Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨٠
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
كانت لقول الصيرفي بناء على أن قوله يكذب، عام في الكذب في الحديث وغيره فقد أجاب عنه
العراقي بأن مراد الصيرفي ما قاله أحمد، أي في الحديث لا مطلقاً، بدليل قوله من أهل النقل،
وتقييده بالمحدث في قوله أيضاً في شرح الرسالة، وليس يطعن على المحدث إلا أن يقول
تعمدت الكذب، فهو كاذب في الأول ولا يقبل خبره بعد ذلك انتھی .
وقوله ومن ضعفناه أي بالكذب، فانتظم مع قول أحمد، وقد وجدت في الفقه فرعين
يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني، فذكروا في باب اللعان: أن الزاني إذا تاب وحسنت توبته
لا يعود محصناً ولا يحد قاذفه بعد ذلك لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره
أبداً، وذكروا أنه لو قذف ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد، لأن الله تعالى أجرى
العادة أنه لا يفضح أحداً من أول مرة، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذلك
نقول فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من
حديث فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحداً تنبه لما حررته ولله الحمد.
فائدة :
من الأمور المهمة تحرير الفرق بين الرواية والشهادة، وقد خاض فيه المتأخرون، وغاية ما
فرقوا به الاختلاف في بعض الأحكام، كاشتراط العدد وغيره، وذلك لا يوجب تخالفاً في الحقيقة،
قال القرافي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام المازري، فقال الرواية: هي
الإخبار عن عام لا ترافع فيه إلى الحكام وخلافه الشهادة، وأما الأحكام التي يفترقان فيها فكثيرة
لم أر من تعرض لجمعها، وأنا أذكر منها ما تيسر:
الأول: العدد، لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة؛ وقد ذكر ابن عبد السلام في مناسبة
ذلك أموراً: أحدها أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول الله وَلهول بخلاف شهادة
الزور، الثاني أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك
المصلحة، بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد، الثالث أن بين كثير من المسلمين
عداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية عنه وَخله .
الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقاً بخلاف الشهادة في بعض المواضع.
الثالث: لا تشترط الحريّة فيها بخلاف الشهادة مطلقاً.
الرابع: لا يشترط فيها البلوغ في قول.
الخامس: تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية ولو كان داعية، ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره
إن روى موافقه.
السادس: تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته.
السابع: من كذب في حديث واحد رد جميع حديثه السابق، بخلاف من تبين شهادته للزور
في مرة لا ينقض ما شهد به قبل ذلك.

١٨١
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
التَّاسِعَة: إِذَا رَوَى حَدِيثاً ثم نَفَاهُ المُسْمِعُ فالمختَارُ أَنَّهُ إِنْ كانَ جازِماً بِنَفْسِهِ بأَنْ قَالَ ما
رَوَيْتُهُ وَنحْوُهُ وَجَبَ رَدُّهُ
الثامن: لا تقبل شهادة من جرت شهادته إلى نفسه نفعاً أو دفعت عنه ضرراً، وتقبل ممن
روى ذلك.
التاسع: لا تقبل الشهادة لأصل وفرع ورقيق بخلاف الرواية .
العاشر والحادي عشر والثاني عشر: الشهادة إنما تصح بدعوى سابقة، وطلب لها، وعند
حاكم، بخلاف الرواية في الكل.
الثالث عشر: للعالم الحكم بعلمه في التعديل والتجريح قطعاً مطلقاً بخلاف الشهادة، فإن
فيها ثلاثة أقوال: أصحها التفصيل بين حدود الله تعالى وغيرها.
الرابع عشر: يثبت الجرح والتعديل في الرواية بواحد دون الشهادة على الأصح.
الخامس عشر: الأصح في الرواية قبول الجرح والتعديل غير مفسر من العالم ولا يقبل
الجرح في الشهادة إلا مفسراً.
السادس عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرواية بخلاف أداء الشهادة إلا إذا احتاج إلى
مرکوب.
السابع عشر: الحكم بالشهادة تعديل، بل قال الغزالي أقوى منه بالقرل بخلاف عمل العالم
أو فتياه بموافقة المروي على الأصح.
الثامن عشر: لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا عند تعسر الأصل بموت أو غيبة أو نحوها
بخلاف الرواية .
التاسع عشر: إذا روى شيئاً ثم رجع عنه سقط ولا يعمل به، بخلاف الرجوع عن الشهادة
بعد الحكم.
العشرون: إذا شهدا بموجب قتل ثم رجعا وقالا تعمدنا لزمهما القصاص، ولو أشكلت
حادثة على حاكم فتوقف فروى شخص خبراً عن النبي وَ لّر فيها وقتل الحاكم به رجلاً ثم رجع
الراوي وقال: كذبت وتعمدت، ففي فتاوى البغوي ينبغي أن يجب القصاص، كالشاهد إذا رجع،
قال الرافعي: والذي ذكره القفال في الفتاوى والإمام أنه لا قصاص بخلاف الشهادة، فإنها تتعلق
بالحادثة، والخبر لا يختص بها.
الحادي والعشرون: إذا شهد دون أربعة بالزنا حدواً للقذف في الأظهر، ولا تقبل شهادتهم
قبل التوبة، وفي قبول روايتهم وجهان، المشهور منهما القبول، ذكره الماوردي في الحاوي،
ونقل عنه ابن الرفعة في الكفاية، والأسنوي في الألغاز.
(التاسعة: إذا روى) ثقة عن (ثقة حديثاً ثم نفاه المسمِع) لما رُوجع فيه (فالمختار) عند
المتأخرين (أنه إن كان جازماً بنفيه بأن قال ما رويته) أو كذب عليَّ (ونحوه وجب رده) لتعارض

