Indexed OCR Text

Pages 421-440

يسألُه، فروى على ملأ من الناس: ((ليس على مستكره طلاق)) فضربه
بالسّياط. ولم يترك رواية الحديث (١) . وقال مالك: ما كان رجلٌ صادقاً
في حديثه ولا يكذب إلاّ مُتْع بعقله ولم تُصبْه مع الهرم آفةٌ ولا خَرَفٌ.
وأما زهده في الدّنيا فيدلّ عليه ما رُوي أن المهدي أمير المؤمنين سأله
فقال له : هل لك من دار ؟ فقال : لا ، ولكن أحدثك فيه حديثاً: سمعتُ
ربيعة بن عبد الرحمن يقول : نسبُ المرء داره .
وسأله الرشيد(٢): هل لك دار ؟ فقال: لا . فأعطاه ثلاثة آلاف
دينار ، وقال : اشتر بها داراً فأخذها ولم يُنفقها ، فلما أراد الرشيدُ
الشخوصَ ، قال لمالك : ينبغي أن تخرج معنا . قال : عزمتُ أن أحمل
الناس على ((الموطأ)) كما حمل عثمان الناس على القرآن ، فقال : أما حمل
الناس على الموطأ فليس إليه سبيلٌ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم افترقوا بعده في الأمصار، فحدثوا فعند كل أهل مصر علم ، وقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اختلاف أمتي رحمة)) (٣)، وأما
الخروجُ معك فلا سبيلَ إليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينة
١١٤٣ من طريق هاشم عن عبدالله بن طلحة الخزاعي ، عن أبي يزيد
المديني ، عن عكرمة به ورجاله ثقات، وعلقه البخاري ٣٤٣/٩ في
الطلاق، وأشار الحافظ في ((الفتح)) الى وصله . وانظر لزاما تعليق
الشيخ حبيب الرحمن الاعظمي على ((سنن سعيد بن منصور ١١٤٣٨
(١) ((الانتقاء)) ٤٣ و((ترتيب المدارك)) ٢٢٨/١
(٢) الخبر في ((الحلية)) ٣٣١/٦ عن المأمون.
(٣) لا أصل له، أورده السيوطي في ((جامعه)) ٢٨٨ ونسبه لنصر المقدسي
في ((الحجة)) والبيهقي في ((الرسالة الاشعرية)) بغير سند، ثم قال:
وأورده الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم ، ولعله خُرِّج
في بعض كتب الحفاظ. وانظر لزاماً كلام الامام المناوي في (( فيض
القدير)) ٢١٢/١، قلت : وذكر هذا الحديث في القصة ليس موجودا
في ((الحلية)).
٤٢١

خير لهم لو كانوا يعلمون)) (١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((المدينة.
تنفي خَبَّثَها كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد (٢))) وهذه دنانيركم كما هي
إن شئتم فخذوها ، وإن شئتم فدعوها - يعني أنك إنما كلفتني مفارقةَ
المدينة لما اصطنعته إليَّ فلا أوثرُ الدنيا على مدينة الرسول صلى الله عليه
وسلم .
فهكذا كان زهدُ مالك في الدنيا . ولما حُملت إليه الأموالُ الكثيرةُ
من أطراف الدنيا لانتشار علمه وأصحابه كان يُفرّقها في وجوه الخير
ودل سخاؤه على زُهده وقلة حبه للدنيا ، وليس الزهدُ فقْدَ المال ، وإنما
الزهدُ فراغُ القلبِ عنه ، ولقد كان سليمان عليه السلام في مُلْكه من
الزهاد ، ويدلّ على احتقارهِ للدنيا ما رُوي عن الشافعي أنه قال : رأيتُ
على باب مالك كُراعاً من أفراسٍ خراسان وبِغال مصر ، ما رأيتُ أحسنّ
منه، فقلت لمالك : ما أحسَنَه! فقال: هو هديةٌ مني إليكَ يا أبا عبد الله
فقلتُ : دع لنفسك منها دابةً تركبها . فقال: إني أستحيي من اللّه تعالى
أن أطأ تربة فيها نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم بحافرٍ دابةٍ .
فانظر إلى سخائِه إذا وَهَب جميعَ ذلك دفعةً واحدةً وإلى نوقيره
التربة المدينة، ويدل على إرادته بالعلم وجهَ اللّه تعالى واستحقاره للدنيا
١٠ رُوي عنه أنه قال: دخلتُ على هارون الرشيد، فقال لي . يا أبا - بد الله
ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبيانُنا منك الموطأ ، قال : فقلت:
أعزَّ اللّه مولانا الأمير، إن هذا العلمَ منكم خَرَجَ، فإن أنتم أعزز تموه
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٨٨٧/٢ - ٨٨٨ والبخاري ٧٨/٤، ٨٠
ومسلم ١٣٨٨ عن سفيان بن أبي زهير رضي الله عنه .
(٢) أخرجه مالك ٨٨٧/٢ والبخاري ٧٥/٤ ومسلم ١٣٨٢ عن أبي هريرة
رضي الله عنه .
٤٢٢

عزَّ، وإن أنتم أذللتموه ذَلُّ. والعلم يُؤتى ولا يأتي، فقال: صَدَقْتُ
اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس (١) ، انتهى .
وقال صاحب (( بستان المحدثين )) في ترجمته : رُوي أنه كان يفتِل
سبلته (٢) إذا أهمّهُ أمرٌ، وقال أشهبُ : وكان إذا اعتمّ سدل عمامته
بين كتفيه أي : أرسل وأرخى طَرفها الذي يُقال لها : العلاقة ، ولفها
تحت الحنكَ وكان إذا يكتحلُ يلزمُ بيته ولا يخرج ويرى الاكتحال
مكروهاً إلاّ من علة ومرض (*) ، وكان خاتمه من فضة وفصه أسود
ونقشه: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)). فسأله مطرف عن اختيار هذا النقش .
قال : سمعت اللّه يقول في حق المؤمنين قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل
فأحببت أن تكون تلك الكلمة دائماً نقش ضميري ونُصب عيني (٤) .
وكان مكتوباً على باب داره (( ما شاء الله)). فسئل عنه فقال: يقول الله:
( وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جنّتَكَ قَلْتَ مَا شَاءَ الله) (الكهف: ٣٨).
داري هذه هي جنّي فأريد ذكرها حين أدخله وأحب أن تجري هذه على
لساني .
وكان ( بيته) بيتَ الإمام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وكان
مجلسُه من مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم مجلسَ أمير المؤمنين عمر رضي
اللّه عنه (٥) . وقال: ما جالستُ مدة عمري سفيهاً ولا خفيفَ عقل. قال
الإمام أحمد : وهذا عظيم لم يتفق لغيرِ مالك (٦)، وليس في زمرة العلماء
(١) ((سير النبلاء)) ٥٧/٨
(٢) ما على الشفة العليا من الشّعر ، يجمع الشاربين وما بينهما .
(٣) ((سير النبلاء)) ٦٣/٨
(٤) (سير النبلاء)) ١٠١/٨
(٥) ((ترتيب المدارك)) ١١٥/١
(٦) ((ترتيب المدارك)) ١١٦/١-١١٧
٤٢٣

