Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ ومع ثناء هؤلاء الأئمة وغيرهم عليه بالفهم الثاقب والاحاطة الواسعة بالحديث كان يقول : (( اذا صح عندكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولى فأنى أقول به وان لم تسمعوا منى)). هذا واذا كان العلماء يعتبرون الامام الشافعى أول من ألف فى أصول الفقه فلا يفوتنا أن نقول أنه أيضا أول من ألف فى اصول السنة وقوانين الرواية ورسم لعلماء الحديث طريقة التدوين فى علوم السنة . وأن كل من ألف بعد الشافعى فى قواعد الحديث وعلومه انما هم عيال عليه وغارفون من بحاره وكلامهم فى ذلك لا يعدو فروعا فرعوها على أصول أصلها وقواعد وضعها وأوضحها . وأن من يقرأ كلامه عن الحديث والمحدثين فى رسالته ثم يقرأ ما دونه علماء الحديث كابن الصلاح وغيره يرى أن الشافعى هو أستاذ الجميع فى هذه الفنون . فجزاه الله عن الحديث وأهله خير الجزاء (١) . المبحث الخامس الرد على تمويهات لبعض المستشرقين لها صلة بهذا العصر وما قبله اطلعت أيها القارىء على تاريخ السنة فى القرن الأول والثانى للهجرة المباركة ورأيت أن علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم كان يتلقاها بعضهم عن بعض فى أمانة وضبط وأنهم كانوا يذبون عنها أكاذيب الشيعة والخوارج والزنادقة ومن كان على شاكلتهم فى الكيد للاسلام عن طريق الحديث ، وما زالوا يجاهدون صادقين فى سبيل السنة حتى أسلموها إلى علماء القرن الثالث كاملة غير منقوصة وصحيحة غير مكذوبة عن (١) البداية والنهاية جـ ١٠ ص ٢٥١ - تهذيب الأسماء واللغات جـ ١ ص ٤٤ - تاريخ التشريع الاسلامى للخضرى ص ٢٦٤. ٣٠٢ طريق الأسانيد التى تطمئن لها القلوب ، ثم قام علماء القرن الثالث بدورهم فى رواية السنة وحفظها وكتابتها وتدوينها حتى وصلت الينا طاهرة نقية . ولكن شرذمة من أهل الكفر والضلال يدعون بالمستشرقين كبر عليهم أن تبقى هذه الثروة الاسلامية المباركة محفوظة من التبديل والتحريفه فى وقت ضعف فيه المسلمون واستولت عليهم الأمم الكافرة فعمل هؤلاء المستشرقون جاهدين على تشكيك المسلمين فى دينهم عن طريق الطعن فى الحديث ورواته باسم البحث الحر ، وطريقة هؤلاء القوم التى اختاروها لأنفسهم وأملتها عليهم أغراضهم السياسية هى توهين القوى من الحديث وتقوية الضعيف أو الموضوع وتضخيم الصغير وتحقير العظيم وتشويه. الحقائق والتعامى عما تقضى به الأدلة والبراهين . كل هذا ليشوهوا محاسن الاسلام وعلمائه فى أنظار من افتتن بمد نيتهم المادية الزائفة من صغار الأحلام وضعفاء الإيمان . وما موقفهم هذا من الاسلام الا كما يقول القائل . اذا رأوا هفوة طاروا بها فرحا منى وما علموا من صالح دفنوا ونحن(١) نذكر مثلا من تمويهات هؤلاء المبطلين تكشف لك عن نواياهم الخبيئة ونعقب عليها بما يدحضها وأن كانت عند التأمل كهشيم. تذروه الرياح لا تقوم الا على مجرد الدعوى والتغافل عن الحقائق الثابتة فنقول : - أولا - زعموا (( أن القسم الأكبر من الحديث ليس الا نتيجة (١) نقلنا هذه الشبه من كتاب تاريخ الفقه الاسلامى للأستاذ على حسن عبد القادر ص ١٢١ وما بعدها . ٣٠٣ للتطور الدينى والسياسى والاجتماعى للاسلام فى القرنين الأول والثانى وأنه ليس صحيحا ما يقال : من أنه وثيقة للاسلام فى عهده الأول عهد الطفولة ولكنه أثر من آثار جهود الاسلام فى عصر النضوج)). ونحن تقول : هذا قول من يتجاهل الحقائق الثابتة ويخلط الحق بالباطل ثم يقول ان الجميع باطل وانهم بما يقولون يطعنون فى الأحاديث النبوية بأمرين . أولهما : - ان الأغلبية العظمى منها من وضع المسلمين لا من قول نبى الاسلام صلى الله عليه وسلم . ثانيهما : - أن الأحاديث الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم قليلة ومع قلتها لم تكن حجة يعتمد عليها فى العهد الذهبى للاسلام عصر النبوة وما بعده الذى أطلقوا عليه عصر الطفولة . والنتيجة التى يريدونها من ذلك أن السنة قامت على غير أساس ولا فائدة منها للمسلمين فى قليل ولا كثير سواء الصحيح منها وهو قليل وغير الصحيح منها وهو الغالب الكثير . أما زعمهم أن أغلب الأحاديث من وضع المسلمين نتيجة للتطور الدينى والسياسى والاجتماعى