١٨٢
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
وَلاَ يَقْدَحُ فِي بَاقِي رِوَايَاتِ الرَّاوِي عنهُ فَإِنْ قالَ: لا أَعْرِفُهُ أَوْ لاَ أَذْكُرُهُ أَو نحوَهُ لم يَقْدَح فِيهِ .
وَمَنْ رَوَى حَديثاً ثُمَّ نَسِيَهُ جازَ العَمَلُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ قَوْلُ الجمهُورِ مِنَ الطَّوَائفِ
خِلاَفَاً لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّة،
قولهما مع أن الجاحد هو الأصل (و) لكن (لا يقدح) ذلك (في باقي روايات الراوي عنه) ولا
يثبت به جرحه لأنه أيضاً مكذب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كل منهما أولى من
الآخر فتساقطا، فإن عاد الأصل وحدث به أو حدث فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه فهو مقبول،
صرح به القاضي أبو بكر والحديث وغيرهما، ومقابل المختار في الأول عدم رد المروي،
واختاره السمعاني وعزاه الشاشي للشافعي، وحكى الهندي الإجماع عليه، وجزم الماوردي
والروياني بأن ذلك لا يقدح في صحة الحديث إلاّ أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل،
فحصل ثلاثة أقوال . .
وثم قول رابع: أنهما يتعارضان ويرجح أحدهما بطريقه، وصار إليه إمام الحرمين.
ومن شواهد القبول ما رواه الشافعي(١) عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن
أبي معبد عن ابن عباس قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله وَلَه بالتكبير. قال عمرو بن
دينار ثم ذكرته لأبي معيد بعدُ فقال: لم أحدثك، قال عمرو: قد حدثتنيه، قال الشافعي: كأنه
نسيه بعدما حدثه إياه، والحديث أخرجه البخاري(٢) من حديث ابن عيينة.
(فإن قال) الأصل (لا أعرفه أو لا أذكره أو نحوه) مما يقتضي جواز نسيانه (لم يقدح فيه)
ولا يرد بذلك (ومن روى حديثاً ثم نسيه جاز العمل به على الصحيح وهو قول الجمهور من
الطوائف) أهل الحديث والفقه والكلام (خلافاً لبعض الحنفية) في قولهم بإسقاطه بذلك: وبنوا
عليه رد حديث رواه أبو داود(٣) والترمذي(٤) وابن ماجه(٥) من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن
عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله وَّل قضى باليمين مع الشاهد زاد
أبو داود في رواية: أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو
عندي ثقة، أني حدثته إياه ولا أحفظه .
قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، فكان
سهيل بعدُ يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه، ورواه أبو داود أيضاً من رواية سليمان بن بلال عن
ربعية، قال سليمان: فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا الحديث. فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن
(١) المشكاة (٩٥٩)، وفتح الباري ٣٢٥/٢.
(٢) في: الأذان (١٥٥)، ومسلم أيضاً في: المساجد (١٢٠ و١٢١).
(٣) في: الأقضية (٢١).
(٤) في: الأحكام (١٣).
(٥) في: الأحكام (٣١) ...

١٨٣
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
وَلاَ يُخَالِفُ هُذَا كَرَاهَةُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الرِّوَايَةِ عَنِ الأحْيَاءِ.
الْعَاشِرَةُ: مَنْ أَخَذَ عَلَى النَّحْدِيثِ أَجْراً لاَ تُقْبَلُ رِوَايَتُه عِنْدَ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاق، وَأَبِي
حَاتِمٍ، وَتُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمِ الْفَضْلِ، وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَآخَرِينَ، وَأَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو
إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ بِجَوَازِهَا لِمَنِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ لِعِيَالِهِ بِسَبَبِ التَّحْدِيثِ .
ربيعة أخبرني به عنك. قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدّث به عن ربيعة عنّي.
فإن قيل: إن كان الراوي معرّضاً للسهو والنسيان فالفرع أيضاً كذلك فينبغي أن يسقطا.
أجيب بأن الراوي ليس بناف وقوعه بل غير ذاكر، والفرع جازم مثبت فقّدم عليه.
قال ابن الصلاح(١) وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نَسُوهَا بعدما حدّثوا بها، وكان
أحدهم يقول: حدّثني فلان عني عن فلان، بكذا، وصنف في ذلك الخطيب أخبار من حدث
ونسي، وكذلك الدارقطني، من ذلك: ما رواه الخطيب (٢) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم
عن أنس قال: حدثني ابناي عني عن النبي ◌َّ أنه كان يكره أن يجعل فَصّ الخاتم مما سواه،
وروي(٣) من طريق بشر بن الوليد، ثنا محمد بن طلحة حدثني روح أني حدثته بحديث عن زبيد
عن مرة عن عبد الله أنه قال: إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم، ومن
طريق الترمذي صاحب الجامع: حدثنا محمد بن حميد حدثنا جرير قال: حدثنيه علي بن مجاهد
عني وهو عندي ثقة عن ثعلبة عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن،
ومن طريق إبراهيم بن بشار، ثنا سفيان بن عيينة حدثني وكيع أني حدثته عن عمرو بن دينار عن
عكرمة، عن صياصيهم، قال من حصونهم (ولا يخالف هذا كراهية الشافعي وغيره) كشعبة ومعمر
(الرواية عن الأحياء) لأنهم إنما كرهوا ذلك لأن الإنسان معرض للنسيان فيبادر إلى جحود ما
روى عنه وتكذيب الراوي له، وقيل: إنما كره ذلك لاحتمال أن يتغير المروي عنه عن الثقة
والعدالة بطارىء يطرأ عليه يقتضي رد حديثه المتقدم.
قال العراقي: وهدا حدس وظن غير موافق لما أراده الشافعي، وقد بين الشافعي مراده
بذلك كما رواه البيهقي في المدخل بإسناده إليه أنه قال: لا تحدث عن حي فإن الحي لا يؤمن
عليه النسيان، قاله لابن عبد الحكم حين روى عن الشافعي حكاية فأنكرها ثم ذكرها .
(العاشرة: من أخذ على التحديث أجراً لا تقبل عند أحمد) بن حنبل (وإسحاق) بن راهويه
(وأبي حاتم) الرازي (وتقبل عند أبي نعيم الفضل) بن دكين شيخ البخاري و(علي بن
عبد العزيز) البغوي (وآخرين) ترخصاً. (وأفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي) أبا الحسين بن النقور
(بجوازها لـ) ـأنه من (من امتنع عليه الكسب لعياله بسبب التحديث) ويشهد له جواز أخذ الوصي
(١) علوم الحديث ص (١٥٣).
(٢) ٢ / ١٣٤.
(٣) الصحيحة (١٧٠٣).

