Indexed OCR Text
Pages 1-20
الخطّ فى صْرِ الصحَاء الستّة ٧٠ ٢٧٥ "البخاري- مسلم- الترمزي- أبو داود-النسائي - ابن ماجة)) بالإضافة إلى مسند أحمد وموطأ مالك ودراسات شاملة للعلوم الحديثيّة تصنيف أبي الطيِّبُ السَّيُدِصَدِّيقِ حَسَنْ خَان الْقِنْوچيّ المولود ٤٨ الذرة المتوفى ٠٧ ١٣ متر ورحمة الله عليه دراسة وتحقيق علي حسن الحلبي دَار الجيل بَيروت دَارِ عَمار عمَان بسم الله الرحمن الرحيم تقديم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله أما بعد : ((فلا خلاف بين أولي الألباب والعقول ، ولا ارتياب عند ذوي المعارف والمحصول ، أن علم الحديث والآثار من أشرف العلوم الإسلامية قدْراً، وأحسنها ذكراً ، وأكملها نفعاً، وأعظمها أجراً . وأنه أحد أقطاب الإسلام التي يدور عليها ، ومعاقده التي أضيف إليها، وأنه فرضٌ من فروض الكفايات يجب التزامه ، وحق من حقوق الدين يتعيّن إحكامه واعتزامه »(١). ومن المعلوم لكلّ باحث مطّلع أن المصنّفات والتواليف المدوّنة في علم (١) من مقدمة الامام ابن الاثير لـ ((النهاية)) (٣/١). الحديث على اختلاف فروعه كثيرةٌ وفيرةٌ ، ما بين مطبوع أو مخطوط . ولكنّ جلّ هذه الكتب - كما هو مُشاهد - تكرار في الأبحاث يضاف إليها شيء من الزيادات مع تغيير في الأسلوب ، فهي متأرجحة بين الاختصار والإسهاب ، أو النظم والإنشاء ، أو التحشية والشرح ، أو غير ذلك . ولقد وقفتُ فيما اطّلعت عليه من مصنفات علمية ، وتواليف حديثية ، على كتاب جامع ماتع ، حوى بين دفتيه علوماً منثورة في مطولات الكتب ، فهذّبها، ورتّبها ، وبوّبها ، فأحسن بذلك إحساناً كبيراً إلى الباحثين وطلبة العلم . وهذا الكتاب هو ((الحطّة في ذكر الصحاح الستة)) (١) من تأليف الإمام العلامة أبي الطيّب صديق حسن خان القذّوْجي ، المتوفى سنة (١٣٠٧ هـ) عليه رحمة الله (٢). ولمّا رأيتُ الكتاب كذلك ، ورأيتُ نُسخه في ديارنا عزيزة الوجود ، نادرة المنال ، رغبتُ في تحقيقه ، والتعليق عليه، وضبط نصه ، وتخريج أحاديثه . (١) وصفه الحافظ الكتاني في (( فهرس الفهارس)) (١ - ٣٦٢ - عباس) بأنه كتاب نفيس جدا ، جمع فيه مؤلفه كل ما يتعلق بالكتب الستة والموطأ، ومسند أحمد ، من تراجم المؤلفين ، ومن خدمها ، واصطلاحها وغير ذلك من اللطائف التي كانت مفرقة ، فجمعها . ووهم الاستاذ كحالة في ((معجم المؤلفين)) (٧ - ٦٦) فنسب ((الحطة)) لعلي بن صديق حسن خان !! (٢) وقد ترجم لنفسه ترجمة واسعة في آخر هذا الكتاب ، اقتبسنا شيئا منها في هذه المقدمة . ٦ ومما قوّى عزمي ، وشحذ همني لتحقيق ذلك ، تشجيع غير واحد من أهل العلم لهذا العمل ، أخصّ بالذكر منهم أخانا الفاضل الدكتور عاصم بن عبد الله القريوتي، حفظه الله تعالى . وأخيراً : فإنني أقدم جزيل شكري لكل من أعانني في هذا الكتاب، مادياً أو معنوياً، وأخص سماحة الشيخ أبا الحسن التدوي (١) الذي قام مشكوراً بإرسال صورة عن الطبعة الحجرية الأولى للكتاب، فجزاه الله عني خير الجزاء . