْطَلَحَ قَوْمٌ مِنَ المِتَاخِرِينَ عَلَى إِطْلاَقِ أَنْبَأْنَا فِي الإِجَازَةِ، وَأَخْتَارَهُ صَاحِبُ كِتَابِ
اُلوَجَازَةِ .
وَكَانَ الْبَيْهَقِيُّ يَقُولُ: أَنْبَأَنِي إِجَازَةً.
وَقَالَ الحَاكِمُ: أَلَّذِي أَخْتَارُهُ
الإجازة المجردة) أيضاً، وقد عيبا بذلك، لكن حكاه القاضي عياض عن ابن جريج، وحكاه
الوليد بن بكر عن مالك وأهل المدينة، وصححه إمام الحرمين، ولا مانع منه، ومن اصطلاح
أبي نعيم أن يقول: أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرىء عليه، ويريد بذلك أنه أخبره إجازة، وأن
ذلك قرىء عليه، لأنه لم يقل: وأنا أسمع، بدليل أنه قد يصرح بأنه سمعه بواسطة عنه، وتارة
يضم إليه، وأذن لي فيه. وهذا اصطلاح له موهم.
قال المصنف كابن الصلاح: (والصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التحري) والورع (المنع)
من إطلاق ذلك (وتخصيصها بعبارة مشعرة بها) تبين الواقع (كحدثنا) إجازة أو مناولة وإجازة (وأخبرنا
إجازة أو مناولة وإجازة أو إذناً أو في إذنه أو فيما أذن لي فيه. أو فيما أطلق لي روايته أو أجازني
أو) أجاز (لي أو ناولني أو شبه ذلك) كسوغ لي أن أروي عنه وأباح لي (وعن الأوزاعي
تخصيصها) أي الإجازة (بخبرنا) بالتشديد (و) تخصيص (القراءة بأخبرنا) بالهمزة.
قال العراقي: ولم يخل من النزاع، لأن خبّر وأخبر بمعنى واحد لغة واصطلاحاً، واختار
ابن دقيق العيد أنه لا يجوز في الإجازة أخبرنا، لا مطلقاً ولا مقيداً، لبعد دلالة لفظ الإجازة على
الإخبار، إذ معناه في الوضع الإذن في الرواية، قال: ولو سمع الإسناد من الشيخ وناوله الكتاب
جاز له إطلاق أخبرنا، لأنه صدق عليه أنه أخبره بالكتاب، وإن كان إخباراً جملياً، فلا فرق بينه
وبين التفصيلي ..
(واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة، واختاره) أبو العباس الوليد بن
بكر المعمري (صاحب كتاب الوجازة) في تجويز الإجازة، وعليه عمل الناس الآن، والمعروف عند
المتقدمين أنها بمنزلة أخبرنا وحكى عياض عن شعبة أنه قال في الإجازة مرة أنبأنا ومرة أخبرنا .
قال العراقي: وهو بعيد عنه، فإنه كان ممن لا يرى الإجازة (وكان البيهقي يقول: أنبأني)
وأنبأنا (إجازة) وفيه التصريح بالإجازة، مع رعاية اصطلاح المتأخرين (وقال الحاكم: الذي أختاره

٣١
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِشَايخِي وَأَئمّةَ عَصْرِي أَنْ يَقُولَ فِيمَا عَرَضَ عَلَى المُحَدِّثِ فَأَجَازَهُ شِفَاهَاً:
أَنْأَنِي، وَفيما گَتَبَ إِلیە کَتَبَ إِليَّ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ بن حَمْدَان: كلُّ قَوْلِ الْبُخَارِي قَالَ لِ فُلاَنٌ عَرْضٌ وَمُنَاوَلَهُ، وَعَبََّ
قَوْمٌ عَنْ الإِجَازَةِ بِأَخْبَرَنَا فلانٌ أَنَّ فلاناً حَدَّثَهُ أَو أَخْبَرَهُ، وَأَخْتَارَهُ الخطّابي وَحَكَاهُ، وهُوَ
از.
ضَعِيفٌ.
وأَسْتَعْمَلَ المُتَأَخِّرُون في الإِجَازَةِ الوَاقِعَةِ في رِوَايَةٍ مَنْ فَوْقَ الشيخِ حَرْفٍ عَنْ، فَيَقُولُ
مَنْ سَمِعَ شَيْخاً بإجَازَتِهِ عَنْ شيخ: قَرَأْتُ عَلَى فلانٍ عَنْ فلانٍ.
وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما عرض على المحدث فأجازه شفاهاً أتبأني
وفيما كتب إليه كتب إِليَّ) واستعمل قوم من المتأخرين في الإجازة باللفظ شافهني وأنا مشافهة؛
وفي الإجازة بالكتابة: كتب إلي وأنا كتابة أو في كتابة.
قال ابن الصلاح: ولا يسلم من الإيهام وطرف من التدليس، أما المشافهة فتوهم مشافهته
بالتحديث، وأما الكتابة فتوهم أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه، كما كان يفعله المتقدمون.
وقد نص الحافظ أبو المظفر الهمداني على المنع من ذلك للإيهام المذكور، قلت: بعد أن
صار الآن ذلك اصطلاحا، عرى من ذلك، وقد قال القسطلاني بعد نقله كلام ابن الصلاح: إلا
أن العرف الخاص من كثرة الاستعمال يرفع ما يتوقع من الإشكال.
(وقد قال أبو جعفر) أحمد (بن حمدان) النيسابوري (كل قول البخاري قال لي فلان عرض
ومناولة) وتقدم أنها محمولة على السماع، وأنها غالباً في المذاكرة، وأن بعضهم جعلها تعليقاً،
وابن منده إجازة (وعبر قوم) في الرواية بالسماع (عن الإجازة) بأخبرنا فلان أن فلاناً حدثه أو
أخبره، فاستعملوا لفظ أن في الإجازة (واختاره الخطابي وحكاه وهو ضعيف) بعيد عن الإشعار
بالإجاز .
وحكاه عياض عن اختيار أبي حاتم الرازي، قال: وأنكر بعضهم هذا، وحقه أن ينكر فلا
معنى له يفهم المراد منه، ولا اعتيد هذا الوضع في المسألة لغة ولا عرفا.
قال ابن الصلاح: وهو فيما إِذا سمع منه الإسناد فقط، وأجاز له ما رواه قريب فإن فيها
إشعاراً بوجود أصل الأخبار، وإن أجمل المخبر به، ولم يذكره تفصيلاً.
قلت: واستعمالها الآن في الإجازة شائع كما تقدم في العنعنة.
(واستعمل المتأخرون في الإجازة الواقعة في رواية من فوق الشيخ حرف عن، فيقول فيمن
سمع شيخاً بإجازته عن شيخ، قرأت على فلان عن فلان) كما تقدم في العنعنة. قال ابن مالك:
ومعنى عن في نحو رويت عن فلان وأنبأتك عن فلان: المجاوزة، لأن المروى والمنبأ به مجاوز
تدريب الراوي / ج ٢/ م ١٥