فضيلةٌ أحسن منه ، فإن صحبة السفهاء تُظلم نورَ العام، وتنزل الرجلٌ
عن ذروة التحقيق ، وتُلقيه في حضيض التقليد، ولم يره أحدٌ آكلاً
وشارباً لأنه كان لا يأكل ولا يشرب إلا في الخلوة وهو مع ذلك التمكين
والوقار ، كان في مرتبة عظيمةٍ من حُسن الخُلُقَ مع الأهل والولد
والخدم والحشم. وكان يتأسّى في ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم (١) وسيرة
الصحابة الكرام . كان وافر الحرص في طلب العلم حتى قلع سقف بيته
في بدء أمره وباع خشبه في أمر الكتاب ، ثم هَجَمت عليه الفتوح
العظيمةُ وكان أتمّ الحفظ، قال : ما نسيتُ شيئاً قط بعد أن حفظته .
وتوفّت في زمانه امرأةٌ بالمدينة فغسلتها الغسالة ، فحين وضعت يدها على
فرجها قالت : طالما عصى ربه هذا الفرجُ فلصقتْ يدُ الغسالة بها . ولم
يعلموا ما يفعلوا لتفترقَ يدُها عنها ، ولما عجزوا عنها رجعوا إلى العلماء
فلم يهتدوا إلى سبيل . فقال الإمام مالك : عندي أن تضربوا الغسالة حد
القذف فضربوها حد القذف ، وهو ثمانون جلدة فافترقت يدها عن فرج
المَيْت. واستقرّت ورسخت إمامةُ الإمام ورئاستُه في أذهان الناس
من يومئذ .
قال مالك : كتبتُ بيدي ألف حديث .
وقال الدار قطني : لم يتفق لأحد ما اتفق مالك ، فإنه روى عنه راويان
حديثاً واحداً وبين وفاتهما ثلاثون ومئة سنة أحدهما محمد بن مسلم بن
شهاب الزهري أستاذ الإمام فإنه روى حديثَ فُرَيعة بنت مالك بن سنان (٢)
(١) كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خيركم خير كم لاهله،
وأنا خيركم لاهلي ... )) أخرجه الترمذي ٣٨٩٢ والدارمي ٢ / ١٥٩
وابن حبان ١٣١٢ عن عائشة ، وفي الباب عن ابن عباس وعن ابن عمرو.
.(٢) ترجمتها في ((الاصابة)) ٨٩/١٣ و((تجريد أسماء الصحابة))}/
٢٩٦
٤٢٤

في باب سكنى المعتدة (١) عن مالك بن أنس والآخر أبو حذافة السهمى (٢)
تلميذ مالك وصاحب رواية الموطأ (٣) فإنه أيضاً روى هذا الحديث عنه
ومات الزّهري سنة خمس وعشرين ومئة وأبو حذافة سنة خمسين ومئتين
ونيف (٤) . قلتُ : روايةُ الزهري عن مالك من قبيل رواية الأكابر عن
الأصاغر (٥) ولا تخلو عن ندرة . ولأهل الحديث كتبٌ في هذا الباب وتفاوت
الراويين عن شيخ واحد هذا القدر في الوفاة أيضاً لا تخلوعن غرابة (٦).
ويقال له في عرف المحدثين: ((السابق واللاحق)).
قال الحافظ ابن حجر في ((شرح نخبة الفكر)) (٢): أكثر ما وقفنا
عليه في ذلك تفاوت مائة وخمسين سنة ثم أورد له مثالاً ، والغالب أن
تفاوت هذا المقدار تحصل في صورة رواية الأكابر عن الأصاغر ،
وكان مجلس الإمام مجلس الهيبة والوقار لم تكن فيه الأصوات ولا
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٥٩١/٢ وأبو داود ٢٣٠٠ والترمذي ١٢٠٤
والنسائي ١٩٩/٦ والشافعي في ((الرسالة)) ١٢١٤ والطيالسي ١٦٦٤
وابن حبان ١٣٣٢ - موارد والحاكم ٢٠٨/٢ وأحمد ٣٧٠/٦ و٤٢٠
وابن ماجه ٢٠٣١ والدارمي ١٦٨/٢ والبغوي ٢٣٨٦ وانظر ((شرح
الزرقاني)) ٢٢٣/٣ و((تنوير الحوالك)) ٣٧/٣ و((المنتقى)) للباجي
١٣٣/٤-١٣٤
(٢) انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٤٩/٨
(٣) وقد تقدم الكلام عليها .
(٤) هذا هو الصواب، وليس ما ذكره الخطيب البغدادي في ((السابق
واللاحق)) ٣٣١ فقد ذكر بدلا من أبي حذافة السهمي زكريا بن دويد،
والصواب ما ذكره المصنف، وانظر لزاما ((سير أعلام النبلاء)) ٧٦/٨
و (( التبصرة والتذكرة)) ١٠١/٣
(٥) انظر (( تدريب الراوي)) ٢٤٥/٢
(٦) انظر ((تدريب الراوي)) ٢٦٣/٢
(٧) ((نزهة النظر)) ٦٠-٦١ وانظر حاشية ((لقط الدرر)) ١١٤ للعدوي،
و (( شرح الملا علي القاري )) ٢٠٣-٢٠٤
٤٢٥