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. و کتب (١) وقد وعدني - شفهيا ثم مكاتبة - بالتقديم للكتاب، لكنني قصرت في مراسلته ، فلعل ذلك كائن - ان شاء الله - في طبعة تالية للكتاب. ٧ الخطة في ذكر الصحاح الستة أهميته - موارده ١ - مدخل من المعلوم بداهةً لطلبة العلم وأهله أن لعنوان الكتاب أثراً بالغاً في الدلالة على مضمونه وفحواه ، فنرى أهل العلم المتقدمين والمتأخرين يطلقون على مصنفاتهم أسماء فيها دلالةٌ قوية على ما احتواه الكتاب من علوم وفنون . وقد التزم كثير من المصنفين في القرون الثمانية الماضية تقريباً ، تسمية كتبهم بأسماء فيها شيء من السّجع القريب على الأذن ، السهل على السماع(١) ومصنفُ كتابنا قد التزم هذا السّجع اللطيف، فسمى كتابه «الحطّة في ذكر الصحاح الستة » كما أشار في مقدمته . ٢ - تحقيق اسم الكتاب قد أورد بعض الناقلين عن (الحطّة)) اسم الكتاب ((الخُطّة)) بالماء (١) وقد أشار العلامة أحمد شاكر رحمه الله الى نفوره من هذا الاسلوب في مقدمة الطبعة الثانية لـ ((الباعث الحثيث)) ص ٣ . ٩ المعجمة، كما في المطبوع من ((قواعد التحديث)) ( ص ٤٥) للعلامة القاسمي، و ((فهرس دار الكتب المصرية)) ( حرف: خ) وفهرس ((حركة التأليف باللغة العربية)) ( ص ٥٤٩) وغيرها . وأورد اسم الكتاب بالحاء المهملة غيرُ واحدٍ من الناقلين عنه أو المشيرين إليه كالعلامة عبد الحي الحسني في ((الثقافة الإسلامية)) (١٤٤) وابنه الداعية الكبير الشيخ الفاضل أبي الحسن الندوي في تقديمه لـ ((بذل المجهود)» (١) ، والشيخ العلامة سليمان الصنيع في تعليقه على ((مقدمة أبي طاهر السّلَفي)» لـ ((معالم السنن)) وهي ملحقة في نهاية المجلد الرابع منه، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في ((مقدمة لامع الدراري)» والأستاذ عبد الفتاح أبي غُدَّة في جل تحقيقاته . فما هو الوجه في هذا الاختلاف ؟ ! قد أشار المصنف رحمه الله لكتابه في مواضع عدة من كتبه ، وكلها وردت بالحاء المهملة ((الحطّة)) فهذه إشارة قوية، إلى أنه بالمهملة ، لكن قائلاً قد يقول : لعل في ذلك تصحيفاً من الطباعة ؟ فأقول : هذا احتمال وارد ، لكنه مدفوع بما أورده المصنف رحمه الله في كتابه المستطاب ((إتحاف النبلاء المتقين بمآثر الفقهاء والمحدثين)) في ((الحاء المهملة))(٢) (ص٢٤) وهو مطبوع باللغة الفارسية طبعة حجرية في مطبع نظامي كانبور سنة ١٢٨٨ هـ، وفي خزانة كتبي نسخة مصورة عنه . و(( الحطّة)) من ((حَطَّ: يحطّ)) وهي بمعنى وضع الأحمال والنزول، (١) وأخبرني ذلك شفاها أيضا . (٢) وقد أورده هو ايضا كذلك في كتابه ((أبجد العلوم)) (٣ - ٢٧٦) ومثله صاحب ((ايضاح المكنون)) في (٣-٤٠٧) منه. ١٠ يقال: حَطَّ في مكانٍ: نزل، وحَطَّ رحله: أقام، وهو مجاز (١)، فكأن المصنف رحمه الله تعالى أراد بهذه التسمية أن يجعل القارىء لكتابه كالمقيم الدائم عليه ، فلا حاجة به إلى الانتقال لغيره . أما تسميته للكتب الستة بـ ((الصحاح)) فهذا مما ينتقد عليه ، فإن فيه تساهلاً واضحاً لا يخفى ، وقد أشار إلى ذلك الحافظ العراقي في ((ألفيته الحديثية )) بقوله نظماً : ومَن عليها أطلق الصحيحا فقد أتى تساهلاً صريحا ولكن المصنف رحمه الله نقل في موضع آخر كتابه عن المحدث عبد الحق الدَّهلوي رحمه الله في ((لمعات التنقيح)) (٨/١ -٩) توجيهاً لإطلاق لفظ ((الصحاح)) على الكتب الستة، حيث قال: ((وتسميتها بالصحاح الستة بطريق التغليب .... )) قلت: وهذا حقّ لا ريب فيه، وإن كانت الجادةُ تسميتها بـ ((الكتب الستة))، كما شرح ذلك غير واحد من أهل العلم، كالحافظ السيوطي في (( تدريب الراوي)) (١٦٥/١) و ((شرح ألفيته)) (ص ١٧) و((الحافظ ابن كثير في ((الباعث الحثيث)) (ص٣٣) والعلامة ابن الوزير في ((الروض الباسم)) (٦٧/١) والإمام اللكنوي في ((الأجوبة الفاضلة )) ( ص ٦٦ - ١٤٠ ))) وغيرهم . ٣ - عرض الكتاب وقد بدأ المصنف كتابه بمقدمتين هامتين : ١ - فضيلة العلم والعلماء عامة . (١) (تاج العروس)) (٥-١٢٠). ١١ ٢ - فضيلة علم الحديث ، والمحدّثين خاصة . ثم ذكر رحمه الله في الباب الأول مبادىء هامة تتعلق بعلم الحديث ، كمبدأ جمعه ، وتأليفه ، وتنوع أغراضه ، وأنواع كتبه ، وما إلى ذلك . ثم ذكر في الباب الثاني العلوم المتفرعة عن علم الحديث ، المتصلة به ، فبدأ بتعريف علم الحديث رواية ودراية، ثم ذكر ناسخ الحديث ومنسوخه والنظر في الأسانيد ، وعلم الجرح والتعديل ، وغريب الحديث ، ورموزه، وغيرها . وفي الباب الثالث ذكر ما يتعلق بطبقات كتب الحديث ، والأحاديث المحتج بها في الأحكام ، وضبط الحديث وتدريسه ، وصفة المحدث والطالب ، وغير ذلك مما يتصل به . أما الباب الرابع - وهو مقصود الكتاب - فقد ذكر فيه الكتب الستة ، وما يتعلق بها من فضائل وشروح وحو اشٍ واستدراكات ، وذكر أهميتها وثناء العلماء عليها ، وغير ذلك مما يسر الناظر فيه . وأضاف في الباب نفسه الكلام على ((موطأ)) الإمام مالك رحمه الله تعالى - وكان قد بدأ الكلام عليه قبل الكتب الستة - ثم ختم كلامه في ذلك حول ((مسند)) الإمام أحمد بن حنبل ، وما يتعلق به ، وفي هذا الباب فرائد الفوائد النفيسة التي لا تراها مجتمعة في كتاب . والباب الخامس - وهو الأخير -خصّه لتراجم الأئمة الثمانية رحمهم اللّه، فذكر سيَرَهم ، وما قيل في مدحهم والثناء عليهم ، وذكر فضائلهم، عليهم من الله الرحمة . وقد ختم المصنف كتابه في ترجمته نفسه ، فذكر ٠١٢ نشأته ، وحياته ، وطلبه للعلم ، وشيوخه ، وإجازاته منهم ، ومصنفاته ، وغير ذلك مما تراه في موضعه إن شاء الله تعالى . ٤ - خصائص الكتاب ومن المفيد أن نبين أن المصنف رحمه الله تعالى لم يتطرق في كتابه هذا إلى المباحث المعروفة في علم مصطلح الحديث ، من ذكر تعريفات الحديث وأقسامه وأحكامه ، وذكر الأمثلة على ذلك ، كما هو شأن كتب مصطلح الحديث ، فكتابه إذن تتميم لكتب المصطلح ، وليس تكراراً لما فيها ، وهذه ميزة مهمة قد لا توجد في كتاب ، فاحفظها . ٥ - تقييم الكتاب سبق أن أشرتُ في المقدمة إلى أهمية الكتاب ، وأنه جامع لشتات كثير من المسائل النفيسة الفريدة ، وأن فيه أبحاثاً