للاسلام فهذا منهم كذب على الواقع والتاريخ فقد نقل عن النبى صلى الله عليه وسلم مقدار وفير جدا من الأحاديث فى الأحكام وغيرها حفظها عنه أصحابه ثم تلقاها عنهم الثقات من الرواة طبقة بعد طبقة وعصرا بعد عصر حتى وصلت الينا صحيحة الأسانيد نقية المتون ، والأئمة فى جميع العصور كانوا ينفون عنها الكذب والدخيل ويبالغون فى التثبت والحفظ ويشددون فى نقد المتون والأسانيد امتثالا فقول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتواتر ((من كذب على ٣٠٤ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) وبعملهم هذا سلمت الأحاديث من وضع الزنادقة والخوارج ومن سار على طريقهم ، وقد أطلعت على ما قدمناه من الجهود الجبارة التى قام العلماء بها فى القرن الأول والثانى حيال الأحاديث وتمحيصها . وأما زعمهم أن السنة ليست حجة يعتمد عليها فى الدين فهذا زعم باطل سبقهم اليه أهل الأهواء فى العصور الأولى ، والكتاب والسنة واجماع العلماء وعمل المسلمين فى جميع العصور يناقض هذه الدعوى ويأتى على بنيانها من القواعد ، هذا وتقدمت البراهين الساطعة على حجية السنة فى المقدمة وفى كلام الامام الشافعى رضى الله عنه ومناظراته. لبعض من ينكر حجية السنة فارجع إليها ان شئت(١). ثانيا : - قالوا : ان العصر الأول كان مثار خصومة بين الأمويين. والعلماء الأتقياء الذين اشتغلوا بجمع الحديث والسنة ونظرا لأن ما بأيديهم من الأحاديث لم يسعفهم فى تحقيق أغراضهم أخذوا يخترعون. أحاديث لا تنافى الروح الاسلامية فى مناقب آل بيت على بن أبى طالب وامتداحهم فيكونون بذلك قد ثلبوا الأمويين وهاجموهم ولكن من طريق. غير مباشر وبرروا عملهم هذا بأنهم انما يحاربون الظلم والطغيان وقد ردت عليهم الحكومة فوضعت الأحاديث ودعت الى وضعها وقد كانت طريقة الأمويين كما قال معاوية للمغيرة بن شعبة. (( لا تهمل فى أن تسب. عليا وأن تطلب الرحمة لعثمان وأن تسب أصحاب على وتضطهد من أحاديثهم وعلى الضد من هذا أن تمدح عثمان وأهله وأن تقربهم وتسمع اليهم)) وقد استغل الأمويون لذلك أمثال الامام الزهرى فى وضع الأحاديث ومن هذه الأحاديث حديث ((لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد مسجدى هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى )) فهذا الحديث يمثل (١) أنظر ص ٢١ وص ٢٧٢ . ٣٠٥ ميولهم السياسية فى تقديس بيت المقدس وجعله مثل البيت الحرام ومسجد المدينة حتى يكون محجا للناس فى الوقت الذى منع فيه ابن الزبير أهل الشام من الحج إلى الكعبة ونحو هذا أحاديث فى فضل بيت المقدس والشام . اهـ . ونقول فى الرد عليهم : نحن لا ننكر أنه قامت خصومة سياسية بين الأمويين والشيعة وأن الشيعة وضعوا أحاديث فى مناقب الامام على ابن أبى طالب وان الأمويين ردوا عليهم بأحاديث وضعوها فى مناقب أبى بكر وعمر وعثمان ومعاوية ولكن لم يكن هؤلاء ولا هؤلاء هم أهل الحديث ولا العلماء الأنقياء كما يموهون علينا بذلك وانما كان من العلماء الأتقياء أمثال الامام الزهرى وسعيد بن المسيب وابن عباس وابن عمر العمل على حفظ الأحاديث الصحيحة ونشرها والاحتياط لها وبيان الأحاديث التى نسبت كذبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا تجوز روايتها ولا نشرها من غير أن يخافوا فى الله لومة لائم أو سطوة ظالم ، ومما يثير العجب أن يطلق هؤلاء المستشرقون على الشيعة لقب ( العلماء الأتقياء ) مع أن منهم من كانوا أداة فساد وإفساد يتظاهرون بحب آل على رضى الله عنه ويغالون فى ذلك حتى ألهوه ووضعوا الأحاديث فى تأليهه ويضمرون فى أنفسهم كيد الاسلام والمسلمين . أما ما نسبوه الى معاوية رضى الله عنه فنحن فى شك منه ومما يقوله المؤرخون المتساهلون فى نقل الأخبار وتدوينها فان معاوية صحابى جليل ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكتابة الوحى ورضيه الخلفاء الراشدون الثلاثة لأمارة الشام وما حصل بينه وبين على كرم الله وجهه فانما كان عن اجتهاد، فيبعد كل البعد أن يأمر المغيرة بن شعبة بسب على والعمل على اخفاء الأحاديث التى صحت فى فضله لاسيما وقد أثبت التاريخ أن ، ٣٠٦ الحسن بن على رضى الله عنه تنازل له عن