Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
فى تحملها وأدائها ، وذلك لأن السنة لو كانت كالقرآن فى وجوب أخذها
وأدائها باللفظ المسموع منه صلى الله عليه وسلم ، لتحملت الأمة فى
روايتها من ضروب الضيق والحرج ما لا يحصى ، ولو كان القرآن
كالسنة فى جواز روايته بالمعنى لما كانت النفوس تطمئن الى الشريعة ،
ولكان فى القرآن منفذ للزنادقة والملحدين ، اذ يقولون لا ثقة لنا بأنه
تنزيل من الله ، ولكن الله عز وجل صان الشريعة ، وخفف عن الأمة .
ولا يغيب عنك أن رواية السنة بالمعنى ، يشترط فيها أن يكون
الراوى خبيرا باللغة وأسرارها ، وبالشريعة ومقاصدها ، ذا ملكة قوية
فيهما ، وأن يكون الحديث الذى يريد روايته بالمعنى ليس من جوامع
الكلم ، ولا مما يتعبد بلفظه ، ولا مما تعيه ذاكرته ، فان كان الراوى
غير عالم بأساليب العرب، أو بعلوم الشريعة ومقاصدها ، أو كان الحديث
من جوامع الكلم ، أو مما يتعبد بلفظه كأحاديث الدعاء، أو كان محفوظا
للراوى ، لم تجز الرواية بالمعنى فى هذه الأحوال كلها ، ومن ذلك كله
يتبين لك أن الرواية بالمعنى لا يترتب عليها اخلال بالسنة أو عبث بها .
فان قال قائل بعد هذا البيان: (( ان ترك كتابة السنة بين يديه
صلى الله عليه وسلم مما يرفع الثقة بها)) قلنا له : معنى ذلك رمى النبى
صلى الله عليه وسلم - وحاشاه - بالتقصير فى تبليغ الوحى الإلهى ،
أو معناه أن السنة ليست من الدين ، والقول بهذا أو ذاك ، ضلال مبين ،
واتباع لغير سبيل المؤمنين .
٢ - الرواية بالمعنى لا تجوز بعد تدوين الحديث
الرواية بالمعنى لم تكن من الرواة بعد تدوين الحديث ، وذلك لأن
الأصل فى الرواية أن تكون على اللفظ المسموع منه صلى الله عليه

٢٠٢
وسلم ، فاذا نسى اللفظ جازت الرواية بالمعنى على سبيل التخفيف
والرخصة ، وبتدوين الأحاديث زال هذا المعنى الذى أوجب التيسير
والرخصة ، فوجب أخذ الحديث وروايته بلفظه ، ولقد بدأ تدوين
الحديث بشكل ظاهر منظم على رأس المائة الأولى ، بأمر من الخليفة
الراشد عمر بن عبد العزيز ، فأخذ العلماء فى جميع الأمصار يدونون
ما وعته حوافظهم القوية ، أو صحفهم المصونة ، وتتابعوا على تدوين
السنة فى مراحل مختلفة ، وبطرق متنوعة ، الى أن انتهت تلك المراحل
والطرق بظهور الأصول الخمسة (( البخارى ومسلم والنسائى وأبو داود
والترمذى )) فى القرن الثالث ، الذى يعد بحق العصر الذهبى لتدوين
السنة، ولقد كانوا فى تدوينهم للسنة يقابلون ما يكتبون على الأصول ،
خشية الزيادة أو النقص بسبب الخطأ أو النسيان ، حتى اذا اطمأنوا
الى ما كتبوا صانوا تلك الكتب أو الصحف عن أن تمتد اليها يد تغير
أو تبدل ، هذا مع بقائهم على ما كان عليه أسلافهم من حفظ الحديث
فى الصدور ، واتقانه فى الأداء ، وتلقيه من أفواه المشايخ بالأسانيد
المتصلة ، فكان التدوين عاملا جديدا من عوامل حفظ السنة وصيانتها ،
أضيف إلى ما كانوا عليه من حفظ السنة فى الصدور ، ووعيها فى القلوب.
وما ذكرنا من أن الرواية بالمعنى لم تكن بعد تدوين الكتب ؛
ولا تجوز بعدها ، نص عليه علماء الحديث الأعلام ، منهم الامام
أبو عمرو ، عثمان بن عبد الرحمن ، المعروف بابن الصلاح ، المتوفى
سنة ٦٤٢ هـ اذ يقول فى مقدمته بعد أن ذكر اختلاف العلماء فى جواز
الرواية بالمعنى : (( ثم أن هذا الخلاف ، لا نراه جاريا ولا أجراه الناس
- فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب ، فليس لأحد أن يغير لفظ
شىء من كتاب مصنف ، ويثبت بدله فيه لفظا آخر بمعناه ، فان الرواية

