Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
ومن هؤلاء عمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وأبو أيوب
الأنصارى وابن عباس وعائشة وجابر وعبد الله بن عمر وأبى بن كعب
وأبو موسى الأشعرى ((راجع فى ذلك مستدرك الحاكم ج ٣ - ص ٥١٣
وتاريخ ابن كثير ج ٨ - ص ١٠٨)» وهذا اجماع منهم على صدقه
وأمانته .
٣ - وأن الأحاديث التى رواها أبو هريرة وجد أكثرها عند غيره
من الصحابة .
وأما الأحاديث التى نسبوها الى أبى هريرة فنجيب عنها بما يلى :
١ -- الحديث الأول فى الرواية بالمعنى لا فيما زعموه من اباحة الكذب
عليه صلى الله عليه وسلم ولم يروه أبو هريرة بل رواه غيره ففى مجمع
الزوائد (١ - ١٥٤) عن يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثى
عن أبيه عن جده قال : أتينا النبى صلى الله عليه وسلم فقلنا له بآبائنا
وأمهاتنا يا رسول الله ، أنا نسمع منك الحديث فلا نقدر أن تؤديه كما
سمعنا قال: (( اذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى
فلا بأس )) رواه الطبرانى فى الكبير ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه أهـ
وعزاه السيوطى فى تدريب الراوى ( ص ١٦١) الى ابن منده فى معرفة
الصحابة والطبرانى فى الكبير .
٢، ٣ - والحديثان الثانى والثالث مكذوبان على أبى هريرة اذ فى
سند الأول منهما أشعث بن براز: (( كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه)) -
وفى سند الثانى منهما عبد الله بن سعيد، (( كذاب مشهور)). قال
ابن حزم فى الأحكام . ( ج ٢ - ص ٧٦ وما بعدها): ((وقد ذكر قوم
لا يتقون الله عز وجل أحاديث، فى بعضها ابطال شرائع الاسلام ، وفى

١٦٢
بعضها نسبة الكذب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واباحة الكذب
عليه )) ثم سرد تلك الأحاديث ، وفيها هذان الحديثان ، وأبطلهما بما
ذكرناه ، ثم قال ردا على من أباح أن ينسب الى رسول الله صلى الله عليه
وسلم مالم يقله : (( حسبنا أنهم مقرون على أنفسهم بأنهم كاذبون ،
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من حدث عنى
بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ))).
(ز) دائرة المعارف الإسلامية - رأيها فى أبى هريرة
كتب أستاذنا العلامة الجليل الشيخ ((محمد عرفة)) عضو جماعة
كبار العلماء ، بمجلة نور الاسلام ((مجلة الأزهر الآن)) ص ٦٣٩
وما بعدها من المجلد الخامس ، مقالا قيما فى الدفاع عن راوية الاسلام
( أبى هريرة ) رضى الله عنه ، يفند فيه مزاعم أصحاب دائرة المعارف
الاسلامية المترجمة عن الانجليزية . ونحن تأتى هنا بخلاصة هذا المقال.
قال حفظه الله :
(( للمستشرق جولد سيهر)) رأى فى الصحابى الجليل أبى هريرة
رضى الله عنه ، نشره فى العدد السابع من المجلد الأول من دائرة المعارف
الاسلامية - هذا الرأى لا يستند الى بحث تاريخى ولا سند علمى .
طعن جولد سيهر فى أبى هريرة طعونا عدة ، كلها تدور حول عدم
أمانته فى نقل الأحاديث ، فقد ذكر أنه مختلق ، ومسرف فى الاختلاق ،
وأنه كان يفعل ذلك بداعى الورع ، وإن الذين أخذوا عنه مباشرة قد
شكوا فيما ينقل ، وعبروا عن هذا الشك بأسلوب ساخر ، وأنه كان
يضمن أحاديثه أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدل على روح المزاح
التى كانت فيه، والتى كانت سببا فى ظهور كثير من القصص ، وصاحب

١٦٣
هذه المطاعن يعزو مطاعنه الى كتب اسلامية ، ليلقى عليها ثوبا خلايا ،
وليوقع فى روع الناس أنها صحيحة ، وهذه طريقة فيها كثير من الخداع
واللبس والتزوير، وسنميط اللثام عما فيها وبالله التوفيق :
(( أن أبا هريرة الذى يجرحونه هذا التجريح، ويسيئون اليه هذه
الاساءة، هو من جلة الصحابة ومن أوسعهم رواية ، بل هو أوسعهم رواية
لا مستثنيا أحدا الا ابن عمرو ، وتجريح هذا البحر الذى ملىء علما ،
وأداه الى من حملوه عنه ، وأدوه الى من بعدهم حتى وصل الينا ،
تجريح لهذا العلم الغزير ، ورفع للثقة عن كل مروياته ، وفيه افساد كبير ،
ولو كان لهذا الطعن وجه من الصحة لاحتمل ، ولكنه طعن باطل ،
لا حق فيه .
(( هذا الامام قد روى عنه ثمانمائة من أهل العلم كما قال البخارى ،
وهذا فيه الدلالة على ثقتهم به ، لأنهم لو لم يثقوا به لما رووا عنه ، وهو
ثقة ثبت عند الصحابة وأهل الحديث . قال ابن عمر : أبو هريرة خير منى
وأعلم بما يحدث . وقال طلحة بن عبيد الله أحد العشرة : ولا شك أن
أباهريرةسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم مالم نسمع. وروى النسائى:
(( أن رجلا جاء الى زيد بن ثابت فسأله عن شىء فقال زيد عليك
أبا هريرة .. الحديث)) وقد ذكره بتمامه (١) .
(( وكان كثير الحفظ شديد الضبط ، شهد له بذلك أهل العلم
والثقات ، قال الشافعى : أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره .
وحدث الأعمش عن أبى صالح قال : كان أبو هريرة أحفظ أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم . وقال أبو الزعيزعة كاتب مروان : أرسل
(١) تقدم هذ الحديث فى ترجمة أبى هريرة .