الخلافة طائعا مختارا ولم يقاتله يوما واحدا وأنه كان يترحم على على كرم الله وجهه وقد طلب الى ضرار الصدائى أن يصف له عليا فاستعفاه فأبى فوصفه له بأبلغ وصف فبكى معاوية رضى الله عنه وقال : رحم الله أبا الحسن فقد كان كذلك وأثبت التاريخ أيضا أنه كان حليما واسع الحلم سياسيا ثاقب النظر فلا يعقل بعد هذا كله أن يأمر المغيرة أو غيره باثارة فتنة يكون من ورائها تمزيق الوحدة وتفريق الكلمة . نعود بعد ذلك الى زعمهم أن الأمويين استغلوا أمثال الامام الزهرى فى وضع الأحاديث التى تتفق وميولهم وهذا محض افتراء على أئمة الدين لاسند له من الواقع . وقد شهد للامام الزهرى بالورع والحفظ والضبط مئات بل ألوف من فحول العلماء فالشافعى يقول فيه : (( لولا الزهرى لذهبت السنن من المدينة)) وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه يقولان فيه: (( أصح الأسانيد مطلقا الزهرى عن سالم عن أبيه)) وعمرو بن دينار يقول فيه: (( ما رأيت أنص للحديث من الزهرى وما رأيت أحدا الدينار والدرهم أهون عنده منه أن كانت الدنانير والدراهم بمنزلة البعر)) افنترك مثل هذه الشهادات الثابتة الى أقوال شرذمة من أئمة الكفر ليسوا من الانصاف فى شىء ، ودعوى أن حديث (( لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) من وضع الزهرى تبعا لميول الحكام السياسية .. الخ . دعوى خاطئة كاذبة فان الزهرى ثقة باجماع أئمة المسلمين فلو انفرد بهذا الحديث لكان صحيحا لا ريب فيه فكيف ولم ينفرد به وقد أخرجه مسلم من غير طريقه (١) فى آخر (١) صحيح مسلم أواخر كتاب الحج . ٣٠٧ كتاب الحج من صحيحه قال حدثنا هارون بن سعيد الايلى حدثنا ابن وهب قال حدثنى عبد الحميد بن جعفر أن عمران بن أبى أنس حدثه أن سلمان الأغر حدثه أنه سمع أبا هريرة يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( انما يسافر الى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة ومسجدى ومسجد ايلياء)) وأخرجه الشيخان (١). من غير طريقه أيضا عن شعبة عن عبد الملك سمعت قزعة مولى زياد قال سمعت أبا سعيد الخدرى رضى الله عنه يحدث بأربع عن النبى صلى الله عليه وسلم فأعجبننى وآنقننى قال : ( لا تسافر المرأة يومين الا ومعها زوجها أو ذو محرم . ولا صوم فى يومين ، الفطر والأضحى . ولا صلاة بعد صلاتين بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب . ولا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدى ) . ثم ما لهذا الحديث وصرف الناس عن حج بيت الله الحرام إلى المسجد الأقصى وغاية ما يدل عليه أن الرحال لا تشد الى مسجد من المساجد بقصد الصلاة فيه الا لهذه المساجد الثلاثة فهو أنما يدل على فضل الصلاة فى المسجد الأقصى كما يدل على فضلها فى المسجدين الآخرين ، ثم ماذا يقولون فيما ثبت من أن المسلمين كانوا يصلون الى بيت المقدس قبل أن يصلوا إلى الكعبة وهو يدل على أنه موضع احترام لدى المسلمين فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم من أول يوم فرضت فيه الصلاة ، وماذا يقولون فى قول الله عز وجل: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله )) أما أن بنى أمية لو كانوا بحاجة الى ما يدل على فضل بيت المقدس لكفتهم هذه الآية ، أم يقولون ان الآية من وضع الزهرى أيضا ! سبحانك هذا بهتان عظيم . (١) شرح مسلم فى الحج وفتح البارى ( جـ ٣ ص ٤٦ ) ٣٠٨ نحن لاننكر أن هناك أحاديث وضعت فى فضل الأمويين والعلويين أو فى فضل بعض الأماكن ولكنا ننكر أن يكون واضعوها من العلماء الأتقياء حقا كما ننكر أن أئمة الأحاديث سكتوا عن هذه الموضوعات وها هى آثارهم تدل على ما بذلوه من جهد فى تمحيص الأحاديث ونقدها، فماذا بعد الحق الا الضلال . ثالثا - قالوا: (( ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسية بل تعدى ذلك إلى الناحية الدينية فى أمور العبادات التى لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة مثل ما هو معروف من أن خطبة الجمعة كانت خطبتين وكان يخطب الخلفاء وقوفا وان خطبة العيد كانت تتبع الصلاة فغير الأمويون من ذلك فكان يخطب الخليفة خطبة الجمعة الثانية جالسا ، وجعلوا خطبة العيد