Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ ( ومن محمد بن عيسى بن سورة) فإن جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم بل وضعت من منزلة ابن حزم عند الحفاظ . وكيف يصح فى الأذهان شىء اذا احتاج النهار إلى دليل وقال الذهبى فى ميزانه : ( محمد بن عيسى بن سورة الحافظ العلم أبو عيسى الترمذى صاحب الجامع ثقة مجمع عليه ولا التفات الى قول أبى محمد بن حزم فيه فى الفرائض من كتاب الاتصال أنه مجهول فانه ما عرف ولا درى بوجود الجامع ولا العلل التى له ) اهـ . كف بصره فى آخر عمره وتوفى رحمه الله تعالى بترمذ سنة (٢٧٩) هـ عن سبعين عاما (١) . ابن ماجه هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه ( ماجه اسم ليزيد ) القزوينى صاحب كتاب السنن المشهورة والتفسير والتاريخ . ولد سنة (٢٠٩) وار تحل لكتابة الحديث وتحصيله الى الرى والبصرة والكوفة وبغداد والى الشام ومصر والحجاز وأخذ الحديث عن كثير من شيوخ الأمصار كأبى بكر بن أبى شيبة وأصحاب مالك والليث ، وروى عنه خلق كثير منهم ابن سيبويه ومحمد بن عيسى الصفار واسحاق ابن محمد وعلى بن ابراهيم بن سلمة القطان ، وأحمد بن ابراهيم جد الحافظ بن كثير ، وسليمان بن يزيد . قال أبو يعلى الخليلى القزوينى : ( كان عالما بهذا الشأن صاحب تصانيف منها التاريخ والسنن وارتحل الى العراقين ومصر والشام)، وقال ابن كثير : محمد بن يزيد بن ماجه صاحب كتاب السنن المشهورة وهی دالة على عمله وعلمه وتبحره واطلاعه (١) ميزان الاعتدال للذهبى جـ ٣ ص ١١٧. البداية والنهاية للحافظ ابن كثير جـ ١١ ص ٦٦ - ٦٧ . ٣٦٢ واتباعه للسنة فى الأصول والفروع ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابا وألف وخمسمائة باب وعلى أربعة آلاف حديث كلها جياد سوى اليسيرة) و توفی رحمه الله سنة (٢٧٣) اهـ . الإمام ابن قتيبة الدينوري هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى وقيل المروزى اللغوى صاحب كتاب المعارف ، وأدب الكاتب كان فاضلا ثقة . سكن بغداد ، وحدث بها عن اسحاق بن راهويه ، وأبى اسحاق إبراهيم الزيادى ( نسبة الى جده زياد بن أبيه )، وأبى حاتم السجستانى وتلك الطبقة ، روى عنه ابنه أبو جعفر أحمد الفقيه الذى تولى القضاء بمصر وقدمها سنة (٣٢١) ويقال انه روى عن أبيه كتبه المصنفة كلها ، وممن روى عن ابن قتيبة أيضا ابن دستويه الفارسى ، وتصانيفه كلها مفيدة . منها ما تقدم ذكره ، ومنها : غريب القرآن ، وغريب الحديث ، وعيون الأخبار ، ومشكل القرآن ، ومشكل الحديث ، وطبقات الشعراء ، والأشربة ، واصلاح الغلط ، وكتاب التقفيه، وكتاب الخيل ، وكتاب أعراب القرآن ، وكتاب الانواء، وكتاب المسائل والجوابات ، والميسر والقداح ، وغير ذلك ، اقرأ کتبه ببغداد الى حين وفاته . قيل ان أباه مروزى ، وأما هو فمولده ببغداد وقيل بالكوفة ، وأقام بالدينور مدة قاضيا فنسب اليها ، اهـ ( من ابن خلكان ) . علمه وفضله : قال شيخ الاسلام ابن تيمية فى كتابه تفسير سورة الاخلاص بعد أن حكى القول بأن الراسخين يعلمون التأويل الصحيح للمتشابه ما نصه : وهذا القول اختيار كثير من أهل السنة منهم ابن قتيبة وأبو سليمان الدمشقى وغيرهما ، وابن قتيبة من المنتسبين الى أحمد واسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة وله فى ذلك مصنفات ٣٦٣ متعددة . قال فيه صاحب كتاب التحديث : وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء. أجودهم تصنيفا، وأحسنهم ترصيفا له زهاء ثلاثمائة مصنف ، وكان يميل الى مذهب أحمد واسحاق ، وكان معاصرا لابراهيم الحربى ومحمد بن نصر المروزى وكان أهل المغرب يعظمونه، ويقولون من استجاز الوقيعة فى ابن قتيبة يتهم بالزندقة ، ويقولون : ( كل بيت ليس فيه شىء من تصنيفه لا خير فيه) اهـ. قلت : ويقال : هو لأهل. السنة مثل الجاحظ للمعتزلة فانه خطيب أهل السنة كما أن الجاحظ. خطيب المعتزلة . انتهى كلام شيخ الاسلام . ثم ناقش رحمه الله ابن الانبارى فى رده على ابن قتيبة فقال : وليس. هو ( يعنى ابن الانبارى ) أعلم بمعانى القرآن والحديث وأتبع للسنة من ابن قتيبة ولا أفقه فى ذلك ، وان كان ابن الانبارى من