٢٠٣
بالمعنى رخص فيها من رخص ، لما كان عليهم فى ضبط الألفاظ والجمود
عليها من الحرج والنصَب ، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون
الأوراق والكتب ، ولأنه ان ملك تغبير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف
غيره والله أعلم )) أهـ ومثله فى تقريب النواوى وشرحه تدريب الراوى .
وبذلك يسقط قول الملحدين : (( ان الرواة تناقلوا الحديث بألفاظهم
فى جميع العصور)) .
٣ - (( الصحابة والتابعون كانوا يحرصون فى رواية الحديث
على اللفظ النبوى ))
الرواية بالمعنى كانت فى المائة الأولى للهجرة ، أى فى عصر الصحابة
والتابعين قبل أن يشيع تدوين الحديث ، ولم يكونوا على وفاق فى
الرواية بها ، فبعضهم كان يحجم عن رواية الحديث اذا نسى لفظه
صلى الله عليه وسلم، تورثعا خشية أن لا يصيب المعنى ، ويرى بأنه
قد خرج من اثم كتمان العلم ، بأداء غيره ممن هو أحفظ منه وأضبط ،
وبعضهم كان اذا نسى لفظ الحديث أو بعضه رواه على المعنى اذا كان
ضابطا له ، خروجا من اثم كتمان العلم، وعملا بحديث (( اذا لم تحلوا
حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس)) قاله صلى الله عليه
وسلم لمن قال له من الصحابة: « يارسول الله انى أسمع منك الحديث
لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك يزيد حرفا أو ينقص حرفا ، قال
الحسن: (( لولا هذا ما حدثنا ))، ولأن تبليغ الأحاديث واجب ،
ولا يكلف الله نفسا الا وسعها ، فاذا ندّ اللفظ عن الذهن وعلم المعنى
وجب أداؤه بلفظ مماثل ، روى البيهقى عن مكحول قال : دخلت أنا
وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقعْ ، فقلنا له يا أبا الأسقع ، حدثنا

٢٠٤
بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه وهم ولا مزيد
ولا نسيان ، فقال : هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا ، فقلنا نعم ،
وما نحن له بحافظين جدا ، انا لنزيد الواو والألف وننقص ، قال :
(( فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم ، لا تألونه حفظا ، وأنتم تزعمون
أنكم تزيدون وتنقصون ، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، عسى أن لا نكون سمعناها منه الا مرة واحدة ،
حسبكم اذا حدثناكم بالحديث على المعنى )) ، وأسند عن أبى أويس
قال: سألنا الزهرى عن التقديم والتأخير فى الحديث فقال: ((أن هذا
يجوز فى القرآن (١)، فكيف به فى الحديث ، اذا أصبت معنى الحديث ،
فلم تحل به حراما ولم تحرم به حلالا فلا بأس )) ، وأسند عن وكيع
قال: (( ان لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس )) ، وعلى جواز الرواية
بالمعنى عند نسيان اللفظ النبوى جمهور السلف ، وعليه كان العمل
كما بينا ، ومن هنا أخذ الماوردى اشتراط نسيان لفظه صلى الله عليه
وسلم ، فى جواز الرواية بالمعنى، اذ يقول : (( ان نسى اللفظ جاز،
لأنه تحمل اللفظ والمعنى ، وعجز عن أداء أحدهما ، فيلزمه أداء الآخر ،
لا سيما أنّ تركه قد يكون كتما للأحكام ، فان لم ينسه لم يجز أن
يورده بغيره ، لأن فى كلامه صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما ليس
فى غيره)) اهـ ونعم ما قال، رحمه الله ، قال السيوطى: ولا شك فى
اشتراط أن لا يكون مما تعبد بلفظه ، قال : وعندى أنه يشترط أن
لا يكون من جوامع الكلم اهـ وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه
(١) أى فى مقام الشرح والبيان، لا فى مقام التلاوة والأداء . ويجوز
أن يكون فى مقام التلاوة والأداء ولكن فى الجملة الوافرة من السورة ،
كأن يقرأ سورة الكهف من منتصفها ، ثم ينشط فيقرأ باقيها من أولها ..

٢٠٥
وسلم إذا اضطروا إلى الرواية بالمعنى ، أو شكوا فى اللفظ النبوى
أو فى بعضه ، أوردوا عقب الحديث لفظا يفيد التصون والاحتياط ،
وهم أعلم الناس بمعانى الكلام، لعلمهم بما فى الرواية بالمعنى من الخطر،
روى ابن ماجه وأحمد والحاكم عن ابن مسعود أنه قال يوما : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاغرورقت عيناه ، وانتفخت أوداجه ،
ثم قال: (( أو مثله أو نحوه أو شبيه به))، وفى مسند الدارمى والكفاية
للخطيب عن أبى الدرداء أنه كان اذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : ( أو نحوه أو شبهه )) ، وروى ابن ماجه وأحمد عن أنس
بن مالك أنه كان اذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرغ
قال: (( أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
هذا ما كان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين
عند رواية الحديث النبوى ، لا يترخصون فى الرواية بالمعنى الا عند
نسيان اللفظ المسموع منه صلى الله عليه وسلم، وفى غير جوامع الكلم ،
.وما تعبد بلفظه (١) ، ثم بعد هذا كله يُتْبِعون الحديث بقول يفيد
احتياطهم فى روايته ، وينبهون أثناء سياق الحديث على موضع السهو
أو التردد ، بما لا تجده لأمة من الأمم فى أى عصر من العصور ، وان
شئت فاقرأ طرفا من كتب السنة المصونة كالصحيحين أو السنن لتلمس
ما كان عليه القوم من حفظ وضبط ، ومن أمانة تامة ، وبيان لحقيقة
ما يروون :
(( أولئك آبائى فجثنى بمثلهم اذا جمعتنا ياجرير المجامع))
وأكثر ما كانوا يفعلون ، الرواية على اللفظ النبوى المسموع منه
(١) كألفاظ الدعاء أو الأذان والإقامة أو التشهد فى الصلاة .