قبل الصلاة واستدلوا لذلك بما رواه رجاء بن حيوة من أن الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوسا فى حين قال جابر بن سمرة : من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب جالسا فقد كذب . ومثل ذلك ما حصل من زيادة معاوية فى درجات المنبر وما كان من جعله المقصورة التى أزالها العباسيون بعد ذلك . كما لم يقتصر الأمر على نشر أحاديث ذات ميول بل تعداه الى اضطهاد أحاديث لا تمثل وجهات النظر والعمل على اخفائها وتوهينها . فمما لاشك فيه أنه كان هناك أحاديث فى مصلحة الأمويين اختفت عند مجىء العباسيين )) ! ونقول : حقا ان الوضع فى الحديث لم يقتصر على الميول السياسية بل تعداه إلى العبادات لكن لم يكن ذلك من علماء الملة وأئمة الحديث انما كان من زنديق يكيد للاسلام أو من داعية سوء يريد أن يتقرب الى أهل الأهواء أو من جاهل لم يخالط قلبه بشاشة الإيمان أما علماء الاسلام فقد قذفوا بالحق على الباطل وأخلصوا للأمة النصح من غير ٣٠٩ أن تأخذهم فيه لومة لائم ، وما ذكره المستشرقون هنا من الشواهد لا دلالة فيه والتاريخ يحدثنا أن ما أحدثه بعض الخلفاء من اتخاذ المقصورة فى المسجد أو تقديم الخطبة على صلاة العيد أو الجلوس فى خطبة الجمعة الثانية الى غير ذلك لم يكن منهم بناء على أحاديث وضعوها أو وضعت لهم وانما كان عن اجتهاد أو عذر قضى بذلك سواء أكانوا فىذلك مصیبین أم مخطئين فعن الشعبى (١) أنه قال ( أول من خطب الناس قاعدا معاوية وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه ) أخرجه ابن أبى شيبة وذكر ابن خلدون فى مقدمته (٢) أن أول من اتخذ المقصورة فى المسجد معاوية ابن أبى سفيان حين طعنه أحد الخوارج طعنة كادت تقضى عليه . وعن طارق(٣) بن شهاب قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال : الصلاة قبل الخطبة فقال قد ترك ما هنالك فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواه الإمام مسلم فى الصحيح ، ومن ذلك ترى أن معاوية رضى الله عنه خطب جالسا واتخذ المقصورة فى المسجد لعذر قاهر لا لأحاديث رواها أو رويت له وأن مروان بن الحكم معترف بأن السنة تقديم صلاة العيد على الخطبة لكن أداه اجتهاده الى تقديم الخطبة لئلا ينصرف الناس عن سماعها بعد الصلاة وكأنهم فعلوا معه ذلك بدليل قوله لمن أنكر عليه ( قد ترك ما هنالك ) ولم يستدل لما فعل بشىء من الأحاديث انما استدل بتغير أحوال الناس (١) تاريخ الخلفاء ص ١٤٣. (٢) ص ٢٩٩ . (٣) صحيح مسلم فى كتاب الايمان . ٣١٠ ومع ذلك فقد أنكروا عليه وبين أبو سعيد الخدرى أن من قال لمروان. ( الصلاة قبل الخطبة ) قد قضى ما عليه وهو انكار المنكر بلسانه حيث عجز عن ازالته بيده ثم روى الحديث الدال لما يقول على ملأ من الناس. ومروان يسمع ودعوى أن رجاء بن حيوة روى ( أن النبى صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يخطبون من جلوس ) دعوى كاذبة ليست الا فى أوهام هؤلاء المستشرقين ولا يعقل بحال أن يختلق عالم. جليل ومحدث أمين كرجاء حادثة يكذبها الواقع والحس أمام كثير من الصحابة والتابعين ثم يعدونه بعد ذلك من ثقاة الرواة وأساطين المحدثين. ثم نقول ثانيا : لا يبعد أن يكون التنافس السياسى بين الأمويين والعباسيين له أثر فى خفاء بعض الأحاديث وظهور بعض آخر منها ولكن الذى لا نقره أن ينسب ذلك الى حفاظ السنة ورواة الحديث الموثوق بهم فان هؤلاء جدوا فى خدمة السنة تحملا وأداء وذبوا عنها الكذب بكل ما أوتوا من قوة ولم يكتموا شيئا مما ثبت لديهم أنه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما لقوا من عنت واضطهاد والتمد دلتنا أخبارهم على أنهم كانوا أشجع الناس فى الحق وأجرأهم على الحكام وأصبرهم على الأذى وأخشاهم لله ، وأحرصهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أن كان أحدهم ليرحل الليالي ذوات العدد الى الخليفة اذا بلغه أنه خالف شيئا مما عليه رسول الله صلى الله. عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده . رابعا : - أخذ هؤلاء القوم يؤيدون ما ذهبوا اليه من أن أكثر الأحاديث من وضع العلماء فى القرن الأول والثانى بما ورد من كلام. علماء الجرح والتعديل كفول عاصم بن نبيل المتوفى سنة ٢١٢ : ما رأيت الصالح يكذب فى شىء أكثر من الحديث ، وقول يحيى بن سعيد القطان ٣١١ نحو ذلك وقول يزيد بن هارون : ان أهل الحديث بالكوفة فى عصره ما عدا واحدا كانوا مدلسين حتى السفيانان ذكرا بين المدلسين ، قالوا .