١٦٤
مروان الى أبى هريرة فجعل يحدثه ، وكان أجلسنى خلف السرير أكتب
ما يحدث به ، حتى اذا كان فى رأس الحول أرسل اليه فسأله وأمرنى
أن أنظر ، فما غير حرفا عن حرف .
(( هذه آراء الثقات أصحاب هذا الشأن فيه ، فمن عدلوه فهو الثبت
الذى لا يجرح ، ومن بهرجوه فهو الزائف الذى لا يعدل ومن حظى
بمثل هذا الثناء من هؤلاء العلماء الأفاضل ، فلا يضيره ما يقال بعد
ذلك فیه :
فلا زال غضبانا علىّ لئامها
اذا رضيت عنى كرام عشيرتی
ولا بد لنا - بعد هذا الاجمال - أن نعرض لهذه الشبه التى
أثار وها ونفندها :
١ - زعموا أن علمه الواسع بالأحاديث أثار الشك فى نفوس الذين
أخذوا عنه مباشرة فلم يترددوا فى التعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر
- وأحالوا القارىء على البخارى فى كتاب فضائل الأصحاب رقم ١١
- يريدون بذلك حديث أبى هريرة : أن الناس كانوا يقولون أكثر
أبو هريرة ، وأنى كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنى،
حتى لاآكل الخمير ، ولا ألبس الحبير ، ولا يخدمنى فلان ولا فلانة،
وكنت ألصق بطنى بالحصباء من الجوع - إلى آخر الحديث (٥ - ١٩
من الأميرية) والمنصف يرى من هذا الأثر أن بعض الناس قال : أكثر
أبو هريرة تعجبا من كثرة حفظه وروايته ، وقد أظهر لهم السبب فى كثرة
روايته وحفظه وهو أنه كان ألزم الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وأنه ما كان يعنيه الغنى ، وانما كان يعنيه الأخذ عن رسول الله ، وكان
يلصق بطنه بالحصباء من الجوع ، وما كان يشغله عن رسول الله تجارة

١٦٥
ولا زراعة ، فحفظ مالم يحفظوا ، وسمع مالم يسمعوا ، فلما بين لهم
السبب سكتوا عنه .
ولنسلم ما زعموه من أنهم كانوا شاكين لا متعجبين ، أفما كان ينبغى
أن يأخذوا من تركهم اياه يحدث بعد ذلك مدة عمره - وقد عمر بعد
رسول الله نحوا من خمسين سنة - أنهم اقتنعوا بتعليله ، وزال هذا
الشك من نفوسهم ، اذ لو كانوا يرون فى حديثه بأسا لكفوه عن
التحديث ، وهم من نعلم فى المحافظة على حديث رسول الله ، والخوف
أن يتسع الناس فيه ، ويدخله التدليس والكذب .
٢ - وأما زعمهم أن روايته ضمنها أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر ،
وذلك يدل على ما امتاز به من روح المزاح ، الأمر الذى كان سببا فى
ظهور كثير من القصص ، وعزوهم ذلك الى ابن قتيبة ، فليس شىء أو غل
فى التضليل والابهام من هذا - نحن لا ندرى ما هى هذه الأحاديث
التى زعموها ، وكان يجب عليهم أن يبينوها لنا لنناقشهم فيها . وكان
يجب عليهم أيضا اذ عزوا لابن قتيبة ، أن يذكروا اسم ذلك الكتاب ،
فان لابن قتيبة مؤلفات كثيرة ، طبع منها كثير ، انهم لو فعلوا ذلك لكنا
نبين لهم أن ما فى ابن قتيبة ليس كما فهموه ، اذ لا يعقل أن يثنى ابن قتيبة
الثناء المستطاب على أبى هريرة فى كتابه ( تأويل مختلف الحديث )
ص ٤٨ وما بعدها ثم هو ينسب اليه ما ذكره أصحاب الدائرة .
٣ - وأما ما نقلوه من وصف ( شبر نجر) لأبى هريرة من أنه المتطرف
فى الاختلاق ورعا، فلسنا ممن يؤمن بقول ( شبر نجر ) وغير ( شبر نجر)،
من المتطرفين فى الاختلاق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
تضليلا للمسلمين ، وتشويشا على الدين ، وإيذاء للحقيقة ، وسترا