أحفظ الناس. للغة لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة اهـ . وقال الذهبى فى الميزان : عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد صاحب. التصانيف صدوق قليل الرواية . روى عن اسحاق بن راهويه وجماعة . قال الخطيب : كان ثقة دينا فاضلا . توفى فى رجب سنة ٢٧٦ . المبحث الرابع تدوين الحديث فى هذا العصر وطريقة العلماء فى ذلك تبلور التدوين للحديث تبعا لسنة التطور من جهة ، ولعوامل. خاصة ، أملتها ظروف الحوادث من جهة أخرى ، فبعد أن كان العلماء يدونون الأحاديث ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ، وجدناهم فى هذا الدور يفردون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ثم لما قامت محنة القول بخلق القرآن التى ٣٦٤ أثارها المأمون وتسلط فيها المعتزلة على أهل الحديث بالانتقاص من قدرهم ورميهم بحمل المتناقض والمشكل ورواية الخرافات ، وجدنا من علماء الحديث من انتدب نفسه للرد عليهم فجمع طعونهم والأحاديث التى زعموها مشكلة أو متناقضة ورد عليهم ببيان الحق الذى أزهق باطلهم ومحق دجلهم وبهتانهم ، وعلى ضوء هذا يمكننا أن نرجع الطرق التى تطور إليها التدوين للحديث فى هذا الدور الى ثلاث طرق وهى : الطريقة الأولى : فى هذه الطريقة كان العلماء يجمعون الطعون التى وجهها أهل الكلام الى أهل الحديث سواء منها ما كان يرجع الى أشخاصهم من العدالة والضبط أم ما كان يرجع الى ما حملوه من الحديث من كونه كلام خرافة أو متناقضا أو مشكلا ثم يكرون عليها بالأبطال وينزهون ساحة الأئمة والأحاديث عن هذه الطعون الزائفة ، وكان من هؤلاء الأعلام الامام ابن قتيبة رحمه الله صاحب كتاب ( تأويل مختلف الحديث فى الرد على أعداء الحديث ) وسيأتى الكلام عليه(١). الطريقة الثانية : جمع الحديث على المسانيد وذلك أن يجمع المحدث فى ترجمة كل صحابى ما يرويه عنه من حديثه سواء كان صحيحا أم غير صحيح ويجعله على حدة وأن اختلفت أنواعه فمثلا يذكر أبا بكر ثم يسرد ما رواه عنه من الأحاديث وان اختلفت موضوعاتها ثم عمر كذلك وهلم جرا ، ولهم فى ترتيب أسماء الصحابة طرق مختلفة فمنهم من رتبها على القبائل فقدم بنى هاشم ثم الأقرب فالأقرب نسبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من رتبها على السوابق فى الاسلام فقدم العشرة المشهود لهم بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل الحديبية ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح ثم من أسلم يوم الفتح ثم أصاغر الصحابة سنا ثم النساء ومنهم (١) ومنهم على بن المدينى فقد صنف كتاب (اختلاف الحديث ) فى خمسة أجزاء . ٣٦٥ من لم يراع شيئا من ذلك والمسانيد التى ألفت فى هذا العصر كثيرة جدا منها : مسند عبيد الله بن موسى المتوق سنه (٢١٣) ومسند الحميدى (٢١٩) ومسند مسدد بنمسرهد (٢٢٨) ومسند اسحاق بن راهويه (٢٣٧) ومسند عثمان بن أبى شيبة (٢٣٩)، ومسند الامام أحمد بن حنبل (٢٤١)، ومسند عبد بن حميد (٢٤٩)، والمسند الكبير ليعقوب بن شيبة (٢٦٢)، ولم يؤلف (١) أحسن منه لكنه لم يتمه ، ومسند محمد بن مهدی (٢٧٢)، والمسند الكبير لبقى بن مخلد القرطبى (٢٧٦) رتبه على أسماء الصحابة ثم رتب حديث كل صحابى على أبواب الفقه ومجموع من روى عنه من الصحابة فيه (١٦٠٠) فجاء كتابا حافلا مع ثقة مؤلفه وضبطه واتقانه وقد فضله ابن حزم على مسند الامام أحمد بن حنبل . قال ابن كثير فى التاريخ وعندى فى ذلك نظر والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع . اهـ . وهذه الطريقة من التصنيف لا تخلو عن عيوب فان المطلع على المسانيد اذا لم يكن من أهل الفن المتضلعين فيه الواقفين على أحوال المتون والأسانيد تعذر عليه الوقوف على درجة الحديث من الصحة والضعف والاحتجاج به أو عدمه اذ كل حديث فى نظره يحتمل الصحة والضعف . هذا الى أن الوقوف على الأحكام الشرعية منها شاق على غير الحفاظ المتقنين لعدم التناسب فى جمع الأحاديث بين موضوعاتها ، ومهما يكن من شىء فلأصحاب المسانيد الفضل الأكبر فى تجريد الأحاديث النبوية عن غيرها وجمعهم كثيرا من متونها وأسانيدها ولهم فى تدوين الأحاديث التى لم تبلغ مرتبة