٢٠٦
صلى الله عليه وسلم ، يحرصون على ذلك أشد الحرص وأبلغه ، لأن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح العرب ، ولأن أحاديثه دين ،
(( وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى))، وساعدهم على
ذلك أمور :
أولا : حوافظهم الواعية ، وأذهانهم الصافية ، وقلوبهم العاقلة ،
وسجل لهم التاريخ الصحيح من ذلك ، العجب العجاب ، فقد كانوا
يحفظون القصائد والخطب الطويلة ، بسماعها مرة أو مرتين أو ثلاثا ،
ثم تبقى في أذهانهم ما بقوا، لأنهم قوم أميون ، دواوينهم صدورهم،
وكتبهم حوافظهم ، نمت فيهم ملكة الحفظ بالممارسة ، ومن الخطأ أن
يقاسوا على الأمم الأخرى ، أو يقاسوا علينا فى هذا العصر .
ثانيا : تدوين كثير منهم لأحاديثه صلى الله عليه وسلم كتابة ،
خشية أن يضيع منها شىء عن أذهانهم ، بسبب السهو أو الخطأ أو تقدم
السن ، وكانت الكتابة فى التابعين أكثر منها بين الصحابة ، فكان هذا
التدوين الشخصى الى جانب الحفظ فى الصدور من أكبر العوامل على.
صون الحديث كما سمع منه صلى الله عليه وسلم ، ومن كره تدوين
الحديث من الصحابة أو التابعين كان خشية الاعتماد على الكتابة وترك
الحفظ ، أو لأنهم تلقوها حفظا فأحبوا أن تؤخذ عنهم كذلك ، أو لأنهم
خافوا أن تضعف ملكة الحفظ فيهم بسبب التدوين ، الى غير ذلك مما
تقدم لنا تفصيله .
ثالثا : تلك المجالس التى كانوا يعقدونها لتحمل الحديث وروايته ،
وتلك الرحلات الى الأمصار المختلفة لذلك ، فكانت هذه وتلك مما
أعانت على بقاء حفظ السنة فى أذهانهم ، وضبطها فى صدورهم ، وتثبيتهم
فيما عسى أن يكونوا قد شكوا أو ترددوا فيه ، وتلقبهم ما فاتهم من حديثه

٢٠٧
صلى الله عليه وسلم . وقد رغبهم صلى الله عليه وسلم فى التبليغ عنه ،
فصدعوا بما أمروا ، وتفانوا فى القرآن والحديث أخذا وتحملا ، فرضى
الله عنهم ، وأثابهم أعظم المثوبة .
من أجل ذلك كله نستطيع أن نقول ونحن مطمئنون : ان الرواية
بالمعنى كانت قبل فساد اللسان العربى ، ومن أئمة كبار فى اللغة والشرع
معا، وكانوا يرونها رخصة عند الاضطرار ، وكان نسيانهم قليلا بل نادرا
فان كان ففى بعض حروف العطف ، أو المفردات ، أو بعض الجمل
٤ - (( اختلاف ألفاظ الأحاديث لا يرجع الى الرواية بالمعنى وحدها))
من الخطأ البين أن يعزى اختلاف ألفاظ الأحاديث التى تتوارد
على معنى واحد ، الى الرواية بالمعنى وحدها ، بل كان لمجالسه صلى الله
عليه وسلم المتعددة بتعدد الأزمنة والأمكنة ، والحوادث والأحوال ،
والسامعين والمستفتين ، والمتخاصمين والمتقاضين ، والوافدين والمبعوثين،
أثر فى ذلك كبير ، فكانت ألفاظه صلى الله عليه وسلم تختلف فى كل
ذلك ، ايجازا واطنابا ، ووضوحا وخفاء ، وتقديما وتأخيرا ، وزيادة
ونقصانا ، بحسب ما تقتضيه الحال ، ويدعو اليه المقام ، فقد يسأل
عن أفضل الأعمال مثلا فيجيب كل سائل بجواب غير جواب صاحبه ،
أو عن أفضل الجهاد فيذكر لكل مستفت نوعا من أعمال البر غير ما يذكره
للآخر ، أو عن أحب أنواع الصدقة فيذكر لهذا غير ما يذكره لذاك،
أو يسأل عن معنى البر والاثم فتتعدد أجوبته بتعدد السائلين ، وهكذا ،
فيظن من لا علم عنده أن هذا من باب التعارض ، أو من عدم ضبط
الرواة ، وواقع الأمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان طبيب