١٦٦
للواقع ، وبحسبنا أن نقول : هذا طعن لا مبرر له ، وتجريح لا يستند
على سند :
والدعاوى أن لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياءٍ
وقولهم انه المتطرف فى الاختلاق ورعا ، كلام متهافت ، لأنا لا نعلم
الورع الا مانعا من الاختلاق على الناس ، فضلا عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ،وكيف يختلق أبو هريرة على رسول الله ، وهو راوى حديث
« من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) وكان يبدأ به عندما
يريد أن يحدث - فرجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا
الحديث ، ووعاه وأداه، وكان يستذكره. ويذكر به ، ويقدمه أمام تحديثه
عن رسول الله ، وهو مؤمن ورع تقى ، يستحيل فى العادة أن يكذب
على رسول الله ، فضلا عن أن يتطرف فى الكذب عليه ، ويرى أن الاختلاق
والكذب عليه دين وورع .
٤ - وأما قولهم أن كثيرا من الأحاديث التى عزيت الى أبى هريرة
نحلت عليه فى عصر متأخر ، فنحن نسلم أن أحاديث كثيرة وضعت وعزيت
زورا الى أعاظم المحدثين مثل أبى هريرة ، ولكن رجال نقد الحديث قد
عنوا ببيان الموضوع منها ، وبهرجوا الزائف ، ولم يخف عليهم بطله ،
وأفسدوا على الوضاعين طريقهم .
وبعد : فاذا كان أصحاب ( دائرة المعارف ) قد ألفوها لغرض أن
تكون صورة صحيحة للمعارف الاسلامية فما أبعدها عن أن تكون كذلك
وما أبعدهم فيها عن نيل هذا الغرض . واذا كانوا قد ألفوها لغرض تقبيح
حال المسلمين فى نظر الغربيين وتشويش عقائد المسلمين ، وفتنة الشباب
فى دينهم فهى صالحة لهذا الغرض مؤدية له )) أهـ ما أردنا نقله من
كلام الباحث الجليل الشيخ محمد عرفه .

١٦٧
كلمة الختام فى راوية الإسلام
وبعد فقد طفحت كتب المبتدعة والمستشرقين ، وأعداء الدين ، ومن
تتلمذ لهم من جهلة المسلمين المأجورين ، قديما وحديثا ، بالكيد للاسلام
فى أشخاص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما أبو هريرة
راوية الاسلام الأول .
وفى هذه الأزمان المتأخرة ، ظهرت شرذمة من أدعياء العلم والخلق
التافهين ، جمعوا كناسة العصور كلها من الطعون والأزراء على صحابة
رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة ، وأبى هريرة خاصة ، يريدون
ليهدموا ركنا شامخا من أركان الدين ، وأصلا وطيدا من أصوله ،
ألا وهو سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، فلم يكتفوا بما أوردناه
من مزاعمهم الباطلة ، ولكنهم ضموا اليها تافها من القول وزورا، ولا بأس
أن نذكر لك شيئا منهامع الرد عليها بايجاز فنقول :
١ - زعموا أن أبا هريرة انما أسلم حبا فى الدنيا لا رغبة فى الدين .
وهذه دعوى يكذبها ما كان عليه أبو هريرة من التقشف والانقطاع الى
العلم والعبادة ، والجهاد فى سبيل الله ، والتفانى فى تبليغ أحاديثه صلى الله
علیه وسلم
٢ - وزعموا أن أبا هريرة كان خفيف الوزن فى العلم والفقه وهذا
محض افتراء على التاريخ والواقع قال ابن سعد : كان ابن عباس وابن
عمر وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر
ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وأبو واقد الليثى وعبد الله بن بحينة
مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون بالمدينة
ويحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من لدن توفى عثمان الى

١٦٨
أن توفوا أهـ ومعنى هذا أن أبا هريرة مكث يفتى الناس على ملأ من
الصحابة والتابعين ثلاثة وعشرين عاما .
وقد ذكر ابن القيم فى اعلام الموقعين (١ - ٩) المفتين من الصحابة
وذكر أنهم كانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط ، وذكر أبا هريرة فى
المتوسطين مع أبى بكر الصديق وعثمان بن عفان وأبى سعيد الخدرى
وأم سلمة وأبى موسى الأشعرى ومعاذ بن جبل وسعد بن أبى وقاص
وجابر بن عبد الله وغيرهم)) فمن زعم أن أبا هريرة غير فقيه فهو العارى
عن الفقه .
٣ - وزعموا أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، ثم بلغه عنه
ما يخل بأمانة الوالى العادل ، فعز له وأخذ ما بيده من أموال ، وضربه
حتى أدماه. وهذا كلام من لم يميز بين الحق والباطل من أقوال المؤرخين.
والرواية التى يعول عليها أن عمر لما استحضر أبا هريرة من البحرين
قال له استأثرت بهذه الأموال فمن أين لك قال أبو هريرة : خيل تتجت ،
وأعطية تتابعت ، وخراج رقيق لى ، فنظر عمر فوجدها كما قال ، ثم دعاه
عمر ليستعمله أيضا فأبى ، فقال له عمر : لقد طلب العمل من كان خيرا
منك ، قال أبو هريرة : أنه يوسف نبى الله بن نبى الله ، وأنا أبو هريرة
ابن أميمة . ومن ذلك يتبين أن عمر حاسبه على ما بيده من مال -
كما حاسب غيره من العمال - فوجد الأمر كما قال ، فعرض عليه أن
يوليه ثانية فأبى ، وهذا من عمر يدل على وثوقه بأبى هريرة وأنه كان
لديه أمينا حق أمين .
٤ - وزعموا أنه كان فى الفتنة يصلى خلف على ويأكل مع معاوية
فاذا حمى الوطيس لحق بالجبل فاذا سئل قال : على أعلم ومعاوية أدسم

