Indexed OCR Text
Pages 141-160
السنن الأبين ص : 141 وَلَّهُ في ذلكَ سَلَفٌ؛ فَقَد حَكَى الأميرُ ابنُ ماكولا في «الإكمال)» (٤٠٥/٤) أَنْهُ = بالتخفيفِ ولم يَحكِ فيهِ خِلافًا ، وإلى هذا ذهبَ الخطيب البغداديُّ في (( تلخيص المتشابه)) (١٢٧/١) وساقَ بِسندِهِ قصةً بَنى مِن خِلالِهَا الخطيبُ ومَنْ تَبَعَهُ أَنه : سَلام ، بالتخفيف فقال : أنا أبو الوليدِ البَلخيُ: نا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ أَحمدَ بنِ مُحمدٍ بنِ سُليمانَ البخاريُّ قال: سمعتُ خلفَ بنَّ محمدٍ يقولُ: سمعتُ أبا محمدٍ عبدَ اللَّهِ بن محمدٍ بِنِ عُمرَ الأَديبَ قال: سمعتُ سَهلَ بنَ المتوكل يقول: سمعتُ مُحمدَ بنَ سلَام. يقول: أنا محمد بن سلام بالتخفيف وليس محمد بن سلَّام. قال أبو الوليد: وكَذلك ذَكرَ لِي بَعضُ وَلَدِّ مُحمدٍ بِنِ سَلَام اهـ وهذه القصةُ لا تَثبتُ وسَتأتي؛ ورَجَّحَ قولَ الخطيبِ وابنٍ ماكولا كثيرٌ؛ مِّنْهُم الذهبيُّ في ((المشتبه)) (ص: ٣٧٨) قال: ما ذكرَ فِيهِ الخَطِيبُ ولَا ابْنُ مَاكُولا سِوَى التخفيفِ؛ وقال صاحبُ ((المطالع)): ثقَّله الأكثرُ؛ كذا قالَ ولَم يُتَابَعْ، وَقَد ذَكرَهُ غُنجارٌ في ((تاريخ بخارا)) - وإليه المفْزَيُ والمرجع - بالتخفيف، بلى المثقّل مُحمدُ بنُ سلَّامِ بنِ السَّكَن البيكنديُّ الصغيرُ اهـ كلامُ الذهبيُّ - رحمهُ اللَّه - ؛ وانتصرَ لهُ ابنُ ناصرِ الدينِ في ((توضيح المشتبه)) (٢١٩/٥) وقال: مَن قَالُهُ بِالتشديدِ فقدْ وَهِمَ ، وعَلَّلَ ذَلَكَ بِأَنْهُ اشتَبَهَ عَلى مَنْ ثَقَّهُ بِالبِيكنديِّ الصغيرِ مُحمدِ بنِ سلَّامِ بنِ السَّكَنِ - كذا قالَ وقدْ أبعدَ النُّجعةَ - رَحمهُ اللَّه - ؛ فَمَن ثقَّله يَبعدُ جدًّا أَن يَلتبسَ عَليهِم بالصَّغيرِ . وقدِ انتصرَ للتخفيفِ - أيضًا - الحافظُ في ((التهذيب)) (٢١٣/٩) وفي ((تبصير المنتبه)) (ص: ٧٠٣)، وفي ((الفتح)) (٧١/١)، وتبعهم على ذَلكَ الشيخُ المعلميُّ في تعليقِهِ على ((الإكمال)) في بحثٍ جيد، إلّا أَنَّهُ لَم يُصِبْ في ذَلك، - رحمهُ الله . ويقول النوويُّ في ((التقريب)): الصحيحُ تَخفيفُهُ وقِيل: مُشَدَّدٌ. اهـ. كما في ((التدريب)) (٤٢٩/٢). وهؤلاءٍ كُلُّهُم - رَحمهم اللَّه - كُلُّ اعتمادِهِم عَلى ما ذَكِرَ الخطيبُ ؛ وفي التخفيفِ يقولُ الحافظُ في ((الفتح)): وقد رُوِيَ ذَلكَ عنهُ نَفْسِهِ وهُو أَخْبَرُ بِأَبِيهِ . اهـ . = السنن الأبين ص : 142 = وهذا الاعتمادُ لَا يصلحُ أَن يُعتمَدَ عَليهِ، فإِنَّ القصةَ التي حكاهَا الخطيبُ مَدارُهَا على خَلفِ بنِ مُحمدٍ أبي صالح الخيَّامِ؛ قال الخليلي في (( الإرشاد)» (ص : ٩٧٢): كانَ لَه حفظٌ ومَعرفةٌ؛ وهُو ضِّعِيفٌٍ جدًّا، رَوَى في الأبوابِ تَرَاجِمَ لا يُتَابَعُ عَليها، وكذلك مُتونًّا لا تُعرَفُ، سمعتُ ابنَ أَبِي زُرعةَ والحاكمَ أبّا عبد اللَّهِ الحَافِظَيْنِ يَقولانٍ: كَتبنَا عنهُ الكثيرَ؛ ونَبرأُ مِن عُهدِهِ؛ وإنَّما كتبنا عنهُ لِلاعتبار. اهـ. وقد ذكرَهُ السمعانيُّ في ((الأنساب)) (٤٢٧/٢) وقال: وقيل: إِنَّهُ لَم يَكُن بِمَوْتُوقٍ بِهِ ، تَكَلَّمَ فيهِ أَبو سَعدِ الإِدريسيُّ الحافظُ. اهـ. ويقولُ ابنُ الأثيرِ الجزريُّ في ((اللُّباب)) (٤٧٥/١): ((لَم يَكُن بِثقةٍ)) اهـ وانظر ترجمته في ((الميزان)) (٢٥٤٨) وكذا ((اللِّسان)) وغيرهما، وسَهلُ بنُ المُوكِّل لَم أجدهُ إلَّا في ((ثقات ابن حبان)) (٢٩٤/٨) فاللَّه أعلم، ومَعَ ذَلكَ فَقْد غَمزَهُ بكونِهِ يُغْرِبُ إِذَا حَدَّثَ عَنِ إسماعيلَ بنٍ أَويس، وابنُ حِبانَ إِذا تردَّدَ فِي رَارٍ فِإِنْهُ يذكرُهُ في ((ثقاته)) ولكنَّهُ يَغمزهُ كما قررَ هذا الشيخُ المعلميُّ، ومِن أَنْه يَذْكرُ المَجَاهيلَ في ((ثقاته)) . ورَحِمَ اللَّهُ الحافظَ ابنَ رجب الحنبليَّ إِذْ يَقولُ في كتابه ((فتح الباري شرح صحيح البخاري)) الحديث رقم (٣٤٧): قَدِ اختُلِفَ في ضِبِط ((سلام)) هَل هُو بالتخفيفِ أَو بالتشديدِ ؟ والتخفيفُ أكثرُ فيهِ وأَشْهرُ، ولأبي مُحمدِ عبدِ العظيمِ المنذريِّ في ذلك جُزْءٌ مِفْرَدٌ، ثُمَّ ظَهرَ لي أنَّ التشديدَ فيهِ أَصَُ، فإِنَّ الذينَ رجَّحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رُوِيَتْ عن محمدِ بنِ سلامٍ أنه قال : أنا محمدُ بنُ سلام - بِتخفيف اللَّام -، وقَد أفردتُّ لِذلك جُزءًا وذَكرْتُ فيهِ أنَّ هذهِ الحكاية لَا تَصِحُ، وفي إسنادِهَا مُتَّهم بالكذبِ . اهـ. ولا أَظْتُّهُ يَقصِدُ إلَّ الخَيَّامَ؛ والجزء الذي حَكَى عَن المنذريِّ قد رجَّحَ فيهِ التشديد كما حكاهُ الحافظُ في ((الفتح)) وغيرِهِ . فأمَّا مَن رَّجحَ فيه ((سلََّم)) بالتشديدِ فَمَكَانَتْهَم لَيستْ بالتي يُسْتَهالُ بِها، فمِنهُم: ابنُ أبي حاتم الرازيُّ كما في ((الجرح والتعديل)) (٢٧٨/٧) فقد قالَ : بابُ تسميةِ مَنِ رُّوِيَ عَنهُ العلمُ مِمَّن يُسمَّى محمدَ بنَ سلامٍ، فَذكرَ أَربعةً ، ثلاثةٌ مِنْهُم جَزْمًا سلَّام بالتشديدِ كما في ((تلخيص المتشابه)) للخطيب = صص : 143 السنن الأبين (١٢٢/١-١٢٣) وغيرِهِ، فَفُهِمَ أَنَّ الرابعَ - أيضًا - وهُو: البِيكنديُّ كذلكَ، ولِذَا جَزَمُ الشّيوطيُّ في ((التدريب)) والمُعلميُّ في تعليقه على ((الإكمال)) بأن ابنَ أبي حاتم جَزمَ بِذلك . وهُو الذي يُفهَمُ مِن صَنيع الدَّارقطنيّ في ((المؤتلف