٢٠٨
النفوس ، فيجيب كل انسان عن مسألته بما يناسبه ، وبما يكون أنفع له
أو للناس فى جميع الظروف أو فى الظرف الذى كان فيه الاستفتاء .
وانظر الى اختلاف ألفاظ الأذان والإقامة والتشهد ، والأذكار فى
الصلوات وبعدها ، والأدعية فيها وفى غيرها ، والرواة فى الجميع عدول.
ضابطون ، فيظن من لا علم عنده أن هذا من باب التناقض ، أو أنه من
عدم ضبط الرواة ، أو من الرواية بالمعنى ، والواقع أن كل ذلك كان
بتعليم منه صلى الله عليه وسلم ، اشارة الى جواز الجميع ، وأن فى الأمر
سعة وتيسيرا على الأمة - ثم انظر تعاليمه صلى الله على وسلم للوفود ،
ووصاياه القيمة لمن يبعثهم الى الأقطار المختلفة ، معلمين ومرشدين ،.
ومبشرين ومنذرين ، والى كتبه الملوك والرؤساء والحكام ، تجدها
حافلة ببالغ العظات ، ونافع الوصايا ، مع تفنن فى القول ، ورعاية
للمناسبات ، وخطاب للناس على مقدار عقولهم .
ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فى الجمع والأعياد،
والغزوات والحروب ، ومهمات المسائل وجسام الأمور ، يحذر فيها
وينذر ، ويبصر فيها ويرشد، ويذكر قواعد الاسلام ، ومعالم الأحكام،
وأحوال الجنة والنار ، وأشراط الساعة، وعذاب القبر ، وألفاظه فى ذلك.
تختلف باختلاف المناسبات ، وتطول وتقصر تبعا لما تقتضيه الأحوال .
ولقد كانت مجالسه المباركة على كثرتها سفرا وحضرا ، حافلة ببيان.
الأحكام ، وتصحيح الأخطاء ، والوصايا بتقوى الله عز وجل ، والحث.
على مكارم الأخلاق ، والتحذير من مساوئها ، وربما قص عليهم فيها.
من أنباء الأمم الخالية ، ما فيه عبرة وذكرى ، يصرف القول فى جميع.

٢٠٩
ذلك بما يتلاءم وحال السامعين ، من البسط والإيجاز ، والوضوح
والخفاء (١) .
فهل ترى فى أحاديثه صلى الله عليه وسلم فى جميع ما ذكرنا ،
وتنويعها حسب ما يليق بكل حال ، تناقضا واختلافا ، أو أن الرواة
لم يضبطوا ما سمعوا فترخصوا فى الرواية بالمعنى فكان من ذلك
التناقض والاختلاف ؟ اللهم لا هذا ولا ذاك، ولكنه الحكمة فى التعليم،
والرعاية للمناسبات ، والتلطف فى تبليغ الوحى الآلهى ، واعطاء مايناسب
الأفراد والجماعات ، من العظات وبيان الأحكام .
ومالنا نذهب بعيدا ، وهذا كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، فيه القصة الواحدة لنبى من الأنبياء ، تذكر فى جملة
سور منه على وجوه شتى ، فتارة تذكر كلها كاملة ، موجزة أو مبسوطة،
وتارة يذكر طرف منها فى سورة وطرف آخر فى سورة أخرى ، موجزا
ذلك الطرف أو مبسوطا ، كل ذلك مع اختلاف الألفاظ ، وتنوع
العبارات ، كما تراه فى قصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم
الصلاة والسلام . أترى فى تصريف القول فى كل قصة من قصص الأنبياء
مثلا تناقضا واختلافا ، كما يراه من فى قلوبهم مرض ، أم أنه الحق من
ربك ، يصدق بعضه بعضا ، ويشرح المجمل فيه بالمفصل ، ويضم طرف
من القصة الواحدة فى موضع الى طرف منها فى موضع آخر ، فتلتم
أطراف القصة ، وان ذلك كله كان لاختلاف المقام ، ورعاية الحال ، كما
يعلمه الراسخون فى العلم، قائلين (( كل من عند ربنا)).
(١) فاذا أضفت الى هذا كله، أن رواة أحاديثه صلى الله عليه وسلم فى
كل مجلس ، قد يروون جميع ما سمعوا ، وقد يقتصرون على بعضه ،
وما يقتصر عليه هذا غير ما يقتصر عليه ذاك تبعا لمواطن الاستشهاد مع
المحافظة على اللفظ المسموع ، استبان لك أن شبهات الملحدين قد ذهبت
هباء.

٢١٠
أما أنه لو لم يثبت القرآن بالتواتر حفظا وكتابة ، وكان ثبوته عن
طريق الآحاد كالسنة ، لكانت الشبهة هى الشبهة ، ولكن الله عز وجل
قد صانه عن الشبهات بالتواتر ، ليضرب لنا فيه الأمثال على صدق السنة
(( وما يذكر الا أولوا الألباب)).
٥ - اعتبار التشكيك فى الأحاديث يرفع الثقة بجميع العلوم .
ليس لدينا علم من العلوم سعد باتصال الأسانيد بالثقات الضابطين ،
وتنوع تلك الأسانيد ، ومعرفة أحوال الرواة ، من جهة شيوخهم
وتلاميذهم ، وتعديلهم وتجريحهم ، وحملهم وترحالهم ، ومواليدهم
ووفياتهم ، مثل علم الحديث النبوى ، ففيه من كتب الرجال والطبقات
فى جميع العصور والأمكنة، ما تستطيع به أن تطلع على تاريخ كل راو
من رواة السنة وما قيل فيه ، ولو حاولت أن تفعل ذلك أو بعضه مع
رواة الأدب أو مع رواة التاريخ أو غيرهما من العلوم ، لالتوى عليك
البحث ، وأدركك العجز ، مهما أوتيت من سعة الذهن ، ووفرة المراجع ،
وسعة الاطلاع .
وقد أتاح الله عز وجل لهذه السنة النبوية المباركة ، أن يخدمها فى
كل عصر ومصر أئمة كرام بررة ، وأعلام ثقات مهرة ، لأنها شارحة
للقرآن ، ومفصلة لمقاصده ، بمقتضى قوله تعالى: ((وأنزلنا إليك الذكر
لتبين للناس ما نزل اليهم))، فكان حفظها حفظا للقرآن، والعناية بها .
أخذا وتحملا، سندا ومتنا ، عناية بالقرآن ، الذى ضمن الله بقاءه
على الدهر، بقوله: (( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)).
ولو أننا ذهبنا نستمع إلى من فى قلوبهم مرض ، من دعاة الالحاد ،
وخصوم الاسلام ، وصرنا الى ما صاروا اليه من الشبهات ، المؤسسة