تسمعُ فيه لاغيةً وكان لا يقرأ لأحد بل كانوا يقرأ ون عليه وهو يسمع(١).
وكانت جماعةٌ من أهل العراق في زمانه لا يرون القراءة على الشيخ من
وجرهِ تحمّلِ الحديثِ بل كانوا يطلبون السماع من لفظ الشيخ ، فاختار
أكثر علماء المدينة والحجاز هذا الطريقَ دفعاً لوهمهم وإلاّ فالمأثور في
القديم هو قراءة الشيخ على التلميذ .
وقد اتفق ليحيى بن بُكير أنه سمع الموطأ من مالك في مجلس إفادته
بقراءته أربع عشرة مرة (٢) كان مالكٌ لكمال أدبه مع حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يجلس إلاّ على هيئة واحدة في إسماع الحديث وإفادته
وكانلا يقلب رجليه ويحتاط فيه احتياطاً ناماً وكان مجتنباً عن الغائط في حد الحرم
مدة عمرة إلاّ عند مرضه وشدة الضرورة . قال بشر الحافي: (٣) من زينة
الدنيا ونعمتها أن يقول الرجل : حدثنا مالك (٤) - يعني بلغت أبّهة الإمام
وشوكتُه مبلغاً يُعَدّ تَلَمْذُهُ من جملة مفاخر الدنيا مع أنه من وسائل
الآخرة وأمور الدين وكثيراً ما كان يتمثل بهذا البيت :
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع (٥)
ومن كلامه : لا ينبغي للعالم أن يتكلّم بالعلم عندَ من لا يطيقه فإنه
ذلّ وإهانةٌ للعلم. ولما صنف كتاب ((الموطأ)) في الحديث عمل علماء
المدينة الموطآت على منواله فقيل لمالك : قد شاركَكَ الناسُ في مثل هذا
(١) ((ترتيب المدارك)) ١٥٣/١-١٥٤ و((الانتفاء)) ٤١
(٢) ((ترتيب المدارك)) ٥٢٩/١ وفيه: سبع عشرة مرة.
(٣) هو بشر بن الحارث، المتوفى سنة ٢٢٧ هـ، ترجمته في ((الحلية))
٣٣٦/٨ و((طبقات الشعراني)) ٦٢/١ و ((النجوم الزاهرة)) ٢٤٩/٢
(٤) (( ترتيب المدارك)) ١٦٨/١
(٥) ((حلية الأولياء)) ٣٢٠/٦ بأطول من هنا، وانظر جملة صالحة من
آدابه وحكمه ووصاياه في ((ترتيب المدارك)) ١٨٤/١ - ١٩١
٤٢٦

التصنيف فلِمَّ تكلّفُ هذا القدَر نفسَك؟ قال: إيتوفي بها أنظُرْها. فلما
نظر فيها قال : عسى أن يعلموا أيّ عمل وقع لوجه الله تعالى ، فكان كذلك
ولم يبقَ لموطآت الآخرين اسمٌّ ولا رسمٌ إلاّ ما يذكر من موطأ ابن أبي
ذئب . وأما موطأ مالك فهو مخدومُ طوائفِ الأنامِ وبضاعة الاجتهاد
لعلماء الإسلام . والقبول بقدر النية .
وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في ((حلية الأولياء)) (١) في ترجمة
•الك بسند صحيح عن سهل بن مزاحم المروزي - وكان من عباد وقته
وأصحاب عبد الله بن المبارك - أنه قال: رأيتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم في المنام، وقلتُ: يا رسول اللّه قد مضى عصرُك وانقضى فإنْ
وقع لي شكّ وشبهةٌ في الخاطر في أمرٍ من أمور الدين فممّن أتحققهُ ؟
قال : ما أشكلَ عليك فاسئلْهُ عن مالك بن أنس. وروى أيضاً عن ٠ طَرّف
أن أبا عبد الله - من موالي الليثيين - قال : تشرفت بزيارة رسول الله صلى
الله عليه وسلم - أي في النوم، فرأيته جالساً في المسجد وحولّه رجالٌ
كالحَلَقَة، ورأيتُ مالكاً قائماً بين يديه وعنده صلى الله عليه وسلم مسك"
يعطيه مالكاً قبضةً قبضةً، ومالكُ ينثره على الناس ، فعَبّرتُ هذه الرؤيا
بظهور العلم النبوي أولاً في مالك ثم بواسطته في الآخرين . وروى أيضاً (٢)
عن محمد بن رمح التجيبي المصري (٣) استاذ مسلم بن الحجاج صاحب
((الصحيح)) أنه قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم.
وقلتُ : نحن مختلفونَ في مالك وليث أيّهم أعلم ؟ فقال رسول الله صلى الله
(١) ((الحلية)) ٣١٧/٦ وفيه: اسماعيل بن مزاحم.
(٢) المصدر السابق .
(٣) المنوفى سنة ٢٤٢، ترجمته في ((حسن المحاضرة)) ٣٤٧/١ و((دول
الاسلام)) ١٤٧ و((الانساب)) ٢١/٣
٤٢٧