الصحة مقاصد جليلة منها أن طرقه قد تتعدد فيبلغ مبلغ الصحيح ومنها أنها تصلح للاعتبار بها ومنها ما تنبين صحته (١) لأنه جمع الأحاديث وأبان عن عللها . ٣٦٦ فيما بعد لأهل الحديث ونقاده ، فلا يخطرن ببالك أنهم كانوا فيما جمعوا كحاطب ليل . بل كانوا على علم تام بصحيحها وضعيفها وأسانيدها وعللها كيف لا وقد رحلوا فى سبيلها الى الأقطار المختلفة وأفنوا أعمارهم فى جمعها وتمحيصها حتى كانوا صيارفة الحديث بحق . وقد رأيت أن بعض أصحاب المسانيد لم يقتصر على جمع الأحاديث من غير أن يبين حال متونها وأسانيدها وأن بعضهم قد جمع الى ترتيبها على أسماء الصحابة ترتيبها على أبواب الفقه كما فى المسند الكبير لبقى بن مخلد . والمسند الكبير ليعقوب بن شيبة فان الأول رتب حديث كل صحابى على أبواب الفقه ، والثانى ألف مسنده معللا فجمع فى كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه . الطريقة الثالثة : التصنيف على الأبواب وهو تخريج الأحاديث على أحكام الفقه وغيرها وتنويعه أنواعا وجمع ما ورد فى كل حكم وكل نوع فى باب بحيث يتميز ما يتعلق بالصلاة مثلا عما يتعلق بالصيام ، وأهل هذه الطريقة منهم من اقتصر على ايراد ما صح فقط كالبخارى ومسلم فى صحيحيهما ومنهم من لم يقتصر على ذلك كأبى داود والترمذى والنسائى . وكان أول الراسمين لهذه الطريقة المثلى شيخ المحدثين محمد بن اسماعيل البخارى (٢٥٦) فجمع فى صحيحه ( الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ) : ما تبين صحته من الأحاديث مرتبة على الأبواب ، واقتفى أثره فى ذلك الامام مسلم بن الحجاج القشیری (٢٦١) فى صحيحه ، و کان من الآخذین عن البخارى ، وقد اتفق العلماء على أن كتابيهما أصح الكتب المصنفة ٣٦٧ ثم حذا حذوهما كثير من المحدثين فى مصنفاتهم كالنسائى وأبى داود والترمذى . وفى هذه الطريقة من الفوائد الوقوف على درجة الأحاديث بسهولة وتيسير الاطلاع على الأحكام الشرعية وغيرها فى الأبواب المختلفة ولذلك جعل العلماء لأحاديث هذه الكتب المرتبة الأولى فى الاعتبار ولأحاديث "" المسانيد المرتبة الثانية . هذا والقرن الثالث يعتبر أجل عصور الحديث وأسعدها بتدوين الحديث وتقريبه على طالبيه ففيه ظهر كبار المحدثين وحذاق الناقدين ومهرة المؤلفين وفيه ظهرت الكتب الخمسة : الصحيحان البخارى ومسلم ، والسنن لأبى داود والنسائى والترمذى ، وقد اعتمدها المحدثون وعول عليها المستنبطون وحظيت بخدمة العلماء فى جميع العصور ما بين شارح ومختصر وناقد ومنتصر ومستخرج عليها ومؤرخ لرجالها وجامع لأطرافها ومستدرك عليها . قال النووى وغيره : لم يفت الكتب الخمسة من الأحاديث الصحيحة الا النزر اليسير ، واليك الكلام على أشهر الكتب المؤلفة فى هذا الدور : کتاب تأويل مختلف الحديث هذا كتاب جليل القدر عظيم النفع . ألفه الامام ابن قتيبة مدافعا به عن السنة وأهلها مناضلا عن الحق وداحضا لأباطيل المموهين . رد فيه على أعداء أهل الحديث ، وجمع بين الأخبار التى زعموا فيها التناقض والاختلاف ، وأجاب عما أوردوه من شبه حول بعض الآثار المتشابهة أو المشكلة بادىء الرأى : طريقته فيه : بدأ رحمه الله الكلام فى الباعث له على تأليفه ، ثم تكلم ٣٦٨ على أهل الكلام وأصحاب الرأى فبين حال الفريقين ، ثم تحدث عن كبار المعتزلة الطاعنين فى أهل الحديث واحدا واحدا بادئا بالنظام ذاكرا طعنه فى ( أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما ) واعتراضه على ( على وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبى هريرة رضى الله عنهم )، ثم انبرى للاجابة عن جميع هذه الطعون وتفنيدها ، ثم ذكر أبا الهذيل العلاف وسخافاته ، وعبيد الله بن الحسن وتناقضاته ، وبكرا صاحب البكرية وتهجماته ، وهشام بن الحكم وقبح مقالاته ، ثم عرج على الجاحظ خطيب المعتزلة فبين تذبذبه فى العقائد والدين واستهزاءه بحديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وآبان عن كذبه ووضعه للحديث ونصره للباطل . إلى غير ذلك من مزاعمهم وغرائب أقوالهم ، ثم ذكر الامام ابن قتيبة : أنه كان فى أول الأمر مغترا بالمتكلمين من أهل الاعتزال وأنه كان يرتاد مجالسهم ويغشى نواديهم