٣٢
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
ثُمَّ إِنَّ المَنْعَ مِنْ أَطْلَاقِ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا لاَ يَزُولُ بإباحَةِ المُجِيزِ ذَلِكَ.
القِسْمُ الخَامِسُ: الْكِتَابَةُ. وَهِيَ أَنْ يَكْتُبَ الشيخُ مَسْمُوعَهُ لحاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ بِخَطِّهِ أَوْ بِأَمْرِهِ.
وَهِيَ ضَرْبَانِ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الإِجَازَةِ، وَمَقْرُونَةٌ بأَجْزْتُكَ مَا كَتَبْتُ لَكَ أَوْ إِلَيْكَ ونحوه مِنْ
عِبَارَةِ الإِجَازَةِ، وَهُذَا في الصِّحَّةِ وَالقُوَّةِ كَالمُنَاوَلَةِ المَفْرونة وَأَمَّا المجرَّدَةُ فمنَعَ الرِّوَايَةَ بها
قَوْمٌ، منهمُ القاضي المَاوَزْدِي الشافعيُّ .
وَأَجَازَهَا كَثِيرونَ مِنَ المُتَقَدّمِينَ وَالمُتَأَخِرِين، منهُمْ أَيُوبُ السَّخْتَيَانِي، وَمنصورٌ،
وَاللَّيْثُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشافِعِيِّين وأَصحابِ الأصُولِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ المشهُورُ بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيثِ، وَيُوجَدُ في مُصَنَّفَاتِهِمْ: كَتَبَ إِلَيَّ فلانٌ قَالَ
حدَّثَنَافلانٌ، وَالمُرَادُبِهِ هذَا، وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهم مَعْدُودٌّ في المَوْصُولِ لإِشْعَارِهِ بمعنى الإِجازَةِ.
وَزَادَ السَّمْعَاني فقال: هِيَ أَقْوَى مِنَ الإِجازة،
لمن أُخذ عنه (ثم إن المنع من إِطلاق حدثنا وأخبرنا) في الإجازة والمناولة لا يزول بإباحة المجيز
ذلك كما اعتاده قوم من المشايخ في إجازاتهم لمن يجيزون، إن شاء قال حدثنا، وإن شاء قال
أخبرنا، لأن إِباحة الشيخ لا يغير بها الممنوع في المصطلح.
(القسم الخامس) من أقسام التحمل (الكتابة) وعبارة ابن الصلاح وغيره المكاتبة (وهي أن
يكتب الشيخ مسموعه) أو شيئاً من حديثه (لحاضر) عنده (أو غائب) عنه سواء كتب (بخطه أو)
كتب عنه (بأمره).
(وهي ضربان: مجردة عن الإجازة، ومقرونة بأجزتك ما كتبت لك أو) كتبت (إليك أو) ما
كتبت به إِليك (ونحوه من عبارة الإجازة وهذا في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة) بالإجازة.
(وأما) الكتابة (المجردة) عن الإجازة (فمنع الرواية بها قوم منهم القاضي أبو الحسن
الماوردي الشافعي) في الحاوي والآمدي وابن القطان.
(وأجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين منهم أيوب السختياني ومنصور والليث) وابن
سعد وابن أبي سبرة.
ورواه البيهقي في المدخل عنهم، وقال: في الباب آثار كثيره عن التابعين فمن بعدهم،
وكتب النبي ◌َّه إلى عماله بالأحكام شاهدة لقولهم (وغير واحد من الشافعيين) منهم أبو المظفر
السمعاني (وأصحاب الأصول) منهم الرازي (وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث، ويوجد
في مصنفاتهم) كثيراً (كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان والمراد به هذا وهو معمول به عندهم معدود
في الموصول) من الحديث دون المنقطع (لإشعاره بمعنى الإجازة. وزاد السمعاني فقال: هي
أقوى من الإجازة).

٣٣
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
ثُمَّ يَكْفِي مَعْرِفَتُهُ خَط الكاتِب، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ البَيْنَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. ثمَّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقُولُ في
الرِّوَايَةِ بِهَا: كَتَبَ إِليَّ فلانٌ قَالَ حَدَّثَنَا فلان أَوْ أَخْبَرَنِي فلانٌ مُكَاتَبَةٌ أَوْ كِتَابَةً وَنحوه.
وَلاَ يَجُوزُ إِطْلَاَقُ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا، وَجَوَّزَهُ الََّيْثُ، وَمَنْصُورٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ
المُحَدِّثِينَ وَكِبَارِهِم .
القسمُ السَّادِسُ: إِعْلَامُ الشيخ الطّالِبَ أنَّ هُذَا الحديثَ أَوِ الكِتَابَ
قلت: وهو المختار، بل وأقوى من أكثر صور المناولة، وفي صحيح البخاري في الأيمان
والنذور: وكتب إلى محمد بن بشار، وليس فيه بالمكاتبة عن شيوخه غيره، وفيه وفي صحيح
مسلم أحاديث كثيرة بالمكاتبة، في أثناء السند.
منها: ما أخرجاه عن وراد (١) قال: كتب معاوية إلى المغيرة أن أكتب إلى ما سمعت من
رسول الله وَ﴿، فكتب إليه. الحديث في القول عقب الصلاة، وأخرجا عن ابن عون قال: كتب
إليَّ نافع فكتب إليَّ أن النبي ◌َّ أغار على بني المصطلق، الحديث. وأخرجا عن سالم أبي
النضر، عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي و 9، كتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار
إلى الحرورية يخبره بحديث ((لا تتمنوا لقاء العدو)). وأخرجا عن هشام قال: كتب إلى يحيى بن
أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مرفوعاً إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني،
وعند مسلم حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتب إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع
أخبرني بشيء سمعته من رسول اللّه وَّر، فكتب إليَّ سمعت رسول الله وَّل يوم جمعة عشية رجم
الأسلمي، فذكر الحديث (ثم يكفي) في الرواية بالكتابة (معرفته) أي المكتوب له (خط الكاتب)
وإن لم تقم البينة عليه .
(ومنهم من شرط البينة) عليه لأن الخط يشبه الخط، فلا يجوز الاعتماد على ذلك (وهو
ضعيف).
قال ابن الصلاح: لأن ذلك نادر، والظاهر أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه
إلباس وإن كان الكاتب غير الشيخ فلا بد من ثبوت كونه ثقة، كما تقدمت الإشارة إليه في نوع
المعلل (ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بها كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان أو أخبرني فلان
مكاتبة أو كتابة أو نحوه) وكذا حدثنا مقيداً بذلك (ولا يجوز إطلاقي حدثنا وأخبرنا وجوزه الليث
ومنصور وغیر واحد من علماء المحدثین و کبارهم) وجوز آخرون أخبرنا دون حدثنا:
روى البيهقي في المدخل عن أبي عصمة سعد بن معاذ قال: كنت في مجلس أبي سليمان
الجوزقاني فجرى ذكر حدثنا وأخبرنا، فقلت إن كلاهما سواء، فقال: بينهما فرق، ألا ترى
محمد بن الحسين قال رجل لعبده إن أخبرتني بكذا فأنت حر فكتب إليه بذلك صارحرا، وإن قال
إن حدثتني بكذا فأنت حر فكتب إليه بذلك لا يعتق.
(القسم السادس) من أقسام التحمل (إعلام الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب

٣٤
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
سَمَاعهُ مُقْتَصِراً عليه، فَجَوّزَ الرِّوَايةِ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَاب الحَدِيثِ، وَأَلْفِقِهِ وَالأصُولِ
وَالظَّاهِرِ، مِنْهُمُ أَبْنُ جُرَيج، وآبْنُ الصَّبَّاعِ الشّافِعِيُّ، وَأَبُو العَبَّاسِ الغَمْرِيُّ بالمُعْجَمَةِ المَالِكي.
قَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ: لَوْ قَالَ هذِهِ رِوَايَتِي لاَ تَرْوِهَا، كَانَ لَهُ رِوَايَتُهَا عَنْهُ، وَالصَّحِيحُ مَا
قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهِ لْكِنْ يَجِبِ العَمَلُ بِهِ إِنْ صَحّ
سَنَدُهُ .
القسمُ السابعُ: الوَصِيَّةُ، هِيَ أَنْ يُوصِيَ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ سَفَرِهِ بِكِتَابٍ يَرْوِيِهِ، فَجَوَّزَ بعضُ
السَّلَفِ لِلْمُوصى لَهُ رِوَايَتَهُ عَنْهُ، وَهُوَ غَلَطْ، وَالصَّوابُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ.
سماعه) من فلان (مقتصراً عليه) دون أن يأذن في روايته عنه (فجوز الرواية به كثير من أصحاب
الحديث والفقه والأصول والظاهر، منهم ابن جريج وابن الصباغ الشافعي وأبو العباس) الوليد بن
بكر (الغمري بالمعجمة) نسبة إلى بني الغمر بطن من غافق (المالكي) ونصره في كتابه
الوجازة، وحكاه عياض عن الكثير، واختاره الرامهرمزي، وهو مذهب عبد الملك بن حبيب
المالكي، وجزم به صاحب المحصول وأتباعه، بل (قال بعض الظاهرية: لو قال هذه روايتي)
وضم إليه أن قال (لا تروها) عني، أو لا أجيزها لك (كان له) مع ذلك (روايتها عنه) وكذا قال
الرامهر مزي أيضاً، قال عياض: وهذا صحيح، لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه أن يحدث بما
حدثه لآ لعلة ولا ريبة لا يؤثر، لأنه قد حدثه، فهو شيء لا مرجع فيه .
قال المصنف كابن الصلاح: (والصحيح ما قاله غير واحد من المحدثين وغيرهم أنه لا
تجوز الرواية به) وبه قطع الغزالي في المستصفى، قال لأنه قد لا يجوز روايته مع كونه سماعه
لخلل يعرفه فيه، وقاس ابن الصلاح وغيره ذلك على مسألة استرعاء الشاهد إن تحمل الشهادة،
فإنه لا يكفي إعلامه، بل لا بد أن يأذن له أن يشهد على شهادته، قال القاضي عياض: وهذا
القياس غير صحيح، لأن للشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإذن في كل حال، والحديث عن
السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق، وأيضاً فالشهادة تفترق من الرواية في أكثر الوجوه،
وعلى المنع قال المصنف كابن الصلاح (لكن يجب العمل به) أي بما أخبره الشيخ أنه سمعه (إن
صح سنده) وادعى عياض الاتفاق على ذلك.
(القسم السابع) من أقسام التحمل (الوصية وهي أن يوصى) الشيخ (عند موته أو سفره)
لشخص (بكتاب يرويه) ذلك الشيخ (فجوز بعض السلف) وهو محمد بن سيرين وأبو قلاية
(للموصى له روايته عنه) بتلك الوصية، قال القاضي عياض: لأن في دفعها له نوعاً من الإذن
وشبهاً من العرض والمناولة، قال: وهو قريب من الإعلام (وهو غلط) عبارة ابن الصلاح ((وهذا
بعيد جداً)) وهو إما زلة عالم أو متأول على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة، ولا يصح تشبيهه
بقسم الإعلام والمناولة (والصواب أنه لا يجوز) وقد أنكر ابن أبي الدم على ابن الصلاح وقال:
الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، وهي معمول بها عند الشافعي وغيره، فهذا أولى.

٣٥
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
القسم الثامنُ: الوِجَادَةُ، وَهِيَ مَصْدَرٌ لِوَجَدَ مُوَلَّدٌ غيرُ مَسْمُوعٍ مِنَ العَرَبِ .
وَهِيَ أَنْ يَقِفْ عَلَى أَحَادِيثَ بِخَطِّ رَاوِيهَا لاَ يَزْوبِهَا الوَاجِدُ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ وَجَدْتُ أَوْ قَرَأْتُ
بخَطِّ فُلانٍ أَو فِي كِتَابِهِ بِخَطِّهِ حَدَّثَنَا فلانٌ وَيَسُوقِ الإِسْنَادَ وَالمتنَ، أَوْ قَرَأْتُ بِخَطِّ فُلاَنٍ عن
فلان، هذَا الذي أُسْتَمَزَّ عليهِ العَمَلُ قَدِيماً وَحَدِيثاً، وَهُوَ مِنْ بابِ المُنْقَطعِ، وَفيه شَوْبُ
أَتِّصَالٍ، وَجَازَفَ بَعْضُهُمْ فَأَطْلَقَ فيها حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا، وَأُنْكَرَ عليهِ.
(القسم الثامن) من أقسام التحمل (الوجادة وهي) بكسر الواو (مصدر لوجد مولد غير
مسموع من العرب) قال المعافى بن زكريا النهرواني، فرع المولدون قولهم وجادة فيما أخذ من
العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة، من تفريق العرب بين مصادر وجد، للتمييز
بين المعاني المختلفة .
قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وجد ضالته وجدانا ومطلوبه وجوداً، وفي الغضب موجدة
وفي الغنى وُجدا وفي الحب وَجد.
(وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها) غير المعاصر له أو المعاصر ولم يسمع منه أو
سمع منه ولكن (لا يرويها) أي تلك الأحاديث الخاصة (الواجد) عنه بسماع ولا إجازة (فله أن
يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخطه ((حدثنا فلان)) ويسوق الإسناد والمتن أو
((قرأت بخط فلان عن فلان)) هذا الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً) وفي مسند أحمد كثير من
ذلك من رواية ابنه عنه بالوجادة (وهو من باب المنقطع و) لكن (فيه شوب اتصال) بقوله: وجدت
بخط فلان، وقد تسهل بعضهم فأتى فيها بلفظ ((عن)) فقال:
قال ابن الصلاح: وذلك تدليس قبيح، إذا كان بحيث يوهم سماعه منه (وجازف بعضهم
فأطلق فيها حدثنا وأخبرنا وأنكر عليه) ولم يجوز ذلك أحد يعتمد عليه.
تنبيهات :
وقع في صحيح مسلم أحاديث مروية بالوجادة، وانتقدت بأنها من باب المقطوع كقوله في
الفضائل: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: وجدت في كتابي عن أبي أسامة عن هشام عن
أبيه عن عائشة أن كان رسول الله ويله ليتفقد يقول: أين أنا اليوم، الحديث، وروى أيضاً بهذا السند
حديث: قال لي رسول الله والله إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وحديث: تزوجني لست سنين،
وأجاب الرشيد العطار بأنه روى الأحاديث الثلاثة من طرق أخرى موصولة إلى هشام وإلى أبي
أسامة.
قلت: وجواب آخر وهو: أن الوجادة المنقطعة أن يجد في كتاب شيخه لا في كتابه عن
شيخه، فتأمل.