عليه وسلم : مالكٌ وارثُ سريري، ففهمتُ حينئذ المرادَ به أنه وارث
علمي (١) .
وروى (٢) عن يحيى بن خلف بن الربيع الطرطوسي - وكان من
صُلَحاء عصره وعُبّاد دهره - أنه قال : حضرتُ يوماً عند مالك فأتى
رجلٌ وقال: ما نقولُ في القرآن أهو مخلوق أم لا ؟ فقال الإمام : اقتلوا
هذا الزنديق فإنه سيتولد من كلامه فتنٌ كثيرة. وقد عمّتِ البلوى بعد
مالك في هذه المسئلة وقَتَلَتْ جماعاتٍ كثيرةً من أهل السنة على عدم
القول بها .
وكذا روى (*) عن جعفر بن عبد اللّه أنه قال: كنا عند مالك فسأله
رجل عن تفسير قوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ) ( طه : ٥ )
كيف هذا الاستواء ؟ فأظهر مالكٌ الملال الكثير من هذا السؤال وأطرق
ملياً وتفكر كثيراً حتى عرق جبينه، ثم قال : الكيف منه معقول والاستواء
منه مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة . ثم أمرَ بإخراجه .
وروي عن أبي عروبة وهو من أولاد الزبير رضي الله عنه - قال: كنا
جلوساً عند مالك يوماً فإذا رجل أتى وذكر نقائصَ الصحابة ومساويهم ،
فقال مالك: اسمع ، ثم تلا هذه الآية ( محمد رسول الله والذين معه أشداء
على الكفار رحماء بينهم ) حتى بلغ إلى: ( ليغيظ بهم الكفار ) (الفتح :
(١) انظر في رؤيا أهل العلم الدالة على علم الامام مالك وأمامته في ((ترتيب
المدارك)) ٢٤٠/١-٢٤٥
(٢) يعني أبا نعيم في ((الحلية)) ٣٢٥/٦ وفيه: الطرسوسي، ومثله في
((سير أعلام النبلاء )) ٨٨/٨
(٣) ((حلية الأولياء)) ٣٢٥/٦ ورواه البيهقي في الاسماء والصفات ص٤٠٨
٣٩٨/٣ والدارمي في الرد على الجهمية ٣٧ وانظر (سير أعلام النبلاء)) ٨٩/٨
والتعليق عليه ومختصر العلوم ١٤١ ومجموع الفتاوي ٣٠٨/١٣ فانه
مهم .
٤٢٨

٢٩) . ثم قال : مَن كان في باطنه سيء الظن بالصحابة ويعيشُ عدواً
لهم فهو داخل في هذا اللفظ (١) ، فافهم . انتهى . المقصود منه ، ملخصاً
ومترجماً من الفارسية بالعربية .
وكان لا يركبُ في المدينة المنورة مع ضَعْفه وكِبَرِ سنّه ويقول :
استحيي من اللّهِ أن أطأ تربةً فيها قبرُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
وقد بلغ بهذا الأدب ما بلغ وكان رأسَ المتقين ومِن كبار تبع التابعين .
وفيما ذكرناه كفاية ومقنع .
الفصل الثاني
( محمد بن إسماعيل البخاري ) (٢)
الإِمامُ، حافظُ الإسلامِ، خاتمةُ الجهابذة - النقاد الأعلام، شيخ
الحديث وطبيبُ عِلَله في القديم والحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
ابن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه (٣) وهو بالفارسية الزّرّاع الجُعفي
وكان بَرْدِزْبَه فارسياً على دين قومه ثم أسلم ولدُه المغيرةُ على يدِ اليمان
الجُعْفي والي بخارى ، فنسب إليه نسبة ولاء ، عملاً بمذهب من يرى
أنَّ مَن أسلم على يد شخص كان ولاؤه له ، ولذا قيل للبخاري : الجُعفي،
(١) (ترتيب المدارك)) ١٧٤/١ و((الحلية)) ٣٢٧/٦ وانظر ((زاد المسير))
٤٤٩/٧ و((تفسير ابن كثير)) ٢٠٤/٤
(٢) ترجمته في ((الجرح والتعديل)) ١٩١/٧ و((طبقات الحنابلة)) ٢٧١/١
و ((تاريخ بغداد)) ٤/٢، ٣٣ و((تهذيب الأسماء واللغات))٦٧/١/١
و (وفيات الاعيان)) ١٨٨/٤ و((تذكرة الحفاظ)) ٥٥٥/٢ و((سير
أعلام النبلاء)) ٣٩١/٢ و(الوافي بالوفيات)) ٢٠٦/٢ و((طبقات
الشافعية)) ٢١٢/٢ و((البداية والنهاية)) ٢٤/١١ و((النجوم
الزاهرة)) ٢٥/٣ و(الشذرات)) ١٣٤/٢ وغيرها .
(٣) (الاكمال)) ٢٥٩/١ و((تبصير المنتبه)) ٧٧/١
٤٢٩

ويَمَانٌ(١) هذا هو جَدّ المحدث عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان الجعفي
المُسْنَدي (٢).
قال الحافظ ابن حجر (٣): وأما إبراهيم بن المغيرة فلم نقف على
شيء من أخباره، وأما والد البخاري فقد ذُكِرَتْ له ترجمةٌ في كتاب
((الثقات)) (٤) لابن حبّان فقال في الطبقة الرابعة: إسماعيل بن إبراهيم
والد البخاري يروي عن حماد بن زيد ومالك، روى عنه العراقيون.
وذكره ولده في ((التاريخ الكبير)) (٥) فقال: إسماعيل بن إبراهيم بن
مُغيرة سمع من «الك وحماد بن زيد وصحبَ ابن المبارك . وقال الذهبي
في ((تأريخ الإسلام)) (٦): وكان أبو البخاري من العلماء الورعين وحدّث
عن أبي معاوية وجماعة وروى عنه أحمد بن جعفر ونصر بن الحسين ،
قال أحمد بن حفص : دخلت على أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند
موته فقال : لا أعلم في جميع ما لي درهماً من شبهة ، فقال أحمد :
فتصاغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك .
وكان مولد أبي عبد اللّه البخاري يومَ الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة
ليلة خلت من شوال ، وقال ابن كثير (٧) : ليلة الجمعة الثالث عشر من
شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى (٨)، وهي من أعظم مدن ما وراء
(١) ((تاريخ بغداد)) ٦/٢
(٢) توفي سنة ٢٢٩ هـ وأنظر ((الباب)) ٢١٣/٣
(٣) (( هدي الساري)) ٤٧٧
(٤) ((الثقات)) ٩٨/٨
(٥) (( تاريخ البخاري الكبير)) ٣٤٢/١
(٦) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) ٣٩٢/١٢
(٧) في ((البداية والنهاية)) ٢٥/١١
(٨) (معجم البلدان)) ٣٥٣/١
٤٣٠

النهر بينها وبين سمرقند ثمانية أيام ، وتوفي أبوه وهو صغير ، فنشأ يتيماً
في حِجْو والدته وكان نحيفاً ليس بالطويل ولا بالقصير وكان فيما ذكره
غُنجار (١) في ((تاريخ بخارى)) (٢) واللالكائي (٣) في (( شرح السنّة (٤) في
باب كرامات الأولياء وغيرهما - : قد ذهَبَتْ عيناه في صغره فرأت
أمه إبراهيم عليه السلام في المنام فقال لها: قد ردّ اللّهُ على ابنك بصره
لكثرة دعائك له . فأصبح وقد رد الله عليه بصره (٥) .
قال أبو محمد بن أبي حاتم وراق (البخاري ) (٦): قلت للبخاري:
كيف كان بدء أمرك ؟ قال : أنهمت الحديث في المكتب ولي عشر سنين
أو أقل ثم خرجت من المكتب بعد العَشْر، فجعلتُ أختلف إلى الداخليّ
وغيره فقال يوماً فيما كان يقرأ للناس : سفيان ، عن أبي الزبير ، عن
إبراهيم ، فقلت له : إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتَهَرَني ، فقلت
(١) هو محمد بن أحمد بن محمد، المتوفى سنة ٤١٢ هـ، ترجمته في
(تذكرة الحفاظ)) ١٠٥٢/٣ و((الوافي)) ٦٠/٢ و((شذرات الذهب))
١٩٦/٣
(٢) انظر ما علقه فرانز روزنتال على ((الاعلان بالتوبيخ)) ٦٢٠ __ ٦٢١
(٣) هو هبة الله بن الحسين، المتوفى سنة ٤١٨ ترجمته في ((تاريخ بغداد))
٧٠/١٤ و((المنتظم)) ٣٤/٨ و((البداية والنهاية)) ٢٤/١٢ واللالكائي
نسبة الى بيع اللوالك وهي النعال التي تلبس في الأرجل كما في
((اللباب)) ٤٠١/٣
(٤) انظر ((كشف الظنون)) ٨٣٥ و١٠٤٠ و((تاريخ التراث العربي))
١٩٤/٢ لفؤاد سزكين، وقد طبع منه مؤخرا جزءان بتحقيق الدكتور
أحمد سعد حمدان نشر دار طيبة - السعودية .
(٥) والخبر في ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٤/١ و((طبقات السبكي)) ٢١٦/٢
و ((هدي الساري)) ٤٧٨ و((سير النبلاء)) ٣٩٣/١٢
(٦) في كتابه ((شمائل البخاري)) وهو جزء ضخم، ذكر ((الذهبي)) في
( سير النبلاء)) ٣٩٢/١٢ اسناده الى مصنفه، ومنه نقل أخبار
كثيرة في ترجمته للبخاري.
٤٣١

له : ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه ثم خرج ، فقال لي،
كيف هو يا غلام ؟ فقلت : هو الزبير بن عدي عن إبراهيم ، فأخذ القلم
مني وأصلح كتابه ، وقال : صدقتَ ، فقال بعض أصحاب البخاري
له: ابن كم كنت؟ قال : ابن إحدى عشرة سنة، فلما طَعَنْتُ في
ست عشرة سنة حفظتُ كتبَ ابنِ المبارك ووكيعٍ ، وعرفتُ كلام هؤلاء
- يعني أصحاب الرأي - ثم خرجتُ مع أخي أحمد وأمي إلى مكة فلما
حججتُ رجع أخي إلى بخارى فمات بها وكان أخوه أسنَّ منه وأقام هو
بمكة يطلب الحديث (١): قال : ولما طعنت في ثمان عشرة صنفت كتاب
((قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم)) (٢). وصنفت (التأريخ الكبير)) (٣)
إذ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه سلم في الليالي المقمرة وقلَّ اسمٌّ في
التاريخ إلاّ له عندي قصة، إلاّ أنى كرهتُ تطويل الكتاب ، وقال أبو
بكر بن أبي عتاب الأعين (٤): كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرَد
على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرٌ وكان موت الفريابي
ستة اثنتي عشرة ومائتين فيكونُ للبخاري إذ ذاك نحو من ثمانية عشر عاماً
أو دونها (٥) .
وأما ذكاؤه وسعة حفظه وسيلان ذهنه فقيل : إنه كان يحفظ وهو
صبيّ سبعينَ ألفَ حديثٍ سرداً ، ورُوي أنه كان ينظر في الكتاب مرة
واحدة فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة .
(١) ((تاريخ بغداد)) ٧/٢ و((طبقات السبكي))٢١٦/٢
(٢) انظر ((تاريخ التراث العربي)) ٣٤٦/١ - ٣٤٩
(٣) طبع في حيدر آباد سنة ١٩٦١ في ثمانية مجلدات بتحقيق العلامة
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني .
(٤) المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، ترجمته في ((الانساب)) ٣١٨/١ و((التذكرة))
٥٥٢/٢ و((الوافي)) ٣٣٥/٢
(٥) (( هدي الساري)) ٤٧٨
٤٣٢

وقال محمد بن أبي حاتم وَرَّاقُه. سمعت حاشِدَ بن إسماعيل وآخرَ
يقولان : كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام فلا يكتب ، حتى
أتى على ذلك أيامٌ فكنا نقول له ، فقال: إنكما قد أكثرتما عليَّ فاعرضا
عليَّ ما كتبتُما ، فأخرَجْنا إليه ما كان عندنا فزاد ذلك على خمسة عشر
ألف حديثٍ فقرأها كلّها عن ظهر قلبه حتى جعلنا نُحْكِمُ كُتُبنا من
حفظه ، ثم قال : أترون أني أختلف هدراً وأضيِّع أيامى! فعَرَفْنا
أنه لا يتقدمه أحدٌ، قالا: فكان أهلُ المعرفة يَعْدُون خَلْفَه في طلب
الحديث وهو شابٌ حتى يغلبوه على نفسه ويُجلسوه في بعض الطريق ،
فيجتمعُ إليه ألوفٌ أكثرهُم ممّن يكتبُ عنه. وكان شاباً (١) . وقال محمد
ابن أبي حاتم: سمعت ابنَ مجاهد يقولُ : كنتُ عندَ محمد بن سَلاّم
البِيكَنْديّ فقال لي : لو جئتَ قبل لرأيتَ صبياً يحفظُ سبعين ألف حديث،
قال : فخرجتُ في طلبهِ فلقيته ، فقلتُ : أنتَ الذي تقول : أنا أحفظ
سبعين ألف حديث ؟ قال : نعم . وأكثر ولا أجيبُك بحديث عن الصحابة
والتابعين إلا مَنْ عرفتُ مولدَ أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم ولستُ أروي
حديثاً من حديث الصحابة والتابعين إلا ولي في ذلك أصلٌ أحفظه حفظاً عن
كتاب الله تعالى وسنة رسول (٢) اللّه صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عدي حدثني محمد بن أحمد القومَسي : سمعت محمد بن
خميرويه يقول: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول : أحفظ مئة ألف حديث
صحيح ومشتي ألف حديث غير صحيح (٢) .
وقال : أخرجتُ هذا الكتاب من نحو ست مئة ألف حديث .
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٤٨/١٢ و((طبقات الحنابلة)) ٢٧٧/١
(٢) ((سير النبلاء)) ٤١٧/١٢
(٣) (سير أعلام النبلاء)) ٤١٥/١٢ و((تهذيب الأسماء)) ١/٦٨/١
٤٣٣
الحطة-٢٨