١٦٩
والجبل أسلم . وهذا من افكهم وأباطيلهم ، والثابت تاريخيا أن أبا هريرة
رضى الله عنه اعتزل الفتنة وأقام بالمدينة ولم يبرحها .
٥ - وزعموا أنه كان متشيعا لبنى أمية ، ويأخذ من معاوية جعلا
على وضع الأحاديث فى ذم على رضى الله عنه. والتاريخ الصحيح يسجل
أن أبا هريرة روى من الأحاديث ما فيه الثناء المستطاب على على رضى الله
عنه وآل البيت ذكر أحمد فى مسنده طرفا منها وكذلك صاحب مجمع
الزوائد ، وقصته مع مروان حين أرادوا دفن الحسن مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم شاهد عدل على مبلغ حبه لآل البيت وقد ذكرها
ابن كثير فى تاريخه (٨- ١٠٨) ثم أين هى تلك الأحاديث التى وضعها
أبو هريرة فى ذم على رضى الله عنه ومن رواها من الثقات . أنها لا وجود
لها الا فى أدمغتهم وخيالاتهم . ان الذى نقرؤه عن أبى هريرة رضى الله
عنه فى الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هو الازراء
على أمير المؤمنين علىّ كرم الله وجهه ، وانما هو الاشارة الى ما سيكون
من بعض حكام الأمويين من ظلم . ومن تلك الأحاديث : (( هلاك أمتى
على يدى غلمة من قريش فقال مروان غلمة ، قال أبو هريرة : ان شئت أن
أسميهم بنى فلان وبنى فلان)). (( يهلك الناس هذا الحى من قريش
قالوا فما تأمرنا قال لو أن الناس اعتزلوهم )» وفى هذا وذاك تعريض
ظاهر ببعض أمراء بنى أمية وتحريض على اعتزالهم . ومما كان يدعو به
كما فى الصحيح (( اللهم انى أعوذ بك من رأس الستين وأمارة الصبيان))
وقد استجاب الله دعاء أبى هريرة فمات سنة ثمان وخمسين . ولم يدرك
سنة ستين التى تولى فيها يزيد وكان منه ما كان .

١٧٠
ثناء الحاكم في المستدرك على راوية الإسلام
عقد الحاكم أبو عبد الله فى كتابه ((المستدرك)) (١) فصلا قيما فى
الثناء على راوية الاسلام ذكر فيه كثيرا من الأحاديث الدالة على فضله
وعلو شأنه ثم ختم هذا الفصل بقوله نقلا عن شيخه أبى بكر قال :
(( وانما يتكلم فى أبى هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم ،
فلا يفهمون معانى الأخبار : أما معطل جهمى يسمع أخباره التى يرونها
خلاف مذهبهم الذى هو كفر فيشتمون أبا هريرة ، ويرمونه بما الله
تعالى قد نزهه عنه ، تمويها على الرعاء والسفلة ، أن أخباره لا تثبت بها
الحجة . وأما خارجى يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم
ولا يرى طاعة خليفة ولا امام ، اذا سمع أخبار أبى هريرة رضى الله عنه
عن النبى صلى الله عليه وسلم خلاف مذهبهم الذى هو ضلال، ولم يجد
حيلة فى دفع أخباره بحجة وبرهان ، كان مفزعه الوقيعة فى أبى هريرة .
أو قدرى اعتزل الاسلام وأهله ، وكفر أهل الاسلام ، الذين يتبعون
الأخبار الماضية التى قدرها الله تعالى ، وقضاها قبل كسب العباد لها ،
اذا نظر الى أخبار أبى هريرة التى قد رواها عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى اثبات القدر ، ولم يجد حجة يؤيد بها صحة مقالته التى هى
كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبى هريرة لا يجوز
الاحتجاج بها . أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه ، إذا سمع
أخبار أبى هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه واختاره تقليدا
بلا حجة ولا برهان ، تكلم فى أبى هريرة ودفع أخباره التى تخالف مذهبه،
ويحتج بأخباره على من خالفه اذا كانت أخباره موافقة لمذهبه ..
(١) ٣ - ٥٠٦ وما بعدها

