Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ الدين - وقد أورد ابن القيم فى اعلام الموقعين شواهد كثيرة جدا من رد الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملا بالقياس أو لغير ذلك ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه . وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدا . اهـ نعم ان الفقهاء اتفقوا على جعل الأحاديث أصلا من أصول الأحكام الشرعية ولم يخالف فى ذلك أحد منهم ولكن الأحاديث لم تجتمع كلها لدى امام من الأئمة حتى يكون اجتهاده موافقا للنصوص فى كل حال . بل وقع لهذا الفقيه من الحديث ما لم يكن عند الآخر وصح عنده ما لم يصح عند غيره . لذلك وقع اختلافهم فى الأحكام ، ومخالفتهم للأحاديث فى بعض الأحيان . ولم يكن ذلك منهم اتباعا للهوى أو لفهمهم بأن السنة ليست دينا عاما دائما بل لأسباب علمها العلماء وألفوا فيها الرسائل ومن هؤلاء الأئمة العلامة ابن تيمية الذى ألف رسالة سماها . ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)). أما استدلال الشيخ باشتمال كتب الفقه فى المذاهب المختلفة على مئات من المسائل المخالفة للأحاديث الصحيحة فنقول: ان جمود المتأخرين على التقليد وقف بالفقه فى العصور المتأخرة عن التقدم ومسايرة الأدلة الصحيحة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولو أنه وجد منهم نشاط علمى فعرضوا مذاهب أئمتهم على الأحاديث الصحيحة لرجعوا بالفقه الى منبعه الأصلى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولضاقت دائرة الخلاف بينهم . وهؤلاء الفقهاء المتأخرون هم الذين أنحى عليهم العلامة ابن القيم باللائمة حيث يقدمون آراء أئمتهم على الحديث الصحيح عن نبيهم صلى ٢٤٢ الله عليه وسلم فى حين أن هؤلاء الأئمة جميعا كانوا يشيرون باتباع السنة ويأمرون الناس بترك آرائهم اذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الشيخ عفا الله عنه خلط أعمال الفقهاء المتأخرين الذين لا عذر لهم فى ترك الأحاديث بأعمال الفقهاء المتقدمين الذين كان لهم العذر فى ذلك . كل هذا ليؤيد رأيه فى أن الأحاديث النبوية ليست دينا عاما دائما كالقرآن . وبعد فهذه الدعوى من الشيخ - عفا الله عنه - لا أساس لها بل هى تهدم نفسها بنفسها فضلا عن أنها تخالف نصوص القرآن الكريم وتتعارض مع ما تواتر من سنة الرسول الأمين ولا تتفق وما أجمع عليه المسلمون فى كافة الأزمان من عهد النبى عليه الصلاة والسلام الى اليوم . الدور الرابع السنة فى القرن الثانى الكلام على السنة فى هذا القرن يشتمل على خمسة مباحث : المبحث الأول - تدوين الحديث فى هذا العصر وأشهر الكتب المؤلفة فيه المبحث الثانى - شيوع الوضع فى الحديث ومناهضة العلماء للوضاعين المبحث الثالث - النزاع حول حجية السنة فى هذا العصر المبحث الرابع - تراجم لبعض مشاهير المحدثين فى هذا العصر المبحث الخامس - الرد على شبه لبعض المستشرقين المبحث الأول تدوين الحديث فى هذا العصر وأشهر الكتب المؤلفة فيه ظهر لك مما أسلفنا ما قام به الصحابة والتابعون من جمع الحديث ، والرحلة فى طلبه ، وذب الخرافات والأكاذيب عن ساحته ، فانتشلوا الأحاديث من أيدى الخوارج والشيعة ومن تظاهر بالاسلام من الفرس والروم واليهود وغيرهم ، وظهر لك أيضا أنهم أودعوا الأحاديث حوافظهم القوية وقرائحهم الصافية ، فكانوا بذلك فى غنى عن الكتابة ، وما روى عن بعضهم أنهم كانوا يكتبون الأحاديث لم يكن منهم لضعف ملكة الحفظ ، بل كان لزيادة التأكد من ضبط الأحاديث وتحرير ألفاظها . ٢٤٤ ثم لما اتنشر الاسلام ، واتسعت البلاد ، وشاع الابتداع ، وتفرقت الصحابة بالأمصار ، ومات كثير منهم فى الحروب وغيرها ، وقل الضبط لضعف ملكة الحفظ ، دعت الحاجة الى تدوين الأحاديث وكتابتها ، فكتب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى الى عامله وقاضيه على المدينة أبى بكر بن حزم ( انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه ، فانى خفت دروس العلم ، وذهاب العلماء)) وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبى بكر ، وكذلك كتب الى عماله فى أمهات المدن الاسلامية بجمع الحديث ، وممن كتب اليه بذلك محمد بن شهاب الزهرى . ومن هذا الوقت أقبل العلماء على كتابة السنن وتدوينها ، وشاع ذلك فى الطبقة التى تلى طبقة الزهرى . فكتب ابن جريج بمكة (١٥٠)، وابن اسحاق (١٥١) ومالك (١٧٩) بالمدينة ، والربيع ابن صبيح (١٦٠) وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦) وحماد بن سلمة (١٧٦) بالبصرة، وسفيان الثوري (١٦١) بالكوفة، والأوزاعي (١٥٦) بالشام، وهشيم (١٨٨) بواسط، ومعمر (١٥٣) باليمن، وجرير بن عبد الحميد (١٨٨) بالري، وابن المبارك (١٨١) بخرسان. كان هؤلاء جميعا فى عصر واحد ، ولا يدرى أيهم أسبق الى جمع الحديث ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم فى النسج على منوالهم ، وكانت طريقتهم فى جمع الحديث أنهم يضعون الأحاديث المتناسبة فى باب واحد، ثم يضمون جملة من الأبواب بعضها إلى بعض ، ويجعلونها فى مصنف واحد ، ويخلطون الأحاديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ، على خلاف ما كان يصنعه أهل القرن الأول كالزهرى ، فانهم كانوا ٢٤٥ يخصون كل مؤلف بباب من أبواب العلم يجمعون فيه الأحاديث المتناسبة مختلطة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين . بدأ التدوين فى أواخر عهد بنى أمية على ما ذكرنا ، ولكن لم يظهر شأنه تمام الظهور الا فى خلافة بنى العباس ، حول منتصف القرن الثانى، أذ نشطت حركة التدوين فى العلوم المختلفة ، وأخذت السنة حظها من ذلك (١) فى هذا الدور على النحو الذى سبق ، ولكن أين هذه المؤلفات الحافلة ، التى جمعها الزهرى ومن تلاه من المحدثين? انه لم يصلنا منها الا القليل ، كموطأ الإمام مالك ومسند الإمام الشافعى والآثار للامام محمد بن الحسن الشيبانى أحد رواة الموطأ المتوفى سنة ١٨٩ . ولعل سنة التطور فى التأليف هى التى قضت على هذه المؤلفات ، والتاريخ يحدثنا أن التأليف فى الفنون المختلفة الحديث وغيره ، أخذ فى التحسن طبقة بعد طبقة ، وعصرا بعد عصر ، حتى وصل الى الذروة فى الجودة والاتقان ، ولا ضير فى ذلك ما دامت مادة الأحاديث التى رويت فى كتب الزهرى وغيره موجودة فى المصنفات التى تتجدد فى كل عصر ، آخذة لونا من الترتيب والتهذيب ، يتناسب وذوق العصر الذى وضعت فيه ، ولنتكلم على أشهر الكتب المؤلفة فى هذا الدور فنقول : - موطأ الإمام مالك الموطأ كتاب ألفه الامام مالك مشتملا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين . طلب أبو جعفر (١) مقدمة فتح البارى ص ٤ ومفتاح السنة وكشف الظنون جـ ٢ ص ٢٦٦ وتدريب الراوى للسيوطى ص ٢٤ وتاريخ الخلفاء له أيضا ص ١٧٣ ٢٤٦ المنصور الخليفة العباسى الى الامام مالك أن يجمع ما ثبت لديه ، ويدونه فى كتاب ، ويوطئه للناس ، فألف كتابه هذا وسماه الموطأ . وقيل أن سبب تسميته بذلك أنه لما ألفه عرضه على شيوخه فواطؤوه عليه فسمى الموطأ . ذكر السيوطى فى مقدمته لشرح الموطأ أن مالكا قال : ( عرضت كتابى هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة فكلهم واطأنى عليه فسميته الموطأ ) . تحرى مالك فى موطئه القوى من حديث أهل الحجاز ، حتى قالوا أنه مكث فى تأليفه أربعين سنة كاملة ينقحه ويهذبه . روى السيوطى فى مقدمته لشرح الموطأ عن الأوزاعى أنه قال : عرضنا على مالك الموطأ فى أربعين يوما ، فقال: (( كتاب ألفته فى أربعين سنة أخذتموه فى أربعين يوما ? ما أقل ما تفقهون فيه )» ومن عادة مالك فى موطئه أن يذكر فى مقدمة الموضوع ما جاء فيه من الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم ما ورد فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ، وندر أن يكونوا من غير أهل المدينة ، لأن مالكا لم يرحل عنها ، وأحيانا يذكر ما عليه العمل أو الأمر المجتمع عليه فى المدينه ، وأحيانا يتبع الحديث بتفسير كلمة لغوية أو بيان المراد من بعض الجمل . درجة أحاديث الموطأ المتتبع لسيرة مالك فى الحديث يجد أنه كان يتحرى فى المتون وينتقى فى الأسانيد ، شهد له بذلك العلماء قديما وحديثا . ولما كان الموطأ هو خلاصة لجهود هذا المحدث الكبير ، والامام القدير ، فى أربعين عاما جاء كتابا عظيما ، متقنا فى بابه ، غاية فى المتانة ، وقد بين العلماء سلفا وخلفا أن أحاديث الموطأ كلها صحيحة ، وأن أسانيده وردت جميعها متصلة ، ٢٤٧ أما ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلانى: ((أن كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما )) فهو يعبر عن رأيه الخاص ، ولكن يرى غيره من العلماء أنه ليس فى الموطأ حديث مرسل ولا منقطع الا قد اتصل سنده من طرق أخرى ، وعليه فأحاديثه صحيحة من هذا الوجه ، وقد تناول الناس أحاديث الموطأ بالتخريج حتى فى زمن مؤلفه ووصلوا ما فيه من مرسلات ومنقطعات ومن هؤلاء من شارك مالكا فى شيوخه كالسفيانين وابن أبى ذئب وغيرهم (١) . وهذا هو الحافظ ابن عبد البر أحد علماء القرن الخامس يصنف كتابا حافلا فى وصل ما فى الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل قال: وجميع ما فيه من قوله (( بلغنى)) ومن قوله عن ((الثقة) عنده مما لم يسنده أحد، وستون حديثا كلها مسندة من غير طريق مالك الا أربعة أحاديث لا تعرف أحدها وهو فى باب العمل فى السهو (( انى لا أنسى ولكن أنسى لأسن)) والثانى ((وهو فى باب ما جاء فى ليلة القدر من كتاب الاعتكاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل الذى بلغ غيرهم فى طول العمر ، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر )) والثالث (وهو فى كتاب الجامع) قول معاذ: (( آخر ما أوصانى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وضعت رجلى فى الغرز أن قال: (( حسن خلقك للناس)» والرابع وهو فى باب الاستمطار بالنجوم فى أواخر كتاب الصلاة ( اذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة)) اهـ (١) أنظر حجة الله البالغة جـ ١ ص ١٣٣ ٢٤٨ وهذه الأحاديث الأربعة ثبت ما يشهد بوصلها أيضا . قال ابن عبد البر فى الحديث الأول أن معناه صحيح فى الأصول وقد قال سفيان : اذا قال مالك بلغنى فهو اسناد صحيح ، وأما الحديث الثانى فقال السيوطى فى كتابه تنوير الحوالك : له شواهد من حيث المعنى مرسلة ثم سردها ، وأما الثالث فقد ورد معناه عند الترمذى ، وأما الحديث الرابع فيشهد له ما ذكره الشافعى فى الأم بسنده من غير طريق مالك أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (اذا نشأت بحرية ثم استحالت شامية فهو أمطرها ) . هذا وقد تناول العلماء تلك الأحاديث الأربعة بالبحث والتمحيص ، وحكموا بوصلها ، فأفردها الحافظ ابن الصلاح فى تأليف وحكم بوصلها، وكذلك الحافظ بن مرزوق المعروف بالخطيب أفرد جزءا فى أسانيدها ، وكذلك ابن أبى الدنيا أسند اثنين منها فى أقليد التقليد . ومما يدل على أن هذه الأحاديث الأربعة متصلة كغيرها من أحاديث الموطأ قول سفيان بن عيينة (( كان مالك لا يبلغ من الحديث الا صحيحا ولا يحدث الا عن ثقات الناس )) (١). وبناء على شهادة العلماء من السلف والخلف لهذا الكتاب بالصحة والاتصال فى جميع أحاديثه لا يسعنا الا أن تتبعهم فى ذلك ولا ينبغى أن يظن غير هذا بمثل الامام الكبير والمحدث النقادة الجليل أمام دار الهجرة وعالم أهل الحجاز . عدد أحاديث الموطأ اختلف العلماء فى عدد أحاديثه فابن الهباب يقول : أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها فى الموطأ عشرة آلاف حديث ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار حتى رجعت الى خمسمائة، وأبو بكر الابهرى يقول : جملة ما فى الموطأ من الآثار عن النبى صلى (١) أنظر أضاءة الحالك ص ٦٣ وما بعدها . ٢٤٩ الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا . المسند منها ستمائة حديث والمرسل مائتان واثنتان وعشرون حديثا ، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر ، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون ، وابن حزم يقول : أحصيت ما فى الموطأ لمالك وما فى حديث سفيان بن عيينة فوجدت فى كل منهما من المسند خمسمائة حديث ونيفا ، وثلثمائة مرسلا ونيفا ، وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيها أحاديث ضعيفة وهَّاها جمهور العلماء . اهـ وهذا الخلاف بينهم انما هو راجع لاختلاف آخر فى روايات الموطأ فالعادون لحديثه انما قال كل منهم على حسب الرواية التى وقعت له فقد نقل السيوطى فى تدريبه عن الحافظ صلاح الدين العلائى إنه قال : (( روى الموطأ عن مالك جماعات كثيرة وبين رواياتهم اختلاف من تقديم وتأخير وزيادة ونقص ومن أكبرها زيادات رواية ابن مصعب قال ابن حزم : فى موطأ ابن مصعب هذا زيادة على سائر الموطآت نحو مائة حديث )) اهـ كذلك فى رواية محمد بن الحسن مائة وخمسة وسبعون حديثا زادها من غير طريق مالك منها ثلاثة عشر عن أبى حنيفة وأربعة عن أبى يوسف والباقى عن غيرهما (١) . ومن ذلك اختلفت أقوال الناس فى عد أحاديث الموطأ وكل حكم بما علم . روايات الموطأ نسخ الموطأ كثيرة والذى اشتهر منها يبلغ نحو الثلاثين نسخة وكثيرا ما يقع بينها الاختلاف بالتقديم والتأخير والزيادة والنقصان (١) أنظر تدريب السيوطى ص ٣٢ وما بعدها ومفتاح السنة للخولى ص ٢٤ ٢٥٠ حسب تزيد الرواة فيها ، وقد ذكر السيوطى أن المشتهر عن الرواة أربع عشرة نسخة ثم سردها ، منها : ١ - نسخة يحيى بن يحيى الليثى الأندلسى ، سمع الموطأ أولا عن عبد الرحمن المعروف بشبطون ثم رحل الى مالك مرتين وسمع منه الموطأ بلا واسطة الا ثلاثة أبواب فى آخر كتاب الاعتكاف . ٢ - نسخة أبى مصعب أحمد بن أبى بكر القاسم قاضى المدينة قالوا ان موطأه آخر الموطآت التى عرضت على مالك ويوجد فى موطئه زيادة نحو مائة حديث عن سائر الموطآت . ٣ - نسخة الامام محمد بن الحسن الشيبانى صاحب أبى حنيفة ، وهو من أجل أصحاب مالك فى الحديث ، كما أنه من أعظم أصحاب أبى حنيفة فى الفقه ، ونسخته تزيد كثيرا على نسخة يحيى الليثى ، لكنه شحنها بآثار من غير طريق مالك يحتج بها لفقه أبى حنيفة ، وهى مطبوعة فى الهند وايران ولها هناك وفى الحرمين شهرة عظيمة ، وقال فى كشف الظنون : قال أبو القاسم محمد بن حسين الشافعى الموطآت المعروفة عن مالك أحد عشر موطأ معناها متقارب والمستعمل منها أربعة : موطأ يحيى بن يحيى وموطأ ابن بكير وأبى مصعب الزهرى . وابن وهب ثم. ضعف الاستعمال الا فى موطأ يحيى ثم موطأ ابن بكير)) (١). شروح الموطأ شرح الموطأ خلق كثير منهم - ١ - الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمرى القرطبى المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وله عليه شرحان أولهما ((التمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد)) رتبه على أسماء شيوخ مالك على (١) أنظر أضاءة الحالك ص ٤٠ - ٥١ وكشف الظنون جـ ٢ ص ٣٧٠ ٢٥١ حروف المعجم وهو كتاب لم يتقدمه أحد الى مثله . قال ابن حزم : (( لا أعلم فى الكلام على فقه الحديث مثله . فكيف أحسن منه)) وقال ابن عبد البر فى وصف هذا الكتاب : وصاقل ذهنى والمفرج عن همى سمير فؤادى من ثلاثين حجة لما فى معانيه من الفقه والعلم بسطت لهم فيه كلام نبيهم الى البر والتقوى ونهى عن الظلم وفيه من الآداب ما یهتدی به والثانى ((كتاب الاستذكار فى شرح مذاهب علماء الأمصار)) شرح فيه الموطأ على وجهه وكان أبو عمر رضى الله عنه موفقا فى التأليف معانا عليه . (٢) ومنهم جلال الدين السيوطى المتوفى سنة ٩١١ وسمى شرحه ( كشف المغطى فى شرح الموطأ ) واختصره فى شرحه ( تنوير الحوالك ) وطبع هذا الأخير مع الشرح بمصر فى ثلاثة أجزاء صغيرة (٣) ومحمد بن عبد الباقى الزرقانى المصرى المالكى المتوفى سنة ١٠١٤ هـ شرحه شرحا وسطا فى ثلاثة مجلدات . (٤) وعبد الحى بن محمد اللكنوى الهندى المولود سنة ١٢٦٤ هـ فى كتابه ( التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد) وقد طبع بالهند (٥) كما شرح الموطأ قطب الدين أحمد بن عبد الرحيم المحدث الحنفى الدهلوى المتوفى سنة ١١٧٦ شرحه فى شرحين أحدهما باللسان الفارسى وسماه ( المصفى ) جرد فيه الأحاديث والآثار وحذف أقوال مالك وبعض بلاغاته وتكلم فيه كلام المجتهدين وثانيهما بالعربية وسماه ( المسوى ) اكتفى فيه بذكر اختلافات المذاهب وعلى شىء من شرح الغريب وغيره مما لابد منه (١) . (١) أنظر كشف الظنون جـ ٢ ص ٣٧٠ ومفتاح السنة ص ٢٧ والانتقاء لابن البر ص ٥ - ٧ واضاءة الحالك ص ٨ - ٩ ٠ ٢٥٢ مختصرات الموطأ اختصره كثير من العلماء منهم الامام أبو سليمان الخطابى المتوفى سنة (٢٨٨) وأبو الوليد الباجى المتوفى سنة (٤٧٤). وابن رشيق القيروانى المتوفى سنة (٤٥٦) وابن عبد البر وسمى كتابه التقصى فى مسند الموطأ ومرسله وأبو القاسم عبد الرحمن الغافقى الجوهرى المتوفى سنة (٣٨٥هـ) اشتمل مختصره على ستمائة وستة وستين حديثا مسندا (١) . عناية الناس بالموطأ منذ ألف مالك الموطأ والعلماء يضربون أكباد الابل الى المدينة يسمعونه منه حتى لقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل فكان ذلك مصداقا لقول النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذى ( يوشك أن يضرب الناس أكباد الابل فى طلب العلم فما يجدون أعلم. من عالم المدينة) قال عبد الرازق (( هو مالك بن أنس)). عنى الناس بالموطأ على اختلاف مشاربهم فكان منهم المبرزون. من الفقهاء كالشافعى ومحمد بن الحسن وابن وهب وابن القاسم ومنهم نحارير المحدثين كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى وعبد الرزاق بن همام ، ومنهم الملوك والأمراء كالرشيد وابنيه الأمين والمأمون ، وبذلك اشتهر الموطأ فى عصر مؤلفه ، فانكب الناس جميعا عليه من جميع ديار الاسلام القاصى منهم والدانى ثم لم يأت زمان الا ازداد الموطأ فيه شهرة على شهرة واشتدت عناية الناس به ، ولا عجب فعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق فى بعض أمورهم ، (١) كشف الظنون جـ ٢ ص ٣٧٠ واضاءة الحالك والرسالة المستطرفة ص ١١ ٢٥٣ ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه ، ويذكرون متابعاته وشواهده ، ويشرحون غريبه ، ويضبطون مشكله ويبحثون عن فقهه ويفتشون عن رجاله ، كما لم يزل الخلفاء يعرفون له قدره . فهذا أبو نعيم يروى فى الحلية عن مالك بن أنس أنه قال : شاورنى هارون الرشيد أن يعلق الموطأ فى الكعبة ويحمل الناس على ما فيه فقلت لا تفعل فان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فى الفروع وتفرقوا فى البلدان وكل مصيب . فقال وفقك الله يا أبا عبد الله ، وقال القاضى الفاضل فى بعض رسائله : ما أعلم أن لملك رحلة فى طلب العلم الا للرشيد فانه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك . وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد بخزانة المصريين ثم رحل لسماعه صلاح الدين الأيوبى الى الاسكندرية فسمعه على ابن طاهر بن عوف (١) . رأى بعض الكاتبين فى الموطأ والرد عليه يزعم بعض الكاتبين العصريين أن مالكا رحمه الله لم يكن محدثة وأن كتاب الموطأ لم يكن كتاب حديث وآثار وقد ذهب الى هذا الزعم