وقد شعر المسلمون فى القرن الثانى بأن الاعتراف بصحة الأحاديث يجب أن يرجع الى ((الشكل)) فقط وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الاسناد كثير من الأحاديث الموضوعة وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث « سيكثر التحديث عنى فمن حدثكم بحديث فطبقوه على كتاب الله فما وافقه فهو منى قلته أو لم أقله )) هذا هو المبدأ الذى حدث بعد قليل عند انتشار الوضع . قالوا : ويمكن أن تتبين شيئا من ذلك فى الأحاديث الموثوق بها . فمن ذلك ما رواه مسلم عن ابن عمر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ألا كلب صيد أو كلب ماشية )) فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد (( أو كلب زرع)) فقال ابن عمر : أن أبا هريرة كانت له أرض يزرعها . فملاحظة ابن عمر تشير الى ما يفعله المحدث لغرض نفسه اهـ . ونحن نقول : الناظر فى قولهم هذا يرى أنهم يستدلون على دعواهم ان أغلب الأحاديث النبوية من وضع العلماء فى القرن الأول والثانى بأدلة. ١ - نسبة بعض الصالحين الى الكذب فى الحديث كما يدل لذلك قول عاصم وغيره . ٢ - تدليس كثير من المحدثين كما قال يزيد بن هارون . ٣ - وجود أحاديث حكم العلماء عليها بالوضع وهى جيدة الأسناد ٤ - اتجاه العلماء الى النقد الشكلى فى الأحاديث وهو عرضها على كتاب الله فما وافقه قبلوه وما لم يوافقه ردوه من غير نظر الى الأسناد . ٥ - اعتراف ابن عمر أن أبا هريرة زاد فى الحديث السابق الذى رواه ( أو كلب زرع). ٣١٢ وللرد على دعواهم الباطلة نقول : تكرر منا تزييف هذه الدعوى وأن أئمة الدين ورجال الحديث لم يتقولوا على النبى صلى الله عليه وسلم بشىء من الأقاويل بل عملوا على نشر سنته الصحيحة وابطال ما نسبه اليه أهل الأهواء كذبا وزورا . وما استدل به المستشرفون لدعواهم الزائفة باطل وبيان ذلك : ١ - ان رد المحدثين لبعض أحاديث الصالحين دليل على تحريهم البالغ فى الأحاديث ونفى الدخيل عنها فانهم لم يكتفوا فى الرواة بالصلاح وحسن السيرة حتى يجمعوا الى ذلك الحفظ والضبط واليقظة التامة ، فكثيرا ما يروج على الصالح اذا لم يجمع الأوصاف المذكورة أحاديث الكذابين بناء على ما يظهر له من أحوالهم وكثيرا ما تدخل عليه الغفلة لسوء حفظه . ٢ - وان التدليس ليس هو الكذب ــ كما فهم المستشرقون-حتى يستدل به على أن من فعله من العلماء كان يكذب فى الحديث . وبيان ذلك أن التدليس عند علماء الحديث قسمان : أحدهما : - تدليس الاسناد وهو أن يروى المحدث عمن لقيه من الرواة ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه . ومن شأنه ألا يقول فى ذلك : (( أخبرنا فلان)) ولا (( حدثنا فلان)) وما أشبههما والا كان كذبا صريحا وانما يقول: (( قال فلان أو عن فلان)) ونحو ذلك من العبارات التى ليست صريحة فى السماع . ثانيهما : - تدليس الشيوخ وهو أن یروی عن شیخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو يصفه بما لا يعرف به . كأن يروى عن أبى داود ٣١٣ السجستانی فیقول : ( حدثنا أبو عبد الله) مع أنه لم يشتهر بذلك ، وقد كرهه العلماء بقسميه ورأوا أن البعد عنه أقرب الى الثقة بالراوى والاطمئنان الى مروياته وان كانت كراهتهم للقسم الأول منه أشد ومع ذلك فلم يجرحوا به الراوى الثقة ولكنهم احتاطوا لقبول الأحاديث التى يرويها المدلس أعظم حيطة . فما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال فحكمه عندهم حكم المنقطع من الأحاديث . وما رواه يلفظ مبين للاتصال نحو ((سمعت وحدثنا وأخبرنا)) واشباهها فهو مقبول محتج به . وهذا لأن التدليس ليس كذبا وانما هو ضرب من الايهام بلفظ محتمل . ويجرى هذا الحكم على الراوى المدلس اذا ثبت عنه التدليس ولو مرة كما قال الامام الشافعى رحمه الله(١) ، ومن ذلك يتبين أن التدليس شىء والكذب شىء آخر وأن العلماء يقبلون أحاديث المدلس