٣٦
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
وَإِذَا وَجَدَ حَدِيثاً في تَأْلِيفِ شَخْصٍ، قَالَ: ذكَرَ فلان أو قالَ فلانٌ أَخْبَرَنَا فلانٌ وَهْذَا
مُنْقَطِعُ لا شَوْبَ فيهِ، وَهُذَا كُلُهُ إِذَا وَثِقَ بأَنَّهُ خَطَهُ أَو ◌ِتَابُهُ، وَإِلَّ فَلْيَقُلْ: بَلَغَنِي عَنْ فلان، أَو
وَجَدْتُ عَنْهُ وَنحْوَهُ، أَوْ قَرَأْتُ في كِتَابٍ: أَخْبَرَنِي فُلانٌ أَنَّهُ بِخَطِّ فُلان، أَو ظَنَنْتُ أَنَّهُ خَطُّ
فلانٌ، أَوْ ذَكَرَ كَاتِبُهُ أَنَّهُ فلانٌ، أَو تَصْنِيفُ فلانٍ، أَوْ قِيلَ بخَطُّ أَو تَصْنِيفِ فلان.
وَإِذَا نَقَلَ مِنْ تَصْنِيفٍ فلا يَقُلْ: قالَ فلانٌ إِلّ إِذَا وثِقَ بِصِحَّةِ الشُّسْخة بمُقَابَتِهِ أَوْ ثِقَةٍ لِهَا
فَاإِنْ لم يُوجَدْ هذَا ولا نخوهُ فَلْيَقُلْ بَلَغَنِي عَنْ فلان أَو وجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مِنْ كِتَابِهِ ونخْوِهِ.
وتَسَامَحَ أَكْثِرُ النَّاسِ فِي هذِهِ الأَعْصَارِ بالْجَزْمِ فِي ذُلِكَ مِنْ غيرِ تحَرّ.
والصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنْ كانَ المطَالعُ مُثْقِناً لا يَخْفَى عليهِ غالباً السَّاقِطُ أَوِ المُغَيَّرُ
رَجَوْنَا الجزْمَ لَهُ وإِلى هذا أَسْتَزْعَ كَثِيرٌ مِنَ المُصَنَّفِينَ في نَفْلِهِمْ.
أَمَّا العَمَلُ بالْرِجَادَةِ فَنُقِلَ عن مُعْظَمِ المحدِّثينَ المَالِكِيِّينَ، وغيرهم أَنَّهُ لا يَجُوزُ. وعَنْه
الشافِعِيِّ ونُظَارٍ أَصْحَابِهِ جَوَازُهُ، وَقَطَعَ بَعْضُ المحقِّقِينَ الشافعيِّينَ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِهَا عِنْدَ
حُصُولِ الثَّقَةِ، وَهُذا هُوَ الصَّحِيحِ الذي لاَ يَّجِهُ هُذِهِ الأَزْمَان غيره.
(وإذا وجد حديثاً في تأليف شخص) وليس بخطه (قال: ذكر فلان أو قال فلان أخبرنا فلان
وهذا منقطع لا شوب) من الاتصال (فيه، وهذا كله إذا وثق بأنه خطه أو كتابه، وإلا فليقل:
بلغني عن فلان أو وجدت عنه ونحوه، أو قرأت في كتاب أخبرني فلان أنه بخط فلان أو ظننت أنه
بخط فلان أو قيل بخط) فلان (أو) قيل إنه (تصنيف فلان) ونحو ذلك من العبارات المفصحة
بالمستند، وقد تستعمل الوجادة مع الإجازة، فيقال: وجدت بخط فلان، وأجازه لي.
(وإذا نقل) شيئاً (من تصنيف فلا يقل) فيه (قال فلان) أو ذكر بصيغة الجزم (إلا إذا وثق
بصحة النسخة بمقابلته) على أصل مصنفه (أو) مقابلة (ثقة بها، فإن لم يوجد هذا ولا نحوه
فليقل: بلغني عن فلان أو وجدت في نسخة من كتابه ونحوه، وتسامح أكثر الناس في هذه
الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر) وتثبّت، فيطالع أحدهم كتاباً منسوباً إلى مصنف معين
وينقل منه عنه من غير أن يثق بصحة النسخة، قائلاً: قال فلان أو ذكر فلان كذا (والصواب ما
ذكرنا، فإن كان المطالع) عالماً فطناً (متقناً) بحيث (لا يخفى عليه الساقط أو المغير رجونا جواز
الجزم له) فيما يحكيه (وإلى هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم) من كتب الناس.
وأما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز وعن
الشافعي ونظار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول
الثقة) به (وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه) في (هذه الأزمان غيره).

٣٧
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
النوع الخامس والعشرون: كِتَابَةُ الحَدِيثِ وَضَبْطُهُ، وفيهِ مَسَائلُ
إِحْدَاهَا: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، فَكَرِهَهَا طَائِفَةٌ وَأَبَاحَهَا طَائِفَةٌ
قال ابن الصلاح(١): فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول
لتعذر شروطها.
قال البلقيني: واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث: ((أي الخلق أعجبُ إيماناً؟ قالوا:
الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون وهم
يأتيهم الوحي، قالوا: نحن، قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم، قالوا: فمن يا رسول الله؟
قال: قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها(٢).
قال البلقيني: وهذا استنباط حسن.
ران
قلت: المحتج بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير(٣)، ذكر ذلك في أوائل تفسيره.
والحديث رواه الحسن بن عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق
كثيرة أوردتها في الأمالي، وفي بعض ألفاظه ((بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون
به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجراً)) أخرجه أحمد والدارمي والحاكم من حديث
أبي جمعة الأنصاري وفي لفظ الحاكم من حديث عمر: يجدون الورق المعلم فيعملون بما فيه،
فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً(٤).
(النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث، وضبطه، وفيه مسائل :
إحداها: اختلف السلف) من الصحابة والتابعين (في كتابة الحديث فكرهها طائفة) منهم:
ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وابن عباس
وآخرون(٥).
(وإباحها طائفة) وفعلوها منهم: عمر وعلي وابنه الحسن وابن عمرو وأنس وجابر وابن
عباس وابن عمر أيضاً، والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز(٦).
وحكاه عياض عن أكثر الصحابة والتابعين منهم: أبو قلابة وأبو المليح. ومن ملح قوله فيه:
يعيبون علينا أن نكتب العلم وندونه، وقد قال الله عز وجل: ((علمها عند ربي في كتاب لا يضل
ربي ولا ینسی))(٧).
(١) علوم الحديث ص (٢٠٢) ..
(٢) شرف أصحاب الحديث (٦١)، والسلسلة الضعيفة ٦٤٧/١٠٢/١ وقال: ضعيف.
(٣) اختصار علوم الحديث ص (١٠٨).
(٤) السلسلة الضعيفة ١٠٣/١ ٦٤٨، وقال: ضعيف جداً.
(٥) علوم الحديث ص (٢٠٣).
(٦) المصدر السابق.
(٧) آية (٥٢) سورة طه.