١٧١
قال الحاكم : وأنا ذاكر بمشيئة الله عز وجل فى هذا رواية أكابر
الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عن أبى هريرة فقد روى عنه : زيد بن
ثابت وأبو أيوب الأنصارى وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن الزبير
وأبى بن كعب وجابر وعائشة والمسور بن مخرمة وعقبة بن الحارث
وأبو موسى الأشعرى وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وأبو رافع مولى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو أمامة بن سهل وأبو الطفيل
وأبو نضرة الغفارى وأبو رهم الغفارى وشداد بن الهاد وأبو حديد
عبد الله بن حدرد الأسلمى وأبو رزين العقيلى وواثلة بن الأسقع وقبيصة
ابن ذؤيب وعمرو بن الحمق والحجاج الأسلمى وعبد الله بن عكيم
والأغر الجهنى والشريد بن سويد رضى الله عنهم أجمعين ، فقد بلغ عدد
من روى عن أبى هريرة من الصحابى ثمانية وعشرين رجلا - فأما
التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر ولا أشرف ولا أعلم من أصحاب
أبى هريرة، وذكرهم فى هذا الموضع يطول لكثرتهم . والله يعصمنا من
مخالفة رسول رب العالمين ، والصحابة المنتخبين، وأئمة الدين من التابعين
ومن بعدهم من أئمة المسلمين، رضى الله عنهم أجمعين، فى أمر الحافظ علينا
شرائع الدين، أبى هريرة رضى الله عنه)) أهـ. كلام هذا الامام الكبير ،
فى راوية الاسلام الجليل .
ومما يؤسف له كل الأسف بعد هذا كله أن نابتة من أدعياء الاسلام.
لم يذوقوا للعلم طعما، ولم يعرفوا للاسلام قدرا، يكيدون لهذا الدين ،
بالنيل من أصحاب سيد المرسلين ، ولا هم لهؤلاء سوى جمع الحطام .
ومن عجب أنهم يرمون أبا هريرة رضى الله عنه بأنه كان يضع الأحاديث
فى ذم على رضى الله عنه ، على جعل يتقاضاه من معاوية رضى الله عنه ،

١٧٢
فى الوقت الذى هم فيه يشتغلون صنائع وعملاء لجمعيات ((التبشير))،
وهذه الجمعيات تغدق عليهم الأموال الطائلة ، لقاء تسخيرهم فى الطعن
على الاسلام، والحط من قدر علمائه الأجلاء: (( ومن يكسب خطيئة
أو اثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما مبينا )).
المبحث السابع
((تراجم لبعض رواة الحديث من التابعين))
من هم التابعون : قال الخطيب : التابعى من صحب صحابيا ،
ولا يكتفى فيه بمجرد اللقى ، بخلاف الصحابى مع النبى صلى الله عليه
وسلم ، فانه يكتفى فيه بذلك ، لشرف النبى صلى الله عليه وسلم ، وعلو
منزلته ، فالاجتماع به يؤثر فى النور القلبى أضعاف ما يؤثره الاجتماع
الطويل بالصحابى وغيره من الأخيار . وقال أكثر المحدثين : هو من لقى
صحابيا وان لم يصحبه ولذلك ذكر مسلم وابن حبان (( الأعمش )) فى
طبقة التابعين لأن له لقيا وحفظا ، رأى أنس بن مالك وأن لم يصح له
سماع المسند عنه. وعد الحافظ عبد الغنى فيهم (( يحيى بن أبى كثير))
لكونه لقى انسا. وعد فيهم أيضا ((موسى بن أبى عائشة)) لكونه لقى
عمرو بن حريث . واشترط ابن حبان التمييز عند اللقى فان كان صغيرا
لم يضبط فلا عبرة برؤيته كخلف بن خليفة عده من أتباع التابعين وان
رأى عمرو بن حريث لكونه كان صغيرا لا يميز. قال العراقى: ((وما اختاره
ابن حبان له وجه كما اشترط فى الصحابى رؤيته للنبى صلى الله عليه
وسلم وهو مميز)). قال: ((وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم الى
الصحابة والتابعين بقوله ( طوبى لمن رآنى وآمن بى وطوبى لمن رآى
من رآنى .. ) الحديث. فأكنفى فيهما بمجرد الرؤية)) (التدريب
ص ٢١٢ ) .

١٧٣
هذا والتابعون كثيرون لا يحصون لأن أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم تفرقوا فى الأمصار المختلفة وكل من التقى بواحد منهم
فهو تابعی .
هذا ومن أشهر الرواة من التابعين بالمدينة : سعيد بن المسيب المتوفى
سنة ( ٩٣ هـ ) وعروة بن الزبير المتوفى سنة (٩٤) وأبو بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المتوفى سنة ( ٩٤) وعبيد الله
ابن عبد الله بن عتبة المتوفى سنة (٩٩) وسالم بن عبد الله بن عمر المتوفى
سنة (١٠٦) وسليمان بن يسار المتوفى سنة (٩٣) والقاسم بن محمد
ابن أبى بكر المتوفى سنة (١١٢) ونافع مولى ابن عمر المتوفى سنة (١١٧)
وابن شهاب الزهرى المتوفى سنة (١٢٤) وأبو الزناد المتوفى سنة (١٣٠).
ومن أشهرهم بمكة : عكرمة مولى ابن عباس (١٠٥) وعطاء بن
أبى رباح (١١٥) وأبو الزبير محمد بن مسلم (١٢٨).
ومن أشهرهم بالكوفة : الشعبى عامر بن شراحيل (١٠٤) وابراهيم
النخعى (٩٦) وعلقمة بن قيس بن عبد الله النخعى (٦٢).
ومن أشهرهم بالبصرة : الحسن بن أبى الحسن البصرى ( ١١٠)
ومحمد بن سيرين (١١٠) وقتادة بن دعامة السدوسي (١١٧).
ومن أشهرهم بالشام: عمر بن عبد العزيز (١٠١) ومكحول (١١٨)
وقبيصة بن ذؤيب (٨٦) وكعب الأحبار (٣٢).
ومن أشهرهم بمصر : أبو الخير مرثد بن عبد الله الیزنى (٩٠) ويزيد
ابن أبى حبيب ( ١٢٨ ).
ومن أشهرهم باليمن : طاوس بن كيسان اليمانى الحميرى (١٠٦)
ووهب بن منبه ( ١١٠).

