Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢٠
النوع الثاني عشر: التدليس
الثاني: تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ بِأَنْ يُسَمِّي شَيْخَهُ أَوْ يَكْنِهِ أَوْ يَنْسَبَهُ أَوْ يَصِغَهُ بِمَا لاَ يُعْرَف؛
الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث، وإن قيل تسوية
بدون لفظ التدليس لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه، كما فعل مالك، فإنه لم يقع في
التدليس أصلاً، ووقع في هذا فإنه يروى عن ثور عن ابن عباس، وثور لم يلقه وإنما روى عن
عكرمة عنه فأسقط عكرمة لأنه غير حجة عنده، وعلى هذا يفارق المنقطع، بأن شرط الساقط هنا
أن يكون ضعيفاً فهو منقطع خاص، ثم زاد شيخ الإسلام تدليس العطف ومثله بما فعل هشيم فيما
نقل الحاكم والخطيب. أن أصحابه قالوا له نريد أن تحدثنا اليوم شيئاً لا يكون فيه تدليس، فقال
خذوا، ثم أملى عليهم مجلساً يقول في كل حديث منه حدثنا فلان وفلان ثم يسرق السند
والمتن، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئاً قالوا لا قال بلى كل ما قلت فيه وفلان فإني
لم أسمعه منه.
قال شيخ الإسلام وهذه الأقسام كلها يشملها تدليس الإسناد، فاللائق ما فعله ابن الصلاح
من تقسيمه قسمين فقط، قلت: ومن أقسامه أيضاً ما ذكر محمد بن سعيد عن أبي حفص عمر بن
علي المقدمي أنه كان يدلس تدليساً شديداً يقول سمعت وحدثنا ثم يسكت، ثم يقول، هشام بن
عروة، الأعمش وقال أحمد بن حنبل كان يقول حجاج سمعته، يعني حدثنا آخر، وقال جماعة
كان أبو إسحاق يقول ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، فقوله
عبد الرحمن تدليس يوهم أنه سمعه منه، وقسمه الحاكم إلى ستة أقسام:
الأول: قوم لم يميزوا بين ما سمعوه وما لم يسمعوه.
١٥
الثاني: قوم يدلسون فإذا وقع لهم من ينقر عنهم ويلح في سماعاتهم ذكروا له، ومثله بما
حكى ابن خشرم عن ابن عيينة .
الثالث: قوم دلسوا عن مجهولين لا يدري من هم، ومثله بما روي عن ابن المديني قال :
حدثني حسين الأشقر حدثنا شعيب بن عبد الله عن أبي عبد الله عن نوف قال بت عند علي فذكر
كلاماً، قال ابن المديني فقلت لحسين ممن سمعت هذا؟ فقال: حدثنيه شعيب عن أبي عبد الله
عن نوف، فقلت لشعيب: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو عبد الله الجصاص، فقلت: عمن؟ قال:
عن حماد القصار، فلقيت حماداً فقلت له: من حدثك بهذا؟ قال: بلغني عن فرقد السبخي عن
نوف، فإذا قد دلس عن ثلاثة وأبو عبد الله مجهول، وحماد لا يدري من هو، وبلغه عن فرقد،
وفرقد لم يدرك نوفاً.
الرابع: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه.
الخامس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم فيقولون قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع
وليس عندهم سماع، قال البلقيني، وهذه الخمسة كلها داخلة تحت تدليس الإسناد وذكر
السادس، وهو تدليس الشيوخ الآتي. القسم (الثاني: تدليس الشيوخ بأن يسمي شيخه أو يكنيه أو
ينسبه أو يصفه بما لا يعرف).

١٢١
النوع الثاني عشر: التدليس
أَمَا الأولُ فَمَكْرُوهٌ جِدًّا، ذَقَّهُ أَكْثَرُ العُلمَاءَ، ثمَّ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: مَنْ عُرفَ بِهِ صَارَ مَجْروحاً
مَرْدودَ الرِّوايَةِ وَإِنْ بَيَّنَ السَّماعَ، وَالصَّحِيحُ النَّفْصِيلُ، فَمَا رَوَاهُ بِلَفْظِ مُحتَمَلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ
السَّماعَ فَمُرسلٌ وَمَا بَيِّنَهُ فِيهِ، كَسَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا وَشِبْهِهَا فَمَقْبُولٌ مُخْتَجٌّ بِهِ، وَفي
الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ هَذَا الضّرْبِ كَثِيرٌ، كَفَتَادَةَ، وَالسِفْيَانَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَهذَا الْحَكُمْ جَاءٍ
قال شيخ الإسلام ويدخل أيضاً في هذا القسم التسوية، بأن يصف شيخ شيخه بذلك (أما)
القسم (الأول: فمكروه جداً ذمه أكثر العلماء) وبالغ شعبة في ذمه فقال: لأن(١) أزني أحب إلي
من أن أدلس(٢) وقال: التدليس أخو الكذب(٣)، قال ابن الصلاح(٤): وهذا منه إفراط محمول على
المبالغة في الزجر عنه والتنفير (ثم قال فريق منهم) من أهل الحديث والفقهاء (من عرف به صار
مجروحاً مردود الرواية) مطلقاً (وأن بين السماع) وقال جمهور من يقبل المرسل يقبل مطلقاً حكاه
الخطيب، ونقل المصنف في شرح المهذب الاتفاق على رد ما عنعنه تبعاً للبيهقي وابن عبد البر
محمول على اتفاق من لا يحتج بالمرسل، لكن حكى ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا:
يقبل تدليس ابن عيينة، لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج، ومعمر ونظرائها، ورجحه ابن حبان
قال: وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان(6) بن عيينة، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة
متقن، ولا يكاد يوجد له خبر دلس فيه إلا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته، ثم مثل ذلك
بمراسيل كبار التابعين، فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابي، وسبقه إلى ذلك أبو بكر البزار وأبو
الفتح الأزدي، وعبارة البزار: من كان يدلس عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولاً، وفي
الدلائل لأبي بكر الصيرفي: من ظهر تدليسه عن غير الثقات لم يقبل خبره حتى يقول حدثني أو
سمعت، فعلى هذا هو قول ثالث مفصل غير التفصيل الآتي، قال المصنف كابن الصلاح: وعزى
للأكثرين منهم الشافعي وابن المديني وابن معين وآخرون (والصحيح التفصيل فما رواه بلفظ
محتمل لم يبين فيه السماع فمرسل) لا يقبل (وما بين فيه كسمعت وحدثنا وأخبرنا وشبهها فمقبول
يحتج به وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير كقتادة والسفيانين وغيرهم) كعبد الرزاق
والوليد بن مسلم، لأن التدليس ليس كذباً وإنما هو ضرب من الإيهام (وهذا الحكم جار) كما
(١) لأن أزني: يحتمل أن المراد الزنا الحقيقي، ويحتمل أن المراد زنا العين، ويحتمل أن المراد أحاول
الزنا، كما في بعض النسخ ((أزاني)). اهـ من خط الشيخ عبد البر الأجهوري. ((حاشية الأجهوري))
ص (٦٢).
٨٤
(٢) رواه الخطيب في ((الكفاية)) ص (٥٠٨).
(٣) رواه الخطيب في ((الكفاية)) ص (٥٠٨).
(٤) علوم الحديث ص (٩٨).
(٥) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون أبو محمد الهلالي الكوفي. كان إماماً حجة، حافظاً، واسع العلم
كبير القدر. مات سنة (١٩٨). له ترجمة في: العبر ٣٢٦/١، والفهرست (٢٢٦).

١٢٢
النوع الثاني عشر: التدليس
فِيمَنْ دَلّسَ مَرَّةً، وَمَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَشِبْهِهِمَا عَنِ المُدَلِّسِينَ بِعَنْ مَحْمولٌ عَلَى ثُبُوتِ
السَّمَاعِ مِنْ جِهَةٍ أَخْرَى، وَأَمَّا الثّانِي فَكَرَاهَتُهُ أَخَفتُّ وَسَبَبُهَا تَوْعِيرُ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ، وَتَخْتَلِفُ
الحالُ فِي كَرَاهَتِهِ بَحَسَبِ غَرَضِهِ، لِكَوْنِ المُغَيَّرِ اسْمُهُ ضعِيفاً، أَو صَغِيراً، أَوْ مُتَأَخِّرَ الْوِفَاةِ، أَوْ
سَمِعَ مِنْهُ كَثِيراً فَامْتَنَعَ مِنْ تَكْرارِهِ عَلَى صُورةٍ، وَيَسمَحُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ بِهِذَا.
نص عليه الشافعي (فيمن دلس مرة) واحدة (وما كان في الصحيحين وشبههما) من الكتب
الصحيحة (عن المدلسين بعن فمحمول على ثبوت السماع) له (من جهة أخرى) وإنما اختار
صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع، لكونها على شرطه دون تلك،
وفصل بعضهم تفصيلاً آخر فقال: إن كان الحامل له على التدليس تغطية الضعيف فجرح، لأن
ذلك حرام وغش وإلا فلا (وأما) القسم (الثاني: فكرهته أخف) من الأول (وسببها توعير طريق
معرفته) على السامع كقول أبي بكر بن مجاهد أحد أئمة القراءة حدثنا عبدالله بن أبي عبدالله يريد
أبا بكر بن أبي داود السجستاني وفيه تضييع(١) للمروي عنه والمروي(٢) أيضاً، لأنه قد لا يقطن له
فيحكم عليه بالجهالة (وتختلف الحال في كراهته بحسب غرضه) فإن كان (لكون المغير اسمه
ضعيفاً) فيدلسه حتى لا يظهر روايته عن الضعفاء فهو شر هذا القسم، والأصح أنه ليس بجرح،
وجزم ابن الصباغ في العدة بأن من فعل ذلك لكون شيخه غير ثقة عند الناس فغيره ليقبلوا خبره
يجب أن لا يقبل خبره، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة، لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه
هو، وقال الآمدي إن فعله لضعفه فجرح، أو لضعف نسبه أو لاختلافهم في قبول روايته فلا،
وقال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه فجرح وإلا فلا ومنع بعضهم إطلاق اسم
التدليس على هذا، روى البيهقي في المدخل عن محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر كان
الثوري يدلس قال لا، قلت أليس إذا دخل كورة يعلم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل قال
حدثني رجل وإذا عرف الرجل بالاسم كناه وإذا عرف بالكنية سماه. قال هذا تزيين ليس بتدليس
(أو) لكونه (صغيراً) في السن (أو متأخر الوفاة) حتى شاركه من هو دونه فالأمر فيه سهل (أو
سمع منه كثيراً فامتنع من تكراره على صورة) واحدة إيهاماً لكثرة الشيوخ أو تفنناً في العبارة
فسهل أيضاً (و) قد (يسمح الخطيب وغيره) من الرواة المصنفين (بهذا).
تنبيه :
من أقسام التدليس ما هو عكس هذا، وهو إعطاء شخص اسم آخر مشهور تشبيهاً، ذكره
ابن السبكي في جمع الجوامع قال: كقولنا أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، يعني الذهبي تشبيهاً
(١) تضييع للمروي عنه: أي ذلك الشيخ الذي وصفه بما لا يعرف به؛ لأنه لما وصفه كذلك، فكأنه لم
یذکره، وحينئذ فقد ضيعه. «حاشية الأجهوري» ص (٦٢).
(٢) والمروي أيضاً: أي الحديث: بسبب عدم التنبه للموصوف بما لا يعرف، فيصير بعض رواته مجهولاً،
فلا يقبل ذلك الحديث. ((المصدر السابق)).

١٢٣
النوع الثالث عشر: الشاذّ
النوع الثالث عشر: الشاذُّ هُوَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُلَماءِ الْحِجَازِ
مَا رَوَى الثُّقة. مُخَالِفاً لروَايَةِ النَّاسِ لاَ أَنْ يَرْوِيَ مَا لاَ يَزْوِي غَيْرُهُ، قَالَ الْخَلِيلِيُّ:
وَالّذِي عَلَيْهِ حُفّاظُ الْحَدِيثِ، أَنَّ الشّاذْ مَا لَيْسَ لَهُ إِلاَّ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ يَشِذُّ بِهِ ثِقَةٌ، أَوْ غَيْرُهُ، فَمَا
كان عَنْ غَيْرِ ثِقَة فَمَتْرُوٌ، وَمَا كَانَ عَنْ ثِقة تُؤُقِّفَ فِيهِ وَلاَ يُحْتَُ بِهِ، وَقَالَ الْحَاكُمْ: هُوَ مَا
انْفَرَدَ بِهِ ثِقَةٌ وَلَيْسَ لَهُ أَضْلٌ بِمُتَابِعٍ .
بالبيهقي حيث يقول ذلك يعني به الحاكم، وكذا إيهام اللقى والرحلة، كحدثنا من وراء النهر،
يوهم أنه جيحون، ويريد نهر عيسى ببغداد أو الجيزة بمصر، وليس ذلك يجرح قطعاً، لأن ذلك
من المعاريض لا من الكذب، قاله الآمدي في الأحكام وابن دقيق العيد في الاقتراح.
فائدة:
قال الحاكم: أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان والجبال، وأصبهان وبلاد
فارس وخوزستان وما وراء النهر: لا نعلم أحداً من أئمتهم دلسوا، قال: وأكثر المحدثين تدليساً
أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة، قال: وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها
التدليس إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس
بها، ومن دلس من أهلها إنما تبعه في ذلك وقد أفرد الخطيب كتاباً في أسماء المدلسين ثم ابن
عساكر.
فائدة :
استدل على أن التدليس غير حرام، بما أخرجه ابن عدي عن البراء قال: لم يكن فينا فارس
يوم بدر إلا المقداد، قال ابن عساكر: قوله فينا؛ يعني المسلمين، لأن البراء لم يشهد بدراً.
(النوع الثالث عشر: الشاذ وهو عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز ما روى الثقة
مخالفاً لرواية الناس لا أن يروي) الثقة (ما لا يروي غيره) هو من تتمه كلام الشافعي (قال)
الحافظ أبو يعلى (الخليلي والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به
ثقة أو غيره فما كان) منه (عن غير ثقة فمتروك) لا يقبل (وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به)
فجعل الشاذ مطلق التفرد لا مع اعتبار المخالفة (وقال الحاكم (١): هو ما انفرد به ثقة وليس له
أصل بمتابع) لذلك الثقة قال: ويغاير المعلل بأن ذلك وقف على علته الدالة على جهة الوهم
فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك، فجعل الشاذ تفرد الثقة، فهو أخص من قول
الخليلي .
قال شيخ الإسلام: وبقي من كلام الحاكم: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على
(١) معرفة علوم الحديث ص (١١٩).

١٢٤
النوع الثالث عشر: الشاذٌ
وَمَا ذَكَرَاهُ مُشكلٌ بِأَفْرَادِ العَدْلِ الضّابِطِ كَحَدِيث ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّاتِ)) وَالنهْىٍ عَنْ بَيْعٍ
الْوَلاَءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي الصَّحِيحِ، فالصَّحِيحُ التّفْصِيلُ: فَإِنْ كَانَ بِتَفَرُّدِهِ مُخَالِفاً أَحْفَظَ مِنْهُ
وَأَضْبَطَ، كَانَ شَاذًا مَرْدُوداً
إقامة الدليل على هذا، قال: وهذا القيد لا بد منه، قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة،
قال: وهذا على هذا أدق المعلل بكثير فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن، غاية
الممارسة، وكان في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة، قلت: ولعسره لم يفرده
أحد بالتصنيف ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك (١) من طريق عبيد بن غنام النخعي عن
علي بن حكيم عن شريك، عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: في كل
أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم کإبراهيم وعيسى كعيسى، وقال: صحيح
الإسناد، ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له حتى رأيت البيهقي قال إسناده صحيح، ولكنه
شاذ بمرة .
قال المصنف كابن الصلاح(٢) (وما ذكراه) أي الخليلي والحاكم (مشكل) فإنه ينتقض
(بأفراد العدل الضابط) الحافظ (كحديث إنما الأعمال بالنيات)(٣) فإنه حديث فرد تفرد به عمر عن
النبي ◌َّ ثم علقمة عنه ثم محمد بن إبراهيم عن علقمة ثم عنه يحيى بن سعيد (و) كحديث
(النهي عن بيع الولاء) وهبته (٤)، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر (وغير ذلك) من الأحاديث
الأفراد (مما) أخرج (في الصحيح) كحديث مالك عن الزهري عن أنس: أن النبي ول# دخل مكة
وعلى رأسه المغفر(٥). تفرد به مالك عن الزهري، فكل هذه مخرّجة في الصحيح مع أنه ليس لها
إلا إسناد واحد، تفرد به ثقة. وقد قال مسلم: للزهري نحو (٦) تسعين حرفاً (٧) يرويه ولا يشاركه
فيه أحد بأسانيد جياد.
قال ابن الصلاح(٨): فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس
الأمر في ذلك على الإطلاق الذي قالاه وحينئذ (فالصحيح التفصيل فإن كان) الثقة (بتفرده مخالفاً
أحفظ منه وأضبط) عبارة ابن الصلاح: لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وعبارة شيخ
الإسلام: لمن هو أرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات (كان) ما
انفرد به (شاذاً مردوداً).
شهرئية
النعيم
(١) ٢ /٤٩٣ .
(٢) علوم الحديث ص (١٠٢). ر ...
(٣) البخاري ٢/١، ومسلم في: الإمارة (١٥٥)، وأحمد ٢٥/١ ....
(٤) النسائي ٣٠٦/٧، وابن ماجه (٢٧٤٧ و٢٨٤٨)، وأحمد ٩/٢.
(٥) مالك في: الحج (٢٤٧)، والبخاري في: المغازي (٤٨)، ومسلم في: الحج (٤٥٠).
(٦) نحو: لا يخفى أن هذه الكلمة تحتمل الزيادة والنقص. ((حاشية الأجهوري)) ص (٦٤).
(٧) حرفاً: أي حديثاً.
(٨) علوم الحديث ص (١٠٤).

١٢٥
النوع الثالث عشر: الشاذّ
وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ الراوِي، فَإِنْ كَانَ عَدْلاً حَافِظاً مَوْثُوقاً بِضْبْطِهِ كَانَ تَفَؤُّدُهُ صَحِيحاً، وَإِنْ لَمْ يُؤَثَّقْ
◌ِضَبْطِهِ وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْ دَرَجَةٍ كَانَ حَسَناً، وإِنْ بَعُدَ كَانَ شَاذاً مُنْكراً مَرْدُوداً، والْحَاصِلُ أَنَّ الشَاذْ
المَرْدُودَ: هُوَ الفَرْدِ المُخَالِفُ وَالْفَرْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي رَوَاتِهِ مِنَ الثَّقَةِ وَالضَّبْطِ مَا يجْبرُ بِهِ تَفَرُّدُهُ.
قال شيخ الإسلام: ومقابله يقال له المحفوظ، قال: مثاله ما رواه الترمذي(١) والنسائي
وابن ماجه(٢) من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس، أن رجلاً توفي
على عهد رسول الله وَّ ولم يدع وارثاً إلا مولى هو أعتقه، الحديثَ، وتابع ابن عيينة على وصله
ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة، ولم يذكر ابن
عباس. قال أبو حاتم المحفوظ: حديث ابن عيينة.
قال شيخ الإسلام: فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية
من هم أكثر عدداً منه، قال: وعرف من هذا التقرير: أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو
أولى منه، قال: وهذا هو المعتمد في حد الشاذ بحسب الاصطلاح، ومن أمثلته في المتن: ما
رواه أبو داود(٣) والترمذي (٤) من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي هريرة مرفوعاً: إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه، قال البيهقي(٥): خالف
عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي وَ لا من قوله. وانفرد
عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ (وإن لم يخالف الراوي) بتفرده غيره،
وإنما روى أمراً لم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد (فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بضبطه
كان تفرده صحيحاً وإن لم يوثق بضبطه و) لكن (لم يبعد عن درجة الضابط كان) ما انفرد به
(حسناً وإن بعد) من ذلك (كان شاذاً منكراً مردوداً، والحاصل إن الشاذ المردود هو الفرد
المخالف: والفرد الذي ليس في رواته من الثقة والضبط ما يجبر به تفرده) وهو بهذا التفسير
يجامع المنكر وسيأتي ما فيه.
تنبيه :
ما تقدم من الاعتراض على الخليلي والحاكم بأفراد الصحيح، أورد عليه أمران، أحدهما:
أنهما إنما ذكرا تفرد الثقة، فلا يرد عليهما تفرد الضابط الحافظ، لما بينهما من الفرق، وأجيب
بأنهما أطلقا الثقة فشمل الحافظ وغيره، والثاني أن حديث النية لم ينفرد به عمر بل رواه عن
النبي وله أبو سعيد الخدري، كما ذكره الدار قطني وغيره، بل ذكر أبو القاسم بن منده أنه رواه
(١) في: الفرائض (١٤).
(٢) في: الفرائض (١١).
(٣) رقم (١٢٦١).
'۔۔
(٤) رقم (٤٢٠) .....
(٥) ٤٥/٣.

٢٦
النوع الثالث عشر: الشاذ
سبعة عشر أخر من الصحابة، علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن
عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعتبة بن عبد
السلمي، وهلال بن سويد وعبادة بن الصامت، وجابر بن عبد الله وعتبة بن عامر، وأبو ذر
الغفاري وعتبة بن الندر وعتبة بن مسلم، وزاد غيره: أبا الدرداء وسهل بن سعد والنواس بن
سمعان، وأبا موسى الأشعري، وصهيب بن سنان، وأبا أمامة الباهلي وزيد بن ثابت، ورافع بن
خديج، وصفوان بن أمية، وغزية بن الحارث، أو الحارث بن غزية وعائشة، وأم سلمة، وأم
حبيبة، وصفية بنت حيي، وذكر ابن منده أنه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير محمد،
وعن محمد غير يحيى، وأن حديث النهي عن بيع الولاء رواه غير ابن دينار، فأخرجه الترمذي
في العلل المفرد، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا يحيى بن سليم عن
عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، وأخرجه ابن عدي في الكامل، حدثنا عصمة البخاري،
حدثنا إبراهيم بن فهد، ثنا مسلم عن محمد بن دينار، عن يونس يعني ابن عبيد، عن نافع عن ابن
عمر، وأجيب بأن حديث الأعمال لم يصح له طريق غير حديث عمر، ولم يرد بلفظ حديث عمر
إلا من حديث أبي سعيد وعلي وأنس وأبي هريرة، فأما حديث أبي سعيد، فقد صرحوا بتغليط
ابن أبي رواد الذي رواه عن مالك، وممن وهمه فيه الدارقطني وغيره، وحديث علي في أربعين
علوية بإسناد من أهل البيت، فيه من لا يعرف، وحديث أنس رواه ابن عساكر في أول أماليه من
رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم عن أنس وقال غريب جداً، والمحفوظ حديث عمر،
وحديث أبي هريرة رواه الرشيد العطار في جزء له بسند ضعيف، وسائر أحاديث الصحابة
المذكورين إنما هي في مطلق النية، كحديث يبعثون على نياتهم، وحديث ليس له من غزاته إلا
ما نوى ونحو ذلك، وهكذا يفعل الترمذي في الجامع حيث يقول، وفي الباب عن فلان وفلان،
فإنه لا يريد ذلك الحديث المعين، بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في الباب.
قال العراقي: وهو عمل صحيح إلا أن كثيراً من الناس يفهمون من ذلك أن من سمي من
الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه وليس كذلك، بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثاً آخر يصح
إيراده في ذلك الباب، ولم يصح من طريق غير عمر إلا الطريق المتقدمة، قال البزار في مسنده،
لا يصح عن رسول الله وَّل إلا من حديث عمر، ولا عن عمر إلا من حديث علقمة، ولا عن
علقمة إلا من حديث محمد ولا عن محمد إلا من حديث يحيى، وأما حديث النهي فقال
الترمذي في الجامع والعلل: أخطأ فيه يحيى بن سليم، وعبد الله بن دينار تفرد بهذا الحديث عن
ابن عمر، وقال ابن عدي عقب ما أورده: لم أسمعه إلا من عصمة عن إبراهيم بن فهد، وإبراهيم
مظلم الأمر له مناكير، نعم حديث المغفر لم ينفرد به مالك بل تابعه عن الزهري ابن أخي
الزهري، رواها البزار في مسنده وأبو أويس بن أبي عامر رواها ابن عدي في الكامل وابن سعد
في الطبقات، ومعمر رواها ابن عدي والأوزاعي، نبه عليها المزي في الأطراف، وعن ابن
العربي أن له ثلاثة عشر طريقاً غير طريق مالك، وقال شيخ الإسلام: قد جمعت طرقه فوصلت
إلى سبعة عشر.