٢١١
على شفا جُرف هار ، لذهبت ثقتنا بجميع العلوم ، ذلك لأن علماءها
لم يبذلوا فيها ، من الدرس والتمحيص ، والدقة والتحرى ، عشر معشار
ما بذله علماء الحديث ، فى حفظ السنة ورعايتها ، وتمييز صحيحها من
ضعيفها، ومعرفة أحوال رواتها على اختلاف طبقاتهم وأزمنتهم وأمكنتهم،
كما بينا ، فاذا انهار حصن السنة الحصين ، بعد تلك العناية البالغة ،
التى يشهد بها التاريخ والواقع ، لم يبق هناك علم نرجع إليه أو نثق به،
و کمی بذلك حمقا وجهلا .
انك لو فتشت عما يريده هؤلاء المارقون ، لرأيتهم يريدون الاتيان
على الاسلام من القواعد ، لذلك ترى فريقا منهم يحاول صد الناس
عن اتباع السنة ، عن طريق النيل من حماتها ، وتسفيه حملتها ، ورميهم
بكل نقيصة ، بغيا وحسدا ، بأسم البحث الحر ، والدراسة التحليلية ،
والطريقة العلمية، ومن عجيب أمر هؤلاء أنهم يحملون علماء السنة وحماتها،
أوزار الوضاعين ، من الجهلة والزنادقة والمغرضين ، ويردون ما صح
من الأحاديث باجماع الأئمة ، بأخبار ضعيفة ، وآثار واهية ، ينقلونها
عن كتب الأدب والتاريخ ، وعن جهلة الشيعة والمعتزلة ، وهى اذا وزنت
بميزان النقد الصحيح انهارت أسانيدها ومتونها وذهبت هباء منثورا ،
بل ويذهبون بتسعة أعشار السنة التى تلقاها العلماء بالقبول فى جميع
الأعصار والأمصار ، بحديث من وضع الزنادقة لا وزن له عند علماء
السنة، وهو (( ما أتاكم عنى فاعرضوه على كتاب الله ... الخ))،
ويتظاهرون باجلال القرآن واحترامه ، وانه الحجة التى ليس وراءها
حجة ، هذا حال فريق منهم ازاء السنة ، وهناك فريق آخر يحاولون أن
يتلاعبوا بالقرآن عن طريق التأويلات الباطلة ، والأفهام الزائفة ،
باسم التجديد ، ونبذ القديم ، ويلتقى هذا الفريق وذاك عند هدف

٢١٢
واحد ، هو هدم الاسلام، وصد الناس عن اتباعه (« أتواصوا به بل هم
قوم طاغون)) . ولكن الله قد حمى عرين الدين بهؤلاء العلماء ، الثقات
الأمناء، فردوا كيدهم فى نحورهم، وذهبوا بأباطيلهم ((ويأبى الله ألا أن
يتم نوره ولو كره الكافرون)).
٦ - ترك العلماء لبعض الأحاديث وسببه
لم يكن ذلك منهم استهانة بالسنة ومسايرة للأغراض والشهوات ،
معاذ الله أن يكون منهم هذا ، وهم أئمة الهدى ، ومصابيح الدجى ،
وحملة السنة وحماتها ، وفى القرآن الكريم: ((فليحذر الذين يخالفون
عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)) ((ولا تتبع الهوى
فيضلك عن سبيل الله)) ((ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله))
وفى الحديث (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به))
وانما كانوا يفعلون ذلك ، لأن الحديث لم يبلغهم ، أو بلغهم ولم يصح
لديهم ، أو صح ولكن عارضه ما هو أقوى من أدلة الشريعة أو رأوه
منسوخا ، إلى غير ذلك من الاعتبارات الشرعية ، التى بسطها ابن تيمية
فى رسالته ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) . وقد تكلمنا عن أمثلة منها
فى المقدمة ، ونزيد الآن على ما أسلفنا تلك الفوائد ، حتى لا يختلط
عليك الحق بالباطل ، فنقول وبالله التوفيق :
أولا : العقائد التى يتوقف عليها صحة الاسلام ثابتة بالأدلة القطعية
من العقل والنقل ، وذلك كالايمان بوجود الله ووحدانيته ، ووصفه
بأوصاف الكمال والجلال ، وتنزيهه عن سمات الحدوث والنقصان ،
وكالايمان بملائكة الله وكتبه ورسله والقدر خيره وشره ، وكالايمان