اذا كان ثقة وصرح بما يدل على السماع من تحديث أو أخبار أو نحوهما وأنهم توقفوا فيما رواه بلفظ موهم حتى يتبين حال ما عسى أن يكون قد أسقطه من شيوخه أفبعد ذلك يقال: ((ان العلماء كانوا يضعون الأحاديث وانها ليست فى الغالب من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم)» : انه لبهتان عظيم . هذا وقد كان لعلماء الحديث فى عصوره المختلفة عناية تامة بالبحث عن المدلسين من الرواة وحصرهم فى بلدانهم وتمييزهم بأسمائهم ومن أمثلة ذلك ما جاء فى معرفة علوم الحديث للحاكم أبى عبد الله قال : أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالى وخراسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر ليس التدليس من مذهبهم ولا يعلم أحد من أئمتهم دلس وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة ونفر يسير (١) مقدمة ابن الصلاح فى النوع الثانى عشر . ٣١٤ من أهل البصرة فأما مدينة السلام ((بغداد)) فقد خرج منها جماعة من أئمة. الحديث - وذكر أسماءهم وطبقاتهم - لا يذكر عنهم وعن أقرانهم التدليس الا أبى بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندى الواسطى فان أخذ أحد من أهل بغداد فعن الباغندى وحده اهـ باختصار (١) . وهذا من أئمة الحديث غاية فى البحث والتحرى عن أحوال الرواة فى جميع المواطن مما يدل على أنهم بذلوا جهودا جبارة فى خدمة الحديث. ٣ - وأما الحكم بالوضع على أحاديث صحت أسانيدها فهذا من العلماء نهاية الأمانة وغاية التحرى واليقظة وأنه لم يرج عليهم ما كان. يفعله بعض أهل الزيغ والجهلة من تركيب حديث مختلق على اسناد مقبول . وهذا يدل على عكس ما يدعونه . ٤ - ومن الباطل دعوى أن العلماء اتجهوا فى نقد الأحاديث الى. عرض متونها على كتاب الله من غير نظر الى الاسناد وأنه شجعهم على ذلك حديث (( سيكثر التحديث عنى الخ )) ثم الاستدلال بذلك على أن الحديث أكثره من وضع العلماء . والمعروف عند المحدثين فى قبول الأحاديث أنه لابد من أن يتصل السند الى رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية الثقة مع سلامة متن الحديث من الشذوذ والعلة وأنه لا يغنى فى ذلك سلامة الاسناد من غير نظر الى المتن ولا سلامة المتن من غير نظر الى الاسناد . وأما حديث (( سيكثر التحديث عنى فمن حدثكم بحديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو منى قلته أو لم أقله )) فهو حديث باطل باجماع أئمة الحديث وضعه الزنادقة لترويج الأحاديث الموضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العوام والجهلة . (١) أنظر معرفة علوم الحديث للحاكم ص ١١١ - ١١٢. ٣١٥ ٥ - ومن الخطأ البين والكذب الفاضح دعواهم أن أبا هريرة رضى الله عنه زاد فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم (( أو كلب زرع)) لمصلحته بناء على ما فهموه من قول ابن عمر رضى الله عنه . والصواب أن قول ابن عمر هذا تثبيت منه لأبى هريرة فيما قال لا تكذيب له بدليل أنه رواه بعد ذلك كما رواه أبو هريرة وأن أبا هريرة لم ينفرد بهذه الزيادة وحده بل رواه كذلك من الصحابة عبد الله بن مغفل وسفيان بن أبى زهير . قال الامام النووى فى شرحه لصحيح مسلم (( ليس هذا - يعنى قول ابن عمر ان لأبى هريرة زرعا - توهينا لرواية أبى هريرة ولا شكا فيها بل معناه أنه لما كان صاحب زرع وحرث اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه والعادة أن المبتلى بشىء يتقنه ما لا يتقنه غيره ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره . وقد ذكر مسلم هذه الزيادة وهى ((كلب زرع)) من رواية ابن المغفل ومن رواية سفيان بن أبى زهير عن النبى صلى الله عليه وسلم وذكرها أيضا مسلم من رواية ابن الحكم - واسمه عبد الرحمن بن أبى نعيم البجلى - عن ابن عمر فيحتمل أن ابن عمر لما سمعها من أبى هريرة وتحققها عن النبى صلى الله عليه وسلم رواها عنه بعد ذلك وزادها فى حديثه الذى كان يرويه بدونها ويحتمل أنه تذكر فى وقت أنه سمعها من النبى صلى الله عليه وسلم فرواها ونسيها فى وقت فتركها . قال : والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الزيادة بل وافقه جماعة من