١
١٢٧
النوع الرابع عشر: معرفة المنكر
النوع الرابع عشر: مَعْرِفَةُ المُنْكَرِ
قَالَ الحافظ البَرْدِيجيُّ: هُوَ الْفَرْدُ الَّذِي لا يُعْرَفُ مَثْنُهُ عِنْ غيْرِ رَاويِهِ، وَكَذَا أَطْلَقَهُ
كَثِيرُونَ، وَالصَّوابُ فِيهِ التَّفْصِيلُ الَّذِي تَقَدَّمَ في الشّاذ،
(النوع الرابع عشر: معرفة المنكر قال الحافظ) أبو بكر (البرديجي) بفتح الموحدة وسكون
الراء وكسر الدال المهملة بعدها تحتية وجيم نسبة إلى برديج قرب بردعة بإهمال الدال
بأذربيجان، ويقال له البرذعي أيضاً (هو) الحديث (الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، وكذا
أطلقه كثيرون) من أهل الحديث قال ابن الصلاح(١): (والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في
الشاذ) قال: وعند هذا القول: المنكر قسمان على ما ذكرنا في الشاذ فإنه بمعناه، مثال الأول
وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن
عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله وَ ل قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (٢)،
فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان بضم العين، وذكر مسلم في التمييز أن كل
من رواه من أصحاب قاله بفتحها، وأن مالكاً وهم في ذلك، قال العراقي(٣): وفي هذا التمثيل
نظر: لأن الحديث ليس بمنكر ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة فيما رأيت، وغايته أن يكون
السند منكراً أو شاذاً المخالفة الثقات لمالك في ذلك، ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته وجود
ذلك الوصف في المتن، وقد ذكر ابن الصلاح في نوع المعلل أن العلة الواقعة في السند قد تقدح
في المتن وقد لا تقدح، كما سيأتي، قال فالمثال الصحيح لهذا القسم: ما رواه أصحاب السن
الأربعة(٤) من رواية همام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان النبي وَّ إذا
دخل الخلاء وضع خاتمه، قال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن
جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي ◌َ ◌ّ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه، قال
والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام. وقال النسائي بعد تخريجه. هذا حديث غير محفوظ،
فهمام بن يحيى ثقة احتج به أهل الصحيح ولكنه خالف الناس فروى عن ابن جريج هذا المتن
بهذا السند، وإنما روى الناس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه أبو داود، فلهذا حكم عليه
بالنكارة. ومثال الثاني وهو الفرد الذي ليس في رواته من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده، ما
رواه النسائي(٥) وابن ماجه(٦) من رواية أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة
عن أبيه، عن عائشة مرفوعاً: كلوا البلح بالتمر فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان، الحديث،
قال النسائي: هذا حديث منكر تفرد به أبو زكير، وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات
(١) علوم الحديث ص (١٠٦).
(٢) البخاري ١٩٤/٨، ومسلم في: الفرائض (١)، وأحمد ٢٠٠/٥).
(٣) النكت ص (١٠٦).
(٤) أبو داود: ب (١٠)، والترمذي رقم (١٧٤٦)، والنسائي ١٧٨/٨، وابن ماجه (٣٠٣).
(٥) لم أقف عليه في ((الصغرى)).
(٦) ٣١٧/١. قال الألباني في ((الضعيفة)) ٢٦٤/١: موضوع.

١٢٨
النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
النوع الخامس عشر: مَعْرِفُ الاعْتِبَارِ ، وَالمَتَابِعَاتِ وَالشّوَاهِدِ
هذِهِ أَمُورٌ
غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده، بل قد أطلق عليه الأئمة القول بالتضعيف، فقال ابن
معين، ضعيف، وقال ابن حبان لا يحتج به، وقال العقيلي لا يتابع على حديثه، وأورد له ابن
عدي أربعة أحاديث مناكير.
تنبيهات :
الأول: قد علم مما تقدم بل من صريح كلام ابن الصلاح أن الشاذ والمنكر بمعنى، وقال
شيخ الإسلام إن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو
صدوق والمنكر راويه ضعيف، قال وقد غفل من سوى بينهما، ثم مثل المنكر بما رواه ابن
أبي حاتم (١) من طريق حبيب بضم الحاء المهملة وتشديد التحتية بين موحدتين أولاهما مفتوحة،
ابن حبيب بفتح المهملة بوزن كريم، أخي حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث
عن ابن عباس عن النبي ◌َّر قال: من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرى الضيف دخل
الجنة، قال أبو حاتم هو منكر، لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفاً وهو
المعروف، فحنيئذ فالحديث الذي لا مخالفة فيه وراويه متهم بالكذب، بأن لا يروى إلا من جهته
وهو مخالف للقواعد المعلومة، أوعرف به في غير الحديث النبوي، أو كثر الغلط أو الفسق أو
الغفلة يسمى المتروك، وهو نوع مستقل ذكره شيخ الإسلام: كحديث صدقة الدقيقي عن فرقد،
عن مرة عن أبي بكر، وحديث عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث عن علي.
الثاني: عبارة شيخ الإسلام في النخبة (٢): فإن خولف الراوي بأرجح يقال له المحفوظ
ومقابله يقال له الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف ومقابله يقال
له المنكر، وقد علمت من ذلك تفسير المحفوظ والمعروف، وهما من الأنواع التي أهملها ابن
الصلاح والمصنف. وحقهما أن يذكرا كما ذكر المتصل مع ما يقابله من المرسل والمنقطع
والمعضل .
الثالث: وقع في عبارتهم: أنكر ما رواه فلان كذا، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفاً،
وقال ابن عدي: أنكر ما روى بريد بن عبد الله بن أبي بردة: إذا أراد الله بأمة خيراً قبض نبيهاً
قبلها، قال وهذا طريق حسن رواته ثقات وقد أدخله قوم في صحاحهم انتهى. والحديث في
صحيح مسلم، وقال الذهبي، أنكر ما الوليد بن مسلم من الأحاديث حديث حفظ القرآن، وهو
عند الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
(النوع الخامس عشر: معرفة(٣) الاعتبار والمتابعات والشواهد هذه أمور) يتداولها أهل
(١) العلل رقم (٢٠٤٣).
(٢) ص (٣٥).
(٣) معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد: هكذا عبارة المصنف تبعاً لابن الصلاح.
=

١٢٩
النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
يَتَعَزَّفُونَ بِهَا حَالَ الْحَدِيثِ، فِمِثَالُ الاعْتِبَارِ: أَنْ يَرْوِيَ حَمّادٌ مَثَلاً حَدِيثاً لاَ يُتَابَعُ عَلَيْهِ عَنْ أَيُّوب
عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ وَ، فَيَنْظَرَ هَلْ رَوَاهُ ثِقَةٌ غَيْرُ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ،
فَأَنْ لَمْ يُوجَدْ فَغَيْرُ ابْنِ سِيرِنَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِلَّ فَصَحَابِيٌّ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ
فَأَيُّ ذَلِكَ وُجِدَ عُلِمَ أَنَّ لَهُ أَضْلاً يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَالمُتَابَعَةُ أَنْ يَزْوِيَهُ عَنْ أَيُّوبَ غيْرُ
حَمَّدٍ وَهِيَ المُتَابَعَةُ النَّامَةُ، أَوْ عَنْ ابْنٍ سِيرِينَ غَيْرُ أَيُّوبَ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ ابْنِ سِيرِينَ،
أَوْ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ صَحَابِيٌّ آخَرُ. فكلُّ هَذَا يُسَمَّى مُتَابعَةً، وَتَقْصُرُ عنِ الأُولَى بِحَسَبِ بُعْدِهَا
مِنْهَا، وَتُسْمَّى المُتَابَعَة شَاهِداً وَالشَّاهِدُ أَنْ يُزْوَى حَدِيثٌ آخَرُ بِمَعْنَاهُ، وَلاَ يُسَمَّى هَذَا مُتَابَعَةً،
الحديث (يتعرفون بها حال الحديث) ينظرون هل تفرد به راويه أولاً، وهل هو معروف أولاً؟
فالاعتبار أن يأتي إلى حديث لبعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من الرواة بسبر طرق الحديث
ليعرف هل شاركه في ذلك الحديث رواه غيره فرواه عن شيخه أولاً؟ فإن لم يكن فينظر هل تابع
أحد شيخ شيخه فرواه عمن روى عنه؟ وهكذا إلى آخر الإسناد وذلك المتابعة. فإن لم يكن فينظر
هل أتى بمعناه حديث آخر؟ وهو الشاهد، فإن لم يكن فالحديث فرد، فليس الاعتبار قسيماً
للمتابع والشاهد، بل هو هيئة التوصل إليهما (فمثال الاعتبار أن يروي حماد) بن سلمة (مثلاً حديثاً
لا يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ-، فينظر هل رواه ثقة غير أيوب
عن ابن سيرين فإن لم يوجد) ثقة غيره (فغير ابن سيرين عن أبي هريرة وإلا) أي وإن لم يوجد ثقة
عن أبي هريرة غيره (فصحابي غير أبي هريرة عن النبي ◌ِّر فأي ذلك وجد علم) به (أن له أصلاً
يرجع إليه وإلا) أي وإن لم يوجد شيء من ذلك (فلا) أصل له، كالحديث الذي رواه الترمذي(١)
عن طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، أراه رفعه «أحبب حبيبك هو
ناما)) الحديث، قال الترمذي غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، أي من وجه يثبت،
وإلا فقد رواه الحسن بن دينار عن ابن سيرين، والحسن متروك الحديث لا يصلح للمتابعات
(والمتابعة أن يرويه عن أيوب غير حماد وهي المتابعة التامة أو) لم يروه عنه غيره ورواه (عن ابن
سيرين غير أيوب أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين أو عن النبي ◌َّ صحابي آخر) غير أبي هريرة
(فكل هذا يسمى متابعة، وتقصر عن) المتابعة (الأولى بحسب بعدها منها) أي بقدره (وتسمى
المتابعة شاهداً) أيضاً (والشاهد أن يروى حديث آخر بمعناه ولا يسمى هذا متابعة) فقد حصل
اختصاص المتابعة بما كان باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد أعم،
وقيل هو مخصوص بما كان بالمعنى كذلك.
قال الحافظ ابن حجر عليها: قلت: هذه العبارة توهم أنّ الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد، وليس
=
كذلك، بل الاعتبار هي الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد.
وعلى هذا كان حق العبارة أن يقول: ((معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد)). ((توضيح الأفكار)) ١١/٢
- ١٣.
(١) رقم (١٩٩٧).
تدريب الراوي / ج ١ / م ٩