١٨٤
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ: لاَ تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ عُرِفَ بِالتَّسَاهِلِ فِي سَمَاعِهِ أَوِ إِسْمَاعِهِ كَمَنْ لاَ يُبَالِي
بِالنَّّمِ في السَّماعِ، أَوْ يُحْدِّثُ لاَ مِنْ أَصْلِ مُصَحَّح، أَوْ عُرِفَ بِقَبُولِ التّلْقِينِ فِي الْحَدِيثِ أَوْ
كَثْرِةِ السَّهْوِ في رِاوَيَتِهِ إِذَا لَمْ يُحَدِّثْ مِنْ أَصْلٍ أَوْ كَثْرَةِ الشّوَاذِ وَالمَنَاكِيرِ فِي حَدِيثِهِ،
الأجرة من مال اليتيم إذا كان فقيراً، أو اشتغل بحفظه عن الكسب من غير رجوع عليه، لظاهر
القرآن .
فائدة :
هذا أول موضع وقع فيه ذكر إسحاق بن راهويه، وقد سئل لِمَ قيل له ابن راهويه؟ فقال:
إن أبي ولد في الطريق فقالت المراوزة: راهويه، يعني أنه ولد في الطريق، وفي فوائد رحلة ابن
رُشيد: مذهب النحاة في هذا وفي نظائره فتح الواو وما قبلها وسكون الياء ثم هاء، والمحدثون
ينحون به نحو الفارسية فيقولون: هو بضم ما قبل الواو وسكونها وفتح الباء وإسكان الهاء فهي
هاء على كل حال والتاء خطأ، قال: وكان الحافظ أبو العلاء العطار يقول: أهل الحديث لا يحبون
ويه اهـ.
قال شيخ الإسلام: ولهم في ذلك سَلف، رويناه في كتاب معاشرة الأهلين عن أبي عمرو
عن إبراهيم النخعي أن ويه اسم شيطان.
قلت: ذكر ياقوت في معجم الأدباء نحو ما ذكره ابن رشيد، وقال: قد صيره ابن بسام
بسکون الواو وفتح الياء، فقال في نفطويه:
رأيت في النوم أبي آدماً
صلى عليه الله ذو الفضل
من كان في حزن وفي سهل
فقال: أبلغ ولدي كلهم
إن كان نفطُوية من نسلي
بأن حواء أمهم طالق
وقال المصنف في تهذيبه في ترجمة أبي عبيد بن حربويه : - هو بفتح الباء الموحدة والواو
وسكون الياء ثم هاء، ويقال: بضم الباء مع إسكان الواو وفتح الياء، ويجري هذان الوجهان في
نظائره كسيبويه ونفطويه وزاهويه وعمرويه، فالأول مذهب النحويين وأهل الأدب، والثاني
مذهب المحدثین انتهى.
(الحادية عشرة: لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه كم لا يبالي بالنوم
في السماع) منه أو عليه (أو يحدث لا من أصل صحيح) مقابل على أصله أو أصل شيخه (أو
عرف بقبول التلقين في الحديث) بأن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه، كما
وقع لموسى بن دينار ونحوه (أو كثرة السهو في روايته إذا لم يحدّث من أصل) صحيح، بخلاف
ما إذا حدَّث منه فلا عبرة بكثرة سهوه، لأن الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه (أو كثرة
الشواذ والمناكير في حديثه) قال شعبة لا يجيئك الحديث الشاذّ إلا من الرجل الشاذ، وقيل له:
من الذي تُترك الرواية عنه؟ قال من أكثر عن المعروف من الرواية ما لا يُعرف، وأكثر الغلط

١٨٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته
قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَالْحُمَيْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ: مَنْ غَلَطَ فِي حَدِيثٍ فَبَيِّن لَهُ فَأَصَرَّ عَلَى
رِاَوَيَتِهِ سَقَطَتْ رِاوَيَاتُهُ. وَهَذَا صَحِيحٌ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَصَرَّ عِنَاداً أَوْ نَحْوَهُ ..
الثَّانيةُ عشْرَةَ: أَعْرِضَ النَّاسُ هَذِهِ الأزْمَانِ عنْ اعْتِبَار مَجْمُوع الشُّرُوطِ المَذْكُورةِ لِكَوْنِ
المَقْصُود صَارَ إِبْقَاءَ سِلْسِلةِ الإِسْنَادِ المُخْتَصِّ بالأُمَةِ فَلْيُعتَبَرَ مَا يَلِيقُ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ كَوْنُ
الشَّيْخِ مُسْلِماً بَالِغاً، عَاقِلاً، غَيْرَ مُتَظَاهِرٍ بِفِسْقٍ، أَوْ سُخْفٍ وَبضبْطِهِ، بِوُجُود سَمَاعِهِ مُثْبتاً
بخطُّ غَيْر مُثْهِمٍ، وبِرِوَايَتِهِ مِنْ أَصْلِ مُوافِقٍ لِأَصْلِ شَيْخِهِ. وَقَدْ قَالَ نَحْوَ مَا ذَكْرِنَاهُ الحَافِظُ أَبُّو
بَكْرِ الْبَيْهقيُّ.
(قال) عبد الله (بن المبارك وأحمد بن حنيل والحميدي وغيرهم من غلط في حديث فبين له) غلطه
(فأصر على روايته) لذلك الحديث ولم يرجع (سقطت رواياته) كلها ولم يكتب عنه، قال ابن
الصلاح وفي هذا نظر قال: (وهذا صحيح إن ظهر أنه أصر عناداً أو نحوه) وكذا قال ابن حبان:
قال ابن مهدي لشعبة: من الذي تُترك الرواية عنه؟ قال إذا تمارى في غلط مجمع عليه ولم يتّهم
نفسه عند اجتماعهم على خلافه. قال العراقي وقيد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المبين عالماً
عند المبين له وإلا فلا حرج إذاً.
(الثانية عشرة: أعرض الناس) في (هذه الأزمان) المتأخرة (عن اعتبار مجموع) هذه
(الشروط المذكورة) في رواية الحديث ومشايخه لتعذر الوفاء بها على ما شرط (لكون المقصود)
الآن (صار إبقاء سلسلة الإسناد المختص بالأمة) المحمدية والمحاذرة من انقطاع سلستها
(فليعتبر) من الشروط (ما يليق بالمقصود) المذكور على تجرده وليكتف بما يذكر (وهو كون
الشيخ مسلماً بالغاً غير متظاهر بفسق أو سخف) يخل بمروءته لتحقق عدالته (و) يكتفي (بضبطه
بوجود سماعه مثبتاً بخط) ثقة (غير متهم وبروايته من أصل) صحيح (موافق لأصل شيخه وقد قال
نحو ما ذكرناه الحافظ أبو بكر البيهقي) وعبارته: توسع مَن توسع في السماع من بعض محدثي
زماننا. الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كسبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد
أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة
الحديث. قال: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لا يقبل منه، ومن جاء بحديث
معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من
روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلاً بحدثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها
هذه الأمة شرفاً لنبينا ◌َ ﴿، وكذا قال السُّلفي في جزء له في شرط القراءة، وقال الذهبي في
الميزان: ليس العمدة في زماننا على الرواة بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم
وصدقهم في ضبط أسماء السامعين، قال: ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره أهـ،
وفي هذا المعنى قال ابن معوذ:
... وإنهما لمُعانيها مَعانيها
تروى الأحاديث عن كلٍّ مسامحة