١٧٤
وقد تكفلت كتب الرجال بتراجمهم وبيان من أخذوا عنه ومن أخذ .
عنهم ، ولنترجم باختصار لطائفة يسيرة منهم فنقول :
ابن شهاب الزهرى
هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن
عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشى الزهرى المدنى . سكن الشام .
يقولون تارة الزهرى وتارة ابن شهاب نسبة الى جد جده ، وهو معدود
فى صغار التابعين . سمع أنس بن مالك وسهل بن سعد والسائب بن
يزيد وشبيبا أبا جميلة وعبد الرحمن بن أزهر وربيعة بن عتاد ومحمود
ابن الربيع وأبا الطفيل وغيرهم من الصحابة ، كما سمع من كبار التابعين .
وروى عنه الحديث خلق كثير من كبار التابعين وصغارهم ، ومن أتباع
التابعين وشيوخهم . اتفق العلماء على امامته فى الحديث وكثرة حفظه له
وتمكنه فيه مع أمانته وثقته . وشهادات المحدثين له أشهر من أن تذكر
فهذا عمرو بن دينار يقول: (( ما رأيت أنص للحديث من الزهرى)). وهذا
ابراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يقول : قلت لأبى
بم فاقكم الزهرى ، قال : كان يأتى المجالس من صدرها ولا يأتيها من
خلفها ولا يبقى فى المجلس شابا الا سأله ولا كهلا الا سأله ولا فتى
الا سأله ولا عجوزا ولا كهلة الا سألها حتى يحاول ربات الحجال )) وقال
الليث بن سعد : ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب ولا أكثر علما
منه)). ويروى البخارى عن على بن المدينى انه قال: (( الزهرى نحو ألفى
حديث)) وهذا أحمد بن الفرات يقول : (( ليس فيهم أجود مسندا من
الزهرى)) .
رزق الزهرى حافظة قوية متقدة حتى لقد روى البخارى فى تاريخه

١٧٥
أنه حفظ القرآن فى ثمانين ليلة . وقال الزهرى : ما استودعت حفظى
شيئا فخاننى)). وعن سعد بن ابراهيم أنه قال: (( ما أرى أحدا بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ماجمع الزهرى)).
وقد جمع الزهری الیحفظ الحدیث كتابته و تدوینه حتى فاق أقرانه ،
قال صالح بن كيسان : كنت أطلب العلم أنا والزهرى فقال : تعال نكتب
السنن فكتبنا ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم قال تعال نكتب
ما جاء عن الصحابة فكتب ولم نكتب فنجح وضيعنا .
لقد كان ابن شهاب أول من كتب الحديث وجمعه بأمر عمر بن
عبد العزيز أيام خلافته وبالجملة فقد كان ابن شهاب أمة وحده فى العلم
والحفظ والضبط ، جماعا للحديث ثقة فيه . سأله هشام بن عبد الملك
يوما أن يملى على بعض ولده شيئا فأملى عليه أربعمائة حديث ثم لقيه
هشام بعد شهر أو نحوه فقال له ان ذلك الكتاب قد ضاع فدعا بكاتب
فأملاها عليه ثم قابل ذلك بالكتاب الأول فما غادر منها حرفا واحدا .
توفى الزهرى سنة مائة وأربع وعشرين ودفن بالشام بقرية تسمى
( شغبدا ) أنظر تهذيب الأسماء واللغات ( ج ١ - ص ٩٠) وتهذيب
التهذيب ( ٩ - ٤٤٥ ).
عكرمة مولی ابن عباس
هو التابعى الكبير أبو عبد الله عكرمة مولى ابن عباس وراويته .
أصله بربرى من أهل المغرب تملكه عبد الله بن عباس وهو وال على البصرة
لعلى بن أبى طالب رضى الله عنه . وعنى بتعليمه القرآن والسنن أشد
العناية حتى حدث عكرمة عن نفسه أن ابن عباس كان يضع فى رجله
القيد ويعلمه القرآن والسنن . ومازال عكرمة ينهل من مناهل ابن عباس