١٣٠
النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها
وَإِذَا قَالُوا فِي مِثْلِهِ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ ابْنُ سِيرِينَ أَوْ أَيُّوبُ أَوْ حَمَّاد كَانَ مُشْعِراً بِانْتِفَاءِ
المُتَابِعَاتِ وَإِذَا انْتَفَتِ مَعَ الشَّواهِدِ فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ في الشّاذِ، وَيَدْخُلُ في المُتَابَعَةِ والاسْتِشْهَادِ
رِوَايَةُ مَنْ لاَ يُخْتَجُ بِهِ وَلاَ يَصْلُحِ لِذَلِكَ كلُّ ضَعِيفٍ.
النوع السادس عشر: مَعْرِفَةُ زِيَادَاتِ الثقَاتِ وَحُكْمُهَا
وَهُوَ فَنٌّ لَطِيفٌ تسْتَحْسَنُ الْعِنَايَةُ بِهِ،
وقال شيخ الإسلام: قد يسمى الشاهد متابعة أيضاً، والأمر (١) سهل، مثال ما اجتمع فيه
المتابعة التامة والقاصرة والشاهد. ما رواه الشافعي في الأم (٢) عن مالك عن عبد الله بن دينار عن
ابن عمر أن رسول الله وَّطر قال: الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا
حتى تروح، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فهذا الحديث بهذا اللفظ، ظن قوم أن الشافعي
تفرد به عن مالك، فعدوه في غرائبه لأن أصحاب مالك (٣) رووه عنه بهذا الإسناد. بلفظ: فإن
غم عليكم فاقدروا له، لكن وجدنا للشافعي متابعاً وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي. كذلك أخرجه
البخاري(٤) عنه عن مالك، وهذه متابعة تامة، ووجدنا له متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من
رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر ((فأكملوا ثلاثين)) وفي
صحيح مسلم (٥) من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ ((فاقدروا ثلاثين)) ووجدنا
له شاهداً رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي ◌ّ فذكر مثل حديث
عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظ سواء، ورواه البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة
بلفظ فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، وذلك شاهد بالمعنى (وإذا قالوا في مثله) أي
الحديث (تفرد به أبو هريرة) عن النبي ◌َّر (أو ابن سيرين) عن أبي هريرة (أو أيوب) عن ابن
سيرين (أو حماد) عن أيوب (كان مشعراً بانتفاء) وجوه (المتابعات) فيه (وإذا انتفت) المتابعات
(مع الشواهد فحكمه ما سبق في الشاذ) من التفصيل (ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا
يحتج به، ولا يصلح لذلك كل ضعيف) كما سيأتي في ألفاظ الجرح والتعديل.
(النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها، وهو فن لطيف تستحسن العناية به)
وقد اشتهر بمعرفة ذلك جماعة كأبي بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري وأبي الوليد
(١) والأمر سهل: لأن الهدف منهما واحد، وهو تقوية الحديث بالعثور على رواية أخرى للحديث. ((تيسير
مصطلح الحديث)) ص (١٠٥).
(٢) مسند الشافعي (٣).
(٣) الموطأ ٢٣٩/١: حديث (١).
(٤) في: الصيام: ب (١١).
(٥) في: الصيام: ب (٢).

١٣١
النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِِّينَ قَبُولُها مُطْلَقاً، وَقِيلَ: لاَ تُقْبَلُ مُطْلَقاً، وَقِيلَ تُقْبَلُ إِنْ
زَادَهَا غَيْرُ مَنْ رَوَاهُ نَاقِصاً وَلاَ تُقْبَلُ مِمَّنْ رَوَاهُ مَرَّةٌ نَاقِصاً.
وَقَسَّمَهُ الشَّيْخُ أَقْسَاماً. أَحَدُهَا: زِيَادَةٌ تُخَالِفُ النِّقَاتِ فَتُرَدّ. كَمَا سَبَقَ. الثَّانِ: مَا لاَ
مُخَالَفَةَ فِيهِ كَتَفَرُّدِ ثِقَةٍ بِجُمْلَةٍ حَدِيثٍ فَيُقْبَلُ، قَالَ الْخَطِيبُ: باتِّفَاقِ العُلَمَاءِ.
الثَالِثُ: زِيَادَةُ لَفْظَةٍ فِي حَدِيثٍ لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ رُوَاتِهِ
حسان بن محمد القرشي وغيرهما (ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين قبولها مطلقاً) سواء
وقعت ممن رواه أولاً، ناقصاً أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت
الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا، وقد ادعى ابن
طاهر الانفاق على هذا القول (وقيل لا تقبل مطلقاً) لا ممن رواه ناقصاً، ولا من غيره (وقيل تقبل
إن زادها غير من رواه ناقصاً ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصاً) وقال ابن الصباغ فيه: إن ذكر أنه
سمع كل واحد من الخبرين في مجلسين قبلت الزيادة وكانا خبرين يعمل بهما، وإن عزى ذلك
إلى مجلس واحد، وقال كنت أنسيت هذه الزيادة قبل منه، وإلا وجب التوقف فيها، وقال في
المحصول: فيه العبرة لما روى منه أكثر، فإن استوى قبلت منه وقيل: إن كانت الزيادة مغيرة
للإعراب كان الخبران متعارضين، وإلا قبلت، حكاه ابن الصباغ عن المتكلمين والصفي الهندي
عن الأكثرين، كأن يروي في أربعين شاة ثم في أربعين نصف شاة، وقيل تقبل إن غيرت الإعراب
مطلقاً، وقيل لا تقبل إلا إن أفادت حكماً، وقيل تقبل في اللفظ دون المعنى، حكاهما الخطيب،
وقال ابن الصباغ: إن زادها واحد وكان من رواه ناقصاً جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت.
وعبارة غيره: لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة، وقال ابن السمعاني مثله وزاد: أن يكون مما توفر
الدواعي على نقله، وقال الصيرفي والخطيب: يشترط في قبولها كون من رواها حافظاً، وقال
شيخ الإسلام اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل، ولا يتأتى
ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن أن لا يكون شاذاً، ثم يفسرون
الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كابن مهدي ويحيى
القطان وأحمد وابن معين وابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدار قطني
وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة المنافية، بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى
اهـ. وقد تنبه لذلك ابن الصلاح وتبعه لمصنف حيث قال:
(وقسمه الشيخ أقساماً أحدها زيادة تخالف الثقات) فيما رووه (فترد كما سبق) في نوع
الشاذ (الثاني ما لا مخالفة فيه) لما رواه الغير أصلاً (كتفرد ثقة بجملة حديث) لا تعرض فيه لما
رواه الغير بمخالفة أصلاً (فيقبل قال الخطيب باتفاق العلماء) أسنده إليه ليبرأ من عهدته.
(الثالث: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته) وهذه مرتبة بين تلك المرتبتين