١٨٦
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
الثَّالِثَة عِشْرَةَ: في أَلْفَاظِ الْجَرْحِ وَالتّعْدِيلِ. وَقَدْ رَتْبَهَا ابْنُ أَّبِي حَاتِمٍ فَأَحْسَنَ. فَأَلْفَاظُ
التَّعْدِيلِ مَرَاتِبُ: أَعْلَاهَا: ثِقَةٌ أَوْ مُتْقِنٌ أَوْ ثَبْت أَوْ حُجَّةٌ. أَوْ عَدْلٌ حَافِظٌ. أَوْ ضَابِطُ الثَّانِيَةُ:
صَدُوقٌ، أَوْ مَحَلهُ الصَّدْقُ أَوْ لاَ بَأْسَ بِهِ، قَالَ ابْنُ أَّبِي حَاتِمٍ: هُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُّ
فِيهِ، وَهِيَ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ وَهُوَ كَمَا قَالَ، لأِنَّ هَذِهِ العِبَارَةَ لاَ تُشْعِرُ بِالضبْطِ، فَيُعْتَبَرُ حَدِيثُهُ عَلَى
مَا تَقَدَّمَ، وَعَنْ يَجِيى بْنِ مَعَينٍ إِذَا قُلْتُ لاَ بَأْسَ بِهِ فَهُوَ ثِقَةٌ، وَلاَ يُقَاوِمُ قَوْلَهُ عَنْ نَفْسِهِ نَقْلَ
ابْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَهْلِ الفَنِّ.
(الثالثة عشرة: في ألفاظ الجرح والتعديل، وقد رتبها ابن أبي حاتم) في مقدمة كتابه الجرح
والتعديل، وفصل طبقات ألفاظهم فيها (فأحسن) وأجاد (فألفاظ التعديل مراتب) ذكرها المصنف
كابن الصلاح تبعاً لابن أبي حاتم أربعة، وجعلها الذهبي والعراقي خمسة، وشيخ الإسلام ستة
(أعلاها) بحسب ما ذكره المصنف (ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجة، أو عدل حافظ، أو) عدل
(ضابط)، وأما المرتبة التي زادها الذهبي والعراقي فإنها أعلى من هذه، وهو: ما كرر فيه أحد
هذه الألفاظ المذكورة إما بعينه، كثقة ثقة، أو لا، كثقة ثبت(١) أو ثقة (٢) حجة أو ثقة حافظ،
والرتبة التي زادها شيخ الإسلام أعلى من مرتبة التكرير. وهي: الوصف بأفعل كأوثق الناس
وأثبت الناس، أو نحوه، كإليه المنتهى في التثبت، قلت ومنه، لا أحد أثبت منه، ومَن مِثل
فلان، وفلان لا يسأل عنه، ولم أر من ذكر هذه الثلاثة، وهي في ألفاظهم، فالمرتبة التي ذكرها
المصنف أعلى هي ثالثة في الحقيقة (الثانية) من المراتب وهي رابعة بحسب ما ذكرناه (صدوق،
أو محلّه الصدق، أو لا بأس به) زاد العراقي: أو مأمون، أو خيار أو ليس به بأس (قال ابن
أبي حاتم) مَن قِيل فيه ذلك (هو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية) قال ابن
الصلاح (وهو كما قال، لأن هذه العبارة لا تُشعر بالضبط، فيعتبر حديثه) بموافقة الضابطين (على
ما تقدم) في أوائل هذا النوع (وعن يحيى بن معين) أنه قال لأبي خيثمة وقد قال له إنك تقول
فلان ليس به بأس فلان ضعيف (إذا قلتُ) لك (لا بأس به فهو ثقة) وإذا قلت لك هو ضعيف
فليس هو بثقة، لا يُكتب حديثه، فأشعر باستواء اللفظين.
قال ابن الصلاح: وهذا ليس فيه حكاية عن غيره من أهل الحديث، بل نسبه إلى نفسه
خاصة (ولا يقاوم قوله عن نفسه نقْلَ ابن أبي حاتم عن أهل الفن).
(١) ثبت: قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ١١١/١: ((بسكون الموحدة الثابت القلب واللسان والكتاب
الحجة.
وأما بالفتح: فما يثبت فيه المحدث مسموعه مع أسماء المشاركين له فيه؛ لأنه كالحجة عند
الشخص لسماعه وسماع غيره)) .
(٢) ثقة: هو من جمع بين العدالة والضبط كما تقدم. قال ابن طاهر في ((توجيه النظر)) ص (٣٢): ((هو
مصدر ((وثِقٍ))، تقول: وثقت بفلان ثقة، ويجوز تثنيته وجمعه، تقول: هما ثقتان، وهم وهن ثقات)).

١٨٧
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
الثَّالِثَةُ: شَيْخٌ، فَيُكْتَبَ وَيُنْظَرُّ.
الرَّابِعَةُ: صَالِحُ الْحَدِيثِ: يُكْتَبُ لِلاعْتِبَارِ، وَأَمَّا أَلْفَاظُ الجَرْحِ، فَمَرَاتِبُ فَإِذَا قَالُوا لَيِّنُ
الحَدِيثِ كُتِبَ حَدِيثُهُ وَيُنْظِرِ اعْتِبَاراً. وَقَالَ الدَّارَقُطِيُّ: إِذَا قُلتُ لَيِّنُ الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ سَاقِطاً،
وَلَكِنْ مَجْرُوحاً بِشَيْءٍ لاَ يُسْقِطُ عن العَدَالَةِ،
قال العراقي: ولم يقل ابن مَعين إن قولي ليس به بأس كقولي ثقة، حتى يلزم منه التسوية،
إنما قال: إن من قال فيه هذا فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير بثقة أرفع من التعبير بلا بأس به،
وإن اشتركا في مطلق الثقة، ويدل على ذلك أن ابن مهدي قال: حدثنا أبو خَلْدة فقيل له أكان
ثقة، فقال: كان صدوقاً وكان مأموناً وكان خيراً، الثقة شُعبةُ وسفيان، وحكى المروزي قال:
سألت ابن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ قال: لا تدري ما الثقة؟ إنما الثقة يحيى بن سعيد
القطان .
تنبيه :
جَعل الذهبي قولهم محله الصدق، مؤخراً عن قولهم صدوق إلى المرتبة التي تليها، وتبعه
العراقي لأن صدوقاً مبالغة في الصدق، بخلاف محله الصدق، فإنه دال على أن صاحبها محله
ومرتبته مطلق.
(الثالثة) من المراتب وهي خامسة بحسب ما ذكرنا (شيخ) قال ابن أبي حاتم (فيكتب)
حديثه (وينظر) فيه، وزاد العراقي في هذه المرتبة مع قولهم محله الصدق: إلى الصدق ما هُو.
شيخ وَسَط. مكرر جيد الحديث، حسن الحديث، وزاد شيخ الإسلام: صدوق سيىء الحفظ.
صدوق يَهم، صدوق له أوهام، صدوق تغير بآخره، قال: ويلحق بذلك، من رُمي بنوع بدعة،
كالتشيع والقَدَر والنَّصْب والإرجاء والتهجم.
(الرابعة) وهي سادسة بحسب ما ذكرنا (صالح الحديث)(١) فإنه (يكتب) حديثه (للاعتبار)
وينظر فيه، وزاد العراقي فيها، صدوق إن شاء الله، أرجو أن لا بأس به، صويلح، وزاد شيخ
الإسلام مقبول (وأما ألفاظ الجرح فمراتب) أيضاً أدناها ما قرُب من التعديل (فإذا قالوا لين
الحديث كتب حديثه وينظر) فيه (اعتباراً، وقال الدارقطني) لما قال له حمزة بن يوسف السهمي:
إذا قلت فلان لين أيش تريد؟ (إذا قلت لين) الحديث (لم يكن ساقطاً) متروك الحديث (ولكن
مجروحاً بشيء لا يسقط عن العدالة) ومن هذه المرتبة ما ذكره العراقي. فيه لين، فيه مقال،
(١) صالح الحديث: هكذا يقولونه دائماً في مقام التعديل للراوي بإضافة ((الحديث)) إلى ((صالح))، أما إذا
قالوا فيه: ((صالح)، أو ((شيخ صالح)) بدون إضافة ((الحديث)) إليه، فإنما يعنون به الصلاحية في دينه جرياً
على عادتهم في إطلاق الصلاحية، حيث يريدون بها الديانة أما حيث أريد الصلاحية في الحديث،
فيقيدونها. انظر ((فتح المغيث)) بحث المنكر ص (٨٠). قاله الشيخ عبد الفتاح علي ((الرفع))
ص (١٣٨).