٢١٣
بالبعث بعد الموت ، والمجازاة على الأعمال بالنعيم فى الجنة أو العذاب
فى النار يوم القيامة .
هذا النوع من العقائد لا يثبت الا بصريح العقل ونصوص القرآن
وما تواتر لفظا أو معنى من أحاديث سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ،
فان رأيت فيه حديثا غير متواتر فلا ترده لأنه عاضد للدليل القطعى ،
أما العقائد التى لا يتوقف عليها أصل الايمان ولا تحقق الاسلام فهذه
يجوز اثباتها بأخبار الآحاد الصحيحة التى لا تعارض قرآنا ولا سنة
متواترة ولا اجماعا ولا عقلا صريحا وذلك كوصف الله تعالى بشىء
من أوصاف الكمال تفصيلا ، وتسميته ببعض أسمائه الحسنى ،
وكالأخبار عن بعض المغيبات الكائنة أو المستقبلة ، وكعذاب القبر ونعيمه
وما يكون فيه ، وكتفاصيل ما يكون يوم القيامة من الشفاعة ووزن
الأعمال ورؤية الله عز وجل .
على أن الأحاديث الاحادية فى هذا النوع من العقائد كثيرا ما تتعدد
طرقها فتكتسب الشهرة أو التواتر ، وقد يحتف بها من القرائن أو
يعاضدها من ظواهر القرآن الكريم واجماع العلماء الذين يعتد باجماعهم
ما يجعلها فى درجة الأدلة اليقينية ، وجاحد هذا النوع من العقائد
ضال مضل وفاسق مبتدع .
ثانيا : علمت مما تقدم أن ما لم يتواتر من الأحاديث ((وهو خبر
الواحد فى اصطلاح المحدثين)) يحتج به فى العقائد التى لا يتوقف عليها
أصل الإيمان ، وذلك بناء على أن مثل هذه العقائد يكتفى فيها بالظن
القوى ، أو بناء على ما يراه كثير من المحققين من أن خبر الواحد يفيد

٢١٤
العلم (١) لا سيما ان تعددت طرقه أو انضم اليه ظاهر القرآن الكريم
أو اجماع علماء الدين .
وتفيد هنا أن الامام البخارى فى آخر صحيحه عقد كتابا خاصا
بالتوحيد ، أثبت فيه لله عز وجل كثيرا من أوصاف الكمال والجلال ،
بمقتضى الأحاديث الصحيحة ، قال الحافظ فى فتح البارى: ((الذى
يظهر من تصرف البخارى فى كتاب التوحيد أنه يسوق الأحاديث التى
وردت فى الصفات المقدسة ، فيدخل كل حديث منها فى باب ، ويؤيده
بآية من القرآن، للاشارة الى خروجها عن أخبار الآحاد ، على طريق
التنزل فى ترك الاحتجاج بها فى الاعتقاديات وأن من أنكرها خالفه
الكتاب والسنة جميعا ، وقد أخرج ابن أبى حاتم فى كتاب الرد على
الجهمية بسند صحيح عن سلام بن أبى مطيع وهو شيخ شيوخ البخارى ،
أنه ذكر المبتدعة فقال : ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث ، والله
ما فى الحديث شىء الا وفى القرآن مثله، يقول الله تعالى: ((ان الله
سميع بصير)) ((ويحذركم الله نفسه)) ((والأرض جميعا قبضته يوم
القيامة والسموات مطويات بيمينه)) (( ما منعك أن تسجد لما خلقت.
بيدى)) ((وكلم الله موسى تكليما)) ((الرحمن على العرش استوى))
ونحو ذلك فلم يزل - أى سلام بن أبى مطيع - يذكر الآيات من العصر
الى غروب الشمس)) أهـ (١٣ - ٣٠٤) من الأميرية .
(١) روى عن مالك وأحمد وجماعة من أهل الحديث أن خبر الواحد.
الصحيح يفيد القطع وحكاه ابن حزم عن داود وانتصر له ، وأفاد الحافظ
فى شرح النخبة أنه يفيد العلم اذا احتف بالقرائن ، ومثل له بما أخرجه
الشيخان فى صحيحيهما ، وبالمشهور اذا كانت له طرق متباينة سالمة من
ضعف الرواة والعلل ، وبالمسلسل بالأئمة الحفاظ حيث لا يكون غريبا .

٢١٥
ثالثا : أسند اللالكائى عن محمد بن الحسن الشيباني قال : اتفق
الفقهاء كلهم من المشرق الى المغرب على الايمان بالقرآن وبالأحاديث
التى جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صفة الرب
من غير ثشبيه ولا تفسير ، فمن فسر شيئا منها وقال بقول جهم فقد
خرج عما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وفارق الجماعة،
لأنه وصف الرب بصفة ((لاشىء)) وأخرج ابن أبى حاتم فى مناقب الشافعى
عن يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعى يقول: (( لله أسماء وصفات
لا يسع أحدا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر ،
وأما قبل قيام الحجة فانه يعذر بالجهل ، لأن علم ذلك لا يُدرك بالعقل
ولا الرويَّة والفكر ، فنثبت هذه الصفات وننفى عنه التشبيه كما نفى
عن نفسه فقال: ليس كمثله شىء )) وقال الترمذى فى باب فضل الصدقة
من جامعه: (( قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال
كيف ، كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم أمرُوها بلا كيف ،
وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة ، وأما الجهمية فأنكروها
وقالوا هذا تشبيه ، وقال اسحق بن راهويه : انما يكون التشبيه لو قيل :
يد" كيد ، وسمع كسمع، وقال فى تفسير المائدة : قال الأئمة نؤمن
بهذه الأحاديث من غير تفسير ، منهم الثورى ومالك وابن عيينة وابن
المبارك)) وقال ابن عبد البر: (( أهل السنة مجمعون على الاقرار بهذه
الصفات الواردة فى الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئا منها ، وأما الجهمية
والمعتزلة والخوارج فقالوا : من أقر بها فهو مُشَبه ، فسماهم من أقر بها
معطلة)) وقال امام الحرمين فى الرسالة النظامية: ((اختلفت مسالك
العلماء فى هذه الظواهر : فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك فى آى
الكتاب وما يصح من السنن ، وذهب أئمة السلف ، الى الانكفاف