١٣٢
النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها
كَحَدِيثِ ((جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً)) انْفَرَدَ أَبُو مَالِكِ الأشْجَعِيُّ فَقَالَ: ((وَتُزْبَتُهَا
طَهُوراً)) فَهَذَا يُشْسِهُ الأوَّلَ وَيُشْبِهُ الثَّانِي، كَذَا قَالَ الشَّيْخُ، وَالصَّحِيحُ قَبُولُ هَذَا الأخِيرِ، وَمَثْلَهُ
الشَّيْخُ أَيْضاً بِزَيَادَةٍ مَالِكٍ فِي حَدِيث الْفِطَرَةِ ((مِنَ المُسْلِمِينَ)) وَلاَ يَصِحُ التّمثيلُ بِهِ فَقَدْ وَافَقَ
مَالِكاً عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، وَالضَّحّاكُ بْنُ عُثْمَانَ.
(كحديث) حذيفة (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً (١) انفرد أبو مالك) سعد بن طارق
(الأشجعي فقال و) جعلت (تربتها) لنا (طهوراً) وسائر الرواة لم يذكروا ذلك (فهذا يشبه الأول)
المردود من حيث إن ما رواه الجماعة عام وما رواه المنفرد المردود بالزيادة مخصوص، وفي
ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف به الحكم (ويشبه الثاني) المقبول من حيث إنه
لا منافاة بينهما (كذا قال الشيخ) ابن الصلاح قال المصنف: (والصحيح قبول هذا الأخير) قال:
(ومثله الشيخ أيضاً بزيادة مالك في حديث الفطرة ((من المسلمين)))(٢) ونقل عن الترمذي أن مالكاً
تفرد بها، وأن عبيد الله بن عمر وأيوب وغيرهما رووا الحديث عن نافع عن ابن عمر بدون ذلك،
قال المصنف: (ولا يصح التمثيل به فقد وافق مالكاً) عليها جماعة من الثقات منهم (عمر بن
نافع) وروايته عند البخاري في صحيحه (والضحاك بن عثمان) وروايته عن مسلم في صحيحه.
وقال العراقي (٣): وكثير بن فرقد، وروايته في مستدرك الحاكم وسنن الدارقطني ويونس بن
يزيد في بيان المشكل للطحاوي، والمعلى بن إسماعيل في صحيح ابن عبد الله بن عمر العُمري في
سنن الدار قطني .
قيل: وزيادة التربة في الحديث السابق يحتمل أن يراد بها الأرض من حيث هي أرض لا
التراب، فلا يبقى فيه زيادة ولا مخالفة لمن أطلق؛ وأجيب: بأن في بعض طرقه التصريح
بالتراب، ثم إن عدها زيادة بالنسبة إلى حديث حذيفة، وإلا فقد وردت في حديث علي رواه
أحمد والبيهقي بسند حسن.
فائدة :
من أمثلة هذا الباب حديث الشيخين(٤) عن ابن مسعود: سألت رسول الله وَالر: أي العمل
أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، زاد الحسن بن مكدم وبندار في روايتهما: في أول وقتها، صححها
الحاكم وابن حبان. وحديث الشيخين عن أنس: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة(٥)، زاد
اسـ
(١) البخاري في: التيمم (١)، ومسلم في: المساجد (٣، ٥)، وأحمد (٣٠١/١).
(٢) البخاري في: الزكاة (٧٠، ٧١)، ومسلم في: الزكاة (١٢، ١٣، ١٦)، ومالك في: الزكاة (٥٢)،
وأحمد ٢/ ١٠٢.
(٣) النكت ص (١١٣).
(٤) البخاري في: الحج (٤)، ومسلم في: الإيمان (١٣٥، ١٣٦)، وأحمد ٢٦٤/٢.
(٥) سبق.

١٣٣
النوع السابع عشر: معرفة الأفراد
النوع السابع عشر: مَعْرِفَةُ الأَفْرَادِ
تَقَدَّمَ مَقْصُودُهُ.
الْفَرْدُ قِسْمانِ :
أَحَدُهُمَا: فَرْدٌ عَنْ جميع الرُوَاةِ وَتَقَدَّمَ .
والثَّاني: بالنِّسْبَةِ إِلى جِهَةٍ كَقَوْلهم: تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ مَكَةَ وَالشَّامِ، أَوْ فُلاَنٌ عَنْ فُلاَنٍ، أَوْ
أَهْلُ البَصْرَةِ عَنْ أَهْلِ الكُوفَةِ وَشِبْهِه، وَلاَ يَقْتَضِي هُذَا ضَعْفَهُ إِلاَّ أَنْ يُرَادَ بِتَفَرُّدِ المَدَنِيِّينَ أَنْفِرَادَ
وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ كَالْقِسم الأوَّلِ.
سماك بن عطية إلا الإقامة، وصححها الحاكم وابن حبان، وحديث علي: إن السَّهَ وكاء العين،
زاد إبراهيم بن موسى فمن نام فليتوضأً (١).
(النوع السابع عشر: معرفة الأفراد، تقدم مقصوده) في الأنواع التي قبله.
قال ابن الصلاح(٢): لكن أفردته بترجمة، كما أفرده الحاكم، ولما بقي منه.
(فالفرد قسمان: أحدهما فرد) مطلق تفرد به واحد (عن جميع الرواة) وقد (تقدم حكمه.
والثاني:) فرد نسبي (بالنسبة إلى جهة) خاصة (كقولهم: تفرد به أهل مكة والشام) أو البصرة أو
الكوفة أو خراسان (أو) تفرد به (فلان عن فلان) وإن كان مروياً من وجوه عن غيره (أو أهل
البصرة عن أهل الكوفة) أو الخراسانيون عن المكيين (وشبهه، ولا يقتضي هذا ضعفه) من حيث
كونه فرداً (إلا أن يراد بتفرد المدنيين) مثلاً (انفرد واحد منهم) تجوزاً، أو يقال: لم يروه ثقة إلا
فلان (فيكون) حكمه (كالقسم الأول) لأن رواية غير الثقة كلا رواية، فينظر في المنفرد به هل بلغ
رتبة من يحتج بتفرده أو لا، وفي غير الثقة هل بلغ رتبة من يعتبر بحديثه أو لا .
مثال ما انفرد به أهل بلد: ما رواه أبو داود (٣) عن أبي الوليد الطيالسي عن همام عن قتادة
عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.
قال الحاكم (٤): تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره، ولم يشركهم
في هذا اللفظ سواهم.
وما رواه مسلم(٥) من حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله وَّ ((ومسح رأسه
(١) أبو داود: في الطهارة (٧٩)، وابن ماجه في: الطهارة (٦٢)، وأحمد ٤/ ٩٧ .
(٢) علوم الحديث ص (١١٥).
(٣) في: الصلاة (١٤٤).
(٤) معرفة علوم الحديث ص (٩٧).
(٥) في: الطهارة (١٩).

١٣٤
النوع الثامن عشر: المعلل
النوع الثامن عشر: المُعَلّلُ
وَيُسَمُّونَهُ المَعْلُولُ،
بماء غیر فضل یدیه)).
قال الحاكم(١): هذا سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ولم يشاركهم فيها أحد، وما رواه
أيضاً (٢) من حديث الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة،
قالت: صلى النبي ◌َّ ه على سهل ابن بيضاء وأخيه في المسجد.
قال الحاكم(٣): تفرد به أهل المدينة، وما رواه أحمد(٤) من حديث إسماعيل بن عبد الملك
المكي عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة أن رسول الله وَلل خرج من عندها، فقالت: يا رسول
الله خرجت من عندي وأنت طيب النفس ثم رجعت إلي حزيناً، فقال: إني دخلت الكعبة ووددت
أني لم أكن دخلتها أو أكون أتعبت أمتي. قال الحاكم(٥) تفرد به أهل مكة، ومثل ما تفرد به فلان
عن فلان ما رواه أصحاب: السنن الأربعة(٦) من طريق سفيان بن وائل بن داود عن ابنه بكر بن
وائل عن الزهري عن أنس: أن النبي ◌َّر أولم على صفية بسويق وتمر. قال ابن طاهر: تفرد به
وائل عن أبيه ولم يروه عنه غير سفيان، وقد رواه محمد بن الصلت التوزي عن ابن عيينة عن
زياد بن سعد عن الزهري، ورواه جماعة عن سفيان عن الزهري بلا واسطة، ومثال ما تفرد به
أهل بلد عن أهل بلد، والمراد تفرد واحد منهم حديث النسائي (٧): كلوا البلح بالتمر قال
الحاكم (٨): هو من أفراد البصريين عن المدنيين، تفرد به أبو زكريا عن هشام، ومثال ما تفرد به
ثقة: حديث مسلم (٩) وغيره أن النبي ◌َ ◌ّ كان يقرأ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت الساعة،
تفرد به ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد الليثي، ولم يروه أحد من الثقات
غير ضمرة، ورواه من غيرهم ابن لهيعة وهو ضعيف عند الجمهور، عن خالد بن يزيد، عن
الزهري، عن عروة عن عائشة.
فائدة :
صنف الدارقطني في هذا النوع كتاباً حافلاً، وفي معاجم الطبراني أمثلة كثيرة لذلك.
(النوع الثامن عشر: المعلل ويسمونه المعلول) كذا وقع في عبارة البخاري والترمذي
(١) معرفة علوم الحديث ص (٩٨).
(٢) رقم (٩٧٣).
(٣) معرفة علوم الحديث ص (٩٧).
(٤) ٦ / ١٣٧.
(٥) معرفة علوم الحديث ص (٩٨).
(٦) أبو داود في: الأطعمة (٢)، والترمذي في: النكاح (١١)، وابن ماجه في: النكاح (٢٤).
(٧) سبق.
(٨) معرفة علوم الحديث ص (١٠١)
(٩) في: العيدين (٢٤).