والمختلف)) (ص: ١١٩٣) فقدْ ذَكَرَ ((سَلَام)) المُخُففَ وسمَّى فيهِ أناسًا ليسَ مِنهمُ البِيكنديُّ شيخُ البخاريِّ؛ وقال: ((وأمَّا سلَّام مُشَدَّدٌ فكثيرون)). اهـ. فالذي يُفهَمُ مِنهُ أَنَّ البيكنديَّ ضِعْنُ مَن لَّم يَذكرُهُم في سلَّام المشدد، وبمثله يُقال فيما حكاهُ الحافظُ عبدُ الغني الأزديُّ في ((المؤتلف والمختلف)) (ص: ٦٦)، ولا يقال فِي حَقِّهِم أنَّهُم غَفَلُوا عن شيخِ حدَّث عنهُ البخاريُّ، وكما لَا يُقال - أيضًا - أَنَّهُمِ لم يَتحقَّقُوا فيه التخفيف أو التشديد؛ لتَقَدُّمِهِمِ في هذا الشأن، وليسَ لهذا إلَّ جوابًا واحدًا وهو أنَّهُم مُتحقِّقُونَ ومُتَبِّتُونَ مِن أَنَّهُ سلَّام بالتشديد فضمُّوهُ إِلَى مَن كثُرَ في هذا البابِ تسميتُهُ ، ولَو فُرضَ أَنَّ الأمرَ مُختلَفٌ فِيهِ عندَهُم؛ لحَكَوا أحدَ الوَجهَينِ - لزامًا - ترجيحًا مِّنهُم لأحدِ الوَجهينِ؛ ولكنَّ التخفيفَ في اسمِهِ لَم يَتْبُتْ لِشدةِ ضَعفٍ مَن تَدُورُ عَليهِ القِصةُ في تخفيفِهِ ، ورَحمَ اللَّهُ الكَلَابَاذِيَّ؛ إِذْ لَم يَنْصَّ عَلى أَنَّ ثَمَّةَ خِلَافٌ فِي تَسميتِهِ كما في ((رجال صحيح البخاري)) له (١٠٤٧)، ولا نَصَّ على ذلك - أيضًا - أبو الوليدِ الباجيُ في ((التعديل والتجريح)) (ص: ٦٨١). وقد ذكرَ أَبو عليّ الجيانيُّ في ((تقييد المهمل)) [ق٦٢/ أ] سلَّم بالتشديد وسمَّى منهم البيكنديَّ شيخَ البخاريِّ، ولم يَحْكِ في اسمِهِ اختلافًا، وبهذا جَزمَ القاضي عياضْ في ((مشارق الأنوار)) (٢٣٤/١) فقال: (( فيها عبد الله بن سلام الصحابيُّ مُخَففُ اللَّامِ وَحدَهُ؛ ومَن عَداهُ فسلَّام بتشديدها)) اهـ. وبالتشديدِ - أيضًا - جَزَمَ صاحبُ ((المطالع)) كما في ((المشتبه)) (ص: ٣٧٨) وغيرِهِ، وكذلكِ الحافظُ المنذريُّ في جزءٍ مُّفردٍ، وابنُ رَجبٍ الحنبليُّ، وهو الصوابُ، وَرَحِمَ اللَّهُ الشيخَ المعلمِيَّ؛ إِذْ يَقولُ فِيمَا عَسانًا أَن نَعتذِرَ بِهِ عَنِ الإطالةِ: ((وَقَد أمللتُ القارئُ ولَم أَمَلٍ، وحَسِي أَن يَكونَ مَا أُثبتُهُ نَموذجًا لِّمَّا يُقاسِهِ الْمَعِنُِّونَ بِتَحقيقِ الكُتبِ، وإِنَّ أَحدَهُم ليتعبُ نَحْوَ هذا التعبِ في = السنن الأبين ص : 144 حدثني مُوسَى بِنُ عُقبةَ، عَن سُهَيلٍ بنٍ أَيِّي صَالحِ، عَن أَبِهِ، عَن أبِي هُرِيرةَ ، عَنِ النبيِّ عَ لّهِ قَالَ: «مَن جَلسَ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، فَهُو كَفارةٌ » . قَالَ البُخاريُّ: نا مُوسَى. عَن وُهيبٍ قال: ناسُهَيلٌ ؛ عَن عَونِ بنِ عبدِ اللَّهِ ابنِ عُتبةَ قَولَهُ، وهَذا أَوْلَى، ولَم يَذْكُوْ مُوسَى بنُ عُقبةَ سَماعًا مِن سُهِيلٍ ، وهُو ◌ُهِيلُ بنُ ذَكوانَ مَولى جويريةَ؛ وهُم إِخوةٌ : سُهيلٌ، وعبَّادٌ، وصَالحٌ، ومحمدٌ بَثُو أَبِي صَالحِ وهُم مِّن أَهلِ المَدينةِ . انتهَى كَلامُ البخاريِّ (١). كَذَا وَقعَ بِخَط العذريِّ: ((عَن وُهيبٍ: نا سُهيلٌ، عن عَونِ بنِ عبدِ اللَّهِ)). وهُو خِلافُ مَا ذَكرنا قَبلُ مِن طَريقِ الخَلَيليِّ حَيثُ قَال: ((عَن وُهيب، عَن مُوسى بنِ عُقبةَ، عَن عَونٍ)) . وَوَقَعَ - أَيْضًا - هُنا خِلافٌ آخَرُ مِن حَيثُ جَعَلَهُ هُنا مَوقُوفًا عَلى عَونٍ، وجَعَلُهُ فِيمَا قَدمِنَاهُ مُرسَلًا. فَهذِهِ زِيادةُ عِلَّةٍ فِي الحَديثِ، ولَعَلَّ البخاريَّ رَواهُ مِن طريقٍ وُهيبٍ تَارةً عَن سُهيلٍ، عَنْ عَونٍ مَّوقوفًا؛ وأُخرَى عَن مُوسَى بنِ عُقبةَ، عَن عونٍ مُرسَلًا، وروايةُ وُهيبٍ عَن مُوسَى بنِ عُقبةَ مَعروفةٌ فِي الْجُملةِ . مَواضعَ كثيرةٍ جدًّا ، ولكنهُ في الغالبِ يَنتهي إلى أحدٍ أَمرينِ: إِمَّا عَدمِ الظَّغْرِ = بِشيءٍ، فَيكتفِي بالسُّكوتِ أَو بأَن يَقولَ ( كذا) أَو نَحوَها ، ولَا يَرِى مُوجِبَا لَّذِكر مَا عَاناهُ في البَحِثِ والتنقيبِ، وإِمَّ الظَّفرِ بِنتيجةٍ حاسمةٍ فيُقدِّمُهَا للقراءِ لُقْمَة سَائغةً ولا يَهمُّهُ أَن يَشرحَ ما قَاساهُ حَتى حَصلَ عَليها، واللَّهُ المستعانُ)). أهـ ـ رحمه الله - . (١) ((التاريخ الصغير)) (٤٠/٢). ص : 145 السنن الأبين وقَد ذَكرَ الغشَّانيُّ هَذهِ الحكايةَ فِي ((تقييدِ المهمل)) مِن طَريقِ الحاكم كَما وَقعتَ فِي ((التاريخ)) - المَعَنَى وَاحدٌ - ، وسَمَّى أَبا حامدٍ بِأحمدَ بنِ حَمْدُوَنَ القَصَّارِ (١) . قُلتُ : ■ وَقَد أَخبرنِي بِحَديثِ حَجاجٍ، عَنِ ابنِ نجريج: الشيخُ الإِمامُ [ق٣٥/ب] شمسُ الدين أبو الفرج عبدُ الرَّحمنِ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الملكِ المَقَدسيُّ سماءًا عليهِ قَالَ: أَنا الشيخُ الإِمامُ العالمُ فَقيهُ أَهلِ الشَّامِ تَقِيُّ القُضاةِ جَمالُ الدينِ أَبو القاسمِ عبدُ الصمدِ بنُ مُحمَّدٍ بِنِ أَبِي الفَضلِ الأَنصاريُّ ابنُ الحرستانيِّ قَراءةً عليهِ وأَنَا حَاضرٌ قال: أنا الشيخُ الفقيهُ جَمالُ الإِسلامِ أَبو الحَسنِ عليٌّ بنُ المُسلِمِ بنِ مُحمَّدٍ السلميُّ قِراءةً عَليهِ ونَحنُ نَسمعُ: أنا أبو نصرٍ الحسينُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ طِلابِ الخَطيبُ قِراءةً عَليهِ ونَحنَ نَسمعُ: أنا أبو الحسينِ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ لجميعِ الغَسانيُّ قِراءةً عَليهِ: نا أبو محمدٍ جَعفرُ بنُ محمَّدٍ بنِ عَلَيٍّ الهَمَذَانِيُّ : نا هِلالُ بنُ العَلاءِ: نا