ويسمع لكلامهم ، ثم لما أن وقف على جرأتهم على الله تبارك وتعالى ، وردهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمع منهم تفسير كتاب الله بالعجيب من الآراء ميلا مع أهوائهم ونحلهم : ترك مجالسهم بل وأخذ ينشر على الناس ما خفى من هناتهم غير الهيئات ، ثم ذكر تفسير الروافض لبعض آيات القرآن على هواهم زاعمين أنهم على علم بباطن القرآن لما ورثوه من - علم الجفر - عن الامام على كرم الله وجهه ، وفند تلك المزاعم كلها . ثم شرع فى الكلام على أهل الحديث ، وبين التماسهم للحق من طريقه الصحيح وأجاب عن معايب نسبت اليهم، وهم بريئون منها ، ونبه. على بعض أحاديث من وضع القصاص والزنادقة وأهل الأهواء ، وبين أن حمل المحدثين لبعض الأحاديث الضعيفة انما ذلك لأنهم ينخلون المتون والأسانيد جميعا ويميزون بين الصحيح منها والسقيم وينصون على ذلك. ٣٦٩ ويبينونه للناس وضرب لذلك كثيرا من الأمثال . كما أوضح أن زلل المحدث فى الاعراب لا يعد عيبا فيه كما أن زلل الفقيه فى الشعر لا يعتبر نقصا له. ثم أخذ هذا الامام الجليل فى ذكر الجمع بين الأحاديث التى زعم المتكلمون أنها متناقضة أو مشكلة فرفع التناقض عنها وأزال الاشكال ، وسجل على أهل الكلام التعصب الذى أعماهم فاتخذوا آلههم هواهم ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله). هذا ونلفت نظر القارىء الكريم - وقد شرحنا له الغرض من تأليف هذا الكتاب العظيم ووقفناه على جل محتوياته - أن جمهرة المستشرقين ومن على نهجهم من الملحدين والمتحللين فى عصرنا هذا يسطون على هذا الكتاب ويلتقطون منه هذه المطاعن التى فندها هذا الامام الجليل دون أن ينبهوا الناس على أن اماما كبيرا من أئمة المسلمين تولى الاجابة عنها - وهذا أمر طبيعى فيهم - بل وينسبون هذه المطاعن الى ابن قتيبة نفسه على أنها من آرائه فى الصحابة وأهل الحديث وفوق هذه الخيانة العلمية العظمى يقوم هؤلاء الأعداء الألداء بصوغ هذه الشبهات على أنها قواعد مسلمة عند المسلمين ثم يبنون عليها آراءهم الزائفة التى تطعن فى هذا الدين الحنيف وتأتى على بنائه من القواعد ، وان من ألقى نظرة على ما جاء فى هذا الكتاب ثم طالع بعض مقالات هؤلاء القوم افتضح أمامه أمرهم وظهر له ضلالهم وتضليلهم والله لا يهدى كيد الخائنين . مسند الإمام أحمد هو كتاب عظيم فى السنة شهد له المحدثون قديما وحديثا بأنه أجمع كتب السنة للحديث وأوعاها لكل ما يحتاج اليه المسلم فى أمر دينه ودنياه وقد سلك الامام أحمد فى ترتيبه مسلكا يتفق وطريقة أهل طبقته فهو يذكر الصحابى ثم يورد ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحاديث ٣٧٠ غير ناظر الى ترتيبها حسب موضوعاتها ثم يتلوه بالصحابى الآخر وهكذا، فالمتصفح لهذا الكتاب يرى حديثا فى الحدود يلى حديثا آخر فى العبادات الى جانب ثالث فى الترغيب والترهيب. وهذه الطريقة وان كانت لا تلائم أهل عصرنا الحاضر الذين قعدت بهم الهمم وضعفت فيهم ملكة الحفظ والضبط كانت سائغة ميسورة لأهل القرن الثالث الذين عظمت عنايتهم يحفظ الحديث وضبطه ومذاكرته ودرسه حتى كان الواحد منهم يحفظ المسند الكبير كما يحفظ السورة من القرآن الكريم ، ويعرف صحيحه من سقيمه وغثه من سمينه . هذا وقد اشتمل مسند أحمد على أربعين ألف حديث بالمكرر ومن غير المكرر على ثلاثين ألفا ، ومع ذلك فلم يستوعب الأحاديث كلها ومن زعم ذلك فقد أخطأ . قال الحافظ ابن كثير : ( لا يوازى مسند أحمد كتاب مسند فى كثرته وحسن سياقاته وقد فاته أحاديث كثيرة جدا بل قيل انه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين فى الصحيحين قريبا من مائتين ) (١) اهـ . وفى المسند نحو ثلثمائة حديث ليس بين أحمد وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها غير ثلاثة رواة . المسند الدی بأيدينا اليوم والمسند الذى بأيدينا اليوم ليس كله من رواية الامام أحمد ولكن أضاف اليه ابنه عبد الله زيادات ليست من رواية أبيه وكذلك فعل الامام أبو بكر القطيعى راوية المسند عن عبد الله بن الامام أحمد . قال الأستاذ المحدث الشيخ أحمد البنا الشهير بالساعاتى فى مقدمة الفتح الربانى : ( بتتبعى لأحاديث المسند