٢١٦
عن التأويل ، واجراء الظواهر على مواردها ، وتفويض معانيها الى الله
تعالى ، والذى نرتضيه رأيا ، وندين الله به عقيدة ، اتباع سلف الأمة ،
للدليل القاطع على أن اجماع الأمة حجة ، فلو كان تأويل هذه الظواهر
حتما لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ،
واذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الاضراب عن التأويل كان ذلك
هو الوجه المتبع)) أهـ راجع فتح البارى ((١٣ - ٣٤٢، ٣٤٣ ط
الأميرية )) .
ومن ذلك يتبين لك أن الأحاديث الصحيحة التى اشتملت على
الصفات الالهية المقدسة ، لم يردها أئمة السلف ، ولكنهم آمنوا بها
كما جاءت ، من غير أن يخوضوا فى حقيقة معناها ، ومع تنزيه ربنا
عز وجل عن مشابهة الخلق ، ولكن الذى أنكرها انما هم الجهمية
وأضرابهم من المبتدعة ، وهؤلاء ليس لهم وزن عند علماء القرون
الثلاثة المشهود لهم بالخير ، قال صاحب فتح البارى: (( ردّ الروايات
الصحيحة ، والطعن فى أئمة الحديث الضابطين ، مع امكان توجيه
ما رووا ، من الأمور التى أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث ، وهو
يقتضى قصور فهم من فعل ذلك منهم ومن ثم قال الكرمانى : لا حاجة
لتخطئة الرواة الثقات بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات أما التفويض
وأما التأويل )) أهـ ((١٣ - ٣٣٩ ط الأميرية)) وقد علمت أن التفويض
هو ما كان عليه السلف فى عصور الخير ، ولا ندين الله بغيره .
رابعا : النصوص الشرعية على ظواهرها ، ما لم يكن هناك موجب
لصرفها عن هذا الظاهر من عقل صريح أو نقل صحيح أو اجماع ظاهر ،
ولا يجوز رد النصوص أو صرفها عن ظاهرها بالهوى أو بقياس الغائب

٢١٧
على الشاهد أو بناء على الاستبعاد العادى ، أو لأنها خارقة للنواميس
العادية التى يسير عليها عالمنا الذى نعيش فيه ، فان لكل عالم نظاما يخصه،
ونواميس يجرى عليها ، وبناء على ما قدمنا فمن الخطأ رد أحاديث
الدجال أو نزول عيسى عليه السلام أو طلوع الشمس من مغربها ، أو رد
أحاديث عذاب القبر أو الشفاعة أو رؤية الله عز وجل فى الآخرة ،
كما أن من الخطأ رد أحاديث شق الصدر الشريف وانشقاق القمر
أو الاسراء والمعراج أو معجزاته صلى الله عليه وسلم الحسية ، والفاعل
هو الله، والله عز وجل لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء ، ومبنى
المعجزات خرق النواميس العادية ، والا لما كانت معجزات ، ولله عز وجل
أن يكرم من شاء بما شاء، وهو العليم الحكيم ، وأما قوله تعالى :
(( ولن تجد لسنة الله تبديلا)) فهذا فى قتال أهل الحق مع أهل الباطل ،
يبتلى الله أولياءه بأعدائه ، ثم تكون العاقبة للمتقين ، وفى الأمم مع رسل
ربها اذا كذبت وبغت يأخذها الله أخذ عزيز مقتدر، ((وكأين من قرية
عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ، وعذبناها عذابا نكرا،
فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا)) ((ولو قاتلكم الذين كفروا
لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا . سنة الله التى قد خلت من
قبل )) ، هذا ما يرشد اليه السياق فى جميع الآيات ، ومن الحمق أن ترد
تلك الأحاديث لمجرد الظاهر من غير تأمل السياق ، وقد صرح القرآن
نفسه بمعجزات حسية لبعض أنبياء الله ، كموسى وعيسى وابراهيم ،
عليهم السلام ، فهل ترد تلك المعجزات لمخالفتها للنواميس العادية ،
كما هو دأب الزنادقة والملحدين ، أو تقبل النصوص كلها ، ولا يرد
بعضها ببعض ، كما هو دأب الراسخين فى العلم ، يقولون (« آمنا به كل
من عند ربنا )) لاشك أن مسلك أهل الحق هو المتعين ، لأن ذلك جميعه

