Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
ردوها فاقسموها على فقرائكم . قالوا يارسول الله ما قدمنا عليك الا
بما فضل عن فقرائنا . قال أبو بكر يارسول الله ما قدم علينا وفد من العرب
مثل هذا الوفد . فقال عليه السلام : أن الهدى بيد الله عز وجل ، فمن
أراد به خيرا شرح صدره للإيمان وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن .
فازداد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رغبة . وأرادوا الرجوع الى
أهليهم فقيل لهم ما يعجبكم قالوا نرجع الى من وراءنا فنخبرهم برؤية
رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاقينا إياه وما رد علينا ثم جاءوا الى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعوه فأرسل اليهم بلالا فأجازهم
بأرفع ماكان يجيز به الوفود. ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل بقى منكم أحد قالوا غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنا . قال
فأرسلوه فلما حضر قال يارسول الله أنا من الرهط الذين أتوك آنفا
فقضيت حوائجهم فاقض حاجتى قال وما حاجتك قال تسأل الله عز وجل
أن يغفر لى ويرحمنى ويجعل غناى فى قلبى. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه فى قلبه ثم أمر له بمثل
ما أمر به لرجل من أصحابه . ثم انهم بعد ذلك وافوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بمنى فى الموسم الا ذلك الغلام، فسألهم صلى الله عليه
وسلم عنه قالوا يارسول الله ما رأينا مثله قط ولا حدثنا بأقنع منه بما
رزقه الله . لو أن الناس اقتسموا الدنيا مانظر نحوها ولا التفت إليها .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم : الحمد لله انى لأرجو أن يموت جميعا.
فقال رجل منهم : أو ليس يموت الرجل جميعا يارسول الله فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: (( تشعب أهواؤه وهمومه فى أودية الدنيا ،
فلعل الأجل يدركه فى بعض تلك الأودية فلا يبالى الله عز وجل فى
أيها هلك )) .
من هذا ترى أن الوفود كانت تقدم على رسول الله صلى الله عليه

٦٢
وسلم لتنهل من معين العلم ولتتفقه فى دين الله وتقف على أحكام الإسلام
ثم يرجعون إلى أوطانهم يعلمون من وراءهم من قبائلهم وعشائرهم .
فهذه الوفود الى جانب البعوث التى كان يرسلها النبى صلى الله عليه
وسلم الى القبائل والملوك كان لها أكبر الأثر فى نشر السنة النبوية فى
أنحاء الجزيرة العربية .
حجة الوداع وأثرها فى نشر الحديث
هذا ولما استتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فى الجزيرة
قصد حج بيت الله الحرام وقد حج معه من المسلمين اربعون ألفا فألقى
فيهم النبى صلى الله عليه وسلم خطبة عظيمة جمع فيها أحكاما غزيرة وسننا
كثيرة ووضع من آثار الجاهلية ما أبطله الاسلام . ولكثرة الناس فى ذلك
اليوم اتخذ ربيعة بن أمية بن خلف مبلغا عنه . وافتتح هذه الخطبة بعد
حمد الله بقوله (( أيها الناس اسمعوا قولى فلعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا
بهذا الموقف أبدا)) وهى خطبة طويلة بين للناس فيها مناسك الحج وكأنه
عليه السلام كان يشعر بدنو أجله فلم يترك شيئا لم يكن بينه للناس الا
بينه وأظهره . فكانت هذه الخطبة الحافلة فى هذا الجمع الحاشد من أكبر
العوامل فى ذيوع السنن الكثيرة بين قبائل العرب وعشائرهم وهى
كمنهاج ختامى للدعوة الاسلامية عامة ولحديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم خاصة وقد نزل فى هذا الوقت قوله تعالى ((اليوم أكملت
لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا . ))

الدور الثانى
السنة فى زمن الخلافة الراشدة . وفيه مباحث
المبحث الأول : وصف الحالة السياسية لهذا العهد .
المبحث الثانى : منهج الصحابة فى رواية الحديث .
أ - أمرهم بتقليل رواية الحديث .
ب - تثبتهم فى رواية الحديث .
جـ - منعهم الناس من التحديث بما يعلو على مدارك العامة .
المبحث الثالث : رد شبه واردة على منهج الصحابة فى رواية الحديث
والعمل به .
المبحث الأول
وصف الحالة السياسية لهذا العهد
قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص بالخلافة لأحد من
أصحابه فوقع بين المهاجرين والأنصار النزاع فيمن تكون الخلافة أفى
المهاجرين أم فى الأنصار . فاجتمعوا يوم السقيفة فأقنعهم ابو بكر بأن
الخلافة فى المهاجرين أول الناس اسلاما . فتقدم عمر بن الخطاب
وبايع أبا بكر الصديق وتوافد الناس على بيعته وتم الأمر وقضى على
الخلاف فى مهده .
وما أن تقلد ابو بكر الخلافة حتى اشرأب النفاق بالمدينة وارتد كثير