وجدتها تنقسم الى ستة أقسام (١) قسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الامام أحمد عن أبيه سماعا منه وهو المسمى (١) تدريب الراوى ص ٥٧ . ٣٧١ بمسند الامام أحمد وهو كبير جدا يزيد عن ثلاثة أرباع الكتاب (٢) قسم سمعه عبد الله من أبيه ومن غيره وهو قليل جدا (٣) وقسم رواه عن غير أبيه وهو المسمى عند المحدثين بزوائد عبد الله وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول (٤ ) وقسم قرأه عبد الله على أبيه ولم يسمعه منه وهو قليل (٥) وقسم لم يقرأه ولم يسمعه ولكنه وجده فى كتاب أبيه بخط يده (٦) وقسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعى عن غير عبد الله وأبيه رحمهما الله تعالى وهو أقل الجميع فهذه ستة أقسام وكل هذه الأقسام من المسند الا الثالث فانه من زوائد عبد الله والسادس فانه من زوائد القطيعى ) (١) اهـ. سمع المسند من الامام أحمد أولاده الثلاثة : صالح وعبد الله وحنبل . قال عثمان بن السباك : حدثنا حنبل قال جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه غيرنا وقال لنا : ( هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفا فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه فان وجدتموه والا فليس بحجة ) وسئل الشيخ الامام الحافظ على بن الحافظ الفقيه محمد اليونينى رحمهما الله تعالى . أنت تحفظ الكتب الستة . فقال : أحفظها وما أحفظها فقيل له كيف هذا . فقال : أنا أحفظ مسند أحمد وما يفوت المسند من الكتب الستة إلا قليل فأنا أحفظها بهذا الوجه (٢) ومما تقدم يتبين لك أن المسند جمع مقدارا عظيما من الأحاديث النبوية وأن صاحبه انتقاه من أكثر من ( ٧٥٠) ألف حديث، وأن عبد الله بن الامام زاد فيه كثيرا من الأحاديث التى لم يأخذها (١) مقدمة الفتح الربانى ص ١٩ وما بعدها . (٢) مقدمة الفتح الربانى ص ٨ . ٣٧٢ عن أبيه وكذلك فعل الامام أبو بكر القطيعى راوية المسند عن عبد الله ابن الامام أحمد . درجة أحاديثه : للعلماء فى درجة أحاديثه أقوال : الأول : ان ما فيه من الأحاديث حجة وهو ظاهر عبارة الامام السابقة التى رواها ابن السباك عن حنبل عن الامام وفى معناه ما روى أبو موسى المدينى عن الامام أحمد أنه سئل عن حديث فقال انظروه فان كان فى المسند والا فليس بحجة . وما قاله أبو موسى المدينى أيضا فى كتابه خصائص المسند قال : وهذا الكتاب أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث انتقى من حديث كثير ومسموعات وافرة فجعله صاحبه اماما ومعتمدا وعند التنازع ملجأ ومستندا قال : ولم يخرج الا عمن ثبت عنده صدقه ودیاتته دون من طعن فى أمانته . قال : ومن الدليل على أن ما أودعه الامام أحمد رحمه الله مسنده قد احتاط فيه اسنادا ومتنا ولم يورد فيه الا ما صح عنده ما رواه القطيعى قال : حدثنا عبد الله قال حدثنى أبى قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبى التياح قال : سمعت أبا زرعة يحدث عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يهلك أمتى هذا الحى من قريش قالوا فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : لو أن الناس اعتزلوهم ) قال عبد الله قال لى أبى فى مرضه الذي مات فيه أضرب على هذا الحديث فانه خلاف الأحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم يعنى قوله ( اسمعوا وأطيعوا ) فهذا الحديث مع ثقة رجال أسناده حين شذ لفظه عن المشاهير أمر بالضرب عليه فقال عليه ما قلنا وفيه نظائر له أهـ بحذف يسير . قال الأستاذ المحدث الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا : هذا مثال لشدة احتياط الامام أحمد فى المتن وأما احتياطه فى السند فقد روى ٣٧٣ القطيعى ، قال : حدثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا على بن ثابت الجزرى عن ناصح أبى عبد الله عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : (لأن يؤدب الرجل ولده أو أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع ) قال عبد الله وهذا الحديث لم يخرجه أبى فى مسنده من أجل ناصح لأنه ضعيف فى الحديث وأملاه على فى النوادر (١) اهـ . القول الثانى : ان فيه