الصحابة فى روايتها عن النبى صلى الله عليه وسلم ولو انفرد بها لكانت مقبولة مرضية مكرمة (١) ١ هـ من شرح مسلم فى باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه وبيان تحريم اقتنائها الا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك من كتاب المساقاة والمزارعة . (١) جـ ٦ ص ٤٥٢ - ٥٣ ٤ من هامش القسطلانى. السدور الخامس السنة فى القرن الثالث ويشتمل هذا الدور على أربعة مباحث : - المبحث الأول - النزاع بين المتكلمين والمحدثين وأثر ذلك فى الحديث. المبحث الثانى - نشاط أهل الأهواء وغيرهم فى وضع الأحاديث . المبحث الثالث - تراجم لبعض أعلام المحدثين فى هذا العصر . المبحث الرابع - نهضة علماء الحديث بتدوين السنة . المبحث الأول النزاع بين المتكلمين وأهل الحديث وأثر ذلك فى الحديث كان أول ما نشأ الخلاف بين أهل الحديث وأصحاب الكلام الذین حكموا عقولهم فى أصول الدين وعقائده بمدينة البصرة عندما اعتزل واصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١ - أستاذه الحسن البصرى وأخذ يقرر أصولا ليست على مذهب الحسن وغيره من السلف ، ومن هذا الوقت سمى اتباع واصل بالمعتزلة وقد ظهر من رءوس الاعتزال - بعد واصل هذا - عمرو بن عبيد (١٤٣) ثم أبو الهذيل العلاف (٢٣٥) والنظام (٢٢١) وبشر المريسى (٢١٨) وعمرو بن بحر الجاحظ (٢٢٥) وثمامة بن الأشرس وغيرهم من أصحاب الآراء والأقوال . كان أهل الكلام يخوضون فى مسائل كثيرة من أصول الدين التى خالفوا فيها الجمهور وأهم تلك المسائل مسألتان : - ٣١٧ احداهما : أفعال العباد يقول المعتزلة أن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى ولهذا استحقوا عليها الثواب والعقاب ، ويقول الجمهور : ان أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وليس للعباد فيها سوى جريانها على أيديهم بكسبهم واختيارهم . والثانية : صفات الله تعالى يقول المعتزلة ان الله تعالى منزه عن ثبوت صفات قائمة بذاته كالسمع والبصر والحياة والقدرة والكلام . أداهم الى ذلك خوف تعدد القدماء . ويقول الجمهور أن هذه الصفات من السمع والبصر .. الخ قديمة قائمة بذاته تعالى ليست عين الذات ولا غيرها . وقد تفرع على هذا الخلاف فى مسألة الصفات خلاف آخر فى القرآن الذى هو كلام الله تعالى أقديم هو لأنه صفة لله جل علاه - وعليه الجمهور - أم حادث مخلوق ككل المخلوقات فيخلق الله هذه الحروف والأصوات فى جسم محدث يسمعه النبى منه - والى ذلك ذهب المعتزلة - وكانوا يحكمون سلطان العقل ويغلبونه فى كثير من أبحاثهم فى العقائد والأحكام حتى أكسبهم ذلك جرأة على الأحاديث اذا ما صادمت عقائدهم فكان من السهل عليهم ردها ان لم يجدوا لها تأويلا ولو كان بعيدا كل البعد الا أنه لم يتح للمتكلمين اظهار آرائهم فى العامة قبل القرن الثالث بل كانوا يخشون سلطان العامة أن تبطش بهم كما لم يكن أحد من الخلفاء يناصرهم لمخالفتهم الجمهور الأعظم من المسلمين فلما جاء القرن الثالث وقبض على زمام الخلافة المأمون (١٩٨-٢١٨) وكان ميالا الى حرية البحث والمناظرة أفسح المجال أمام المتكلمين فظهروا بآ رائهم ومن ذلك الوقت حدثت أحداث عظيمة وقامت معركة هائلة بينهم وبين المحدثين . كان المأمون بطبعه ميالا الى العلم شغوفا به عالما بالكتاب والسنة ٣١٨ مع نباهة وذكاء عظيمين . سمع المأمون موطأ مالك واطلع على كثير من أقوال حكماء الفرس وفلاسفة اليونان مما عنى بترجمته المنصور والرشيد ، ولما تولى الخلافة أمر بترجمة كثير من كتب الروم وبذل فى ذلك الأموال الطائلة حتى أصبح عصره أزهى عصور العلم فى خلافة بنى العباس اذ أقبلت الأمة على العلم بنهم كثير وشوق عظيم لا سيما وقد وجدوا خليفتهم يقدر العلم ويرفع من شأن العلماء . جاء المأمون فوجد العلماء فريقين متنافرين ووجد الخلاف على أشده بين أهل الحديث وأصحاب الكلام. فرأى أن يجمع العلماء من المتكلمين والفقهاء وأصحاب الحديث ويعقد لهم مجالس للمناظرة أملا فى أن يتفقوا على رأى فيما يلقيه عليهم من المسائل المختلف فيها ثم يحمل الجميع على ما اتفقوا عليه وبذلك تجتمع الأمة كلها على كلمة واحدة فى الدين لا سيما فيما يرجع الى العقائد