٣٨
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهَا، وَجَاءَ الإِبَاحَةِ وَالنَّهْي حَدِيثَانٍ، ول ١ ٢٠١
قال البلقيني: وفي المسألة مذهب ثالث حكاه الرامهرمزي وهو: الكتابة والمحو بعد الحفظ
(ثم أجمعوا) بعد ذلك (على جوازها) وزال الخلاف.
قال ابن الصلاح(١): ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة(٢).
(وجاء في الإباحة والنهي حديثان) فحديث النهي: ما رواه مسلم (٣) عن أبي سعيد الخدري
أن النبي وَّ قال: لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن وَمَنْ كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه. وحديث
الإباحة قوله وَطّر: ((اكتبوا لأبي شاهٍ)) متفق عليه (٤).
وروى أبو داود(٥) والحاكم (٦) وغيرهما عن ابن عمرو قال: قلت يا رسول الله، إني أسمع
منك الشيء فأكتبه. قال: نعم. قال: في الغضب والرضا؟ قال: ((نعم، فإني لا أقول فيهما إلا
حقًّا» ...
قال أبو هريرة: ليس أحد من أصحاب النبي ◌َّر أكثر حديثاً عليه مني إلا ما كان من
عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتبُ ولا أكتب. رواه الخباري(٧).
وروى الترمذي (٨) عن أبي هريرة قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله وَيه
فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله وَله فقال: ((استعن بيمينك))
وأومأ بيده إلى الخط.
وأسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله، إنا نسمع منك أشياء
أفنكتبها؟ قال: ((اكتبوا ذلك ولا حرج)).
وروى الحاكم وغيره من حديث أنس وغيره موقوفاً: ((قيدوا العلم بالكتاب)).
وأسند الديلمي عن عليّ مرفوعاً: ((إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بسنده)) وفي الباب أحاديث
غير ذلك.
وقد اختلف في الجمع بينها وبين حديث أبي سعيد السابق كما أشار إليه المصنف بقوله :
(١) علوم الحديث (٢٠٤).
(٢) قال الحافظ ابن حجر: لا يبعد وجوبها على من خشى النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم.
ونحوه قول الذهبي: إنه يتعين من المائة الثالثة وهلم جرا. ((توضيح الأفكار)) ٢٦٥/٢.
(٣) في الزهد: ب (١٦) رقم (٧٢).
(٤) البخاري (١١٢ و٢٤٣٤ و٦٨٨٠)، ومسلم (١٣٥٥).
(٥) (٣٦٢٩).
(٦) ١٠٥/١
(٧) (١١٣).
(٨) (٢٦٦٦)، وقال: إسناده ليس بذلك القائم ١٠٦/١.

٣٩
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
فَالإِذْنُ لِمَنْ خِيفَ نِسْيَانُهُ، وَالنَّهْيُّ لِمَنْ أَمِنَ وَخِيفَ أَتْكَالُهُ، أَوْ نهىَ حِينَ خِيفَ اخْتِلَاطُهُ بالْقُرآنِ
وَأُذِنَ حِينَ أَمِنَ. ثمَّ عَلَى كَاتِهِ صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى ضَبْطِهِ وَتَحْقِيقِهِ شَكْلاً وَنَقْطاً يُؤْمَنُ اللَّبْسُ،
(فالإذن لمن خيف نسيانه والنهي لمن أمن) النسيان ووثق بحفظه (وخيف اتكاله) على الخط إذا
كتب فيكون النهي مخصوصاً، وقد أسند ابن الصلاح(١) هنا عن الأوزاعي أنه كان يقول: كان هذا
العلم كريماً يتلقاه الرجال بينهم، فلمادخل في الكتب دخل فيه غير أهله.
(أو نهى) عنه (حين خيف اختلاطه بالقرآن، وأذن) فيه (حين أمن) ذلك فيكون النهي
منسوخاً، وقيل: المراد النهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، لأنهم كانوا
يسمعون تأويل الآية فربما كتبوه معها، فنهو عن ذلك لخوف الاشتباه.
وقيل: النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه، والأذن في غيره. ومنهم من أعلَّ
حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وقفه عليه، قاله البخاري وغيره.
وقد روى البيهقي في المدخل عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن
فاستشار في ذلك أصحاب النبي ◌َّ فأشاروا عليه أن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله فيها ثم
أصبح يوماً وقد عزم الله له. فقال إني كنت أردت أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم؛
كتبوا كُتباً فأكَبُّوا عليها وتركُوا كِتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً.
(ثم على كاتبه صرف الهمة إلى ضبطه وتحقيقه شكلاً ونقطاً يؤمن) معهما اللبس ليؤديه كما
سمعه، قال الأوزاعي: ((نور الكتاب إعجامه))(٢). قال الرامهرمزي(٣): أي نقطه أن يبين التاء من
الياء والحاء من الخاء. قال: والشكل تقييد الإعراب.
وقال ابن الصلاح (٤): إعجام المكتوب يمنع من استعجابه، وشكله يمنع من إشكاله. قال:
وكثيراً ما يعتمد الواثق على ذهنه، وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان معرض للنسيان انتهى . ...
وقد قيل: إن النصارى كفروا بلفظة أخطؤوا في إعجامها وشكلها، قال الله في الإنجيل
لعيسى: أنت نَبِي ولّدتك من البتول. فصحفوها وقالوا: أنت بُنيّي ولدتك - مخففاً.
وقيل: أول فتنة وقعت في الإسلام سببها ذلك أيضاً، وهي فتنة عثمان رضي الله عنه، فإنه
كتب للذي أرسله أميراً إلى مصر، إذا جاءكم فاقبلوه؛ فصحفوها فاقتلوه؛ فجرى ما جرى.
وكتب بعض الخلفاء إلى عامل له ببلد أن أحص المخنثين. أي بالعدد؛ فحصفها بالمعجمة
فخصاهم .
(١) علوم الحديث ص (٢٠٣).
(٢) الجامع ٢٧٦/١ .
(٣) المحدث الفاصل (٦٠٨).
(٤) علوم الحديث ص (٢٠٤).