الصحيح والضعيف والموضوع فقد ذكر ابن الجوزى فى الموضوعات تسعة وعشرين حديثا منه وحكم عليها بالوضع وزاد الحافظ العراقى عليه تسعة أحاديث حكم عليها بالوضع وجمعها فى جزء. قال العراقى ردا على من قال أن أحمد شرط فى مسنده الصحيح: لا نسلم ذلك والذى رواه عنه أبو موسى المدينى أنه سئل عن حديث فقال انظروه فان كان فى المسند والا فليس بحجة فهذا ليس بصريح فى أن كل ما فيه حجة ، وانما هو صريح فى أن ما ليس فيه ليس بحجة . قال : على أن ثم أحاديث صحيحة مخرجة فى الصحيحين وليست فيه منها حديث عائشة فى قصة أم زرع قال : وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها فى جزء ولعبد الله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع (٢) اهـ . القول الثالث : ان فيه الصحيح والضعيف الذى يقرب من الحسن وممن ذهب الى ذلك من الحفاظ أبو عبد الله الذهبى ، وابن حجر العسقلانى، وابن تيمية والسيوطى . وإليك أقوالهم فى ذلك: قال الحافظ السيوطى فى خطبة الجامع الكبير ما لفظه : ( وكل ما كان فى مسند ٤ (١) مقدمة الفتح الربانى ص ٩. (٢) تدريب الراوى ص ٥٦ . ٣٧٤ أحمد فهو مقبول فان الضعيف الذى فيه يقرب من الحسن ) وقال الحافظ ابن حجر فى كتابه تعجيل المنفعة فى رجال الأربعة : ( ليس فى المسند حديث لا أصل له الا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن. عوف (( أنه يدخل الجنة زحفا)) والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا أو ضرب وكتب من تحت الضرب ) اهـ. وقال ابن تيمية. فى كتابه منهاج السنة : ( شرط أحمد فى المسند ألا يروى عن المعروفين بالكذب عنده وان كان فى ذلك ما هو ضعيفه قال : ثم زاد عبد الله بن أحمد زيادات على المسند ضمت اليه و کذلك زاد أبو بكر القطيعى وفى تلك الزيادات كثير من الأحاديث الموضوعة فظن من لا علم عنده أن ذلك من رواية أحمد فى مسنده) اهـ . وقال الحافظ الذهبى : ( ولو أنه - يعنى عبد الله بن الامام أحمد. - حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد ولعل الله تبارك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامى من يخدمه ويبوب عليه ويتكلم على رجاله ويرتب هيئته ووضعه فانه محتو على أكثر الحديث النبوى وقل أن يثبت حديث الا وهو فيه . قال : وأما الحسان فما استوعبت فيه بل عامتها ان شاء الله تعالى فيه وأما الغرائب وما فيه لين فَروى من ذلك الأشهر وترك الأكثر مما هو مأثور فى السنن الأربعة ومعجم الطبرانى الأكبر والأوسط ومسندى أبى يعلى والبزار وأمثال ذلك قال ومن سعد مسند الامام أحمد قل أن تجد فيه خبرا ساقطا ) (١) اهـ. هذا وقد ألف شيخ الاسلام ابن حجر كتابا سماه ( القول المسدد فى الذب عن المسند) قال فى خطبته: (( ذكرت فى هذه الأوراق ما حضر نى. / (١) تدريب الراوى ص ٥٦ - منهاج السنة ص ٣٧ . ٣٧٥ من الكلام على الأحاديث التى زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة وهى فى مسند أحمد ذبا عن هذا التصنيف العظيم الذى تلقته الأمة بالقبول والتكريم وجعله أمامهم حجة يرجع اليه ويعول عند الاختلاف عليه ، ثم سرد الأحاديث التى جمعها العراقى فى جزء وحكم عليها بالوضع وهى تسعة وأضاف اليها خمسة عشر حديثا أوردها ابن الجوزى فى الموضوعات وهى فيه وأجاب عنها حديثا حديثا)) اهـ قال السيوطى فى التدريب وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزى وهى فيه وجمعتها فى جزء سميته ( الذيل الممهد ) وعدتها أربعة عشر حديثا(١) اهـ. قال الشوكانى : وقد حقق الحافظ نفى الوضع عن جميع أحاديثه وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب التى لم يلتزم مصنفوها الصحة فى جميعها وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة فى سنن أبى داود والترمذى . اهـ . الجمع بين أقوال العلماء فى مسند أحمد : يمكن ارجاع القولين الأولين الى القول الثالث وبذلك لا يكون .