وقال: دخلتُ بَلْخَ فسألوني أنْ أُمليَ عليهم لكلّ من كتبتُ عنه ،
فأمليت ألف حديثٍ عن ألف شيخ .
وقال : تذكّرْتُ يوماً في الأصحاب أنساً . فحضرني في ساعة
ثلاث مئة نفس (١) .
وقال ورّاقُهُ: عمل كتاباً في ((الهبة)) فيه نحو خمس مئة حديث.
وقال: ليس في كتاب وكيع في الهبة إلاّ حديثان مسندان أو ثلاثة وفي
كتاب ابن المبارك خمسةٌ أو نحوها (٢).
وأما كثرةُ اطلاعه على علل الحديث فقد رُوّينا عن مُسلم بن الحجّاج
أنه قال: دعني أقبلْ رجلَيْك يا أستاذَ الأستاذين وسيّد المحدّثين
وطبيبَ الحديثِ في عِالَلِهِ (٣).
وقال التَّرْمذي : لم أرَ بالعراق ولا بخراسان في معرفة العامل والتاريخ
ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيل (٤).
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعتُ سُلَيْم بن مجاهد يقول: سمعتُ
أبا الأزهر يقول : كان بسمرْ فَنْد أربع مئة ممّن يطلبون الحديثَ فاجتمعوا
سبعة أيامٍ وأحَبّوا مغالطةَ محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسنادّ الشام في
إسناد العراق وإسناد العراق في إسناد الشام وإسناد الحَرَم في اسناد اليَمَن
وبالعكس ، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة لا في الإسناد
ولا في المتن (٥).
(١) الخبر في ((سير أعلام النبلاء)) ٤١١/١٢ بلفظ : تفكرت أصحاب انس.
فحضرني في ساعة ثلاثة مئة .
(٢) (( مقدمه الفتح)) ٤٨٩
(٣) (طبقات السبكي)) ٢٢٣/٢ و((تهذيب الأسماء)) ١/٧٠/١
(٤) المصدر السابق نفسه .
(٥) ((سير أعلام النبلاء)) ٤١١/١٢
٤٣٤

وقال أحمدُ بنُ عَديّ الحافظُ : سمعتُ عِدّة من المشايخ يحكونَ
أنَّ البخاريَّ قدم بغدادّ فاجتمع أصحابُ الحديثِ وعمدوا إلى مئة
حديث ، فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلُوا متنَ هذا الأسادِ لإِسنادٍ آخرَ
وإسناد هذا المتنِ لمَتْنٍ آخرَ ودفعوا إلى كلّ واحدٍ عشرة أحاديث ليُلقوها
على البخاريّ في المجلس امتحاناً، فاجتمع الناسُ مِنَ الغُرباء من أهلِ
خراسانَ وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأنّ المجلسُ بأهله انتدبَ
أحدُهم فقام وسأله عن حديثٍ من تلك العَشَرة، فقال : لا أعرفه.
فسأله عن آخر فقال : لا أعرفه ، حتى فرغ من العشرة. فكان الفقهاءُ
يلتفتُ بعضُهم إلى بعض ويقولون: الرجلُ فَهِمَّ ومن كان لا يدري
قضى عليه بالعجز . ثم انتدب آخرُ ففعل كفعل الأوَّل والبخاريّ يقول :
لا أعرفه إلى أن فرغ العشرةُ وهو لا يزيدهُم على: لا أعرفه ، فلما علم
أنهم فرغوا ، التفت إلى الأول فقال : أما حديثك الأول فقلت : كنا .
وصوابه: كذا. وحديثُك الثاني كذا، وصوابه: كذا، والثالث والرابعُ على
الولاء حتى أتى على تمام العشرة فردًّ كلّ متنٍ إلى إسناده وك إسناد إلى متنه،
وفعل بالآخرين مثل ذلك فأفَرّ الناسُ له بالحفظ وأذعوا له بالفضل (١).
وقال الحافظ ابن حهدون : رأيت البخاريًّ في جنازة (سعيد بن
مروان ) ومحمدَ بنَ يحيى الذّهلي يسأله عن الأسماء والعللِ والبخاريّ
يمر فيه كالسّهْم كأنه يقرأ (٢).
وأما تآليفه فإنها سارت مسيرَ الشمس ودارتْ في الدّيا فما جَحَدَ
فضلَها إلاّ الذي يتخبطهُ الشيطانُ مِنَّ المسّ وأجلها وأعظمها ((الجامع
(١) ((تاريخ بغداد)) ٢٠/٢-٢١ و((وفيات الاعيان)) ١٩٠/٤ و((تهذيب
الكمال)» ١١٧١ وغيرها .
(٢) (سير أعلام النبلاء)) ٤٣٢/١٢ و٤٥٥ و((تهذيب الاسماء))١/٦٩/١
و ((تاريخ بغداد)) ٣١/٢
٤٣٥