٤٠
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
ثُمَّ قِيلَ: إِنَّمَا يُشْكلُ المُشْكِلَ وَيُقِلَ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَرَاهَةُ الإِعْجَامِ وَالإِعْرَابِ إِلّ فِي المُلْتَبِسِ،
وَقِيلَ: يُشْكِلُ الْجَمِيعَ.
الثَّانِيَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَعْتِنَاؤُهُ بِضَبْطِ المُلْتَِسِ مِنَ الأَسْمَاءِ أَكْثَرَ، وَيُسْتَحَبُ ضِبْطُ
المُشْكِلِ فِي نَفْسِ الكِتَابِ وَكَتْبُهُ مَضْبُوطاً وَاضِحَاً في الحَاشِيَة قُبَالَتَهُ.
(ثم قيل: إنما يشكل(١) المشكل ونقل عن أهل العلم كراهية الإعجام) أي النقط (والإعراب)
أي الشكل (إلا في الملتبس) إذ لا حاجة إليهما في غيره. (وقيل: يشكل الجميع) قال القاضي
عياض(٢): وهو الصواب لا سيما للمبتدي وغير المتبحر في العلم؛ فإنه لا يميز ما يشكل مما لا
يشكل. ولا صواب وجه إعراب الكلمة من خطئه.
قال العراقي(٣): وربما ظن أن الشيء غير مشكل لوضوحه. وهو في الحقيقية محل نظر
محتاج إلى الضبط. وقد وقع بين العلماء خلاف في مسائل مرتبة على إعراب الحديث. كحديث
((ذكاة الجنين ذكاة أمه))(٤) فاستدل به الجمهور على أنه لا تجب ذكاة الجنين. بناء على رفع ذكاة
أمه. ورجح الحنفية الفتح على التشبيه أي يذكى مثل ذكاة أمه.
(الثانية: ينبغي أن يكون اعتناؤه بضبط الملتبس من الأسماء أكثر) فإنها لا تستدرك بالمعنى
ولا يستدل عليها بما قبل ولا بعد.
قال أبو إسحاق النَّجِيرَمي: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس، لأنه لا يدخله القياس. ولا
قبله ولا بعده شيء يدل عليه.
وذكر أبو علي الغساني أن عبد الله بن إدريس قال: لما حدثني شعبة بحديث الحوراء عن
الحسن بن علي. كتب تحته: حور عين. لئلا أغلط فأقرأه أبو الجوزاء بالجيم والزاي (ويستحب
ضبط المشكل في نفس الكتاب) وكتبه أيضاً (مضبوطاً واضحاً في الحاشية قبالته) فإن ذلك أبلغ،
لأن المضبوط في نفس الأسطر ربما داخله نقط غيره وشكله ما فوقه أو تحته، لا سيما عند
ضيقها ودقة الخط .
قال العراقي(٥). وأوضح من ذلك أن يقطع حروف الكلمة المشكلة في الهامش لأنه يظهر
(١) إنما يشكل المشكل: يعني في إعرابه من المتون والأسماء في الكتاب، فذلك يمنع من إشكاله، لا ما
يفهم بدون شكل ولا نقط؛ فإنه تشاغل بما غيره أولى منه، وفيه عناء بل قد لا يكون فيه فائدة أصلاً.
((فتح المغيث)) ٤٢/٣.
(٢) الإلماع ص (١٥٠).
(٣) فتح المغيث ١٩/٣ .
(٤) أبو داود (٢٨٢٨)، والترمذي (١٤٧٦)، والدارمي ٨٤/٢، وأحمد ٣٩/٣، والحاكم ١١٤/٤ وقال:
صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٥) فتح المغيث ٢٠/٣ .

٤١
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
وَيُسْتَحَبُّ تَحْقِيقُ الخطِّ دُونَ مَشْقَةٍ وَتَعْلِيقِهِ، وَيُكْرَهُ تَدْقِيقُهُ إِلّ مِنْ عُذْرٍ : كَضيقِ الوَرَقِ
وَتَخْفِيفِه لِلْحَمْلِ فِي السَّفَرِ وَنحْوِهِ، وَيَنْبَغِي ضَبْطُ الحُرُوفِ المُهْمَلَةِ، قِيلَ: تُجْعَلُ تَحْتَ
الدَّالِ، وَالزَّاءِ، وَالسِّينِ، وَالصّاد وَالطّاءِ، وَالعَيْنِ النُّقَطُ التي فَوْقَ نَظائِرِهَا. وَقِيلَ: فَوْقَهَا
کَقُلاَمَةِ
شكل الحرف بكتابته مفرداً في بعض الحروف، كالنون والياء التحتية بخلاف ما إذا كتبت الكلمة
کلها .
قال ابن دقيق العيد في الاقتراح(١): ومن عادة المتقنين أن يبلغوا في إيضاح المشكل
فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفاً حرفاً .
(ويستحب تحقيق الخط دون مشقة(٢) وتعليقه) قال ابن قتيبة: قال عمر بن الخطاب: شر
الكتابة المشق وشر القراءة الهذرمة، وأجود الخط أبينه، انتهى (٣). والمشق سرعة الكتابة (ويكره
تدقيقه) أي الخط، لأنه لا ينتفع به من في نظره ضعف وربما ضعف نظر كاتبه بعد ذلك فلا ينتفع
به .
وقد قال أحمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق، ورآه يكتب خطاً دقيقاً: لا تفعل أحوج
ما تكون إليه يخونك(٤).
(إلا من عذر كضيق الورق وتخفيفه للحمل في السفر ونحوه، وينبغي ضبط الحروف
المهملة) أيضاً. قال البلقيني: يستدل لذلك بما رواه المرزباني وابن عساكر عن عبيد بن أوس
الغساني قال: كتبت بين يدي معاوية كتاباً فقال لي: يا عبيد أرقش كتابك، فإني كنت بين يدي
رسول الله وَله فقال: يا معاوية، أرقش كتابك. قلت: وما رقشه يا أمير المؤمنين؟ قال: أعط كل
حرف ما ينوبه من النقط .
قال البلقيني: فهذا عام في كل حرف، قم اختلف في كيفية ضبطها (قيل: يجعل تحت
الدال والراء والسين والصاد والطاء والعين النقط التي فوق نظائرها)، واختلف على هذا في نقط
السين من تحت، فقيل: كصورة النقط من فوق، وقيل: لا، بل يجعل من فوق كالأثافي(٥)،
ومن تحت مبسوطة صفًّا (٦) (وقيل) يجعل (فوقها) أي المهملات المذكورة صورة هلال (كقلامة
(١) ص (١٠).
(٢) المَشْق: بفتح أوله وإسكان ثانيه: هو خفة اليد وإرسالها مع بعثرة الحروف وعدم إقامة الأسنان. ((فتح
المغيث)» ٤٩/٣ .
(٣) رواه الخطيب في ((الجامع)) ٢٦٢/١.
(٤) المصدر السابق ٢٦١/١.
(٥) هكذا ( .. ).
(٦) هكذا: ( ... ).
7m