حَجائجُ بنُ مُحمَّدٍ : نا ابنُ نجريج: أخبرني مُوسَى بنُ عُقبةَ، عن سُهِيلٍ بِنِ أَنِي صَالِحٍ، عَن أَبِهِ، عَن أَبِي هُريرةَ - رَضِيَ اللَّهُ عنهُ - ، عَنِ النبيِّ عَ ◌ِّ قَالَ: ((مَن جَلَسَ فِي مَجلسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبلَ أَن يَقُومَ : سُبحانَكَ رَبَّنَا وَبِحمدكَ لَا إِلهَ إِلا أَنتَ أَستغفرُكَ وَأَتُوبُ إِليكَ، إِلا غُفرَ لَه مَا كانَ فِي مَجلسِهِ)) . (١) ((تقييد المهمل)) [ق ٨/ب] وأَبو حامد هو: الْأَعْمَش - وقد مَرَّ - وفيه: فقبَّلَ بَيْنَ عينيهِ وقال: ((دَعنِي حَتَّى أَقَبَّلَ رِجَلَيْكَ يا أستاذَ الأَسْتَاذِينَ وسَيِّدَ المحدِّثينَ وطَبيبَ الحديثِ في عِلِلِهِ ... )) إلخ. السنن الأبين ص : 146 وروَيناه - أَيْضًا - مِن طَريقٍ أَبِي عِيسى التِّرمذيِّ بِسَندِنا المتقدمِ إليهِ قالَ : نَا أَبُو عُبيدةَ بنُ أَبِي السَّفرِ الكوفيُّ - واسمُهُ أحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهَمدانيُّ - قالَ: نا الحجاجُ بنُ مُحمدٍ قال: قال ابنُ جريج: أخبرني مُوسَى بنُ عُقبةَ، عن سُهيلٍ بنِ أبي صالح، عن أبيهِ ، عَن أبِي هُريرةً قال : قَالَ رَسولُ اللَّهِ عَ له: «مَن جَلسَ فِي مَجلسٍ فَكَثُرَ فيهِ لَغْطُهُ فقال قَبَلَ أَن يَقومَ مِن مَجلسِهِ ذَلك: سُبحانَكَ اللَّهِمَّ وبِحمدِكَ أَشهدُ أَن لَّا إِلهَ إِلا أَنْتَ أَستغفرُكُ وأَتُوب إِليكَ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا كانَ فِي مجلسِهِ ذَلكَ)). هَذا حَديثٌ حسنٌ صحيح غَرِيبٌ مِن هَذا الوجهِ ، لَا نعرفُهُ مِن حَديثِ سُهيل إلَّ من هذا الوَجِهِ. انتهى (١) . أو يَكونَ تَركَهُ للاخْتِصارِ (٢). فَقَدْ رَوَيْنَا بالإِسنادِ المتقدمِ إِلى الخَلَيليّ قال: سَمعتُ أحمدَ بنَ أبِي مُسلم الحافظَ وعبدَ الواحدِ بنَ بَكرِ الصُّوفيَّ قالا : سَمعنَا ابنَ عَديِّ الحافظَ قال: [ق ١/٣٦] سَمعتُ الحسنَ بنَ الحُسينِ يقول: سمعتُ إِبراهيمَ بنَ مَعْقِلٍ ■ يَقولُ: سَمعتُ البخاريَّ يَقولُ: ما أُدخلتُ فِي كِتابِ ((الجامع)) إلَّا مَا صَخَّ وَقَد تَركتُ مِنَ الصِّحاحِ - قَالَ: يَعِنِي - خَوفًا مِنَ التَّطويلِ (٣) . (١) الترمذي (٢٤٣٣)، وفي - المطبوع منه -: ((حسن غريب صحيح))، وكذا في ((عارضة الأحوذي)) (٣١٥/١٢)، وفي ((تحفة الأشراف)) (٤٢٠/٩): ((حسن صحيح )) فقط . (٢) وهذا هو الدليل الثالث . (٣) ((الإرشاد)) (ص: ٩٦٢)؛ وقد ساقها ابنُ عَدِيٍّ في ((الكامل)) (١٣١/١) في ترجمةِ البخاريِّ، وفيها: ((وتركتُ مِنَ الصِّحاح لِحالِ الطُّولِ)) وكذا أوردَهَا الخطيبُ في ((تاريخه)) (٨/٢-٩)، وغيرُهُم . ص :147 السنن الأبين فَالنَّاسُ يَرحِمُكَ اللَّهُ تَبَعْ لَّهَذَا الإِمامِ الكَبيرِ المُّفَقِ عَليهِ بِلا مُدَافَعَةٍ ، وَإِنّما اقْتِدَاؤُكَ بِهِ واقتِبَاسُكَ مِن أَنْوارِهِ وأَنتَ وَارِثُ عِلْمِهِ وحَائِزُ الخَصْلِ بَعدَهُ، وأَمَّا الناسُ بَعْدَكُمَا فَتَبَعْ لَّكُما . روينا بالإِسنادِ الَّذكورِ إِلى الخَلَيليّ الحافظِ الجَليلِ المُقنِ قَال: سَمعتُ عبدَ الرّحمنِ بنَ مُحمَّدٍ بنٍ فَضالةَ الحافظَ يَقولُ: سَمعتُ أبا أَحمدَ محمَّدَ ابنَ محمَّدِ بنِ إِسحاقَ الكَرابيسيَّ الحافظَ يقولُ: رَحمَ اللَّهُ الإمامَ مُحمَّدَ ابنَ إِسماعيلَ؛ فَإِنْهُ الذي أَّفَ الأُصولَ؛ وَيِّنَ للنّاسِ، وكُلُّ مَن عَمِلَ بَعدَهُ فَإِمَا أَخذَهُ مِن كِتابِهِ كَمُسلم بنِ الحَجَّاجِ فَرَّقَ كِتَابَهُ فِي كُتِهِ (١) وتَجَلَّدَ فِيهِ حَقَّ الجلادَةِ حَيثُ لَم يَنسبْهُ إِلى قَائِلِه، ولَعَلَّ مَن يَنظرُ فِي تَصانيفِهِ لَا يقَعُ فِيَها مَا يزيدُ إِلَّ مَا يَسهُلُ عَلى مَن يَعُدُّهُ عَدًّا، ومِنْهُم مَنْ أُخذَ كِتَابَهُ فَنَقلَهُ بِعِينِهِ إِلى نَفسِهِ كأيِي زُرعَةَ وأَبِي حَاتمٍ !!! فإِن عَاندَ الحَقَّ مُعانِدٌ فِيمَا ذَكَرتُ فَليسَ تَخْفَى صُورَةُ ذَلك عَلَى ذَوِي الْأَلبابِ . انتهَى ء كَلامُ الحَافِظِ أَبِي أَحمدَ (٢). (١) كذا بالأصل: ((كتبه)) وكتب فوقها: كذا. (٢) ((الإرشاد)) للخليلي (ص: ٩٦٢)، وقد ذكرَهُ أَبو أَحمدَ الحاكمُ - رحمه الله - في كتاب ((الكنى)) [ق٣٦/ب] ترجمة أبي بشرِ عبدِ اللهِ بنِ الدَّيلميِّ ، وقد وقعَ في المطبوع منه (٢٧٤/٢) الكثيرُ مِن التصحيفاتِ فليُرْجَع إِلَى الأصلِ فيهِ قَدرَ المُستطاعِ، هذا وقَد نقلَ كلامَ أبي أحمدَ الحَاكِم - أيضًا - الحافظُ في ((التهذيب)) (٣٥٨/٥)، والشبكيُّ في ((طبقات الشافعية)) (٢٢٥/٢-٢٢٦) وغيرُهُم؛ وقَد نَصَّ الحافظُ أبو القاسمِ ابنُ عَساكرٍ في (( تاريخ مدينة دمشق (١٥/ ٣٧٢) (( في ترجمة: حِيّانَ بِنِ وَبَرَةَ المريِّ عَلى ذلكَ بقوله: (( ومسلم يَتَبُ البخاريَّ في أكثر مَا يقولُ)) اهـ، والذي يُطالِعُ في كتابٍ ((الكنى)) للإمام مسلم يَجِدُ فِيهِ نَفَسَ البخاريِّ - رحمه الله . == السنن الأبين ص : 148 وإِنْ خَرَّجَ هَذا الحَديثَ الذي حَرَّجْتَ أَنتَ أَو أَمثالَهُ مَن يَلتزِمُ الصَّحيحَ مِثْلُكَ قُلنَا: لَم يُرَاعِ هذا الاحتمالَ. أَوْ عَلِمَ السماعَ أَوِ اللقاءَ فِيهِ ، وَاللَّهُ أعلمُ . الدَّليلُ الرَّابِعُ وهُو - أَيْضًّا خَاصّ . [ق٣٦/ب] وهُو كَالنَّتْمِيم للثاني؛ لأَنَّهُن تَمثيلٌ لَّهُ إِلَّ أنَّ ■ ذَلك تمثيلٌ فِي الصحابةِ وَهذا تَمثيلٌ فِي التَّابعينَ، وكلاهما