١٨٨
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَهُوَ دُونَ لَيِّنٌ، وَإِذَا قَالُوا: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ فَدُونَ
لَيْسَ بِقَوِيٌّ وَلاَ يُطْرَحُ بَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ، وَإِذَا قَالُوا: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، أَوْ وَاهِيِهِ، أَوْ كَذَّابٌ، فَهُوَ
سَاقِطٌ لاَ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَمِنْ أَلْفَاظِهِمْ: فُلَنٌ رَوَى عَنْهُ النَّاسُ، وَسَطٌ، مُقَارِبُ الْحَدِيثِ،
مُضْطَرِبٌ، لاَ يُخْتَجُ بِهِ، مَجْهِولٌ، لاَ شَيْءَ، لَيْسَ بِذَلِكَ، لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، فِيهِ أَوْ فِي حَدِيثِهِ
ضَعْفٌ، مَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْساً، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى مَعَانِهَا بِمَا تَقَدَّمَ.
ضعِّف، تعرف وتنكر، وليس بذاك، ليس بالمتين، ليس بحجة ليس بعمدة، ليس بمرضي
للضعف ما هو فيه خلف تكلموا فيه، مطعون فيه، سيىء الحفظ.
(وقولهم ليس بقوي يكتب) أيضاً (حديثه) للاعتبار (وهو دون لين) فهي أشد في الضعف
(وإذا قالوا ضعيف الحديث فدون ليس بقوي، ولا يطرح بل يعتبر به) أيضاً، وهذه مرتبة ثالثة،
ومن هذه المرتبة فيما ذكره العراقي، ضعيف فقط، منكر الحديث، حديثه منكر، واهٍ ضعفوه
(وإذا قالوا متروك الحديث أو واهيه أو كذاب فهو ساقط لا يكتب حديثه) ولا يعتبر به، ولا
يستشهد، إلا أن هاتين مرتبتان وقبلهما مرتبة أخرى، لا يعتبر بحديثها أيضاً، وقد أوضح ذلك
العراقي، فالمرتبة التي قبل وهي الرابعة، رد حديثه، ردوا حديثه، مردود الحديث، ضعيف جداً،
واهٍ بمرّة، طرحوا حديثه، مطرح، مطرّح الحديث، ارم به، ليس بشيء، لا يساوي شيئاً، ويليها،
متروك الحديث، متروك، تركوه، ذاهب، ذاهب الحديث، ساقط، هالك، فيه نظر، سكتوا عنه،
لا يعتبر به، لا يعتبر بحديث، ليس بالثقة، ليس بثقة، غير ثقة ولا مأمون، متهم بالكذب أو
بالوضع، ويليها كذاب يكذب، دجال وضاع، يضع، وضع حديثاً.
(ومن ألفاظهم) في الجرح والتعديل (فلان روى عنه الناس، وسط، مقارب الحديث) وهذه
الألفاظ الثلاثة من المرتبة التي يذكر فيها شيخ، وهي الثالثة من مراتب التعديل، فيما ذكره
المصنف (مضطرب لا يحتج به مجهول) وهذه الألفاظ الثلاثة في المرتبة التي فيها: ضعيف
الحديث، وهي الثالثة من مراتب التجريح (لا شيء) هذه من مرتبة رد حديثه، التي أهملها
المصنف وهي الرابع (ليس بذلك ليس بذاك القوي فيه) ضعف (أو في حديثه ضعف) هذه من
مرتبة لين الحديث وهي الأولى (ما أعلم به بأساً) هذه أيضاً منها، أو من آخر مراتب التعديل،
کأرجو أن لا بأس به .
قال العراقي. وهذه أرفع في التعديل، لأنه لا يلزم من عدم العلم بالبأس حصول الرجاء
بذلك.
قلت: وإليك يشير صنيع المصنف (ويستدل على معانيها) ومراتبها (بما تقدم) وقد تبين
ذلك.
تنبيهات :
الأول: البخاري يطلق: فيه نظر وسكتوا عنه فيمن تركوا حديثه، ويطلق منكر الحديث على

١٨٩
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
من لا تحل الرواية عنه.
الثاني: ما تقدم من المراتب مصرح بأن العدالة تتجزأ لكنه باعتبار الضبط، وهل تتجزأ
باعتبار الدين؟ وجهان في الفقه، ونظيره الخلاف في تجزىء لاجتهاد وهو الأصح فيه، وقياسه
تجزؤ الحفظ في الحديث، فيكون حافظاً في نوع دون نوع من الحديث، وفيه نظر.
الثالث: قولهم مقارب الحديث. قال العراقي: ضبط في الأصول الصحيحة بكسر الراء،
وقيل: إن ابن السيِّد حكى فيه الفتح والكسر، وأن الكسر من ألفاظ التعديل، والفتح من ألفاظ
التجريح، قال: وليس ذلك بصحيح، بل الفتح والكسر معروفان، حكاهما ابن العربي في شرح
الترمذي، وهما على كل حال من ألفاظ التعديل، وممن ذكر ذلك الذهبي قال: وكأن قائل ذلك
فهم من فتح الراء أن الشيء المقارب هو الرديء، وهذا من كلام العوام وليس معروفاً في اللغة،
وإنما هو على الوجهين من قوله (وَالر: ((سددوا وقاربوا)) فمن كسر قال إن معناه حديثه مقارب
لحديث غيره، ومن فتح قال: معناه إن حديثه يقاربه حديث غيره، ومادة فاعل تقتضي المشاركة
انتهى، وممن جزم بأن الفتح تجريح البلقيني في محاسن الاصطلاح، وقال: حكى ثعلب: تبر
مقارب، أي رديء انتهى، وقولهم إلى الصدق ما هو، وللضعف ما هو معناه قريب من الصدق
والضعف، فحرف الجر يتعلق بقريب مقدراً، وما زائدة في الكلام، كما قال عياض والمصنف في
حديث الجساسة عند مسلم ((من قبل المشرق، ما هو)) المراد إثبات أنه في جهة المشرق، وقولهم
واه بمرة أي قولاً واحداً لا تردد فيه، فكأن الباء زائدة، وقولهم تعرف وتنكر، أي يأتي مرة
بالمناكير ومرة بالمشاهير.