٤٢
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
الظُفُرِ مُضْطَجِعَةً عَلَى قَفَاهَا، وَقِيل: تَحْتَهَا حَرْفٌ صَغِيرٌ مِثْلُهَا، وَفِي بَعْضِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ
فَوْقَهَا خَطُّ صَغِيرٌ. وَفِي بَعْضِهَا تحتهاَ هَمْزَةٌ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَصْطَلِحَ مَعَ نَفْسِهِ بِرَمْزٍ لاَ يَعْرِفُهُ
النّاسُ، وَإِنْ فَعَلَ فَلْيُبَيِّنْ فِي أَوَّلِ الكِتَابِ أَو آخرِهُ مُرَادَهُ وَأَنْ يَعْتَنِي بِضَبْطِ مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ
وَتمييزِهَا فَيَجْعَلَ كِتَابَهُ على رِوَايةٍ. ثمَّ مَا كَانَ في غَيْرِهَا مِنْ زِيَادَاتٍ أَلْحَقَهَا فِي الْحَاشِيَةِ أَو
نقصٍ أَعْلَمَ عَلَيْهِ أَوْ خِلافٍ كَتَبَهُ، مُعَيِّناً في كلِّ ذَلِكَ مَنْ رَوَاهُ بتمام اسمِهِ لا رَامِزاً إلّ أَنْ يُبِّنَ
أَوَّلَ الكِتَابِ أَوْ آخِرَهُ، وَاكْتَفَى كَثِرُونَ بِالْتْمِيزِ بِحُمْرَةٍ فَالزَّيَادَةُ تُلحَقُ بِحُمَرَةٍ وَالنقْصُ يُحَوِّقُ
عَلَيْهِ بِحُمْرَةٍ مُبِّناً اسْمَ صَاحِبِهَا أَوَّلَ الكِتَابِ أَوْ آخِرَهُ.
الظفر مضجعة على قفاها (١)، وقيل:) يجعل (تحتها حرف صغير مثلها) ويتعين ذلك في الحاء،
قال القاضي عياض: وعليه عمل أهل المشرق والأندلس .
(وفي بعض الكتب القديمة فوقها خط صغير) كفتحة وقيل كهمزة (وفي بعضها تحتها همزة)
فهذه خمس علامات(٢).
فائدة :
لم يتعرض أهل هذا الفن للكاف واللام، وذكرهما أصحاب التصانيف في الخط فالكاف:
إذا لم تكتب مبسوطة تكتب في بطنها كاف صغيرة أو همزة، واللام يكتب في بطنها لام، أي هذه
الكلمة بحروفها الثلاثة لا صورة ل، ويوجد ذلك كثيراً في خط الأدباء، والهاء آخر الكلمة يكتب
عليها هاء مشقوقة تميزها من هاء التأنيث التي في الصقات ونحوها. والهمزة المكسورة هل تكتب
فوق الألف والكسرة أسفلها، أو كلاهما أسفل؟ اصطلاحان للكُتّاب، والثاني أصح.
(ولا ينبغي أن يصطلح مع نفسه) في كتابه (برمز لا يعرفه الناس) فيوقع غيره في حيرة فهم
مراده (فإن فعل) ذلك (فليبين في أول الكتاب أو آخره مراده وينبغي أن يعتني بضبط مختلف
الروايات وتمييزها فيجعل كتابه) موصولاً (على رواية) واحدة (ثم ما كان في غيرها من زيادات
ألحقها في الحاشية أو نقص أعلم عليه أو خلاف كتبه معيناً في كل ذلك من رواه بتمام اسمه لا
رامزاً) له بحرف أو بحرفين من اسمه (إلا أن يبين أول الكتاب أو آخره) مراده بتلك الرموز
(واكتفى كثيرون بالتمييز بحمرة، فالزيادة تلحق بحمرة، والنقص يحوق عليه بحمرة، مبيناً اسم
صاحبها أول الكتاب أو آخره) هذا الفرع كله ذكره ابن الصلاح عقب مسألة الضرب والمحو(٣)،
قدمه المصنف هنا للمناسبة مع الاختصار.
(١) هكذا: (ب).
(٢) علوم الحديث ص (٢٠٦ - ٢٠٧).
(٣) ص (٢١٨).

٤٣
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
الثّالِثَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ حَدِيثَيْنِ دَائِرَةً، نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنَ المُتَقَدِّمِينِ،
وَاسْتَحَبَّ الْخَطِيبُ أَنْ تَكُونَ غُفْلاً، فَإِذَا قَابَلَ نَقْطَ وَسَطْهَا، وَيُكْرَهُ فِي مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ
الرَّحْمُنِ بنِ فُلانٍ كِتَابَةُ عَبْدٍ آخرَ السَّطْرِ وَأَسْمِ اللَّهِ مَعَ ابْنِ فِلاَنٍ أَوَّلَ الآخَرِ. وَكَذَا يُكْرَهُ
رَسُولُ آخِرَهُ وَاللّهِ وَهِ أَّلَهُ. وَكَذا مَا أَشْبَهَهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ على كِتَابَةِ الصَّلاَةِ والتّسْلِيمِ
على رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، ولاَ يَسْأَمُ مِنْ تِكْرَارِهِ ومَنْ أَغْفَلَهُ حُرِمَ حَظًّاً عظيماً.
(الثالثة: ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة) للفصل بينهما (نقل ذلك عن جماعات من
المتقدمين) كأبي الزناد وأحمد بن حنبل وإبراهيم الحربي وابن جرير (واستحب الخطيب (١) أن
تكون) الدارات (غفلا (٢)، فإذا قابل نقط وسطها) أي نقط وسط كل دائرة عقب الحديث الذي
يفرغ منه، أو خط في وسطها خطا قال: وقد كان بعض أهل العلم لا يعتد من سماعه إلا بما كان
كذلك، أو في معناه.
(ويكره(٣) في مثل عبد الله وعبد الرحمن بن فلان) وكل اسم مضاف إلى الله تعالى: (كتابة
عبد آخر السطر واسم الله مع ابن فلان أول الآخر) وأوجب اجتناب مثل ذلك ابن بطة (٥)
والخطيب (٤)، ووافق ابن دقيق العيد على أن ذلك مكروه لا حرام (وكذا يكره) في رسول الله أن
يكتب (رسول آخره والله ◌َّر أوله وكذا ما أشبهه) من الموهمات والمستشنعات، كأن يكتب قاتل
من قوله: قاتلُ ابن صفية في النار (٦)، في آخر السطر وابن صفية في أوله، أو يكتب فقال، من
قوله في حديث شارب الخمر فقال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به (٧) آخره وما بعده، أوله،
ولا يكره فصل المتضايفين إذا لم يكن فيه مثل ذلك كسبحان الله العظيم، يكتب سبحان آخر
السطر والله العظيم أوله، مع أن جمعهما في سطر واحد أولى.
(وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله ◌َ طية) كلما ذكر (ولا يسأم من
تكراره) فإن ذلك من أكثر الفوائد التي يتعجلها طالب الحديث (ومن أغفله حرم حظاً عظيماً) فقد
قيل في قوله ميّير: ((إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة)) صححه ابن حبان(٨): إنهم
أهل الحديث، لكثرة ما يتكرر ذكره في الرواية فيصلون عليه، وقد أوردوا في ذلك حديث: ((من
(١) الجامع ١/ ٢٧٣ .
(٢) غُفْلًا: بضم المعجمة وإسكان الفاء لا علامة بها. ((فتح المغيث)) ٣/ ٦٢ .
(٣) ويكره: أي كراهة تنزيه. ((فتح المغيث؛ ٦٣/٣.
(٤) هو: أبو عبد الله عبد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن بطة العُكْبَري. كان إماماً، عالماً بالحديث.
مات سنة (٤٨٧ هـ). له ترجمة في: الأنساب ٢٦١/٢ و٢٦٢.
(٥) ٢٦٨/١.
(٦) أحمد ٨٩/١، والحاكم ٣٦٧/٣ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٧) البخاري مع ((الفتح)) ٧٥/١٢ - ٧٧.
(٨) ١٣٣/٢.