١٣٥
النوع الثامن عشر: المعلّل
وَهُوَ لَحْنٌ، وَهْذَا النّوْعُ مِنْ أَجَلْهَا، يَتَمَكَّنُ مِنْهُ أَهْلُ الْحِفْظِ وَالْخِبْرَةِ وَالفَهْمِ الثَّاقِبِ، وَالعِلّةُ
عِبَارَةٌ عَنْ سَبَبٍ غَامِضٍ فَادِحٍ مَعَ أَنَّ الظاهِرَ السَّلاَمَةُ مِنْهُ، وَيَتَطَّق إِلى الإسْنَادِ الْجَامِعِ شُرُوطَ
الصِّحَّةِ ظَاهِراً وَتُدْرَكُ بِتَفَرَدِ الرَّاوِي وَبمخَالَفَةِ غيرِهِ لَهُ مَعَ قَرَائِنَ تُنَهُ العَارِفَ عَلَى وَهَمٍ بِارْسَالٍ
أَزْ وَقْفٍ أَوْ دُخُولِ حِدِيثٍ في حَدِيث أَوْ غير ذلكَ، بحيثُ يَغُلِبُ عَلَى ظَنَّهُ فَيَحْكُمُ بَعَدَمِ صِحَّةٍ
الحديثِ أَوْ يَتَرَدَّدُ فَيَتَوقّفُ،
والحاكم والدارقطني وغيره (وهو لحن) لأن اسم المفعول من أعل الرباعي لا يأتي على مفعول،
بل والأجود فيه معلّ بلام واجدة، لأنه مفعول أعلّ قياساً، وأما معلل فمفعول علل، وهو لغة
بمنعنى ألهاه بالشيء وشغله، وليس هذا الفعل بمستعمل في كلامهم.
(وهذا النوع من أجلها) أي أجل أنواع علوم الحديث وأشرفها وأدقها، وإنما (يتمكن منه
أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب) ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل، كابن المديني، وأحمد،
والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدار قطني.
قال الحاكم(١): وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، والحجة في
التعليل عندنا بالحفظ والفهم والمعرفة لا غير.
وقال ابن مهدي: لأن أعرف علة حديث أحب إليَّ من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي.
(والعلة عبارة عن سبب (٢) غامض خفي قادح) في الحديث (مع أن الظاهر السلامة منه)،
قال ابن الصلاح(٣): فالحديث المعلل ما اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع ظهور السلامة .
(ويتطرق إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهراً وتدرك) العلة (بتفرد الراوي وبمخالفة
غيره له مع قرائن) تنضم إلى ذلك (تنبه العارف) بهذا الشأن (على وَهَم) وقع (بإرسال) في
الموصول (أو وقف) في المرفوع (أو دخول حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه
فيحكم بعدم صحة الحديث، أو يتردد فيتوقف) فيه، وربما تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة
على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم.
قال ابن مهدي (٤): في معرفة علم الحديث إلهام، لو قلت للعالم بعلل الحديث من أين
قلت هذا لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك، وقيل له أيضاً: إنك تقول للشيء
هذا صحيح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال
(١) معرفة علوم الحديث ص (١١٢).
(٢) سبب: هو في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره. واصطلاحاً: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه
العدم. ((فتح المغيث)). ٢٦٠/١.
(٣) علوم الحديث ص (١١٦).
(٤) فتح المغيث ٢٧٣/١ .
فيورقة شفرة فى

١٣٦
النوع الثامن عشر: المعلّل
وَالطّرِيقُ إِلى مَعْرِفَتِهِ جَمْعُ طُرُقِ الحديثِ وَالنَّظَرُ في أُخْتِلاَفِ رُوَاتِهِ وَضَبْطِهِم وَإِنْقَانِهِمْ، وَكَثُرَ
التَّعْلِيلُ بالإرْسَالِ بأَنْ يَكُونَ رَاوِيِهِ أَقْوَى مِمَّنْ وَصَلَ، وَتَفَعُ العلّةُ فِي الإسْنَادِ وَهُوَ الأكْثُرُ، وَقَدْ
تَقَعُ في المتنِ، وَمَا وَفَعَ في الإِسْنَادِ قَدْ يَقْدَحُ فِيهِ وَفي المتنِ كالإِرْسَالِ وَالْوَقْفِ، وَقَدْ يَقْدَحُ
في الإِسْنَادِ خَاصَّةً؛ وَيَكُونُ المتنُ صحيحاً كَحَدِيثِ يَعلَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الثَّوْرِيّ عَنْ عَمْرو بْنِ
دِينَارٍ حَدِيثُ ((البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ)) غَلِطَ يَعلَى إِنما هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُّ دينَار،
هذا جيد وهذا بهرج(١)، أكنت تسأل عمن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر.
قال: فهذا كذلك، بطول المجالسة، والمناظرة، والخبرة.
وسئل أبو زرعة(٢): ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث
له علة فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة فتسأله عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز
كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافاً فاعلم أن كلاً منا تكلم على مراده، وإن
وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، ففعل الرجل ذلك فاتفقت كلمتهم، فقال أشهد أن
هذا العلم إلهام.
(والطريق إلى معرفته جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته وفي ضبطهم وإتقانهم).
قال ابن المديني(٣): الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه (وكثر التعليل بالإرسال)
للموصول (بأن يكون راويه أقوى ممن وصل، وتقع العلة في الإسناد وهو الأكثر وقد تقع في
المتن وما يقع) منها (في الإسناد قد يقدح فيه وفي المتن) أيضاً (كالإرسال والوقف، وقد يقدح
في الإسناد خاصة ويكون المتن معروفاً صحيحاً، كحديث يعلى بن عبيد) الطنافسي، أحد رجال
الصحيح (عن) سفيان (الثوري عن عمرو بن دينار) عن ابن عمر عن النبي وَّر (حديث البيعان
بالخيار (٤)، غلط يعلى) على سفيان في قوله عمرو بن دينار (إنما هو عبد الله بن دينار) هكذا رواه
الأئمة من أصحاب سفيان كأبي نعيم الفضل بن دكين ومحمد بن يوسف الفريابي ومخلد بن يزيد
وغيرهم، ومثال العلة في المتن: ما انفرد به مسلم في صحيحه(٥) من رواية الوليد بن مسلم:
حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه، قال: صليت خلف
النبي ◌َّه وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله
الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها، ثم رواه من رواية الوليد عن الأوزاعي، أخبرني
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنساً يذكر ذلك.
أم ...
(١) بهرج: زيف. ((المعجم الوجيز)) ص (٦٥).
(٢) معرفة علوم الحديث (١١٣)، وفتح المغيث ٢٧٣/١.
(٣) علوم الحديث ص (١١٧).
(٤) البخاري ٧٦/٣، ومسلم في: البيوع (٤٧)، وأحمد ٩/٢.
(٥) في: الصلاة (٥٢).