هناك خلاف فى درجة أحاديث المسند فمن حكم على بعض أحاديثه بالوضع نظر الى ما زاده فيه أبو بكر القطيعى وعبد الله بن الامام أحمد والقول بحجية ما فيه من الأحاديث لا ينافى القول بأن فيه الضعيف فان الضعيف فيه دائر بين الحسن لذاته والحسن لغيره وكلاهما مما يحتج به عند العلماء . عناية الأمة بمسند الامام أحمد : قال فى كشف الظنون : جمع غريبه أبو عمر محمد بن عبد الواحد (١) التدريب ص ٥٦ ٣٧٦ المعروف بغلام ثعلب فى كتاب وتوفى سنة (٣٤٥) واختصره الشيخ الامام سراج الدين عمر بن على المعروف بابن الملقن الشافعى المتوفى سنة ٨٠٥ خمس وثمانمائة وعليه تعليقة للسيوطى فى اعرابه سماها عقود الزبرجد ، وقد شرح المسند أبو الحسن بن عبد الهادى السندى نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة (١١٣٩) شرحا كبيرا نحوا من خمسين كراسة كبار واختصره الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبى (١) اهـ. وقال الحافظ ابن الجزرى: أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ. أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت فرتبه على معجم الصحابة ورتب الرواة كذلك كترتيب الأطراف تعب فيه تعبا كثيرا ثم أن شيخنا الامام مؤرخ الاسلام وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه وأضاف اليه أحاديث الكتب الستة ومعجم الطبرانى الكبير ومسند البزار ومسند .أبى يعلى الموصلى وجهد نفسه كثيرا وتعب فيه تعبا عظيما فجاء لا نظير. له فى العالم وأكمله الا بعض مسند أبى هريرة فانه قبل أن يكمله كف بصره ومات، وقال رحمه الله تعالى: لا زلت أكتب فيه فى الليل والسراج ينونص حتى ذهب بصرى معه ولعل الله أن يقيض له من يكمله مع أنه سهل . فان معجم الطبرانى الكبير لم يكن فيه شىء من مسند أبى هريرة. رضى الله عنه . اهـ . واسم هذا الكتاب الذى ألفه ابن كثير ( جامع المسانيد والسنن ) ويوجد منه فى دار الكتب المصرية ثمانية أجزاء (٢) - وقد رتب المسند (١) جـ ٢ ص ٢٦٥. (٢) مقدمة الفتح الربانى . ٣٧٧ على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين وكذا الحافظ ناصر الدين بن رزيق وغيره ورتبه على حروف المعجم الحافظ أبو بكر محمد بن أبى محمد عبد الله المقدسى الحنبلى (١) ، وقد رتب المسند على الأبواب ترتيبا متقنا مهذباً معاصرنا الفاضل الشيخ المحدث العلامة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الشهير بالساعاتى انتهى من تبييضه عام (١٣٥١ ) للهجرة وجعله سبعة أقسام : قسم التوحيد وأصول الدين ، وقسم الفقه ، وقسم التفسير ، وقسم الترغيب ، وقسم الترهيب ، وقسم التاريخ ، وقسم القيامة وأحوال الآخرة . على هذا الترتيب وكل قسم من هذه الأقسام السبعة يشتمل على جملة كتب وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب وبعض الأبواب يدخل فيه جملة فصول وفى أكثر تراجم الأبواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب ، وسمى هذا الكتاب ( الفتح الربانى لترتيب مسند الامام أحمد بن حنبل الشيباني ) ثم شرح كتابه هذا وخرج أحاديثه فى كتاب آخر سماه ( بلوغ الأمانى من أسرار الفتح الربانى ) جعله معه ، ثم شرع فى طبعهما وقد صدر حتى الآن أحد وعشرون جزءا ونسأل الله أن يعينه على اتمامه ويتقبل منه عمله . صحيح البخارى الباعث له على تأليفه : - رأى البخارى رحمه الله تعالى دواوين السنة التى ألفت فى عصره وقبله جامعة بين الصحيح والحسن والضعيف من الأحاديث لا يستطيع الناظر فيها أن يميز بين الصحيح وغيره الا إذا كان من أهل الفن والخبرة التامة ، وكذلك لا يستطيع أن يجمع الأحاديث التى تتعلق بموضوع (١) الرسالة المستطرفة ١٦,١٥ . ٣٧٨ واحد من الأحكام الشرعية لأن هذه الدواوين - كما قلنا - كان يقصد منها جمع الأحاديث وحفظها على الأمة فقط فلم تراع فيها المناسبات فى ترتيب الأحاديث وضم بعضها إلى بعض . هذا الى أن بعض أهل الحديث ورواته أهملوا فقه الأحاديث وما تدل عليه ألفاظها من المعانى والفوائد الى مجرد الحفظ والرواية فكان من أثر ذلك أن عجز هؤلاء عن مناهضة أهل البدع والأهواء بالحجة وقمعهم بالبرهان . كما شاعت الأحاديث الضعيفة بل والموضوعة فيما بين الناس عن طريق القصاص الذين لا يميزون بين المقبول والمردود من الأحاديث. وأوغل بعض المنتسبين الى أهل الرأى فى مخالفة السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحركت هذه العوامل مجتمعة من امام