١٧٦
حتى تأهل للفتيا وأذنه مولاه بها فقصده الناس من كل صوب وطرقوا
بابه للرواية والفتيا ، وكان الى جانب علمه بالسنة والفقه من مشاهير
القراء والمفسرين . وقد ظل على الرق حتى مات ابن عباس وصار الى
ولده على فباعه الى خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار فجاء
عكرمة الى على وقال له ما خير لك . بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار
فاستقال على من بيعه وأعتقه .
عاش عكرمة الى سنة ١٠٥ من الهجرة وله من العمر نيف وثمانون
سنة .
شيوخه وتلاميذه ومنزلته فى الرواية :
أخذ عكرمة الحديث عن كثير من الصحابة منهم عبد الله بن عباس
مولاه والحسن بن على وأبو قتادة وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد
ومعاوية وابن عمرو بن العاص .
وتلقى عنه الحديث جماعات من التابعين منهم أبو الشعثاء والشعبى
والنخعى وأبو اسحاق السبيعى وابن سيرين وعمرو بن دينار وكثير من
التابعين وغيرهم .
وقد وثق الأئمة والمحققون عكرمة واحتجوا به ، ومن هؤلاء البخارى
وأصحاب السنن ، ولكن مسلما تركه فلم يخرج له الا حديثا واحدا فى
الحج مقرونا بسعيد بن جبير . وانما تركه لطعن طائفة من العلماء فيه بأنه
كذاب ، وبأنه كان يرى رأى الخوارج ، وبأنه كان يقبل جوائز الأمراء .
وقد صنف كثير من الأئمة كتبا فى الذب عن عكرمة منهم أبو جعفر بن
جرير الطبرى ومحمد بن نصر المروزى وأبو عبد الله بن منده وأبو حاتم
ابن حبان وأبو عمر بن عبد البر وغيرهم . وممن تصدى للدفاع عنه

١٧٧
أيضا الحافظ ابن حجر فى مختصره لتهذيب الكمال وفى مقدمته لفتح
البارى ، وكلهم مجمعون على تبرئته من الكذب وأن الأثر الوارد عن
ابن عمر أنه قال لنافع: (( لا تكذب علىّ كما كذب عكرمة على ابن
عباس )) لم يثبت لأنه من رواية أبى خلف الجزار عن يحيى البكاء أنه
سمع ابن عمر يقول ذلك. ويحيى البكاء متروك الحديث . ومن المحال أن
يجرح العدل بكلام المجروح . وهم مجمعون أيضا على أنه لم يثبت
عنه أنه كان يرى رأى الخوارج وغاية ما هناك أنه كان يرى فى بعض
المسائل ما يوافق آراءهم من غير أن يقصد الى هذا الوفاق ولكن بناء
على ما قام لديه من الأدلة فنسبوه اليهم عن غير بينة ولا برهان ، ولو كان
من ادعى عليه أنه ينتحل مذهبا رديئا يعد مجروحا لمجرد الدعوى لسقطت
عدالة أكثر المحدثين لأنه ما من أحد منهم الا وقد نسبه قوم الى ما يرغب
به عنه .
وأما قبول جوائز الأمراء فالأئمة والنقاد وجماهير المحدثين لا يرون
ذلك مانعا من قبول الرواية ، وهذا محمد بن شهاب الزهرى كان فى
ذلك أشهر من عكرمة ومع ذلك لم يترك أحد من الأئمة الرواية عنه
بسبب ذلك .
طرف من ثناء العلماء عليه :
قال البخارى: (( ليس أحد من أصحابنا الا احتج بعكرمة)) وعن
ابن معين: ((إذا رأيت انسانا يقع فى عكرمة فاتهمه على الاسلام)). وقال
أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى: (( أجمع عامة أهل العلم على
الاحتجاج بحديث عكرمة واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث
من أهل عصرنا ، منهم أحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية وأبو ثور

١٧٨
ويحيى بن معين . ولقد سألت اسحاق عن الاحتجاج بحديثه فقال : عكرمة
عندنا أمام أهل الدنيا وتعجب من سؤالى اياه )). وقال ابن منده :
(( عدله أمة من التابعين تزيد على سبعين رجلا من خيار التابعين وهذه
منزلة لا تكاد توجد لأحد من كبار التابعين على أن من جرحه من الأئمة
لم يمسك عن الرواية عنه ولم يستغن عن حديثه . وكان حديثه متلقى
بالقبول قرنا بعد قرن الى زمن الأئمة الذين أخرجوا الصحيح . على أن
مسلما وكان أسوأهم رأيا فيه قد أخرج له مقرونا بغيره )) أهـ.
وقال أبو عمر ابن عبد البر: ((كان عكرمة من جلة العلماء ولا يقدح
فيه كلام من تكلم فيه لأنه لا حجة مع أحد منهم)) قال: (( وزعموا أن
مالكا أسقط ذكر عكرمة من الموطأ ولا أدرى ما صحته لأنه قد ذكره
فى الحج وصرح باسمه ومال الى روايته عن ابن عباس وترك عطاء فى
تلك المسألة مع كون عطاء أجل التابعين فى علم المناسك )) أهـ .
ومن ذلك يتضح أنه اذا روى الثقات عن عكرمة حديثا فلا ينبغى
أن يرتاب فيه ( تهذيب الأسماء ١ - ٣٤٠ ومقدمة فتح البارى ٢ - ١٤٨
وما بعدها وتهذيب التهذيب ٧ - ٢٦٣) .
عمر بن عبد العزيز
هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص
ابن أمية القرشى الأموى التابعى العظيم الخليفة الراشد والامام العادل
والعالم الكامل . ولد عمر بمصر ببلدة حلوان وأبوه أمير عليها سنة
احدى وستين . جمع القرآن وهو صغير وبعثه أبوه الى المدينة يتأدب
بها ويتعلم الدين ويحفظ السنن فكان يختلف الى عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة ، فلما توافى أبوه طلبه عبد الملك بن مروان الى دمشق وزوجه ابنته