٤٤
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
وَلاَ يَتَقَيِّدُ فِيهِ بِمَا في الأَصْلِ إِنْ كَانَ نَاقصاً، وَكَذَا الثّنَاءُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَعَزَّ وَجَلَّ
وَشِبْهِهِ، وَكَذَا التّرَضِّي، وَالتّرَخُمُ عَلى الصَّحَابَةِ وَالعُلَمَاءِ وَسَائِرٍ
صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمى في ذلك الكتاب)) (١) وهذا الحديث
وإن كان ضعيفاً فهو مما يحسن إيراده في هذا المعنى، ولا يلتفت إلى ذكر ابن الجوزي له في
الموضوعات(٢)، فإن له طرقاً تخرجه عن الوضع، وتقتضي أن له أصلا في الجملة، فأخرجه
الطبراني(٣) من حديث أبي هريرة وأبو الشيخ الأصبهاني والديلمي من طريق أخرى عنه، وابن
عدى من حديث أبي بكر الصديق، والأصبهاني في ترغيبه من حديث ابن عباس وأبو نعيم في
تاريخ أصبهان من حديث عائشة.
وذكر البلقيني في محاسن الاصطلاح هنا عن فضل الصلاة للتُّجيبي قال: جاء بإسناد
صحيح من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن شهاب عن أنس يرفعه، إذا كان يوم القيامة جاء
أصحاب الحديث وبأيديهم المحابر فيرسل الله إليهم جبريل فيسألهم من أنتم وهو أعلم، فيقولون
أصحاب الحديث. فيقول ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلون على نبيي في دار الدنيا. وهذا
الحديث رواه الخطيب عن الصورى عن ابن الحسين بن جميع عن محمد بن يوسف بن يعقوب
الرّقي عن الطبراني عن الزبير عن عبد الرزاق به، وقال إنه موضوع، والحمل فيه على الرقي،
قلت له طريق غير هذه عن أنس أوردها الديلمي في مسند الفردوس، وقد ذكرتها في مختصر
الموضوعات(٤).
تنبيه:
ينبغي أن يجمع عند ذكره ◌ّطلقه بين الصلاة عليه بلسانه وبنانه، ذكره التجيبي (ولا يتقيد فيه)
أي ما ذكر من كتابة الصلاة عليه والشهر (بما في الأصل إن كان ناقصاً) بل يكتبه ويتلفظ به عند
القراءة مطلقاً، لأنه دعاء لا كلام يرويه، وإن وقع في ذلك الإمام أحمد، مع أنه كان يصلي نطقاً
لا خطاً، فقد خالفه غيره من الأئمة المتقدمين، ومال إلى صنيع أحمد، ابن دقيق العيد فقال:
ينبغي أن تصحبها قرينة تدل على ذلك. كرفع رأس عن النظر في الكتاب وينوي بقلبه، أنه هو
المصلي لا حاك لها عن غيره، وقال عباس العنبري وابن المديني: ما تركنا الصلاة على
النبي ◌َّ في كل حديث سمعناه، وربما عجلنا فنبيض الكتاب في حديث حتى نرجع إليه (وكذا)
ينبغي المحافظة على (الثناء على الله سبحانه وتعالى، كعز وجل)، وسبحانه وتعالى، (وشبهه)
وإن لم يكن في الأصل.
قال المصنف زيادة على ابن الصلاح: (وكذا الترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر
(١) شرف أصحاب الحديث ص (٦٥).
(٢) ٢٢٨/١.
(٣) المجمع ١٣٦/١.
(٤) اللآلىء ١١٢/١، والفوائد (٢٩١)، والموضوعات ٢٦٠/١.

٤٥
النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه
الأَخْيَارِ، وَإِذَا جَاءَت الرِّوايَةُ بِشَيْءٍ مِنْهُ كانَتْ العِنَايَةُ بِهِ أَشَدَّ، وَيُكْرَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى الصَّلاَةِ أَوْ
التّسْلِيمُ وَالرَّمْزُ إِلَيْهِمَا فِي الكِتَابَةِ، بَلْ يَكْتُبُهُمَا بِكَمَالِهِمَا.
الرَّابِعَة: عَلَيْهِ مُقَابَلَةُ كِتَابِهِ بِأَصْلِ شَيْخِهِ وَإِنْ إِجَازَةً،
الأخيار) قال المصنف في شرح مسلم وغيره، ولا يستعمل عز وجل ونحوه في النبي وَّل، وإن
كان عزيزاً جليلاً، ولا الصلاة والسلام في الصحابة استقلالاً ويجوز تبعاً (وإذا جاءت الرواية
بشيء منه كانت العناية به) في الكتاب (أشد) وأكثر (ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم) هنا.
وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة، كما في شرح مسلم وغيره، لقوله تعالى: ((صلوا عليه
وسلموا تسليماً)(١) وإن وقع ذلك في خط الخطيب وغيره.
قال حمزة الكتاني: كنت أكتب عند ذكر النبي ◌َّر الصلاة دون السلام، فرأيت النبي ◌َّ
في المنام، فقال لي: مالك لا تتم الصلاة على (٢) (و) يكره (الرمز إليهما في الكتابة) بحرف أو
حرفين، كمن يكتب صلعم (بل يكتبهما بكمالهما) ويقال إن أول من رمزهما بصلعم قطعت يده.
(الرابعة عليه) وجوباً كما قال عياض: (مقابلة(٣) كتابه بأصل شيخه وإن إجازة) فقد روى ابن
عبد البر (٤) وغيره، عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي قالا: من كتب ولم يعارض كما دخل
الخلاء ولم يستنج، وقال عروة بن الزبير لابنه هشام: كتبت؟ قال نعم، قال: عرضت كتابك؟
قال لا، قال لم تكتب، أسنده البيهقي في المدخل، وقال الأخفش: إذا نسخ الكتاب ولم يعارض
ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجمياً، قال البلقيني: وفي المسألة حديثان مرفوعان:
أحدهما: من طريق عقيل عن ابن شهاب عن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبيه عن جده
قال: كنت أكتب الوحي عند النبي ◌َّر، فإذا فرغت قال اقرأ، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه،
ذكره المرزباني في كتابه(٥).
الحديث الثاني: ذكره السمعاني في أدب الإملاء(٦)، من حديث عطاء بن يسار قال: كتب
رجل عند النبي ◌َّ فقال له كتبت؟ قال نعم، قال عرضت، قال لا؟ قال لم تكتب، حتى تعرضه
فيصح. قال وهذا أصرح في المقصود إلا أنه مرسل انتهى.
(١) آية (٥٦) سورة الأحزاب.
(٢) علوم الحديث (٢٠٩).
(٣) مقابلة: يقال لها أيضاً المعارضة. تقول: قابلت بالكتاب قبالاً ومقابلة، أي جعلته قبالته وصيرت في
أحدهما كل ما في الآخر. ومنه: منازل القوم تتقابل أي يقابل بعضها بعضاً.
وعارضت بالكتاب الكتاب، أي: جعلت ما في أحدهما مثل ما في الآخر. مأخوذ من عارضت
بالثوب: إذا أعطيته، وأخذت ثوباً غيره. ((فتح المغيث)) ٧٤/٣ - ٧٥.
(٤) الجامع ٧٨/١.
(٥) الطبراني ١٥٧/٥، والخطيب في الجامع ١٣٣/٢.
(٦) ص (٧٧ - ٧٨).