نافعة لا تكاد توجد مجموعة في مصنف . ولكنْ ، وقع في الكتاب - كسائر الكتب - عددٌ من الأوهام ، وندّت بعض الهفوات ، نبّهتُ عليها في تعليقي عليه ، كما ستراه في موضعه إن شاء الله تعالى . وإننا لنلتمس العذر المصنف رحمه الله تعالى ، إذ إنه من المكثرين في التصنيف ، فلعله لم يتيسر له معاودة النظر في كتابه ، أو مراجعته . وقد ذكر الكتّاني في «فهرس الفهارس» (١ /٣٦٣) أن في ((الخطة)) أوهاماً - وهذا صحيح - لكنه أضاف قائلاً عن هذه الأوهام والأخطاء: ١٣ (تصدى لبيانها عصريّة أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي في ( ظَفَر الأماني))(١). قلت: وكرّر ذكرَه لنقد ((الحطة)) في (١٠٥٨/٢) من ((فهرس الفهارس ))، واعلم - أخي القارىء - أنّ هذا الكلام مجانبٌ للصواب بيقين، فقد طالعتُ - بحمد الله وتوفيقه - ((ظَفَر الأماني)) بتمامه ، فلم أجد ما أشار إليه الكتّاني ، نعم ، انتقد اللكنويّ القنوجيّ في كتابه المشار إليه في أكثر من خمسة عشر موضعاً لغير واحد من كتبه، وانتقد ((الحطة)) من بين هذه النّقدات مرّة أو مرتين ، لكن هذا ليس مسوّغاً للكتاني في أن يُسْميَ ((ظَفَر الأماني)) نقداً لـ ((لخطة))! أما مصنفات اللكنوي الأخرى ، فقد وقعت له على استدراكين لـ ((الحطة)) في " الفوائد البهية)) (ص ١٢٤) و (ص ١٧٢ ) وأكثر من ذلك على مصنفاته الأخرى . ورحم الله الإمام الذهبي (٢) وهو القائل ـ رداً على بعض من ضعّف أحد الرواة لغلطه - : ((فكان ماذا ؟! فمَن ذا الذي ما غلط في أحاديث ؟ أشعبة ؟ أمالك ؟ )) . ٦ - بين المُتَعَاصِرَين في الفترة التي عاش فيها صديق حسن خان ، كان هناك إمام كبير لا يقل عنه علماً، ولا ينقص عنه قدراً، وهو الإمام عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى، وجرت - على عادة الأقران - بينهما مباحثات علمية ، (١) وقد نمي الي ان الشيخ الفاضل عبد الفتاح أبا غدة قد حققه ودفعه للطبع معتمداً على الطبعة الهندية الاصلية للكتاب التي طبعت في حياة المصنف . (٢) ((ميزان الاعتدال)) (ترجمة رقم ٢٠٠٠). ١٤ وردود فقهية ، وألّف كلّ واحد في الرد على صاحبه كتباً ورسائل ، إما تلميحاً أو تصريحاً . وكانت الحملةُ موجهة من قِبَل الشيخ اللكنوي أكثر منها من ناحية القِنّوْجي ، فلقد أكثر الأول في ثنايا تصانيفه وتعليقاته عليها من قوله : (((وقال غير ملتزم الصحة من أفاضل عصرنا)) مشيراً بذلك إلى الإمام القِنّوْجي . وبلغت هذه الردود في لحظة من اللحظات أوج الشدة ، حتى قال الإمام عبد الحي الحسني رحمه اللّه واصفاً تلك الردود والمباحثات ، في كتابه المستطاب ((نزهة الخواطر)) (٢٣٦/٨): (( ... وانجرَّت إلى ما تأباه الفطرة السليمة ... ))، وكان الشيخ اللكنوي حريصاً الحرص كلّه على متابعة هذه الردود، وعدم انقطاعها إلاّ لصالحه، ودليل ذلك ما قاله الإمام الحسني رحمه اللّه في كتابه (( الثقافة الإسلامية)) في الهند (ص ٨٦) أثناء تعداده أسماء مصنفات اللكنوي، فقال: (( ... وإبراز الغيّ الواقع في شفاء العيّ، وتذكرة