الصحيح))(١). ومنها ((الأدب المفرد)) (٢) ويرويه عنه أحمد بن محمد
الجليل - بالجيم - البزار (٣). ومنها ((بر الوالدين)) (٤) يرويه عنه محمد
ابنَ دلّويه الوراق. ومنها ((التاريخ الكبير)) (٥) الذي صنفه عند قبر
النبي عليه الصلاة والسلام في الليالي المُقمرة . ويرويه عنه ابو أحمد محمد
ابن سليمان بن فارس وأبو الحسن محمد بن سهل النسوي وغيرهما . ومنها
((التاريخ الأوسط)) (٦) ويرويه عنه عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف
وزنجويه بن محمد اللبّاد. ومنها ((التاريخ الصغير))(٧) ويرويه عنه عبد الله
ابن محمد بن عبد الرحمن الأشقر. ومنها (( خلق أفعال العباد)) (٨) الذي
صنفه بسبب ما وقع بينه وبين الذّهلي (٩) ، ويرويه عنه يوسف بن ريحان
ابن عبد الصمد والفَرَبْري أيضاً .
قال الحافظ ابن حَجَر (١٠)، وهذه التصانيف موجودة مروية لنا
(١) وقد تقدم الكلام عليه مفصلا .
(٢) وهو مطبوع متداول، أجود طبعاته التي قام على ضبط نصها وتر قيمها
وتخريج أحاديثها السيد محمد فؤاد عبد الباقي ، وطبعت في المطبعة
السلفية في القاهرة .
(٣) (تبصير المنتبه)) ٥٣٦/٢
(٤) ذكره حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) ٢٣٨/١ وتحرف فيه اسم
راويه: إلى محمد بن ذكرمة! الوراق، وانظر ((مقدمة الفتح)) ٤٩٢
(٥) وقد طبع في حيدر آباد الدكن بتحقيق العلامة الشيخ
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، وانظر ((تاريخ بغداد)) ٧/٢
و ((طبقات السبكي)) ٢١٦/٢
(٦) منه قطعة في مكتبة بنكيبور ١٢ : ٣٢ رقم ٦٨٧
(٧) طبع مرّات آخرها بتحقيق محمود ابراهيم زايد في دار الوعي بحلب
بجزءين متوسطين .
(٨) طبع مرات آخرها الطبعة التي حققها الاخ الفاضل الاستاذ بدر البدر وهي
مزودة بكافة الفهارس الحديثة التي تسهل على الباحثين .
(٩) انظر الخبر مفصلا في ((سير النبلاء)) ٤٦٣/١٢ فما بعد .
(١٠) في ((هدي الساري)) ٤٩٢
٤٣٦

بالسماع أو الإجازة قال (١): ومن تصانيفه ((الجامع الكبير)) ذكره ابنُ
طاهر و ((المسند الكبير)) و((التفسير الكبير)) ذكره الفَرَبْري، وكتاب
((الأشربة)) ذكره الدّارقطني في ((المؤتلف والمختلف))، وكتاب ((الهبة))
ذكره وَرَاقُهُ، و ((أسامي الصحابة)) ذكره أبو القاسم بن منْدة،
وأنّه يرويه من طريق ابن فارس عنه ، وقد نقل عنه أبو القاسم البَغَويّ
الكثير في ((معجم الصحابة)) (٢). وكذا ابن مندة في ((المعرفة)) ونقل
عنه من كتاب ((الوحدان)) له وهو من ليس له الاّ حديثٌ واحدٌ من
الصحابة، وكتاب ((المبسوط)) ذكره الخليلي في ((الإرشاد)) (٣) وأنَّ
مُهيبَ بنَ سُلَيْم رواه عنه وكتاب ((العلل)) ذكره أبو القاسم بن مندة
أيضاً ، وأنه يرويه عن محمد بن عبد لله بن حَمْدون عن أبي محمد بن
الشّرفي عنه، وكتاب ((الكُنى)) ذكره الحاكم أبو أحمد ونَقَلَ منه ،
وكتاب ((الفوائد)) ذكره الترمذيّ في أثناء كتاب المناقب من ((جامعه)) (٤)
ومن شعره مما أخرجه الحاكم في ((تاريخه)) (٥) :
فعسى أن يكونَ موتُكَ بَغْته
اغتنم في الفَراغ فَضْلَ رُكوع
ذهَبَتْ نفسُهُ الصحيحةُ فَلْتَه
كم صحيح رأيتَ مِن غَيْرِ سُقم
ولما نُعيَ إليه عبدُ اللّه بنُ عبد الرحمن الدّارميّ الحافظُ أنشد (٦):
إن عِشْتَ تفجعُ بالأحبَةِ كُلِّهم وفَّنَاءُ نَفْسكَ لا أبالكَ أفجعُ
---
(١) المصدر السابق .
(٢) منه جزءان في مكتبة الرباط ٣٤١ - ك ، كتبا سنة ٦١٧ هـ.
(٣) يقوم بتحقيقه الاستاذ محمد سعيد ادريس ضمن رسالته في الدكتوراه
من جامعة الامام محمد بن سعود في الرياض .
(٤) في تعليقه على الحديث رقم ٣٧٤٢
(٥) ونقله عنه الحافظ في ((الهدي)) ٤٨١
(٦) المصدر السابق .
٤٣٧

وأما ثناء الناس عليه بالحفظِ والوَرَع والزهد وغير ذلك فقد وصفه
غيرُ واحد بأنه كان أحفظَ أهل زمانه وفارسَ مَيْدانه، كلمةٌ شَهِدَ له
بها الموافقُ والمخالفُ وأقرَّ بحقيقتها المُعادي والمؤالف، وكان لَقَبُهُ
في المحدثين ((أميرَ المؤمنين في الحديث)) و ((ناصرَ الأحاديث النبوية))
و ((ناشر المواريث المحمدية)).
قال الشيخ تاج الدين السبكي في ((طبقاته)) (١): كان البخاري إمام
المسلمين وقدوة المؤمنين وشيخ الموحدين والمعول عليه في أحاديث سيد
المرسلين (١) .
قال(٢): وقد ذكره أبو عاصم في ((طبقات)) (٣) أصحابنا الشافعية
وقال (٤): سمع من الزّعْفَراني وأبي ثور والكرابيسي ، قال ولم يرو عن
الشافعي في ((صحيحه)) لأنه ادرك أقرانه، والشافعيّ مات مكتهلاً فلا
يرويه نازلاً (٥) ، انتهى .
نعم ذكره البخاريّ في ((صحيحه)) في موضعين في الزكاة وفي
تفسير العرايا .
وقال الحافظُ عماد الدين بنُ كثير في تاريخه ((البداية والنهاية)) (٦):
كان إمامَ الحديث في زمانه والمُقتدى به في أوانه، والمُقدَّم على سائر
إضرابه وأقرانه .
(١) ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٢١٢/٢
(٢) المصدر السابق نفسه .
(٣) ((طبقات فقهاء الشافعية)) ٥٣-٥٤ لمحمد بن أحمد العبادى المتوفى
سنة ٤٥٨ هـ. له ترجمة في ((الوفيات)) ٢١٤/٤
(٤) يعني العبادي .
(٥) وتتمة عبارته في ((الطبقات)): وقد وجدوه عاليا .
(٦) ٢٤/١١
٤٣٨