ومباحث الأمامة . عقد المأمون المجالس للمناظرة والمحاورة فكانت النتيجة أن كشفت المناظرات الكثيرة والمناقشات الحادة التى كانت تدور بين يدى المأمون عن رأيه فى بعض المسائل الخلافية وأنه كان ينحاز الى المعتزلة فى بعض آرائهم لا كلها . وكان مما وافقهم عليه القول بخلق (١) القرآن . وقد أعلن رأيه بذلك سنة ٢١٢ هـ على زعم أنه اذا أعلن رأيه للعلماء وفقهاء الأمة فانهم يستجيبون لرأيه ويرتضونه تبعا له . ولكن الأمر جاء على عكس ما كان ينتظره المأمون . فقد تكلم الناس فيه ورموه بالابتداع وتغالى بعضهم فحكم بكفر من يرى خلق القرآن ومن هذا الحين أخذ الكلام بين المتكلمين وأهل الحديث يقوى والنزاع يشتد حتى جاء (١) أول من قال بخلق القرآن الجعد بن درهم فى سنة نيف وعشرين ومائة ثم جهم بن صفوان ثم بشر بن غياث ((تأنيب الخطيب ص ٥٣)). ٣١٩ عام (٢١٨) فرأى المأمون أنه ان لم يضرب على أيدى خصومه فسينكشف أمره ويظهر أمام رعيته بمظهر التخاذل فاستعمل سلطانه في رد أهل الحديث إلى رأيه . (( محنة القول بخلق القرآن )) لما أخفق سعى المأمون فى القضاء على الخلاف من طريق سلمى قوامه المناظرة لاحقاق الحق أراد أن يرغم المحدثين والفقهاء على قبول رأيه بخلق القرآن لا سيما بعد أن طعنوا فيه بالابتداع فاستنفدت هذه المسألة جانبا كبيرا من تفكيره ووقته حتى فى أيام غزواته وحروبه مع الروم. ففى عام (٢١٨) بينما كان المأمون يغزو بلاد الروم كتب الى عامله على بغداد اسحق بن ابراهيم الخزاعى كتابا يقول له فيه (( ... وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر لهم ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه. أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه . وذلك أنهم. ساووا بين الله وبين خلقه وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم. لم يخلقه الله ويخترعه. وقد قال الله تعالى (( انا جعلناه قرآنا عربيا)) وكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال تعالى (( وجعل الظلمات والنور)) وقال (( نقص عليك من أنباء ما قد سبق)) فأخبر أنه قص لأمور أحدثه بعدها وقال ( أحكمت آياته ثم فصلت ) والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة وانهم أهل الحق والجماعة وان من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب فى التخشع لغير الله الى موافقتهم فنزعوا الحق ٣٢٠ الى باطلهم واتخذوا دين الله وليجة الى ضلالهم - ثم أخذ يصفهم بأنهم شر الأمة واخوان أبليس - ثم قال لعامله فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما يعتقدون فى خلقه وأحداثه وأعلمهم أنى غير مستعين فى عملى ولا او ثق من لا يوثق بدينه فاذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم فى القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق واكتب الينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك فى مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك ، ثم وردت من المأمون عدة كتب الى عامله يأمره فيها بامتحان آهل الحديث فى مسألة خلق القرآن وفى بعضها يقول له (( فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية )) كما أمر عامله بقتل من لم يقل بخلق القرآن ، ولم يكتف المأمون بذلك بل أنفذ وصيته الى أخيه المعتصم بالسير على طريقته فى مسألة خلق القرآن ، ومع أن المعتصم لم يكن على جانب عظيم فى العلم كما كان المأمون الا أن رغبته فى تنفيذ وصية أخيه واستعداء المعتزلة له على أهل السنة جعله يشتد فى المحنة فكتب الى البلاد بامتحان الناس فى مسألة القرآن وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان أن القرآن مخلوق وقتل فى ذلك خلقا من العلماء وأهان كثيرا من أهل الحديث لا سيما الامام أحمد بن حنبل الذى أصر على امتناعه من القول بخلق القرآن واستمرت المحنة إلى أن مات المعتصم سنة ٢٢٧، ولما تولى ابنه الواثق الخلافة أحيا الفتنة وأقام سوق المحنة وفى سنة ٢٣١ أصدر أمره إلى أمير البصرة بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن . وأظهر الغلظة لمن يقول بخلاف رأيه بل قتل فى ذلك بعض أهل الحديث .