:'.

الفهرس
مقدمة المحقق .
٣
ترجمة المؤلف
٥
مقدمة المؤلف .
٧
النوع الأول: الصحيح
٢٧
ما قيل فيه: أصح الأسانيد مطلقاً
٣٤
ما قيل فيه : أصح الأسانيد بالنسبة لصحابي أو بلد مخصوص
٣٨
أول من صنف في الصحيح المجرد وأصح كتب الحديث.
٤٠
تصحيح ما في الصحيحين وتفضيل البخاري على مسلم وامتياز كل من الصحيحين عن
الآخر .
٤٢
عدم استيعاب الأحاديث النبوية .
٤٦
أقسام الصحيح وعدد أحاديث البخاري
٤٨
عدد أحاديث مسلم وتساهل الحاكم في المستدرك
٤٩
الكلام على صحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة وموطأ مالك
٥١
الكتب المخرجة على الصحيحين ومعنى المستخرج وفوائد المستخرجات
٥٥
المستخرجات على غير الصحیحین
٥٦
الكلام على تعاليق البخاري
٥٦
أقسام الصحيح بحسب التمكن من شروط الصحة وترتيب كتب الصحة
٦١
تحقيق شرط البخاري ومسلم إفادة ما رواه الشيخان الظن
٦٤
الأحاديث المتكلم فيها من أحاديث الصحیحین
٦٩
جواز التصحيح والتحسين في هذه الأعصار .
٧١
ترجمة الضياء المقدسي والمنذري والدمياطي والسبكي وابن المواق.
٧٢
شرط الاحتجاج بما نقل عن الكتب وترجمة ابن جماعة
٧٤
جواز رواية الحديث من الكتب من غير رواية ..
٧٥
النوع الثاني: الحديث الحسن وتعريفه والاحتجاج به وترجمة الإمام الخطابي
٧٦
معنی الحسن عند الترمذي وترجمة ابن سيد الناس
٨١

١٩٢
من الذي ادخلى ابنماجة في السفة/ من با قى الضعيف إلى الحسن الغيرة.
س- ٢ الد رب- الموطن
الفُھرس
٨٢
تقسیم الحسن إلی قسمین
٨٤
مراتب الحسن وإدماجه في الصحيح وعدم استلزامه صحة السند لصحة المتن
٨٤
. مظنّة الأحاديث الحسنة .
٨٦
الحسن في سنن أبي داود.
الكلام على سنن الدار قطني وترجمة مؤلفها .
٨٦
مرتبة المسانيد من الصحة وترجمة اللؤلؤي وابن داسة والمصلوب والاختلاف في
٨٧
سادس كتب الصحة .
نقد مسند أحمد وما قيل فيه ورده وترجمة الدارمي وعلاء الدين مغلطاي
٨٨
أول من صنف مسنداً وترجمة أبي داود الطيالسي وابن مطر جامع مسند الشافعي
٨٨
شرط ترقي الضعيف إلى مرتبة الحسن .
٩٠
معنى: المقبول والجيد والقوي والصالح والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت
٩٠
النوع الثالث: الضعيف وحده
أضعف الأسانيد .
٩١
٩٢
٩٣
النوع الخامس: المتصل وتناوله الموقوف
٩٤
النوع السادس : المرفوع
النوع السابع: الموقوف وإطلاقه على المروي عن التابعي والخبر على المرفوع والأثر
على الموقوف والمقطوع.
٩٥
ما يلحق بالمرفوع أو الموقوف من قول الصحابي وترجمة الإسماعيلي
٩٥
ما اختلف في رفعه ووقفه من قول الصحابي
٩٧
ما جاء عن الصحابي ومثله لا يقال من قبل الرأي
٩٩
القول في تفسير الصحابي
٠
١٠١
النوع الثامن: المقطوع ومظان معرفته .
١٠٢
النوع التاسع: المرسل وبيان إطلاقه على المنقطع والمعضل.
١٠٣
الكلام في حجية المرسل . .
١٠٤
/ منالفر جتم الاجتماع بالمرسل؟
الكلام في احتجاج الشافعي بالمرسل
١٠٩
المراسيل في صحيح مسلم وعذره فيها
١٠٩
النوع العاشر: المنقطع . .
المنقطع في صحيح مسلم من الأحاديث
١٠٩
النوع الحادي عشر: المعضل .
١١١
٩٤
النوع الرابع: المسند وحده، والكلام على المضعف
١٠٠

١٩٣
الفهرس
وصل بلاغات الموطأ .
١١١
المعنعن و القول بإرساله
١١٣
الحدیث المؤنن والمأنان
١١٥
استعمال المعلق فيما حذف أول سنده أو كل سنده
١١٦
ما روي موقوفاً ومرفوعاً أو مرسلاً ومتصلاً
١١٧
النوع الثاني عشر: المدلس وأقسامه
١١٨
تدليس العطف وتدليس القطع .
١١٩
النوع الثالث عشر: الشاذ والمتروك منه وما يتوقف فيه
١٢٣
الشاذ المنكر والاحتجاج بتفرد الضابط وبيان المحفوظ والمعروف
١٢٤
النوع الرابع عشر: معرفة المنكر
١٢٧
الفرق بين الشاذ والمنكر، وفيه المتروك.
١٢٨
النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد ومعنى السنن والجامع
والمسند والمشيخات والأجزاء
١٢٨
النوع السادس عشر: معرفة زيادة الثقات وحكمها وأقسامها
١٣٠
النوع السابع عشر: معرفة الأفراد وأقسام المفرد .
١٣٣
النوع الثامن عشر: المعلل، وأوجه معرفته مع ظهور السند
١٣٤
ما تطلق عليه العلة من الأسباب القادحة.
١٣٥
النوع التاسع عشر: المضطرب ووقوع الاضطراب في المتن والسند
١٤١
النوع العشرون: المدرج وانقسامه إلى مدرج المتن ومدرج الإسناد وما وقع في
الصحیحین منه
١٤٤
النوع الحادي والعشرون: الموضوع وطرق معرفة الوضع
١٤٨
نقد كتاب موضوعات ابن الجوزي وبيان مواده .
١٥١
الكلام على كتاب: تنزيه الشريعة المرفوعة لابن عراق
١٥٣
أقسام الوضاعين والوضع في فضائل السور وترجمة أبي عصمة نوح
١٥٣
المعروفون بوضع الأحاديث ..
١٥٦
حرمة الوضع ورواية الموضوع من غير بيان حاله
١٥٧
أصح ما ورد في فضائل السور وسرد بعض النسخ الموضوعة
١٥٨
النوع الثاني والعشرون: المقلوب وأقسامه ووقوعه في المتن وترجمة الدراوردي وبيان
المتروك .
١٥٨
عدم جواز قلب الأحاديث للاختبار وما انقلب سنده عند الأئمة الخمسة
١٥٩
تدريب الراوي / ج ١/م ١٣