١٣٧
النوع الثامن عشر: المعلّل
وروى مالك في الموطأ عن حميد عن أنس قال: صليت وراء أبي بكر وعثمان فكلهم كان
لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وزاد فيه الوليد بن مسلم عن مالك: صليت خلف رسول الله ملته .
هذا الحديث معلول أعله الحفاظ بوجوه جمعتها وحررتها في المجلس الرابع والعشرين من
الأمالي بما لم أسبق إليه، وأنا ألخصها هنا: فأما رواية حميد الشافعي بمخالفة الحفاظ مالكاً،
فقال في سنن حرملة فيما نقله عن البيهقي: فإن قال قائل: قد روى مالك فذكره، قيل له خالفه
سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية متفقين مخالفين له، والعدد الكثير
أولى بالحفظ من واحد، ثم رجح روايتهم بما رواه عن سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال:
كان النبي ◌َّه وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين قال الشافعي: يعني يبدؤون
بأم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم، قال الدار قطني:
وهذا هو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس، قال البيهقي وكذا رواه عن قتادة أكثر أصحابه
كأيوب وشعبة والدستوائي وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة وأبي عوانة وغيرهم،
قال ابن عبد البر فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة وليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط
البسملة. وهذا هو اللفظ المتفق عليه في الصحيحين وهو رواية الأكثرين، ورواه كذلك أيضاً عن
أنس ثابت البناني وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وما أوله عليه ورواه الشافعي مصرح به في
رواية الدارقطني بسند صحيح فكانوا يستفتحون بأم القرآن. قال ابن عبد البر ويقولون إن أكثر
رواية حميد عن أنس إنما سمعها من قتادة وثابت عن أنس، ويؤيد ذلك أن ابن عدي صرح بذكر
قتادة بينهما في هذا الحديث. فتبين انقطاعها ورجوع الطريقين إلى واحدة، وأما رواية الأوزاعي
فأعلها بعضهم بأن الراوي عنه وهو الوليد يدلس تدليس التسوية، وإن كان قد صرح بسماعه من
شيخه وإن ثبت أنه لم يسقط بين الأوزاعي وقتادة أحد، فقتادة ولد أكمه فلا بد أن يكون أملى
على من كتب إلى الأوزاعي ولم يسم هذا الكاتب، فيحتمل أن يكون مجروحاً أو غير ضابط فلا
تقوم به الحجة؛ مع ما في أصل الرواية بالكتابة من الخلاف، وأن بعضهم يرى انقطاعها.
وقال ابن عبد البر: اختلف في ألفاظ هذا الحديث اختلافاً كثيراً متدافعاً مضطرباً. منهم من
يقول: صليت خلف رسول الله وَليل وأبي بكر وعمر. ومنهم من يذكر عثمان. ومنهم من يقتصر
على أبي بكر وعثمان. ومنهم من لا يذكر، فكانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم. ومنهم
من قال فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. ومنهم من قال فكانوا يجهرون ببسم الله
الرحمن الرحيم. ومنهم من قال فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. ومنهم من قال
فكانوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم. قال: وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد، ومما يدل
على أن أنساً لم يُرِدْ نَفْيَ البسملة، وأن الذي زاد ذلك في آخر الحديث، روى بالمعنى فأخطأ، ما
صحّ عنه أن أبا سلمة سأله، أكان رسول الله وَّله يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله
الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك، أخرجه
أحمد وابن خُزيمة بسند على شرط الشيخين، وما قيل: من أن من حفظ عنه حجة على من سأله
في حال نسيانه، فقد أجاب أبو شامة بأنهما مسألتان، فسؤال أبي سلمة عن البسملة وتَرْكِها،
وسؤالُ قتادة عن الاستفتاح بأي سورة.

١٣٨
النوع الثامن عشر : المعلّل
وَقَدْ تُطْلَقُ الْعِلَّةُ عَلَى غَيْرِ مُقْتَضَاهَا الّذِي قَدَّمْنَاهُ، كَكَذِبِ الرَّاوِي، وَغَفْلَتِهِ، وَسُوءِ حِفْظِهِ،
وَنَحْوِهَا مِنْ أَسْبَابٍ ضَعْفِ الْحَدِيثِ، وَسَمَّى التّزْمِذِيُّ النَّسْحَ عِلَةَ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ الْعِلَةَ عَلَى
مُخَالِفِةٍ لاَ تَقْدَحُ كِرْسَالِ مَا وَصَلَهُ الثِّقةُ الضّابِطُ حَتَّى قَال: مِنَ الصَّحِيحِ صَحِيحٌ مُعَلّلٌ كَمَا
قِيلَ مِنْهُ صَحِيحٌ شَاذٌ.
وقد ورد من طريق آخر عنه: كان رسول الله وَل يسرّ ببسم الله الرحمن الرحيم، أخرجه
الطبراني من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عنه، وابن خزيمة من طريق سويد بن
عبد العزيز عن عمرانَ القصير عن الحسن عنه، وورد من طريق آخر عن المعتمر عن أبيه عن
أنس، قال: كان رسول الله وَّل يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، رواه الدارقطني والخطيب،
وأخرجه الحاكم من جهة أخرى عن المعتمر، وقد ورد ثبوت قراءتها في الصلاة عن النبي ◌َّ من
حديث أبي هريرة من طرق عند الحاكم وابن خزيمة والنسائي والدار قطني والبيهقي والخطيب
وابن عباس عند الترمذي والحاكم والبيهقي وعثمان وعليّ وعمّار بن ياسر وجابر بن عبد الله
والنُّعمان بن بشير وابن عمر والحَكم بن عُمير وعائشة، وأحاديثهم عند الدارقطني وسمرة بن
جندُب وأُبيّ وحديثهما عند البيهقي، وبريدة ومجالد بن ثور وبسر أو بشر بن معاوية وحسين بن
عرفطة، وأحاديثهم عند الخطيب، وأم سلمة عند الحاكم، وجماعة من المهاجرين والأنصار عند
الشافعي، فقد بلغ ذلك مبلغ التواتر، وقد بيّنا طرق هذه الأحاديث كلها في كتاب الأزهار
المتناثرة في الأخبار المتواترة، وتبين بما ذكرناه أن لحديث مسلم السابق تسع علل، المخالفة من
الحفاظ والأكثرين، والانقطاع، وتدليس التسوية من الوليد، والكتابة، وجهالة الكاتب،
والاضطراب في لفظه، والإدراج، وثبوت ما يخالفه عن صحابيه، ومخالفته لما رواه عدد التواتر.
قال الحافظ أبو الفضل العراقي: وقول ابن الجوزي إن الأئمة اتفقوا على صحته فيه نظر، فهذا
الشافعي والدارقطني والبيهقي وابن عبد البر لا يقولون بصحته، أفلا يقدح كلام هؤلاء في الاتفاق
الذي نقله.
(وقد تطلق العلة على غير مقتضاها الذي قدمناه) من الأسباب القادحة (ككذب الراوي،
وغفلته، وسوء حفظه، ونحوها من أسباب ضعف الحديث وذلك موجود في كتب العلل وسمى
الترمذي النسخ علة).
قال العراقي(١): فإن أراد به علة في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا، لأن في
الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة (وأطلق بعضهم العلة على مخالفة لا تقدح) في صحة الحديث
(كإرسال ما وصله الثقة الضابط حتى قال من الصحيح صحيح معلل كما قيل منه صحيح شاذ)
وقائل ذلك أبو يعلى الخليلي في الإرشاد، ومثل الصحيح المعلل بحديث مالك(٢) («للمملوك
(١) فتح المغيث ١/ ١١٣.
(٢) في: الاستئذان (٤٠)، ومسلم في: الأيمان (٤١) وأحمد ٢٤٧/٢.

١٣٩
النوع الثامن عشر: المعلّل
طعامه)) السابق في نوع المعضل فإنه أورده في الموطأ معضلاً، ورواه عنه إبراهيم بن طهمان
والنعمان بن عبد السلام موصولاً، قال: فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحاً يعتمد عليه،
قيل وذلك عكس المعلل فإنه ما ظاهره السلامة فاطلع فيه بعد الفحص على قادح وهذا كان
ظاهره الإعلال بالإعضال فلما فتش تبين وصله.
فائدة :
قال البلقيني: أول كتاب صنف في العلل كتاب ابن المديني وابن أبي حاتم والخلال،
وأجمعها كتاب الدارقطني قلت: وقد صنف شيخ الإسلام فيه ((الزهر المطلول في الخبر المعلول)»،
وقد قسم الحاكم في علوم الحديث (١) أجناسَ المعلل إلى عشرة؛ ونحن نلخصها هنا بأمثلتها:
أحدها أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه، كحديث
موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: من جلس
مجلساً فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب
إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك، فروي أن مسلماً جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال هذا
حديث مليح، إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا سهيل عن عون بن
عبد الله(٢). قوله: وهذا أولى لأنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل.
الثاني: أن يكون الحديث مرسلاً من وجه رواه الثقات الحفاظ ويسند من وجه ظاهره
الصحة. كحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء، وعاصم عن أبي قلابة عن أنس
مرفوعاً: أرحم أمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر، الحديث(٣) قال: فلو صح إسناده لأخرج
في الصحيح، إنما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة مرسلاً.
الثالث: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته،
كرواية المدنيين عن الكوفيين، كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه
مرفوعاً: إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة(٤)، قال هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي،
إلا ظن أنه من شرط الصحيح. والمدنيون إذا رووا عن الكوفيون زلقوا، وإنما الحديث محفوظ
عن رواية أبي بردة عن الأغر المزني.
الرابع: أن يكون محفوظاً عن صحابي فيروي عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي
صحته، بل ولا يكون معروفاً من جهته. كحديث زهير بن محمد عن عثمان بن سليمان عن أبيه،
أنه سمع رسول الله ◌َّه يقرأ في المغرب بالطور، قال: أخرج العسكري وغيره هذا الحديث في
الوجدان، وهو معلول، أبو عثمان لم يسمع من النبي ◌َّر، ولا رآه وعثمان إنما رواه عن نافع
(١) ص (١١٣ - ١١٨).
(٢) الترمذي (٣٤٣٣، وأحمد ٤٩٤/٢.
(٣) الترمذي ٣٤٤/٤، وابن ماجه (١٥٤)، وأحمد ٢٨١/٣.
(٤) أحمد ٣٩٧/٢.