٢١٨
تنزيل من الله ((وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى)).
٧ - الاستشهاد بالأحاديث فى اللغة والنحو
علمت مما قدمنا أن الرواية بالمعنى لم تكن بعد تدوين السنة ، وانما
كانت فى القرن الأول قبل فساد اللسان العربى ، على قلة وفى حدود
ضيقة ، وأن رواة الأحاديث كانوا أحرص ما يكون على نقل الألفاظ
النبوية نفسها ، ومن ثم أجاز المحققون من أئمة العربية الاستشهاد
بالأحاديث على اثبات اللغة وقواعد النحو ، ومن هؤلاء ابن مالك
والرضى والبدر الدمامينى ، وصاحب خزانة الأدب ، واليك عبارة
صاحب الخزانة ، وهى أجمع العبارات وأوفاها فى تقرير هذا البحث ،
قال فى الجزء الأول ( ص ٥ وما بعدها ) :
(( وأما الاستدلال بحديث النبى صلى الله عليه وسلم فقد جوزه.
ابن مالك ، وتبعه الشارح المحقق (الرضى)) فى ذلك ، وزاد عليه
الاحتجاج بكلام أهل البيت رضى الله عنهم ، وقد منعه ابن الضائع
وأبو حيان وسندهما أمران :
أحدهما : أن الأحاديث لم تنقل كما سمعت من النبى صلى الله عليه.
وسلم ، وانما رويت بالمعنى
وثانيهما : أن أئمة النحو المتقدمين من المصرين ((البصرة والكوفة)).
لم يحتجوا بشيء منها
وردّ الأول - على تقدير تسليمه - بأن النقل بالمعنى انما كان
فى الصدر الأول قبل تدوينه فى الكتب ، وقبل فساد اللغة ، وغايته تبديل
لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به فلا فرق ، على أن اليقين غير مشروط.
يل الظن كاف .

٢١٩
وردّ الثانى بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة
الاستدلال به
والصواب : جواز الاحتجاج بالحديث النحوى فى ضبط ألفاظه ،
ويلحق به ما روى عن الصحابة وأهل البيت ، كما صنع الشارح المحقق .
ثم قال صاحب الخزانة نقلا عن الدمامينى فى رد المذهب الذى
لا يحتج بالحديث :
(( وقد رد هذا المذهب الذى ذهبوا اليه البدر الدمامينى فى شرح
التسهيل - ولله دره فانه قد أجاد فى الرد - قال : قد أكثر المصنف
( يريد به ابن مالك صاحب التسهيل ) من الاستدلال بالأحاديث النبوية،
وشنع أبو حيان عليه ، وقال أن ما استند اليه من ذلك لا يتم له ، لتطرق
احتمال الرواية بالمعنى ، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه صلى الله عليه
وسلم حتى تقوم به الحجة ، وقد أجريت ذلك لبعض مشايخنا فصوب
رأى ابن مالك فيما فعله ، بناء على أن اليقين ليس بمطلوب فى هذا
الباب ، وانما المطلوب غلبة الظن ، الذى هو مناط الأحكام الشرعية ،
وكذا ما يتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ ، وقوانين الأعراب ،
فالظن فى ذلك كله كاف ، ولا يخفى نه يغلب على الظن أن ذلك المنقول
المحتج به لم يبدل ، لأن الأصل عدم التبديل ، لا سيما والتشديد فى
الضبط والتحرى فى نقل الأحاديث شائع بين النقلة والمحدثين . ومن
يقول منهم بجواز النقل بالمعنى فانما هو عنده بمعنى التجويز العقلى
الذى لا ينافى وقوع نقيضه فلذلك تراهم يتحرون فى الضبط ويتشددون
مع قولهم بجواز النقل بالمعنى ، فيغلب على الظن من هذا كله أنها
لم تبدل ، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحا فيلغى ، ولا يقدح فى
صحة الاستدلال بها .

٢٢٠
« ثم أن الخلاف فى جواز النقل بالمعنى انما هو فيما لم يُدون
ولا كتب ، وأما ما دون وحصل فى بطون الكتب فلا يجوز تبديل ألفاظه
من غير خلاف بينهم ، قال ابن الصلاح بعد أن ذكر اختلافهم فى نقل
الحديث بالمعنى : ( ان هذا الخلاف لا نراه جاريا ولا أجراه الناس
- فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب ، فليس لأحد أن يغير لفظ
شىء من كتاب مصنف ، ويثبت فيه لفظا آخر ) اهـ وتدوين الأحاديث
والأخبار - بل وكثير من المرويات - وقع فى الصدر الأول ، قبل
فساد اللغة العربية ، حين كان كلام أولئك المبدلين - على تقدير تبديلهم -
يسوغ الاحتجاج به ، وغايته يومئذ تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج
به ، فلا فرق بين الجميع فى صحة الاستدلال ، ثم دون ذلك المبدل -
على تقدير التبديل - ومنع من تغييره ونقله بالمعنى ، كما قال ابن
الصلاح ، فبقى حجة فى بابه ، ولا يضر توهم ذلك السابق فى شىء من
استدلالهم المتأخر والله أعلم بالصواب أهـ كلام صاحب الخزانة .
موقف صاحب مجلة المنار
من الأحاديث والآثار الواردة فى كتابة الحديث
كتب المرحوم الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار
فى الجزء العاشر من المجلد العاشر من هذه المجلة مقالا فى تدوين الأحاديث
فى القرن الأول خالف فيه طريق العلماء من وجوه نذكرها ثم تتبعها
بالرد عليها فنقول :
أولا - يرى أن أول من دون الحديث هو خالد بن معدان الحمصى
فيقول فى ص ٧٥٤: (( لعل أول من كتب الحديث وغيره من التابعين
فى القرن الأول وجعل ما كتبه مصنفا مجموعا هو خالد بن معدان الحمصى