بالحَقَيقِة جُزْءٌ مِّنَ الدليلِ الثاني . قَولُهُ: ((وهَذَا أَبو عُثمانَ النَّهدِيُّ وأَبو رافعِ الصَّائِغُ وهُمَّا يَّنْ أَدْرِكَ الجاهليةَ وصَحِبًا أَصحابَ النبيِّ عَ لَّهِ - الفَصْل؛ إِلى قَولِهِ -: فَكَلَّ هَؤلاءِ مِنَ التابعينَ الذينَ نَصَبْنَا رِوَايْتَهُم عَنِ الصحابةِ الذينَ سَميناهُم لَم يُحفَظْ عَنْهُم سَمائٌ عَلِمْناهُ مِنْهُم فِي رِوايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلا أنهمُ لَقُوهُم فِي نَفْسٍ خَبَرٍ بِعِينِهِ . الكَلامُ إِلى آخِرِهٍ (١) الذي اشتَدَّ فِيهِ بالإِنكارِ عَلى قَائِلِهِ وَحمَلَ عَليهِ أَشدَّ الحَمْلِ . وقد جَرَى ذكرُ ((الصحيحين)) عند الدارقطنيّ فقال: لولا البخاريُّ لما ذَهبَ مُسلمٌ ولا جَاءَ - وقَال مَرةً أُخرى - : وأَيُّ شيءٍ صَنعَ مُسلمٌ!؟ إَما أخذَ كتابَ البخاريِّ فَعَمِلَ عَليهِ مُستَخْرجًا وزَادَ فيه زِياداتٍ اهـ من ((هدي الساري)) (ص: ١١). ولِهذا يقولُ الخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) (١٠٢/١٣): ((وَإِنَمَا قَفَا مُسلمٌ طريقَ البخاريِّ؛ ونَظرَ في عَلمِهِ؛ وحَذَا حَذْوَهُ)) اهـ. ما يُؤكدُ أنَّ هذا المعنى الذي ذكرَهُ أَبو أَحمد الحاكم مُتَقَرّرٌ عِندهُم، فَرحمَ اللَّهُ الإمامَ البخاريَّ . (١) ((المقدمة)) (ص: ٢٧)، وأَبُو عُثمانَ النَّهديُّ هو: عبدُ الرحمنِ بنُ مُل - ◌ِيم مُثلثةٍ - وحَديثُهُ عَنْ أَتَيٍّ بنِ كَعبٍ عَنِ النبيِّ عَّهِ: ((كَانَ رَجُلٌ لَا أَعلمُ أحداً أَبعدَ بَيْئًا مِنَ المسجدِ مِنهُ ... )) - ذَكرَهُ القاضي في ((مقدمة إكمالٍ المعلم)) (ص: ٣٥٢) - وقد أخرجَهُ مسلمٌ (١٣٠/٢) كَشاهِدٍ لحديث أبي موسى الذي = السنن الأبين ص : 149 ولَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّه قولُ ابنِ المَدِينِيِّ والبُخاريِّ، وكَأَنَهُ إِنِما تَكلَّمَ مَع بَعضٍ أَقَرانِهِ أَوْ مَن دُونَهُ مَّن قَالَ بِذَلكَ المَذهبِ واللَّهُ أَعلمُ؛ فإِنَّه لَو عَلِمَهُ لَكَفَّ مِنْ غَرْبِهِ وَخَفَضَ لَهُمَا الْجَنَاحَ ولَم يُسَمِّهِمَا الكِفَاعَ (١). وحَاصِلُ هَذا الدليلِ الرابعِ: ادِّعاءُ الإِجماعِ - أَيْضًا - عَلى قَبُولٍ أَحاديثِ التابعينَ الثقاتِ السَّالمينَ مِن وَصْمَةِ التدليسِ إِذا عَنعَنُوا عَنٍ الصحابةِ الذينَ ثَبتَتْ مُعاصرَتُهُم لَّهُم وإِن لَّم يُعْلَمِ اللقاءُ ولا السماحُ كَما أُصِّلَ ذَلِكَ فِي أَحاديثِ الصحابةِ - رِضوانُ اللّهِ عَليهِم . ولَنَا عَنْ هَذا الدليلِ أجوبةٌ ثلاثةٌ : الأَولُ: نَقْضُ الإِجماعِ بِمَا تَقدَّمَ مِن نَقْلِ ذَلكَ عَمَّن عُلِمَ (٢). الثاني: أنَّ هَؤلاءِ الذينَ سَمَّيْتَ مِمَّنْ عُلِمَ سَماعُ بَعضِهِم مِّن بَعضٍ عِندَ مَن أثبتَ صِحةً حَديثِهِم . قبلَهُ، وليسَ فيهِ ذكرُ السماع، وقدْ أَخرجهُ الإِمامُ أحمدُ - أيضًا - في ((مسنده)) = (١٣٣/٥)، وابنُ ماجه (٧٨٣)، وغيرُهُم. (١) بِقولِهِ: وقَد تَكلَّمَ بعَضُ مُنتحلي الحديثِ من أهل عصرنا ... إلخ. ويبعدُ أن يَكونَ ابنُ المدينيّ رحمهُ اللهُ - مِن مُنتحِلِي هَذا العِلم، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ، فَهُو شَيخُ مُسلمٍ، والآخَرُ شيخُ شَيخِهِ، وقَدْ شَهِدَ مُسلمٌ بأَنَّ البخاريَّ أُستاذُ الأُستاذِينَ وطَبِيبُ الحديثِ في عِلَلِهِ. وقد شَهِدَ البخاريُّ بأنّهُ مَا اسْتَصْغَرَ نَفسَهُ عِندَ أحدٍ إلَّا عندَ ابنِ المدينيّ . (٢) تقدم في (ص: ٦٦) من أنَّ الذي يَسْلَمُ مِن وَصمةِ التدليسِ قَد يَكونُ مُؤْسِلًا عَمَّن عَنعَنَ عنهُ . وتَقدمَ في أَكثرِ مِن مَوضعٍ عَن أئمةِ هذا الشأنِ أَنْهُم يشترطُونَ إِيرادَ السماع الإِجماليٌّ - كما في تعليقي على (ص: ٥٣، ٦٨). السنن الأبين ص : 150 [ق١/٣٧] أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا الحَسنِ عَليَّ ■ بنَ المَدِينِيِّ قَد قَالَ فِي كِتاب ((التاريخ)) له: ((أَبو عُثمانَ النَّهديُّ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَلُ، وَكَانَ جَاهِلًّا ثِقَةٌ، لَّقِيَ عُمَرَ، وابنَ مَسعودٍ ، وَأَبَا بَكْرَةَ (١)، وسَعدًا، وأَسَامَةَ، وَرَوَى عَن عليٍّ، وَأَيِي مُوسَى ، وعَن أُتيِّ بنِ كَعبٍ ؛ وقَالَ فِي بَعضِ حَديثِه: حَدَّثْني أُتُّ بِنُّ كَعَبٍ. وَقَد أدركَ النبيَّ حَ لّه))(٢). انتھَى. فَقَد نَصَّ عَليٍّ أَنْهُ يقولُ فِي بَعضِ حَديثِهِ : حَدَّثْنِي أَتَيُّ بنُ كَعبٍ ، فَمِنهُ مَا أَطَّلَعْنَا عَليهِ، ومِنْهُ مَا لَمْ نَطَّلِعْ عَليهِ حَسبَمَا نُبِيِّنُ إِن شَاءَ اللَّهُ تَعالى . الثَّالثُ : أَنَّ هَذه أمثلةٌ خَاصَّةٌ لَّ عَامَّةٌ ، جزئيةٌ لا كليةٌ ، يُمكِنُ أَن تَقترنَ بِها قَرَائنُ تُفهِمُ اللقاءَ أَو السَّمَاعَ كَمَنِ سَمَّيْتَ مِمَّنْ أَدَرِكَ الجاهليةَ ثُمَّ أَسَلمَ بَعدَ مَوتِ النبيِّ عَِّ وصَحِبَ البَدرِبينَ فَمَن بَعدَهُم، فَهَذا يَبْعُدُ فَيْهِ أَّ (١) كذا بالأصل، وقد تصحفت في النسختين - المطبوعتين - من ((علل ابن المديني)) إلى ((أبي بكر))، والصوابُ: ((أبو بكرة)). ولو كان ((أبي بكر)) لصِدَّرَ بِهِ مَن سَمَّى لِفَضْلِهِ عَليهِم، هذا وقَد ذُكِرَ في ترجمةِ عبدِ الرحمن بن مُلِّ أَنْه قَدِمَ المدينةَ بعدَ مَوتٍ أَبِي بَكَرٍ - رضي اللّه عنه - كما في ((طبقات ابن سعد)) (٩٨/٧)، و((تاريخ بغداد)) (٢٠٣/١٠)، و((تهذيب الكمال)) (٤٢٧/١٧)، ولَم يَرَهُ . (٢) ((العلل)) لابن المدينيّ (ص: ٦٤)، ولفظَةُ: ((حدثني)) أبي، بياضٌّ في المطبوع من ((العلل))، وهِيَ ثابتةٌ في نقلِ الحافظِ في كتاب ((النكت)) (٥٩٦/٢). وقد وَردَ - أيضًا - في ((مسند أحمدَ)) (١٣٣/٥) تصريح أَبي عُثمانَ بالسماع مِن أُبيِّ . وتعجَّبَ الحافظُ في ((النكت)) مِن صَنيع مُسلِم - رَّحمُه اللَّهُ - بِقَولِهِ: وقَد قَطعَ مُسلم بأَنَّهُ لَم يُوجَدْ في روايةٍ بِعَينِهَا أَنهَ لِقِيَ أَنَّا أَو سَمِعَ منهُ، وأَعجبُ مِن ذَلِكَ أَنَّا وَجدْنَا بُطلانَ بعَضِ مَا نَفَاهُ فِي نَفسِ ((صحيحه)) !!! ص :151 السنن الأبين يَكُونَ سَمِعَ مِّن رَّوَى عَنْهُ - وإِن جَوَّرْنَا أَنَّه لَمْ يَسمعْ مِنْهُ - قُلَنا: الظَّاهرُ: رِوايتُهُ عَن الصحابةِ . والإِرسالُ لَا يَضرُهُ كَمَا قَدَّمْنَا مِنَ الجَوَابِ عَنِ الدَّليلِ الثالثِ (١)؛ عَلى أَنَّ الإِمامَ الحافظَ أبَا حَاتمَ البُستيَّ قَد طَرَّدَ هَذا الحُكمَ فِيمَن تَحَقَّقَ مِنهُ أنَّهُ لَا يُرسِلُ إِلا عَن ثِقَةٍ . قَالَ - رَحمهُ اللَّهُ -: ((وَمَّا الُدُلِّسُونَ الذينَ هُم ثقاتٌ عُدولٌ فَإِنَّ لَا نَحْتَجُ بِأَخبارِهِمْ إِلَّ مَا بَيْنُوا السماعَ فِيمَا رَوَوْا مِثْلُ: الثَّورِيِّ، والأعمش، وأيِي إِسحاقَ وأَضْرَابِهِم مِّنَ الأئمةِ المُتْقِنِينَ، وأهلِ الوَرَع فِي الدِّين، لأَنَّا مَتَى قِلْنا خَبَرَ مُدَلِّسٍ لَّم يُبَيِّنِ السماعَ فِيهِ وإِن كانَ ثِقةً؛ لَزِمَنَا قَبُولُ ■ المقَاطِيع والمَرَاسِيلِ كُلِّهَا، لأَنَّهُ لا يُدْرَى لَعلَّ هذا المُدَلِّسَ دلِّسَ هَذا [ق٣٧/ب] الخَرَ عَنَ ضَعيفٍ يَهِي الخَبَرُ بِذْرِهِ إِذَا عُرِفَ. اللَّهِمَّ إِلا أَن يَكونَ المُدُلِّسُ يَعلمُ أَنْهُ مَا دَلَّسَ قَطُّ إِلَّ عَنِ ثِقَةٍ، فَإِذا كَان كَذلكَ قُبِلَتْ رِوايتُهُ وإِن لِّم يُبَيِّنِ السماعَ، وهَذا شَيءٌ لَّيْسَ فِي الدُّنيا إلَّا سُفيانُ بنُ عُيينةَ وَحدَهُ، فإنهُ كَانَ يُدَلِّسُ ولَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَن ثِقَةٍ مُتَقِنٍ، وَلا يَكادُ يُوجَدُ لِسُفيانَ بنِ عُيينةَ خَبَرٌ دَلَّسَ فِيهِ إِلّ وُجِدَ ذَلكَ الخَبَرُ بِعَينِهِ قَد بَيَّنَ سَماعَهُ فيهِ عَنْ ثِقَةٍ . فالحُكُمُ فِي قَبُولِ رِوَايتهِ لِهذهِ العِلةِ وإِن لَّم يُبَيِّنِ السماعَ فِيهَا كَالحُكمِ فِي رِوايةِ ابنِ عباسٍ إذا رَوَى عَنِ النبيِّ عَ لِّ مَا لَم يَسمِعْ منه)) (٢). انتهَى ما قَالهُ أَبُو حَاتم . فَهذِهِ الأَمثلةُ التي أَتَيْتَ بِهَا أَيُّهَا الإِمامُ كُلُّهَا جُزْئياتٌ، والحُكُمُ عَلى (١) (ص: ١٢٥). (٢) مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١٦١/١ - إحسان). السنن الأبين ص : 152 الكُلِيَّاتِ بِحُكم الجزئياتِ لا يَطِّدُ ؛ فَقَدْ يَكونُ لِكُلِّ حَديثٍ حَديثٍ حُكْمٌ يَخُصُّه، فيُطَّلَع (١) فِيهِ عَلى ما يُفهِمُ اللقاءَ أو السماعَ، ويثير ظَنَّا خَاصَّا فِي صِحَّةٍ ذَلكَ الحَديثِ فَيُصَحَّحُ اعْتِمادًا عَلَى ذَلكَ لَا مِن مُّجَرَّدِ العَنعنَةِ . ومِثلُ هَذاٍ أَيُّها الإِمامُ لَا تَقدرُ عَلى إِنكَارِهِ وَقَد فَعَلْتَ فِي كِتَابِكَ مِثْلَهُ مِن رَّعْي الاعْتبارِ بِالْتَابَعَاتِ والشَّواهِدِ ، وذَلكَ مَشهورٌ عِندَ أَهلِ الصَّنعةِ فَيْتَبِعُون ويَسْتَشْهِدُونَ بِمَن لَّا يُحتمَلُ انفِرَادُهُ؛ ومِثلُ ذَلِكَ لَا يُنكَرُّ في الفِقْهِ وَأُصولِهِ . [ق١/٣٨] وقَد فَعْتَ أَنتَ أيها الإمامُ مَا هُو أَشَدُّ مِن ذَلكَ فِي كِتابكِ ■ «المسند الصحيح)) حَيثُ أَدخلْتَ فِيهِ أَسْباطَ بنَ نَصرِ، وقَطَنَ بنَ نُسَيْرٍ، وأحمدَ ابنَ عِيسَى المِصْريَّ. فاعْترِضَ فِعلَكَ أبو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَأَنَكرَ عَليكَ ، فَاعْتَذَرْتَ حِينَ بَلغَكَ إِنكارُهُ فِيمَا ذكرَهُ الحافظُ الثقةُ الإِمامُ أَبو بَكرٍ البِرْقَانِيُّ (٢)، عَن الحُسينِ بنِ يَعقوبَ الفَقيهِ قال: نا أَحمدُ بنُ طاهرٍ الْيَانِيُّ: نا أبو عُثمانَ سعيدُ بنُ عَمٍو قال: شَهدتُ أَبَا زُرعةَ الرازيَّ - وذَكرَ قِصةً فِيهَا طُولٌ اختَصرتُهَا ، قَال فَيهِا -: وَأَتَاهُ ذَاتَ يَومٍ رَّجِلٌ بِكتابٍ ((الصحيح)) لمُسلم فَجَعَلَ يَنْظرُ فيهِ؛ فَإِذَا حَديثٌ : عَن أسباطِ بنِ نَصرٍ. فَقالَ لِي أَبُو زُرعةَ: ما أَبعدَ هذَا مِنَ الصَّحيح؛ يُدخِلُ فِي كِتابِهِ أَسباطَ بنَ نَصرٍ ! ثُمَّ رَأَى فِي الكِتابِ قَطَنَ بنَ نُسَيْرٍ. فَقَالَ لِي: وهَذا أَطَهُ مِنَ الأَولِ، (١) كذا في الأصل بكسر اللام وفتحها . (٢) كذا في الأصل بكسر الباء، وحَكَى السمعانيُ في ((الأنساب)) (٣٢٣/١) والذهبيُّ في ((المشتبه)) (ص: ٦٦) أنه بالفتح، وذكر صاحبُ ((المغني في ضبط أسماء الرجال)) من رآها أنها بكسر باء؛ وكثيرًا ما يُقال بالفتح اهـ (ص: ٤٦). ص : 153 السنن الأبين قَطَنُ بنُ نُسَيْرٍ؛ وَصَلَ أَحاديثَ عَنِ ثَابتٍ جَعَلَهَا عَن أنسٍ . ثُمَّ نَظَرَ فقالَ: يَروي عَن أحمدَ بنِ عِيسَى المِصْريِّ في كتابِهِ ((الصحيح))؟! قالَ لي أبو زُرعةً: ما رَأَيتُ أَهلَ مِصْرَ يَشُكّونَ في أَنَّ أَحمدَ بنَ عِيسَى-وأَشارَ أَبُو زُرعةَ إِلى لِسانِهِ - كَأَنَّهُ يَقولُ الكَذِبَ. ثُم قَالَ لِي: يُحدِّثُ عَن هَؤلاءِ ويَتركُ مُحمدَ بنَ عَجلانَ ونُظَرَّاءَهُ !!! قالَ: فَلمَّا رَجعتُ إِلَى نَيسابُورَ فِي المرةِ الثانيةِ ذَكرتُ لُسلم بنِ الحَجاج إنكارَ أَبِي زُرعةَ عَليهِ ذَلكَ. فَقَالَ لِي مُسلم: إِنّمَا قُلتُ(١): صَحيح؛ وإنما أَدخلتُ مِن حَديثِ أسباطِ بنِ نَصرٍ وَقَطنٍ وَأَحمدَ مَا قَدْ رَواهُ الثَّقاتُ عَنٍ شُيُوخِهِم ؛ إِلَّا أَنْهُ ■ رُّمَا وَقَعَ إِليَّ عنهُم بِارتفاع ويَكونُ عِندِي مِن رِّوايةِ [ق٣٨/ب] أَوْثَقَ مِنْهُم بِنُزولٍ ، فَأَقْتَصِرُ عَلى أَولائِكَ(٢)، وأَصلُ الحديثِ مَعروف مِّن رّواية الثقاتِ . انتهَى مَا أَوْرَدنا مِنَ الحِكاية. وبَعضُها مَنقول بِالمعنى(٣). ذَكرِهَا عَن البرقانيّ الحافظُ المُتقنُ أَبو عَبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ إِسماعيلَ الأَوْنَیِيُّ في کِتابِ ((المنتقى)) لَه. وقَرأْتُ ذَلكَ بِخطِّهِ، وضَبَطَ قَولَه: ((إِنما قُلتُ: صَحيحٌ)) بِضَمِّ التاءِ عَلى التَّكلُّم، وَتبَ: ((إنما)) متصلةٌ على أنها الحصريةُ فإن صح هذا الضبط فيكون معناه: ((إِنما قُلتُ: صَحيحٌ))، أي صَحيح عِندِي ولَمْ أَقُلْ مِنْ هَذا الطريقِ، فَيَكونَ فِي الكَلامِ حَذفٌ . وهذا المعنى عندِي فيهِ بُعْدٌ؛ والأقربُ فِيمَا أَراهُ: إِنَّ مَا قُلتَ صَحيحٌ، (١) كذا بالأصل: ((قلتُ)) بضم التاء، وصححها ليؤكد ذلك. (٢) كذا بالأصل. (٣) ((سؤالات البرذعي لأبي زرعة)) (ص: ٦٧٤ - ٦٧٧). السنن الأبين ص : 154 بِتَاءِ الخِطابِ، و((مَا)) بِمَعنى: ((الذي))، أي: إِنَّ الذي قُلتَهُ مِن إِنكارٍ أبِي زُرعةَ صَحيحٌ مِّن أجلِ هَؤلاءِ الرواةِ . ثُمَّ أَبْدَى وَجهَ العُذرِ وأَتَى بِأََّا التي للحَصرِ في قولِهِ: وإَّمَا أَدخلتُ (١). وهَذا المعنى الذي قَصدتُّهُ إِن عُدَّ مُخَلِّصًا بالنظرِ إِليكَ فِيمَا يَلزِمُكَ التَّطوقُ بِهِ؛ حَيثُ غَلبَ عَلَى ظَنِّكَ صِحتُهُ فَلا يَلزِمُ غَيرَكُ مِمَّن يَجتهدُ في الرجالِ . نَعم يَكونُ صَحيحًا فِي حقِّ مَن يَكتفِي بِتَقليدِكَ - وإِنَّكَ لَخَلِيقٌ بِذَلكَ - مِن الفُقهاءٍ أَو المحدِّثينَ مِمَّن لَّم يَبلُغْ رُتبةَ الاجتهادِ فِي مَعرِفَةٍ الصحيحِ والسّقيمِ . وقَد نَحا نَحوًا مِّن مَّذهبِكَ الإِمامُ أَبو حَاتِمِ البُستيُ فيمَا حَكَى عن نَفسِهِ [ق١/٣٩] في صَدرِ كِتابِهِ الذي وسَمَهُ بكتابٍ ((المسند الصحيح ■ على التقاسيم والأنواع)) مِن غَيرٍ وُجودٍ قَطْعِ فِي سَندِها وَلا تُبُوتٍ جَرِحِ فِي نَاقِيهَا مَا نَصُّه : إِذَا صَعَّ عِندي خَبَرٌ مِّن رِّوايةِ مُدَلِّسٍ بِأَنَّهُ بَيَّنَ السماعَ فِيهِ لَا أَباِي أَنْ أَذْكُرَهُ مِن غَيْرِ بَيَانِ السماعِ فِي خَبَرِهِ بَعْدَ صِحتِهِ عِندِي مِن طَرِيقٍ آخَرَ انتهَى (٢) . (١) هذا الذي ذكرهُ ابنُ رشيدٍ لَه وجهٌ ولَعلَّ مَا أَسوقُهُ الآنَ يُؤْيِّدُ القولَ الأولَ؛ ((إَِّا قُلتُ: صَحيحٌ))، فَفِي ((سؤالات البرذعي)) (ص: ٦٧٧) بَعدَ أَن ذُكِرَ لِسلمٍ من أَنْهُ بِإِخراج حَديثِ قَطَنٍ وأَشباهِهِ يُطرقُ لِأَهلِ البِدعِ عَلِينَا؛ قالَ مُسلِمٌ مُعتَذْرًا: إَما أُخرجتُ هذا الكتابَ: وقلت: هُو صِحاحٌ، ولَم أَقُل: إِنَّ مَا لَم أُخرجْهُ مِنَ الحديثِ في هذا الكتابِ ضَعِيفٌ ، ولكِنِّي إِنَما أُخرجتُ هذا مِنَ الحَديثِ الصِحيح لِيَكونَ مَجموعًا عِندي وعِندَ مَن يَكتبُهُ عَنِي، فَلا يَرتَابَ في صَحِها، ولَم أَقُلْ إِنَّ مَا سواهُ ضَعيفٌ ... إلخ. مِمّا يُرجِّعُ الروايةَ بِالضَّمِّ، وبمثلِهِ عندَ ابنِ الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)) (ص: ١٠٠)، واللَّهُ أعلمُ . (٢) (٨١/٢). ص : 155 السنن الأبين فَلا يُنكَرْ أَّها الإِمامُ المُعْتمَدُ أَن يَكُونَ مَنْ قَبِلَ تِلكَ الأَحاديثَ وَصَحتْ عِندَهُ واحَتَجَّ بِها قَد اعتمَدَ نَحوًا مِّن هَذا المَسلَكِ فَلَم يَقبلْهَا يُمُجردِ العَنعنَةِ ؛ بَل بِضَميمةٍ إِليها أفادتْهُ صِحةَ اللقاءِ والسماع؛ وإِن لَّم يَقترِنْ بِها ذَلك لَفْظًا . وقَد وَقَعَ للإِمامِ أَيِّي عَبدِ اللَّهِ البخاريِّ في ((جامعه الصحيح)) مَا يَنظُرُ إِلى هَذا الْمَعَنَى، وهُو مَا ذَكرَهُ في ((كتاب الصلاة)) مِن كِتابِهِ في بابٍ : إِذَا انفلتَتِ الدَّابَةُ فِي الصلاةِ (١) قالَ فيهِ: نا آدَمُ قال: نا شُعبةُ قال : نا الأَزْرِقُ بنُ قَيْسٍ قال: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقاتلُ الحَروريةَ، فَبَينَا أَنَا عَلَى جُرُفٍ نَهَرٍ إِذا رَجَلٌ يُصلِّي وإِذا لِجامُ دَارِهِ بِيدِهِ، فَجَعلتِ الدَّابةُ تُتَازِعِهُ وجَعلَ يَتَبِعُهَا - قالَ شُعبةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ - فَجَعَلَ رَجلٌ مِّنَ الخَوَارِجِ يقولُ: اللَّهِمَّ افْعَلْ بِهِذا الشيخ. فَلمَّا انَصرِفَ قَالَ: إِّي سَمِعتُ قَوَلَكُم وإِنِّي غَزوتُ مَعَ رَسولِ الَّهِ عَ لَّه ◌ِتَّ غَزَواتٍ أَوَ سَبْعَ غَزَواتٍ أَوْ ثمانٍ(٢) وشَهِدتُ تَيسيرَهُ، وإِنِّي أنْ كنتُ أنْ أَرْجِعَ مَع دَابَتِي أُحبَّ إليَّ مِن أنْ أَدَعَهَا تَرجِعُ إلى مَألِفِهَا فَيشقَّ عليّ . فَهذَا الأَزْرِقُ بنُ قَيسٍ ■ - وهو : الحارثِيُّ البصريُّ، مِنْ بَلْحارثِ بنِ [ق٣٩/ب] كَعبٍ مِنَ التابعينِ، قال أبو حاتم فِيهِ: صَالحُ الحَديثِ (٣)، وقال ابنُ (١) مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١٦٢/١ - إحسان). (٢) كذا في الأصل: ((أو ثمان)) ولَم يُشِرْ في ((اليونينية)) إلى وُجودِهَا بهذا اللفظِ؛ ولكن ذكرَهَا القسطلانيُّ في ((إرشاد الساري)) (٣٥٧/٢). (٣) ((الجرح والتعديل)) (٣٣٩/٢). السنن الأبين ص : 156 مَعِينٍ (١)، والنَّسويُّ (٢)، وغيرُهُما(٣) فِيهِ: ثِقةٌ - لَّم يَعرِفْ أَبَا بَرْزَةَ، وَلَا يثبتُ قَولُ قَائلِ لَّا يُعْرَفُ صِدْقُهُ مُخْبرًا عن رَّسُولِ اللَّه عَ لَّهِ أَنْهُ سَمِعَهُ قال كذا، أو أَنْهُ رَآهَ فَعَلَ كذا، إلَّا بعدَ ثُبُوتِ صُحْبتِهِ ؛ أو ثُبُوتِ عَدالتِهِ قَبلَ أن يُخْبِرَ أَنَّهُ صَاحِبٌ، عَلى نَظرٍ فِي هذا القسمِ الآخرِ فإِنَّهُ إِذا قَالَ لَنَا مَنْ عَاصرَهُ عَ لَّه ◌َمَّن ثَبتَ إِسلامُهُ وعَدالتُهُ: أَنَا صَاحبٌ؛ صُدِّقَ وقُبِلَ قولُهُ وسُمِعَتْ رِوايتُهُ (٤) . قالَ الإِمامُ الفقيهُ المَلكِيُّ أَبو عمرو بنُ الْحَاجِبِ: وَيَحْتَمِلُ الخِلافُ للاتهامِ بِدَعوَى رُتبةٍ لْنَفسِهِ (٥) . قُلتُ: لَكِن لَّمَّا ثَبتَ عِندَ شُعبةَ أَنَّ هَذا الرجلَ الذي نَازَعَتْهُ دَابتُهُ هُو : (١) الدوري (٣٦٩٤). (٢) ((تهذيب الكمال)) (٣١٩/٢). (٣) في الأصل أشبه بـ ((غيرهم). (٤) حكاهُ الخطيبُ في ((الكفاية)) معزوًّا لأبي بكر الباقلانيّ فيما يَظهرُ (ص: ٥٢)، والعلائيُّ في ((تحقيق مُنيفِ الرُّتبةِ)) (ص: ٥٩)، وابنُ الصَّلاح في ((المقدمة)) (ص: ٢٨٥)، وذكرَ الخطيبُ أنّهُ يُقبَلُ خَيْرهُ وإِن لَّم يُقطعْ بِذَّلِكَ. (٥) قال الآمِدِيُّ في ((الإِحْكَامِ)): ((لو قالَ مَنِ عَاصِرَ النبيَّ عَلَّهِ: أَنَا صحابِيٌّ، مَّعَ إِسلامِهِ وعَدالتِهِ ، فالظاهرُ صِدقُهُ، ويُحتمَلُ أَن لَّا يُصَدَّقَ في ذلكَ؛ لِكَوْنِهِ مُنَّهمًا بِدَعوى رُتبةٍ يُثِثُها لِنَفسِهِ، كَمَا لَو قَالَ: أنا عَدْلٌ، أَو شَهِدَ لنفسِهِ . اهـ من ((تحقيق منيف الرتبة)) (ص: ٥٩). وإلى قَبولِ دَعواهُ الصُّحْبَةَ مَالَ العلائِيُّ بِقولهِ: ذَلكَ مِمَا يَتعذَّرُ إِثباتُهُ بالنقلِ دائمًا؛ إِذْ رُبَّا لَا يَحضُرُ حَالةَ اجتماعِهِ بالنبيِّ عَ لِ أَحَدٌ، أَوْ حَالَ رُؤْيِتِهِ إِياهُ، أَوَ حَضرَ ذلكَ وَاحِدٌ أو اثنانٍ وَلَم يَنقلا ذلكَ، فلو لَم يَثْبُتْ ذَلكَ بِقَولِهِ لتعذَّرَ إِثباتُهُ ، بِخلافٍ ما إِذا ادَّعى طُولَ الصُّحبةِ - قالَ - فإِنَّ مِثلَ هذا يُنقَلُ ويَشْتَهَرُ. ص : 157 السنن الأبين أبو بَزْزَةَ الأَسْلَميُّ، وهُو مَعروفُ الصُّحبةِ والسَّماع مِنَ النبيِّ عَّهِ؛ ثَبتَ الحَديثُ وصَحَّ. فَلِذلكَ أخرجَهُ البخاريُّ في ((صحيحه)) فَهذا حَديثٌ ضَعَّ بِضَمِيمَةٍ . وَأَبو بَرْزَةَ اخْتُلِفَ فِي اسمِهِ واسم أبيهِ، فقِيلَ: نَضْلَةُ بنُ عُبَيْدٍ ، قال بَعضُ المُقنِينَ: وعَليهِ أكثرُ العُلماءِ(١) . وقيل: نَضلةُ بنُ عَائذٍ (٢) ، وقيل: عبدُ اللَّهِ بنُ نَضلةَ (٣)، وقيلَ غَيرُ ذَلك (٤). وأَصلُهُ مَدنِيٌّ نَّزِلَ البصرةَ. وعَلى نَحوِ مِّن هَذا تَأوَّلَ عُلماءُ الصَّنعةِ بَعدَ كما عَلِيكُمَا - أَعْنِيكَ والبُخاريَّ - فِيمَا وَقعَ فِي كِتَابَيْكُمَا مِن حَديثِ مَن عُلِمَ بِالتدليس مَّن لَّمْ ا يُبيِّنْ سَماعَهُ فِي ذَلك الإسنادِ الذي أَخرِجْتُمَا الحديثَ بِهِ، فَظنُّوا بِكُما [ق ٤٠/أ] (١) عزاه في ((الإصابة)) (٤٣٣/٦) لأحمد، وقال: وهو قول الأكثر، وهو قول ابنٍ مَعينٍ كما في ((تاريخ الدوري)) (٦٧)، وزهير بن حرب كما في ((الاستيعاب)) (ص: ١٤٩٥)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (١١٨/٨) و((الصغير)) (١/ ١٦٦)، وأبو حاتم في ((الجرح)) (٤٩٩/٨)، ومسلم في ((الكنى)) [ق١٦]، وقال ابنُ عبدِ البرِّ في ((الاستيعاب)) (ص: ١٤٩٥): هو الصحيح. وكذا قالَ الحافظُ في ((الإصابة)) (٣٨/٧)، وغيرُهُم . (٢) عزاهُ الباجيُّ في ((التعديل والتجريح)) (ص: ٧٨٠) لعمرو بنِ عليّ. (٣) رَواهُ الواقديُّ عَن بَعضٍ ولدِ أَبِي بَرزةَ - كما في ((طبقات ابن سعد)) (٤/ ٢٩٨)-، وانظره في ((التعديل والتجريح)) (ص: ٧٨٠). (٤) قِيلَ: عُبِيدُ بنُ نَضلةَ؛ عزاهُ ابنُ مَاكولا في ((الإكمال)) (٢٣٧/١) لأبي بكرٍ بن البرقيّ في قولِ بعضِ أهلِ الحديثِ، وقِيلَ: خالدُ بنُ نَضلةَ كما عزاهُ الباجيُّ في ((التعديل والتجريح)) (ص: ٧٨٠) للهَيئمِ بنِ عَدِيٍّ، وقيلَ : نَضلةُ بنُ عَبدِ اللَّهِ، وهُو قَولُ هِشامٍ بنِ مُحمدِ بنِ السائبِ الكلبيِّ وغَيرِهِ مِن أهلِ العلمِ - كما في ((طبقات ابن سعد)) (٢٩٨/٤). السنن الأبين ص : 158 مَا يَنبغِي مِن حُسنِ الظنِّ والتماسِ أَحسنِ المَخَارِجِ وأَصوبِ الَذَاهِبِ، لتقدُّمِكُما في الإِمامةِ وسَعَةِ عِلمِكُما وحِفِظِكُما وَمييزِكُما ونَقْدِكُما؛ أَنَّ مَا أَخرجتُما مِنَ الأَحاديثِ عَن هَذا الضَّربِ مِمَّا عَرِفْتُمَا سَلامتَهُ مِن التدليس (١) . وكَذلكَ - أيضًا - حَكَمُوا فِيما أَخرجتُمَا مِن أَحاديثِ الثقاتِ الذينَ قَدِ اخْتَلَطُوا، فحَمِلُوا ذلك عَلى أَنْهُ مِّا رُوِيَ عَنْهُم قَبَلَ الاختلاطِ (٢)، أَو بِمَّا سَلِّمُوا فيهِ عندَ التَّحديثِ، عَلى نَظَرٍ في هذا القسمِ الآخرِ يَحتاجُ إلى إِمعانِ التَّأمُّلِ، فَبَعضٌ مِّنها تَوصلُوا إِلى العِلمِ بِالسَّلامةِ فيهِ بِطَبقةِ الرُواةِ (١) وهذا في الجملةِ كما قالَ الحافظُ في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (١) ٣١٥): إِنَا نَعلمُ - في الجُمْلةِ - أَنَّ الشَّيخِينِ لَم يُخرِّجَا مِن رّوايةِ المُدُلِّسِينَ بِالعَنعنةِ إِلَّ مَا تَحَقَّقَا أَنْهُ مَسموٌ لَّهُم مِن جِهةٍ أُخرى. اهـ، وإِلَّا فالبخاريُّ يَسعَى جَاهدًا - أحيانًا - بِذِكرِ مُتابعاتٍ ؛ وإِن كَانَت لَيسَتْ بِلكَ في القُورةِ ؛ لإِثباتِ سَماعٍ قَتَادةَ مِنَ الحَسنِ - كما في الحديث رقم (٢٩١) -، أو مِن أَنْسٍ - كما في الحديث رقم (٥٩٧) من ((فتح الباري)) لابن رجب الحنبلي - ، أو قتادةً مِن ◌ِكرمَة - كما في الحديث رقم (٧٨٨) - ، ومَا ذلكَ إِلَّا لِيَأْمَنَ تَدليسَهُ، وانظر ما قالهُ ابنُ رجبٍ عند شرحِهِ للحديث رقم (٣٥١)، (٥٧٢)، مِمَّا يَرِدُ على مَن طرَّدَ هذهِ القَاعدةَ . (٢) وهَذا - أيضًا - في الجُمِلةِ كَما حَكَاهُ الحافظُ في ((النكت)) (٥١٣/١) وإلّ فِرِوايةُ زُهيرٍ وإِسرائيلَ عَن أَبِي إِسحاقَ السَّبيعي في ((الصحيحين)) وهُما قَد سَمِعًا مِنهُ بِآخرةَ كما قالَ أحمدُ في ((مسائل صالح)) (١١٥٨): في حديثِهِم عَن أبي إسحاقَ لِيْنٌ؛ سَمِعُوا مِنْهُ بآخرةَ ، وشَربِكٌ كَانَ أَثْبتَ في أَبِي إِسحاقَ مِنْهُم ؛ سَمِعَ قَديمًا اهـ. وهذا قولُ ابنٍ مَعينٍ وأَبِي زُرعةَ وأبي حاتم وغيرِهِم، وانظر ((تهذيب الكمال)) (٥٢٠/٢)، (٤٢٤/٩)، و((شرح علل الترمذي)) لابنٍ رجبٍ (٧٠٩/٢)، وغيرهم. ص : 159 السنن الأبين عَنْهُم، وَتَمييزٍ وَقتٍ سَماعِهِم، وبَعضٌ أَشكَلَ، وقَد كَانَ يَنبغى فِيمَا أَشكلَ أَنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ ، لِكِنْهُمْ فَتَعُوا أَوَ أَكثرُهَم بِإِحسان الظنِّ بِكُمَا، فَقَبِلُوه ظَنَّا مِّنْهُم أَنَّهُ قَد بَانَ عندَ كُما أَمرُهُ، وحَسْبُنا الاقتداءُ بِمَا فَعلوا، ولُزومُ الاتباعِ، ومُجانبةُ الابتداعِ . وقَد سَلكَ - أيضًا - هذا المسلكَ أَبو حاتم البُسْتِيُّ فَقالَ فِي صَدرِ كِتابِهِ : وَمَّ المُخْتَلِطُونَ فِي أَواخرٍ أَعمارِهِم مِثلُ الْجُزَيْرِيِّ، وسَعيدِ بنِ أبِي عَرُوبَةً، وأَشباهُهُمَا فَإِنَّا نَروِي عَنْهُم في كِتابِنَا هَذا، ونَحتَجُ بِمَا رَوَوْا، إِلَّا أَنَّا لَا نَعتمدُ مِن حَديثِهِم إِلّ عَلى مَا رَوَى عَنْهُمُ الثقاتُ مِن القُدماءِ الذين يُعلَمُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْهُم قَبَل اخْتِلَاطِهِم، أَوْ مَا وَافَقُوا الثقَاتَ مِن الرِّواياتِ التي لَا شكَّ فِي صِحَّتِها ونُبُوتِهَا مِن جِهَةٍ أُخْرَى، لأَنَّ محُكمَهُم - وإِن بَعدَ تَقَدُّمِ [ق٤٠/ب] اخْتلطُوا فِي أَواخرٍ أَعمارِهِم وحُمِلَ عَنْهُم فِي اختلاطِهِم ! عَدالتِهِم - حُكمُ الثقةِ إِذا أَخطأَ أَنَّ الوَاجبَ تَرْكُ خَطِئِهِ إِذَا عُلِمَ ، والاحتجاج بما يُعْلَمُ أَنَّهُ لَم يُخطِئ، وكَذلكَ حُكْمُ هَؤلاءِ الاحتجاجُ بِهِم فِيمًا وافقُوا الثقاتَ، ومَا انفردُوا مِمَّا رَوى عَنهُم القدماءُ من الثقاتِ الذينَ كانَ سَماعُهُم مِنْهُم قَبلَ الاختلاطِ سَواء. انتهى ما قَالهُ أبو حاتم البُستيُّ (١). وفِي بعضِ كَلامِهِ نَظَرٌّ، فَلَيْسَا سَوَاءً، وتَشِيهُهُ بِحَالِ الثقةِ إِذا أُخطأً لا يُسَاعَدُ عَليهِ، أَمَا ما رُويَ عَنْهُم قَبَلَ الاختلاطِ وتُمُّزَ مِمَّا رُوِيَ بَعدَهُ فَلا إشكالَ فيهِ، وأَمَا مَا رُوِيَ عَنْهُم مُستقيمًا بَعدَ الاختلاطِ فَفِيهِ نَظَرٌّ، وقَد أنكرَهُ يَحتَّى بْنُ مَعينٍ عَلى وَكيع وقالَ لهُ: تُحَدِّثُ عَن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبَةً (١) مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١٦١/١- إحسان). السنن الأبين ص : 160 وإِنما سَمِعتَ مِنْهُ فِي الاختلاطِ ؟! فقالَ: رَأَيتُنِي حَدَّثْتُ عنهُ إِلَّ بِحَديثٍ مُستَوٍ فإِنّهُ إِنْ كانَ الاعتمادُ على الثقاتِ الذينَ وَافْقُوهُمْ دُونَهُمْ فَلَم يُعتمَدْ عَليهِم؛ فَما الفائدةُ في تَخريج الحديثِ عنهُم دُونَ أَولائِكَ الثقاتِ ؟ وإِن كانَ الاعتمادُ عَلى الرواةِ عَنْهُم ؛ وعَلى مَا قَرؤُوهُ عَليهِم مِن صَحِيح كُتِهِمُ التي كَتْبُوهَا فِي حَالِ الصِّحةِ؛ أو التي كَتبَ عَنْهُم أصحابُهُم قَبلَ الاختلاطِ - كَما قالَ ابنُ مَعينٍ : سَمعتُ ابنَ أَبِي عَدِيٍّ يَقولُ: لَا تَكْذِبُ اللَّهَ ، كُنَّا نَأَتِي الجُرَيْرِيَّ وهُو مُخْتِطٌ فَتْلَقِّنَهُ؛ فَيَجِيءَ بِالحديثِ كَما هُو فِي كِتابِنَا (١) - فَقَد حَصلَ فِي الحَديثِ انقطاعٌ وصَارَ وُجُودُهُم كعَدَمِهِم، ولَا فَرِقَ بَيْنَ أَن يُقْرَأَ عَليهِ وهُوَ مُختلطٌ وَأَن يُقْرَأَ عَلى قَبِهِ وَهُو مَيْتٌ . فَآَلَ [ق ١/٤١] الأمرُ إِلى الاعتمادِ عَلى الوُجادةِ D. وَأَحْسَنُ مَا يُلْتَمَسُ لَهُم : أَنْهُمْ لَم يُفْرِطِ الاختلاطُ فِيهِم بِحيثُ يَكونُونَ مُطْبَقِينَ ، أَو كَانتْ لَهُم أَوقاتٌ تثوبُ إليهِم عُقولُهُم فِيها فيتحيَّنُ الآخِذُونَ عَنْهُم تِلكَ الأَوقاتِ وَيقرأُونَ عَليهِم مِن كُتُبِهِم أَو كُثُبٍ أَصحابِهِم، أَو يَسمعونَ مِنْهُم مَا حَفِظوهُ مِمَّا تَظهرُ لَهُمُ السلامةُ فِيهِ . هَذا هُو الذي يَجِبُ أَن يُعْتَقَدَ فِي مَن رَّوَى عَنْهُم مِنَ الثقاتِ ، وعَلى ذَلِك يُحْمَلُ فِعلُ وَكَبِعِ بنِ الجَرَاحِ وغيرِهِ مَّن فَعَلَهُ، وإِلَّا عادَ ذلك بالقدح على الرواةِ عنهم؛ على أنَّ أبا حاتم الْتُشْتيَّ - وإِنْ كَانَ مِن أئمةِ الحديثِ - (١) ((تاريخ الدوري)) (٣٦٢٣).