الأستاذ على حسن عبد القادر وأيده فى كتابه ( نظرة عامة فى تاريخ الفقه الاسلامى ) . ونحن ننقل لك بعض فقرات من كلامه فى ذلك ثم نكر عليها بالأبطال. قال الأستاذ فى كتابه المذكور : ((وكتاب مالك الأساسى هو الموطأ الذى يعد - اذا ما استثنينا المجموع لزيد - أول كتاب فقهى وصل الينا فى الاسلام على العموم والذى يصور لنا على وجه التقريب الى (١) أنظر حجة الله البالغة جـ ١ ص ١٣٣ - كشف الظنون جـ ٢ ص ٣٧١ - مفتاح السنة ص ٢٦ - تاريخ الخلفاء ص ١٩٥ ١ ٢٥٤ أى حد وصلت الخطوات فى التدوين الفقهى الى ذلك الوقت ، ولا يمكن أن يعتبر الموطأ أول كتاب كبير فى الحديث فبالرغم مما له من مكانة فى الاسلام وما لمالك امام دار الهجرة من تقدير فان كتابه لم يعتبر فى الأصل كتابا فى الحديث . ثم قال : والحقيقة أن كتاب مالك ليس كتاب حديث بالمعنى الصحيح كالكتب التى وضعها المحدثون فى القرون التالية ولم يذكر فى تاريخ الكتب ضمن كتب الحديث . فهو فى الواقع كتاب فقه . ليس من أجل أن الموطأ لم يستوعب جميع أبواب كتب الحديث الجامعة بل من ناحية الغرض من هذا الكتاب ومن ناحية الوضع . فلم يكن الغرض فيه الاتيان بالأحاديث الصحيحة التى كانت موجودة اذ ذاك وجمعها وانما كان الغرض عند مالك النظر فى الفقه والقانون . ثم أخذ يستدل لذلك بأن مالكا أودعه أقوال الصحابة وفتاوى التابعين وبعض آراء له . الى أن قال : ومن هنا نرى أن مالكا لم يكن جامعا للحديث ولكنه كان زيادة على هذا أولا وبالذات شارحا للأحاديث من جهة النظر العملية ويمكن التدليل على هذا بأمثلة كثيرة من الموطأ - وساق بعض الأمثلة - وبعد أن تكلم عن الرأى عند مالك قال فمن هذا يتبين لنا بسهولة أن مالكا لم يكن محدثا وأن الحديث عنده لم يكن المعتمد الوحيد لديه(١))) من هذا نرى أن الأستاذ يبعد الموطأ من مجموعة الكتب الحديثية ويخرج مالكا من زمرة أئمة الحديث وسنرد عليه فى كلا الأمرين . أولا - الرد على زعمه بأن الموطأ ليس كتاب حديث . رأينا الأستاذ يعتمد فى اخراج الموطأ من كتب الحديث على أمرين . (١) أنظر ص ٢٤٤ - ٢٤٩ من كتاب ((نظرة عامة فى تاريخ الفقه الاسلامى )) ٢٥٥ أحدهما أنه لم يكن غرض مالك أن يجمع كتابا فى الحديث الصحيح . بل كان غرضه النظر فى الفقه والقانون الخ . ثانيهما وضع الكتاب وترتيبه على أبواب الفقه . وللرد عليه نقول : - ١ - سلمنا أن غرض مالك النظر فى الفقه والقانون كما قلت فهل يمنع هذا من أن يكون له مع ذلك غرض آخر وهو جمع طائفة من الأحاديث الصحيحة فى كتابه فيكون كتابا جامعا للحديث النبوى والفقه الاسلامى وبذلك يكون مرجعا للعلماء على اختلاف مشاربهم محدثين وفقهاء ؟ بل هذا هو الواقع الذى حدثنا عنه التاريخ . فقد روى الثقات أن علماء الأمصار على اختلاف منازعهم رحلوا الى المدينة لسماع الموطأ من مالك وكان منهم الفقهاء المجتهدون أمثال مالك كالشافعى الامام ومحمد بن الحسن وأبى يوسف صاحبى أبى حنيفة النعمان . فسماع هؤلاء للموطأ وروايتهم له ونظرهم فيه ورجوعهم عن بعض المسائل الى ما دل عليه الحديث من الموطأ كما حصل من الأمام محمد بن الحسن أكبر دليل على أن الموطأ أدخل فى باب الحديث منه فى باب الفقه والرأى . هذا وقد سبق لك عناية المحدثين بالموطأ حتى فى عصر مالك نفسه أمثال يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى وعبد الرازق بن همام وغيرهم حتى الملوك والأمراء أمثال الرشيد . وصلاح الدين الأيوبى مما يدلك على أن الموطأ أقرب الى الحديث منه الى الفقه . ٢ - أن استدلال الأستاذ بوضع الكتاب على هذا النحو من ترتيبه على الأبواب وايداعه كثيرا من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين وبعض ٢٥٦ آراء مالك على أنه كتاب فقه لا كتاب حديث . لا يدل على ما ذهب اليه ولا يخرج الموطأ عن كونه كتاب حديث فالبخارى الذى هو امام