١٩٤
الفهرس
الحكم على سند الحديث ليس حكماً على متنه وبيان الحديث المطروح عند الذهبي
ووقوعه في جامع الترمذي وسنن أبي داود
١٦١
عدم معرفة النقاد الحديث حكم بنفيه .
١٦٢
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته ومذهب العلماء في رواية الضعيف وفي
١٦٣
ما تثبت به عدالة الراوي ويعرف به فضله
١٦٤
١٦٦
حكم تعارض الجرح والتعديل
١٧١٠
التعديل على الإبهام ..
روایة العدل لیست تعدیلاً لمن روی عنه
١٧١
عمل العالم وفتواه على وفق الحديث أو خلافه ليس حكماً على حاله
١٧١٠
رواية مجهول العدالة والمستور .
١٧٢
معرفة رواة جهلهم بعض الحفاظ من رجال الصحيحين .
١٧٤
قبول رواية المرأة وقبول تعديلها وتعديل العبد بعد معرفة ما يعدل
١٧٤
١٧٥
جهالة الاسم لا تضر مع معرفة العين، وبيان ما أبهم من رجال مسلم
رواية المبتدع ومذاهب المحدثين في قبولها وردها .
١٧٦
الاختلاف فيمن يشتغل بعلوم الأوائل كالفلسفة والمنطق
١٧٨
سرد من رمي ببدعة ممن أخرج لهم الشيخان .
١٧٨
قبول رواية التائب من الفسق إلا من الكذب في الحديث
١٧٩
الفروق بين الرواية والشهادة
١٨٠
نفي الراوي ما رواه ورده
١٨١
أخذ الأجر على التحدیث
١٨٣
عدم قبول من عرف بالتساهل في السماع أو من يحدث لا من أصل مصحح أو يقبل
١٨٤
التلقين .
١٨٥
الاكتفاء في هذه الأزمان بوجود الحديث في أصل مصحح.
الكلام على لقب: المفيد، وتاريخ علم الجرح والتعديل - وبيان ألفاظ الجرح والتعديل
وشرح غامضها
١٨٦
جواز الجرح للمصلحة في الرواية ومعنى قولهم: أيش
١٨٧
ألفاظ هامة في الجرح: مزيدة على ما ذكره السيوطي .
١٨٨٠٠٠
الفهرس
١٩١
قبوله في فضائل الأعمال وشرط ذلك
ما يعرف به ضبط الراوي
١٦٨
١٦٦
قبول الجرح والتعديل واشتراط ذكر السبب
٠٫٠

تَدَيِّبَ الَّوي
يف
شَرِح تَقريبِ النََّاوي
للإمام
جلال الدِّين عبدالرحمن بن أبي بكر السَّيُوطي
المتوفى سنة ٩١١ هـ
شرح ألفاظه وعلّق عليه
أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة
الجزء الثاني
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

٠٠٥٤

◌َلْهِالرّمنِ الرَّحِـ
النوع الرابع والعشرون: كَبْقِيَةُ سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَتحَمُّلُهُ
وَصِفَةُ ضَبْطِهِ، تُقْبَلُ رِوَايَةُ المُسْلِمِ البَالغِ ما تَحمّلَهُ قَبْلَهُمَا، وَمَنَعَ الثَّانِي قَوْمٌ فأخطؤوا.
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْتَدِىءِ بِسَمَاعِ الحديثِ بَعْدَ ثَلَائِينَ سَنَةً. وَقِيلَ
بَعْدَ عِشْرِینَ،
(النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه: تقبل رواية المسلم البالغ
ما تحمله قبلهما) في حال الكفر والصبا (ومنع الثاني) أي قبول رواية ما تحمله في الصبا (قوم
فأخطؤوا) لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة كالحسن والحسين وعبد الله بن الزبير وابن عباس
والنعمان بن بشير والسائب بن يزيد والمِسْوَر بن مَخْرَمة وغيرهم، من غير فرق بين ما تحملوه قبل
البلوغ وبعده.
وكذلك كان أهل العلم يُحضِرون الصبيان مجالس الحديث ويعتدون بروايتهم بعد البلوغ.
ومن أمثلة ما تحمّل في حالة الكفر: حديث جُبير بن مُطْعِم المتفق(١) عليه أنه سمع النبي وَّ
يقرأ في المغرب بالطور، وكان جاء في فداء أسرى بدر قبل أن يسلم. وفي رواية للبخاري: ( ...
وذلك أول ما وقر الإِيمان في قلبي)).
ولم يجر الخلاف السابق هنا، كأنه لأن الصبي لا يضبط غالباً ما تحمله في صباه بخلاف
الكافر. نعم، رأيت القطب القسطلاني(٢) في كتابه ((المنهج في علوم الحديث)) أجرى الخلاف فيه
وفي الفاسق أيضاً.
(قال جماعة من العلماء: يستحب أن يبتدىء بسماع الحديث بعد ثلاثين سنة) وعليه
أهل الشام (وقيل: بعد عشرين) سنة، وعليه أهل الكوفة.
٢٠٠٠
(١) سبق تخريجه.
(٢) القسطلاني هو: الحافظ قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علي المصري ((القَسطلَّني)) نسبة إلى
((قُسْطلينة)) بضم القاف وتخفيف اللام، وبعضهم ضبطه بفتحها وشدّ اللام من إقليم إفريقيا بالمغرب.
مات سنة (٦٨٦). له ترجمة في: الرسالة المستطرفة ص (١٢٣).