الراشد بردّ تبصرة الناقد ، كلها بالعربية للشيخ عبد الحي بن عبد الحليم ( اللكنوي ) المذكور ، أما شفاء العي عما أورده الشيخ عبد الحي ، فهو لبعض العلماء ، صنفه في الرد على تعقبات الشيخ عبد الحي المذكور في مصنفاته على السيد صديق حسن (خان ) القنّوجي في الوفيات ، فأجاب عنه الشيخ عبد الحي في إبراز الغي ، فرد عليه بعضهم في رسالة مستقلة سماها تبصرة الناقد برد كيد الحاسد ، فأجاب عنه الشيخ عبد الحي في تذكرة الراشد)﴾ (١) . (١) علق الكتاني على هذه الردود في ((فهرس الفهارس)) (٢-١٠٥٧) بقوله ((وكل منهما لا يخلو تصنيفه وردّه وجوابه من فوائد، جزاهما الله خيرا)). ١٥ قلت : ولعل مرجع هذا كله إلى سببين : الأول : اعتداد اللكنوي بنفسه ، واعتقاده أنه يختلف عن علماء عصره، كما قال هو نفسه في ((ظفر الأماني)) ( ص ٢٤٥ ): (( ... وإني أحمد اللّه حمداً متوالياً، وأشكره شكراً متتالياً على أن وفقني للتوسط في جميع المباحث الفقهية والحديثية ، ورزقني نظراً وسيعاً ، وفهماً رفيعاً ، أقتدر به على الترجيح فيما بين أقوالهم المتفرقة ، ونجاني من بلية تقليد المشدّدين المتساهلين ، تقليداً جامداً ، واختيار قول إحدى الطائفتين من دون تبصّر وتفكر اختياراً كاسداً ، لا أقول هذا تكبراً وفخراً ، بل محدثاً بنعمة الربّ وشكراً، ولربي عليَّ مِنّنٌ مختصة، لا أقدر على عدّها ، ونِعَمّ متكثرة لا يمكن مني حصرها ، فشكري هو العجز عن أداء شكرها ، وأرجو من ربي دوامها وذخرها)» (١). الثاني : جبلّة القِنّوجي وطبيعة خلقته ؛ فقد كان رحمه اللّه ، كما وصفه معاصروه (( حلو المنطق ، مُقلاً من الكلام ، غير جاف ولا عبوس، كثير الحلم ، قليل الغضب ، عفيف اللسان ، لا يقترح لنفسه شيئاً ، مشغول الفكر بالمطالعة والتأليف ... منصفاً ، يعرف لأقرانه ولكثير ممن يخالفه فضلهم ... )) (٢). قلت : ودليلٌ على هذا قولُ ولده الفاضل السيد علي حسن خان واصفاً حالة والده عند موت اللكنوي رحمة اللّه عليه : ((إنه لما بلغه نعيّ العلاّمة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي ، وضع يده على جبهته ، وأطرق رأسه برهة ، ثم رفع رأسه ، وعيناه تدمعان ، وهو يدعو للشيخ ويترحّم ، (١) وانظر ((نزهة الخواطر)) (٨-٢٣٦) و((الفوائد البهية)) (١١٦). (٢) ((نزهة الخواطر)) (٨-١٩٣) وانظر كلام ابنه في ذلك، كما أورده صاحب (( فهرس الفهارس)) ( ٢ -١٠٥٨ ) .. ١٦ وقال : اليوم غربت شمس العلم ، وقال : إن اختلافنا كان مقصوراً على تحقيق بعض المسائل، ولم يأكل طعاماً في تلك الليلة .. )) (١). والخلاصة أنّ ((كلام النظير والأقران ينبغي أن يُتْأمّل، ويُتَأنَى فيه .. )) كما قال الحافظ الذهبي (٢) رحمه الله . ٧ - المنهج التأليفي عند المصنف اختلفت أنظار أهل العلم وطلبته في مصنفات السيد العلامة القنوجي . فمن قائل: إنه لخصها من بعض مصنفات السابقين ولم يزد عليها شيئاً يُذكر ومنهم مَن قال : إن سائره من إبداعه ، وتصنيفه ، وتأليفه . ورحيم اللّهُ الكتانيّ القائل في ((فهرس الفهارس)) (١٠٥٧/٢) رداً