المحدثين أبى عبد الله محمد بن اسماعيل البخارى همته العالية لجمع طائفة كبيرة من الأحاديث التى صحت أسانيدها وسلمت متونها من العلل مرتبة على أبواب الفقه والسير والتفسير الى غير ذلك . وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين فى الحديث والفقه اسحق بن ابراهيم الحنظلى المعروف بابن راهويه حيث قال لتلاميذه : ( لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال البخارى: فوقع ذلك فى قلبى فأخذت فى جمع ((الجامع الصحيح)). خرجه من ستمائة ألف حديث ولم يخرج فيه الا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند المتصل الذى توفر فى رجاله العدالة والضبط ومكث فى تصنيفه ستة عشر عاما ، وما وضع فيه حديثا الا اغتسل قبله وصلى ركعتين ولما أن تم عرضه على الامام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المدينى وغيرهم فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة الا فى أربعة أحاديث قال العقيلى : والقول فيها قول البخارى وهى صحيحة ٣٧٩ وقد تلقاه العلماء بالقبول فى كل عضر وشهدوا له بالتفوق على كل ما سبقه من المصنفات . وقال الذهبى فى تاريخ الاسلام : وأما جامع البخارى الصحيح فأجل كتب الاسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى ، قال فلو رحل الشخص لسماعه من ألف فرسخ لما ضاعت رحلته . اهـ . وقد روى الحفاظ والأئمة عن البخارى أنه قال : جعلته حجة فيما بينى وبين الله تعالى وما أدخلت فيه الاّ صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر حتى لا يطول . اهـ. وقوله ( وما أدخلت فيه الا صحيحا ) محمول على الأحاديث المسندة المتصلة فانها موضوع الكتاب ومقصوده وقد ذكر البخارى فيه عرضا الموقوف والمعلق وفتاوى الصحابة والتابعين وآراء العلماء . وليست هذه الأحاديث المعلقة والآثار الموقوفة من موضوع كتابه كما يدل لذلك تسميته له : ( الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ) وانما ذكرها لقصد الاستئناس بها فقط ولذلك غاير فى سياقها لتمتاز عدد أحاديثه : وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن عدة ما فيه من الأحاديث بالمكرر (٧٣٩٧) سوى المعلقات والمتابعات والموقوفات ، وبغير المكرر من المتون الموصولة (٢٦٠٢) . رواته: وقد سمعه منه نحو من تسعين ألفا من أشهرهم : أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربرى المتوفى سنة (٣٢٠) وكان سماعه للصحيح مرتين بفربر سنة ٢٤٨ وببخارى سنة ٢٥٢ ومنهم ابراهيم بن معقل بن الحجاج النسفى وكان من الحفاظ وله تصانيف وتوفى سنة (٢٩٤) وفاته من الجامع أوراق رواها بالأجازة عن البخارى ، ٣٨٠ ومنهم حماد بن شاكر النسوى مات حوالى سنة (٢٩٠) وفاته منه شىء أيضا ، وأبو طلحة منصور بن محمد بن على بن قرينة البزدوى المتوفى سنة (٣٢٩) وهو آخر من حدث عن البخارى بصحيحه كما جزم به ابن ماكولا وغيره (١) . ما اشتملت عليه تراجم البخارى من الفوائد : قدمنا أن البخارى رحمه الله تعالى كان من أئمة الفقه المجتهدين. لذلك جاء كتابه جامعا لكثير من المسائل الفقهية ، فقد أودع تراجم الأبواب كثيرا مما اهتدى اليه باجتهاده واستنبطه بعقله مما يدل على. براعته فى الفقه واستنباط الأحكام الشرعية من الأحاديث ، وله فى تلك التراجم طريقتان ظاهرة وخفية : الطريقة الأولى : أن تكون الترجمة دالة بطريق المطابقة على ما ساقه من الأحاديث كأن يقول : هذا الباب الذى فيه كيت وكيت أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلانى مثلا، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له وقد تكون ببعض ألفاظه وقد تكون بمعناه - وهذا هو الغالب على تراجمه . الطريقة الثانية : أن يأتى فى الترجمة بلفظ عام ويكون المترجم له من الأحاديث خاصا تنبيها منه على أن الحكم عام وأن الحديث وان كان خاصا فهو مراد به العموم وقد يكون الأمر على عكس ذلك فينبه بالترجمة على أن الحديث وان كان عاما الا أنه يراد منه الخصوص وعلى هذا الأمر فى المطلق والمقيد وشرح المشكل وتفسير الغامض وتأويل (١) مقدمة فتح البارى جـ ١ ص ٤ - خطبة فتح البارى - مفتاح السنة ص ٣٩ وما بعدها .