٤
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
وَالصَّوَابُ في هذهِ الأَزْمَانِ التَّْكِيرُ بِهِ مِنْ حِينَ يَصِحُ سَمَاعُهُ، وَبِكَتْبِهِ وَتَقْبِيدِهِ حِينَ يَتَأَهَّلُ لَهُ،
وَيَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأَشْخَاصِ .
وَنَقَلَ القَاضِي عَيَّاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ أَهْلَ الصَّنْعَةِ حَدَّدُوا أَوَّلَ زَمَنٍ يَصِحُ فِيهِ السَّمَاعُ
بِخَمْسٍ سِنِينَ، وَعَلَى هذا أُسْتَقَرَّ العَمَلُ.
وَالصَّوَابُ أَعْتِبَارُ التمييزِ، فَإِنْ فَهِمَ الْخِطَابَ وَرَدَّ الْجَوَابَ كانَ مُميَّزاً صَحِيحَ السَّماعِ،
وَإِلاّ فَلاَ ،
قيل لموسى بن إسحاق(١): كيف لم تكتب عن أبي نُعيم؟ فقال: كان أهل الكوفة لا يخرجون
أولادهم في طلب الحديث صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة وقال سفيان الثوري(٢): كان الرجل
إذا أراد أن يطلب الحديث تعبَّد قبل ذلك عشرين سنة. وقال أبو عبد الله الزبيري من الشافعية(٣):
يستحب كَتّب الحديث في العشرين، لأنها مجتمع العقل. قال: وأحب أن يشتغل دونها بحفظ
القرآن والفرائض أي الفقه .
(والصواب في هذه الأزمان) بعد أن صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد (التبكير به) أي
بالسماع (من حين يصح سماعه) أي الصغير (وبكتبه) أي الحديث (وتقييده) وضبطه (حين يتأهل له)
ويستعد (و) ذلك (يختلف باختلاف الأشخاص) ولا ينحصر في سن مخصوص.
:(ونقل القاضي عياض أن أهل الصنعة حددوا أول زمن يصح فيه السماع) للصغير (بخمس
سنين) ونسبه غيره للجمهور. وقال ابن الصلاح(٤): (وعلى هذا استقر العمل) بين أهل الحديث،
فيكتبون لابن خمس فصاعداً ((سمع))، وإن لم يبلغ خمساً ((حضر أو أحضر))، وحجتهم في ذلك ما
رواه البخاري وغيره(٥) من حديث محمود بن الربيع قال: عقلت من النبي ◌َّر مجة مجها في وجهي
من دلو وأنا ابن خمس سنين، بوب عليه البخاري: متى يصح سماع الصغير؟
قال المصنف كابن الصلاح(٦): (والصواب اعتبار التمييز فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان
مميزاً صحيح السماع) وإن لم يبلغ خمساً (وإلا فلا) وإن كان ابن خمس فأكثر، ولا يلزم من عقل
محمود المجة في هذا السن أن تمييز غيره مثل تمييزه، بل قد ينقص عنه وقد يزيد، ولا يلزم منه أن
لا يعقل مثل ذلك وسنه أقل من ذلك، ولا يلزم من عقل المجة عقل غيرها مما يسمعه.
(١) علوم الحديث ص (١٦٣).
(٢) نفس المصدر.
(٣) نفس المصدر.
(٤) علوم الحديث ص (١٦٤).
(٥) في: العلم (١٨).
(٦) علوم الحديث ص (١٦٤).
٦٠

٥
النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله
وَرُوِيَ نحْوُ هذا عَنْ مُوسىُ بْنِ هُرُونَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل.
بَيَانُ أَقْسَامٍ طُرُقٍ تَحَمُّلِ الْحَدِيثِ. وَمَجَامِعُهَا ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ:
الأوَّلُ: سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَهُوَ إِمْلَاءٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حِفظٍ وَمِنْ كِتَابٍ. وَهُوَ أَزْفَعُ الأَقْسَامِ
عِنْدَ الجَمَاهِيرِ. قَالَ الْقَاضِي عِیَاضٌ :
وقال القسطلاني في كتاب ((المنهج)): ما اختاره ابن الصلاح هو التحقيق والمذهب الصحيح.
(وروى نحو هذا) وهو اعتبار التمييز (عن موسى بن هارون) الحمال أحد الحفاظ (وأحمد بن
حنبل) أما موسى فإنه سئل متى يسمع الصبي الحديث؟ فقال: إذا فرق بين البقرة والحمار (١).
وأما أحمد فإنه سئل عن ذلك فقال: إذا عقل وضبط، فذكر له عن رجل أنه قال لا يجوز
سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة لأن رسول الله ◌َ# رد البراء وابن عمر استصغرهما يوم بدر،
فأنكر قوله هذا وقال: بئس القول، فكيف يصنع بسفيان ووكيع ونحوهما، أسندهما الخطيب في
الكفاية(٢). فالقولان راجعان إلى اعتبار التمييز، وليسا بقولين في أصل المسألة، خلافاً للعراقي
حيث فهم ذلك فحكى فيه أربعة أقوال، وكأنه أراد حكاية القول المذكور لأحمد، وهو خمس عشرة
سنة، وقد حكاه الخطيب في الكفاية(٣) عن قوم منهم يحيى بن معين، وحكى عن آخرين منهم
يزيد بن هارون ثلاث عشرة. ومما قيل في ضابط التمييز: أن يحسن العدد من واحد إلى عشرين،
حكاه ابن الملقن، وفرق السِّلفي بين العربي والعجمي فقال: أكثرهم على أن العربي يصح سماعه
إذا بلغ أربع سنين لحديث محمود العجمي إذا بلغ ست سنين .
ومما يدل على أن المرجع إلى التمييز ما ذكره الخطيب (٤) قال: سمعت القاضي أبا محمد
الأصبهاني يقول: حفظت القرآن ولي خمس سنين، وأحضرت عند أبي بكر المقري ولي أربع
سنين، فأرادوا أن يسمعوا لي فيما حضرت قراءته، فقال بعضهم: إنه يصغر عن السماع، فقال لي
ابن المقري: اقرأ سورة الكافرين فقرأتها، فقال: اقرأ سورة التكوير، فقرأتها، فقال لي غيره اقرأ
سورة المرسلات، فقرأتها ولم أغلط فيها، فقال ابن المقري: اسمعوا له والعهدة عليَّ.
(بيان أقسام طرق تحمل الحديث) هي ترجمة (ومجامعها ثمانية أقسام: الأول: سماع لفظ
الشيخ وهو إملاء وغيره) أي تحديث من غير إملاء. وكل منهما يكون (من حفظ) للشيخ (ومن كتاب) له
(وهو أرفع الأقسام) أي أعلى طرق التحمل (عند الجماهير) وسيأتي مقابله في القسم الآتي،
والإملاء أعلى من غيره، وإن استويا في أصل الرتبة (قال القاضي عياض) أسنده إليه ليبرأ من عهدته
-
(١) علوم الحديث ص (١٦٤).
(٢) ص (١١٣): باب ذكر أخبار بعض من قدمنا تسميته.
(٣) ص (١١٤).
(٤) ص (١١٧).