على مثل ذلك الادّعاء: ((وما لبعض المسيحيين (٢) في كتاب له اسمه ((اكتفاء القنوع بما هو مطبوع)) من أن المترجم (وهو القنوجي ) كان عامياً وتزوّج بملكة بوهبان ، فعندما اعتزّ بالمال جمع إليه العلماء وأرسل يتاخ الكتب بخط اليد ، وكلف العلماء بوضع المؤلفات ثم نسبها لنفسه . بل كان يختار الكتب القديمة العديمة الوجود (! ) وينسبها لنفسه ... الخ . فكلامُ أعدائه فيه، وإلاّ فالتآليف تأليفه، ونفَسُهُ فيها متّحِدٌ .. )). قلت : فهذه مجازفة واضحة . وادّعاء عريض من فنديك المذكور ، والصواب ما قالد الكتّاني رحمه الله تعالى، وإن كانت السمة البارزة على (١) المصدر السابق . (٢) في ((الميزان)) (٣- ٨١) وانظره أيضا (١-١١١) و((سير أعلام النبلاء)) (١١-٤٥١) و ((تذكرة الحفاظ)» (٢-٧٧٢)، وكلها له. (٣) وهو ادوارد فنديك، وكتابه مطبوع في مصر سنة (١٨٩٦) م وانظر ص (٤٩٧) منه . الحطة -٢ ١٧ مصنفاته رحمه اللّه التلخيص والتهذيب ، والزيادة والترتيب ، والجمع والتبويب، وهو بذلك مشابهٌ لإمام عظيم من أئمة الإسلام ، وهو الحافظ السيوطي (١) المتوفى سنة (٩١١ هـ) فقد عُرف عنه المنهج نفسه، وهو منهج يدل على استبحار في العلوم، ونظر في الكتب والفنون ، وليس أمراً سهلاً هيناً كما يظنه بعض المنتسبين للعلم . ٨ - ترجمة المصنف جرى المصنف رحمه الله على أن يترجم لنفسه في خواتيم بعض كتبه الهامة، مثل ((أيجد العلوم)) (٢٧١/٣) و ((التاج المكلل)) (٥٤١) و ((إتحاف النبلاء)) (٢٦٣)، وفعل مثل ذلك في خاتمة كتابه ((الحطّة في ذكر الصحاح الستة)) الذي نقدمه للقراء اليوم محققاً تحقيقاً علمياً نافعاً إن شاء الله تعان . وهو إذ يترجم لنفسه يتوسع في ذلك ويفيض، فيذكر مولده، ونشأته. وأخذه عن العلماء ، ورحلاته ، وأعماله ، والجمع ، والتأليف والكتابة نجد ذلك كله مستوفى ، مفصلاً في آخر كتابه الذي نتقدم له ، مما يغني عن التعريف به ، والترجمة له . بيد أنه لا مناص في هذا الموضع من التقديم للكتاب من إيراد ترجمة وجيزة له ، تضع بين يدي القارئء نبذة من حياة المؤلف ، يتعلل بها ريثما يبلغ آخر الكتاب ، يتناول القارىء ما يروي غليله من ترجمة مبسوطة وضعها المؤلف نفسه رحمه الله : (١) انظر ترجمته في مقدمة تحقيقي لـ((المصابيح في صلاة التراويح)) وهي مطبوعة في دار عمار النشر والتوزيع الاردن - عمان . ١٨ ● هو أبو الطيب ، صدّيق حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القنوجي ، نزيل بهوبال - الهند . • كان مولده في التاسع عشر من شهر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومئتين وألف من الهجرة النبوية، ببلدة ((بريني )) موطن جده لأمه، ثم انتقلت أسرته الكريمة إلى بلدة ((قفوج)) موطن آبائه، وا بلغ السادسة من عمره انتقل والده إلى رحمة الله تعالى ، وبقي في حجر أمه يتيماً ، ونشأ عفيفاً ، طاهراً ، محباً للعلم والعلماء . • سافر إلى دهني ليتم تعليمه فيها، واجتهد في إتقان علوم القرآن والسنّة وتدوين علومها ، وكانت له رغبة في اقتناء