١٧٩
فاطمة . وولى امارة المدينة زمنا فى خلافة الوليد ثم قدم الشام سنة ٩٣
وبويع بالخلافة سنة ٩٩ .
سمع الحديث من أنس بن مالك والسائب بن يزيد ويوسف بن
عبد الله بن سلام وخولة بنت حكيم وغيرهم من الصحابة ومن التابعين
كابن المسيب وعروة وأبى بكر بن عبد الرحمن والربيع بن سبرة وغيرهم .
وروى عنه كثير من التابعين أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن محمد
ابن عمرو بن حزم والزهرى ويحيى الأنصارى ومحمد بن المنكدر وحميد
الطويل وآخرون .
أجمع العلماء على كثرة علمه وصلاحه وزهده وورعه وعدله وحرصه
على اتباع آثار النبى صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين . كان عمر
كثير الاهتمام بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظا وجمعا حتى
أنه لما أن تولى الخلافة أصدر أمره الى علماء الآفاق بكتابة حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم . كما أمرهم بالجلوس للتحديث والرواية حتى
لا تضيع الأحاديث بموت كبار العلماء من التابعين ، وهو أول خليفة
أمر بذلك . وكان عمر ثقة حجة حافظا شهد له بذلك العلماء حتى لقد
كان يقرن بالزهرى فى علمه . قال مجاهد : أتيناه لنعلمه فما برحنا حتى
تعلمنا منه . وما زال هذا شأنه حتى وافته منيته سنة احدى ومائة من
الهجرة . أنظر تاريخ الخلفاء ص ١٥٣، تهذيب الأسماء ٢ - ١٧ وتهذيب
التهذيب ٧ - ٤٧٥ .
كعب الأحبار
هو أبو اسحق كعب بن ماتع الحميرى كان من أحبار اليهود
وأوسعهم اطلاعا على كتبهم ويقال له كعب الحبر وكعب الأحبار وهو

١٨٠
من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والاسلام ولد باليمن وأقام بها ،
وفى خلافة عمر رضى الله عنه أسلم وانتقل الى المدينة فأخذ عن الصحابة
الكتاب والسنة وشارك فى غزو الروم ثم انتقل الى الشام فى خلافة
عثمان رضى الله عنه وأقام بمدينة حمص إلى أن مات بها سنة ثنتين
وثلاثين وقيل أربع وثلاثين ، وقد بلغ مائة وأربع سنين . وذكر ابن سعد
بطريق حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن ابن المسيب أن
العباس قال لكعب ما منعك أن تسلم فى عهد النبى صلى الله عليه
وسلم وأبى بكر حتى أسلمت فى خلافة عمر قال أذ أبى كان كتب لى
كتابا من التوراة فقال اعمل بهذا وختم على سائر كتبه وأخذ علىّ
بحق الوالد على الولد أن لا أفض الختم عنها فلما رأيت ظهور الاسلام
قلت لعل أبى غيب عنى علما ففتحتها فاذا صفة محمد وأمته فجئت الآن
مسلما أهـ وفى سند هذا الخبر حماد بن سلمة وهو مختلط تحاماه البخارى
وتحاماه مسلم أيضا لكن فى غير روايته عن ثابت لبقائها فى ذهنه كما هى
بعد الاختلاط وفيه أيضا على بن زيد بن جدعان وضعفه غير واحد .
روى كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلا وعن عمر
وصهيب وعائشة وروى عنه معاوية وأبو هريرة وابن عباس وعبد الله
ابن عمرو ، وعبد الله بن عمر، وابن الزبير ، وأنس ، وعطاء بن أبي رباح
وغيرهم وأخرج له البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى.
ثناء العلماء عليه : ذكره ابن سعد فى الطبقة الأولى من تابعى أهل
الشام واتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه ولذا لا تجد له ذكرا فى
كتب الضعفاء والمتروكين وترجم له النووى فى تهذيبه وقال : اتفقوا
على كثرة علمه وتوثيقه . قالوا : ذكر أبو الدرداء كعبا فقال : إن عند
ابن الحميرية لعلما كثيرا وذكره معاوية فقال : ألا أن كعب الأحبار أحد
العلماء ان كان عنده لعلم كالبحار وأن كنا لمفرطين ، ولقيه عبد الله بن
سلام عند أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه فقال له يا كعب : من العلماء