المحدثين غير منازع قد سلك هذه الطريقة فى جامعه الصحيح ورتبه على أبواب الفقه وذكر فيه الموقوفات وكثيرا من الآيات القرآنية وكان له اجتهادات وآراء مال اليها واستدل عليها فى كتابه ومع ذلك لم يقل أحد: (( أن صحيح البخارى ليس كتاب حديث بل هو كتاب فقه وانه الى الفقه أقرب منه الى الحديث )) . ولم يكن من غرض البخارى على ما صرح به أن يستوعب الأحاديث الصحيحة التى كانت موجودة فى عصره ويجمعها ولو كان ما يقوله الأستاذ حقا لكان صحيح البخارى أولى بالخروج من جملة الكتب الحديثية مع أنه من أمهاتها والمقدم فى الحديث على جميعها . فمسلك مالك فى وضع كتابه على أبواب الفقه مختلطة أحاديثه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين لم ينفرد به عن سائر المحدثين فى عصره بل كانت تلك طريقة المحدثين عامة فى التصنيف من أقران مالك أمثال ابن عيينة وشعبة ابن الحجاج وعبد الرزاق والليث بن سعد وأضرابهم . ثانيا - الرد على زعمه أن مالكا لم يكن محدثا . كثيرا ما يردد الأستاذ فى كتابه أن مالكا لم يكن معدودا فى طائفة أهل الحديث مخالفا فى ذلك اجماع أئمة المسلمين فى كل قرن من القرون . ولعل الذى جعل الأستاذ يقول ذلك أنه وجد مالکا يجتهد رأيه فى بعض مسائل لم تسعفه فيها النصوص . أو أنه بنى ذلك الزعم على زعمه فى الموطأ أنه ليس كتاب حديث بل هو كتاب فقه فمالك اذن عنده فقيه لا محدث ، وقد تبين لك بطلان هذا الزعم فيما سبق . أما ان مالكا ٢٥٧ كان يرى ويجتهد فهذا مسلم لأنه امام جليل بلغ رتبة الاجتهاد المطلق ولكن ذلك لا يخرجه عن كونه محدثا من كبار المحدثين وجهذا من جهابذة النقاد . اجتمع لدى مالك ثروة حديثية عظيمة لم تجتمع لأحد من أقرانه فقد ذكروا أنه روى مائة ألف حديث وأنه كان نقادة للرجال بحاثة عن الأسانيد أقر له بذلك أقرانه قبل تلاميذه ، والناس فى كل عصر يعتمدون على حديثه حتى أن البخارى اذا وجد الحديث عن مالك فانه لا يعدل عنه ثم ان المحدث لا يخرجه من زمرة المحدثين نظرهٌ فى الرأى وبلوغه درجة الاجتهاد وتكلمه على تفسير القرآن وفقه الحديث فذلك وان كان يلحقه بصفوف الفقهاء لكنه لا يخرجه عن حظيرة المحدثين النبهاء وليس مالك ببدع فى ذلك بل كان غيره من المحدثين من جمع الى الحديث الرأى والاجتهاد وكان له مذهب خاص كالثورى وابن عيينة والأوزاعى وان بادت مذاهبهم . وهذا هو البخارى بلغ درجة الاجتهاد وكان له آراء خالف فيها كثيرا من الفقهاء كما ستقف عليه فيما بعد . يقول الأستاذ تحت عنوان ((مكان الموطأ فى تدوين الحديث (١) )) على أن مالكا وان لم يكن محدثا حقيقيا فقد أعطى للمحدثين فائدة كبيرة وأمد البحث النقدى التاريخى بأداة ثمينة ، وان لم يكن ذلك غرض مالك ذلك أنه كان ينظر بالنسبة لأغراضه العملية الى ما هو معترف به فى المدينة من الروايات ولم يكن قد امتد اليه هذا الشك والارتياب فى الحديث الذى أقض مضاجع المحدثين المتأخرين. فان مسألة الاسناد لم تكن بعد أمرا ضروريا بدليل انا نجد ثلث الموطأ مرسلا أو مقطوعا بلا خطام ولا أزمة كما يقول المحدثون ، وقد استعمل مالك بكل هدوء المراسيل (١) ص ٢٥٠ ٢٥٨ فى استنتاجه الفقهى لأنه لم يكن يدور فى خلده الا تأييد السنة والعمل ولم يفكر كثيرا فى النقد الشكلى فمن أحاديثه البالغة ١٧٢٠ نجد ٦٠٠ ( ستمائة ) فقط مسندة و ٢٢٢ مائتين واثنين وعشرين مرسلة و ٦١٣ (ستمائة وثلاثة عشر) موقوفة و ٢٨٥ ( مائتين وخمسة وثمانين ) مقطوعة وبينما كان المحدثون يبحثون عن الطرق المختلفة للحديث كان مالك يكتفى بطريق واحد الأمر الذى يميز المحدث من غير المحدث . ولهذا نجد عند مالك كثيرا من الأحاديث التى لا توجد عند المتأخرين ) اهـ ونقول للأستاذ من أين يعطى مالك للمحدثين فائدة كبيرة وهو غير محدث وهل فاقد الشىء يعطيه ، ومن أين هو يمد البحث النقدى التاريخى بأداة ثمينة فى الوقت الذى تقرر فيه أنه كان لا يعتنى بالأسانيد ولا يجمع طرق الأحاديث الأمر الذى يميز المحدث عن غير المحدث . ان هذا تناقض ظاهر . يقرر الأستاذ أن مالكا لم يكن يعنى بالاسناد لأن مسألة الاسناد لم تكن بعد أمرا ضروريا فلم يكن قد سرى الى مالك الشك فى أمر الأسانيد حتى يبحث عنها واستدل على ذلك بوجود المراسيل والموقوفات والمقاطيع فى الموطأ - وهذا افتيات على التاريخ . من الذى قال ان مسألة الاسناد لم تعد بعد أمرا ضروريا؟ والناس من زمن فتنة الخوارج والشيعة فى عناء البحث عن الأسانيد وتمييز الغث من السمين وكلما امتد الزمان كثر الكذابون والمتقولون فى الأحاديث خصوصا فى عصر مالك ، وكيف يرمى الأستاذ مالكا بالغفلة وعدم الامعان فيما يتلقاه من العلم وهو القائل : ربما جلس الینا الشيخ فيحدث جل نهاره ما نأخذ عنه حديثا واحدا ما بنا أن تتهمه ولكن لم يكن من أهل الحديث ، وكيف لا ينظر مالك فى الرجال ويفحص الأسانيد وهو القائل: ((أدركت جماعة من أهل المدينة ٢٥٩ ما أخذت عنهم شيئا من العلم وانهم لممن يؤخذ عنهم العلم وكانوا أصنافا فمنهم من كان كاذبا فى أحاديث الناس ولا يكذب فى علمه فتركته لكذبه فى غير علمه ومنهم من كان جاهلا بما عنده فلم يكن عندى أهلا للأخذ عنه ومنهم من كان يرمى برأى سوء)» وكيف لا يكون مالك محدثا وهذا يحيى بن سعيد القطان يقول : كان مالك اماما فى الحديث )) وهذا أبو قدامة يقول : كان مالك أحفظ أهل زمانه(١). أما وجود المراسيل والموقوفات والمقطوعات فى الموطأ فقد كان مالك يرى الاحتجاج بها وقد تقدم لك الكلام على ذلك فيما سبق ويكفى فى توثيقه قول سفيان بن عيينة وهو من أقرانه: ((كان مالك لا يبلغ من الحديث الا صحيحا ولا يحدث الا عن ثقات الناس)) . الحق أن مالكا كان اماما فى الفقه والحديث معا . المبحث الثانى (( شيوع الوضع فى الحديث فى هذا العصر)) بالرغم من تعاون الكتابة والحفظ على جمع الحديث وضبطه فى هذا الدور فانه قد انبثت جراثيم الشر وعوامل الفتنة من الذين أخذوا يضعون الأحاديث ويلقون على الناس الأساطير وينشرون فيهم الخرافات والأكاذيب . وجد فى هذا الوقت طوائف كثيرة تعمل على افساد الحديث وتجتهد فى تزييفه ، وأشهر هذه الطوائف هم الدعاة السياسيون والقصاص والزنادقة ونحن نذكر لك شيئا من أعمال كل طائفة من هذه الطوائف (١) أنظر ترجمة مالك فى الانتقاء لابن عبد البر : ٢٦٠ الثلاثة لترى مقدار خطرهم على الحديث كما ترى أن مهمة أهل الحديث. فى ذلك العصر كانت من الصعوبة بمكان . أولا - الدعاة السياسيون : قامت الدولة العباسية على أنقاض دولة بنى أمية ، فكان هذا العصر عصر انتقال سياسى خطير انتقلت فيه الخلافة من بيت الى بيت . وبالضرورة. لم يكن هذا الانتقال طفرة . بل تقدمه دعوة سرية مكثت شطرا من الزمان تظهر حينا وسرعان ما تخبو حتى لمحها بعض الأدباء الأمويين فقال. يحذر قومه : - ويوشك أن يكون له ضرام أری خلل الرماد ومیض نار يكون وقودها جثث وهام لئن لم يطفها عقلاء قوم بدأت هذه الدعوة السرية من أول القرن الثانى واتخذ لها من النقباء، اثنا عشر رجلا من ورائهم سبعون آخرون يأتمرون بأمرهم ويبئون. الدعوة بين الناس مختفين فى زى تجار حينا وحينا فى زى حجاج . مكثوا على هذا أعواما كثيرة وما أن جاء عام سبع وعشرين ومائة حتى كمن خلف الستار داهية السواس أبو مسلم الخراسانى الذى لعب دورا هاما فى قلب الدولة الأموية واقامة الدولة العباسية . تزعم أبو مسلم الحركة الانقلابية فى بلاد خراسان فوجد نفوسا طيعة وقلوبا مستعدة لقبول الدعوة لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى العباس واستخدم. لذلك الدعاة فى طول البلاد وعرضها (١). اتخذ هؤلاء الدعاة فيما اتخذوا الأحاديث النبوية مطية لأغراضهم (١) تاريخ الأمم الاسلامية للخضرى ص٢٠ فى الكلام على الدولة العباسية