الكتب ، وفهم زائد في قراءتها ، وتحصيل فوائدها ، وخاصة كتب التفسير والحديث والأصول، ثم سافر إلى ((بهوبال)) طلباً للمعيشة، فتزوج ملكتها، وفاز بثروة وافرة ... · شيوخه عدة : منهم الشيخ محمد يعقوب أخو الشيخ محمد إسحاق حفيد الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي ، ومنهم الشيخ القاضي حسين ابن محسن السبعي الأنصاري، والشيخ عبد الحق بن فضل الهندي (١) . (١) وقد أكثر المصنف رحمه الله في كتبه من اطلاق كلمة ((شيخنا)) عند ذكر الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، فهذا يشعر أنه قد تتلمذ له ، أو أجيز منه، وقال الكتاني في ((فهرس الفهارس)) (٢-١٠٥٥ ): (( فما يوجد في كتبه ــ يعني القنوجي - من قوله في القاضي الشوكاني: شيخنا ، فتجوز أو تدليس ، وكيف يمكنه الاخذ عن الشوكاني وهو في قطر، والاخر في غيره، الا أن يكون أجاز لاهل عصره ولا نتحققه .. )). قلت : هو تجوز يدلل المصنف فيه على احترامه واكباره للشوكاني. وليس بتدليس ، بدليل أن المصنف رحمه الله يقول أحيانا عنه: شيخ شيوخنا ، ولقد قال المصنف رحمه الله تعالى في ((أبجد العلوم)) (٣-١٩٤): ((وقد اتحفني شيخي عبد الحق الهندي بكتاب = ١٩ • كان له في التأليف ملكة عجيبة(١)، بحيث يكتب عدة كراريس في يوم واحد ، ويصنف الكتب الفخمة في أيام قليلة ، وقد شاءت كتبه وانتشرت في أقطار العالم الإسلامي ، وكتب له كثير من العلماء رسائل فيها الثناء على كتبه والدعاء له ، وعُدّ من رجال النهضة الإسلامية المجدّدين . • ترجمه الجم الغفير من المصنفين، فله ترجمة في ((طبقات الأصوليين)) (١٦٠/٣) و((مشاهير علماء نجد)) ( ٤٥١ - ٤٥٧ ) و ((حلية البشر)) (٧٤٦/٢) و((أنموذج الأعمال الخيرية)) (٣٨٨) و ((الأعلام)) (١٦٧/٦) و((نزهة الخواطر)) (١٨٧/٨) و((جلاء العينين)) (٣٠) و ((معجم المؤلفين)) (٩٠/١٠) و((هدية العارفين)) (٣٨٨/٢) و((معجم المطبوعات)) (١٢٠١) و (فهرس الفهارس)) (١٠٥٥/٢) و((إيضاح المكنون)) (١٠/١) و(تاريخ آداب اللغة العربية)) (٩٦/٢) و((المنجد)) (٤٢١) و ((عثرات المنجد)) (٣١٧) و((التعليقات الظراف على الإتحاف)) (٣٤) و((حركة التأليف باللغة العربية ... )) (٢٧٤) و ((اكتفاء القنوع)) (٤٩٧) و((تاريخ الأدب العربي)) (٨٥٩/٢ - اللحق) و((الثقافة الإسلامية في الهند)) (١٤١) و ((كشف الظنون عن كشف الظنون)) (ص ٣) و ((مجلة الحج)) (٦٣٦/١١) و ((مجلة الجامعة الإسلامية)) (٤٧/١٢) ولسليم فارس الشدياق كتاب في ترجمته وذكر المُثنين عليه، اسمه ((قرة الأعيان ومسرّة الأذهان)) ولابنه علي حسن في سيرته كتاب سماه ((مآثر صديقي)) وآخر سماه ((الروض = شيخه الشوكاني ((اتحاف الاكابر باستاد الدفاتر)) ولي أسانيد أخرى الى الشوكاني .. ولله الحمد والمنة)). قلت : وانظر كلمة الاستاذ ابراهيم ابراهيم هلال في ((قطر الولي)) (ص ٣٣ ) ومقدمة الاستاذ محمد اسماعيل السلفي لكتاب ((شرف أصحاب الحديث)) (ص ١٠) طبع جمعية أهل الحديث - باكستان. (١) وتوضيح ذلك في الكتاب والتعليق عليه . ٢٠