وقال قتَيْبَةُ بنُ سعيد: جالستُ الفقهاءَ والعُبّادَ والزِهَادَ فما
رأيتُ منذ عَقَلْتُ مثلَ محمد بن إسماعيل وهو في زمانه كعُمَرَ في
الصّحابة (١).
وقال أيضاً : لو كان في الصحابة لكان آية (٢).
وقال أحمد بن حنبل فيما رواه الخطيب (٣) بسند صحيح: ما أخرجت
خراسان مثل محمد بن إسماعيل . وعن محمد بن بشار - شيخ البخاري
ومسلم - قال : حفاظ الدنيا أربعة: أبو زُرعة بالرّي ، ومسلم بنيسابور ،
والدارمي بسَمَرْقَنْد، والبخاري ببخارى(٤). قال علي بن حُجْر:
والبخاري أعلمهم وأبصرهم وأفهمهم (٥) . قال ابن المديني : لم يرَ البخاريّ
مثله (٦). وقال التّرمذي: ما رأيتُ نظيره وقد جعله الله زينة هذه الأمة (٧).
قال بعضهم : هو آيةٌ من آياتِ اللّه تمشي على وجْه الأرض (٨). وقال
مسلم: لا يبغضك إلاّ حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلُك . وقال
بُنْدار ( محمد ) بن بشار : هو أفقه خلق الله في زماننا . وقال نعيم بن
حماد: وهو فقيه هذه الأمة . وقال إسحاق بن راهويه : يا معْشَر أصحاب
الحديث انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه فإنه لو كان في زمن الحسن
البصري لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه (٩) ، وقد فضله بعضهم
(١) (سير النبلاء)) ٤٣١/١٢ و((هدي الساري)) ٤٨٣
(٢) المصدر السابق نفسه .
(٢) في ((تاريخه)) ٢١/٢
(٤) ((تهذيب الكمال)) ١١٧٠ و((تذكرة الحفاظ)) ٥٨٩/٢
(٥) (( تاريخ بغداد)) ٢٨/٢
(٦) مختصرا من ((تهذيب الاسماء)) ١/٦٩/١ و(تهذيب الكمال) ١١٧٠
(٧) بالمعنى من ((طبقات السبكي)) ٢٢١/٢ و((سير النبلاء)) ٤٣٣/١٢
(٨) ((هدي الساري)) ٤٨٤
(٩) ((سير النبلاء)) ٤٢١/١٢
٤٣٩

في الفقه والحديث على أحمد وإسحاق (١). وقال رجاء بن مُرَجًا:
فضلُ البخاريّ في زمانه على العلماء كفضل الرجال على النساء (٢). وقال
الفَلاّسُ: كلّ حديثٍ لا يعرفه البخاريّ فليس بحديث (٣) . وقال يحيى
ابنُ جعفرِ البِيْكَنْدي . لو قدِرْتُ أن أزيد من عُمُري في عمر البخاري
لفعلتُ ، فانَّ موتي يكون موتَ رجل واحد وموتُهُ فيه ذهابُ العلم .
وقال الدارميّ: رأيتُ العلماءَ بالحَرَمَين والحجازِ والشام والعراق فما
رأيتُ فيهم أجمعَ منه . وقال أبو سهل محمود بن النّضْر الفقيه : سمعتُ
أكثر من ثلاثين عالماً من علماء مصرَ يقولون: حاجتنا في الدنيا النظرُ
إليه، وقال : كنتُ أستملي له ببغدادَ فبلغ من حضر المجلسَ عشرين
ألفاً. وقال ابن خُزيمة: ما تحتَ أديمِ السماءِ أعلمُ بالحديثِ وأحفظُ له
منه (٤) . وقال الحافظ محمد بن طاهر المقدسي: وحسبك بإمام الأئمة
ابن خزيمة يقول فيه هذا القولَ مع لقّيهِ الأئمةَ والمشايخَ غرباً وشرقاً.
وقال عبد اللّه بن حَمّاد الآملي: لوَدِدْتُ أَني كنتُ شَعْرَةً في جسده (٥) ،
وكان غايةً في الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في دار
الفناء والرغبة في العقبى دار البقاء. وكان يختمُ في رمضانَ كلَّ يومٍ ختمة
ويقومُ بعد صلاة التراويح كلَّ ثلاث ليال بختمة (٦) . وقال وَرَاقُهُ :
كان يصلّي وقتَ السّحَر ثلاثَ عَشَرَة ركعةً . وقال : أرجو أن ألقى
اللّهَ ولا يحاسبني أني اغتبتُ أحداً (٧)، ويشهدُ لهذا كلامه في التجريح
(١) انظر ((تهذيب الكمال)) ١١٧١ و((سير النبلاء)) ٤٢١/١٢ وتعليق
الاستاذ شعيب الارنؤوط عليه .
.(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢٥/٢
(٣) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/٦٩/١
(٤) ((سير أعلام النبلاء)) ٤٣١/١٢
(٥) ((سير أعلام النبلاء)) ٤٣١/١٢
(٦) (تهذيب الكمال)) ١١٧٠ و((طبقات السبكى)) ٢٢٣/٢
(٧) ((طبقات الحنابلة)) ٢٧٦/١ و((هدي الساري)) ٤٨١
٤٤٠