٦٤
من القبائل عن الاسلام ومنع بعضهم الزكاة . فنشط ابو بكر لحربهم
وتأهب لقتالهم فقالوا نصلى ولا تؤدى الزكاة . فقال الناس اقبل منهم
ياخليفة رسول الله فان العهد حديث والعرب كثير ونحن شرذمة قليلون
ليس لنا طاقة بهم . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن
أقاتل الناس حتى يقولوا لااله الا الله . فاذا قالوها عصموا منى دماءهم
وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله . فقال ابو بكر . هذا من حقها
لابد من القتال . وكان على رأيهم عمر بن الخطاب فلم يقبل منه أبو بكر
وقال له كلمته المشهورة ((أجبار فى الجاهلية خوار فى الأسلام يا ابن
الخطاب . والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه الى رسول الله صلى الله
عليه وسلم لقاتلتهم عليه . ولو لم أجد أحدا أقاتلهم به لقاتلتهم وحدى
حتى يحكم الله بينى وبينهم وهو خير الحاكمين)) فشرح الله صدورهم
مرأى أبى بكر .
سار ابو بكر رضى الله عنه فى طريقه لايهن ولا يلين فقاتل بمن أطاعه
من عصاه وضرب من أدبر منهم بمن أقبل حتى أصاخوا جميعا لحكم الله
ودخلوا الأسلام طوعا وكرها وأدوا زكاة أموالهم الى بيت مال المسلمين .
فانتظم أمر الأسلام وحمد الناس لأبى بكر رأيه وعرفوا له مكانته
وفضله .
واستمر الأمر على هذا الحال زمن الشيخين وصدرا من خلافة
عثمان رضى الله عنهم هدوء واستقرار فى جميع نواحى الحياة سياسية
كانت أم اجتماعية فاستكمل صغار الصحابة علومهم الدينية وتحمل
كثير من التابعين الحديث والأحكام وفتاوى الصحابة وأقضيتهم .
ثم لما أخذ الناس على عثمان رضى الله عنه أموراً قد يكون فيها
معذورا دخل فى الدين قوم من اليهود التحفوا بالاسلام ولم يتبطنوه

٦٥
وكان على رأسهم ذلك الطاغية المدعو بعبد الله بن سبأ اليهودى
الحميرى . جعل هذا الخبيث ينفخ فى بوق الفتنة ويؤلب الناس على
عثمان فى مختلف الأقطار حتى كان ماكان من قتل الخليفة فى بيته ظلما
بتلك الأيدى الأثيمة . ومن ذلك الحين انفتح على المسلمين باب شر
عظيم ودب فيهم داء الخلاف الذى أطاح برءوس الكثير من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما كاد الخليفة الرابع على بن ابى طالب
يتولى الخلافة حتى قام معاوية يطالب بدم عثمان فوقعت بينهما حروب
مزقت المسلمين وفرقت كلمتهم وانتهت بمعركة صفين التى كان على أثرها
انشقاق اصحاب على الى خوارج وشيعة . فاستغل هذا النزاع طوائف
من الأمم المغلوبة على أمرها من يهود وفرس وغيرهم وأخذوا يكيدون
للاسلام ما استطاعوا الى ذلك سبيلا .
المبحث الثانى
منهج الصحابة فى رواية الحديث
طالما كان النبى صلى الله عليه وسلم بين ظهرانى أصحابه يعلمهم
الكتاب والحكمة ويزكيهم كانوا سعيدين به فى أمر دينهم ودنياهم فلم
يعد هناك خوف على حديث رسول الله ص من أعمال المنافقين ودجل
الكذابين . فالوحى ما دام يتنزل على نبى الله يفضح أمرهم ويكشف
مرهم والسنة فى أمن من عبثهم وكيدهم (( يحذر المنافقون أن تنزل
عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم)) كما أنه لم يكن هناك مجال النقد
الحديث وروايته بدون الرجوع الى صاحب الرسالة فقد كانوا اذا جد
بينهم خلاف لجأوا إلى حضرة النبى صلى الله عليه وسلم كما أمرهم
الله بذلك (( فان تنازعتم فى شىء فردوه الى الله والرسول)) هذا عمر بن

٦٦
الخطاب يسمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما يقرؤها
هو فيلببه بردائه ثم يأتى به الرسول ص ويقول له : هذا يقرأ سورة الفرقان
على غير ما أقرأتنيها فيأمر النبى صلى الله عليه وسلم هشاما بالقراءة
ويقول هكذا أنزلت ثم يأمر عمر بالقراءة ويقول هكذا أنزلت ثم يقول
ان هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ماتيسر منه . والحديث
مروى فى البخارى وغيره الى غير ذلك من الأمثلة والحوادث التى كان
النبى صلى الله عليه وسلم يقضى فيها على النزاع أو يصحح فيها.
الرواية عنه .
ومن ذلك نرى أن حياته عليه الصلاة والسلام كانت قاضية على
الخلاف اذا نشب والشك اذا عرض بل والخاطر اذا هجس .
فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعد هناك حارس
للسنة الا صدور الصحابة ، فقد انقطع الوحى واشرأب النفاق وارتد
كثير من العرب ومنع بعضهم الزكاة فلا نعجب اذن من منافق يملى عليه
نفاقه أن يكذب على رسول الله ولا نعجب من بعض الاعراب - الذى
يدعى أن رسالة محمد تنتهى بموته - أن يعبث بحديث رسول الله .
ولكن أبا بكر وقف وقفة الحيطة والحذر فكما قلم أظفار المرتدين ومانعى
الزكاة كذلك سد الباب فى وجوه الكذابين بما وضعه من قوانين الرواية .
وجاء عمر من بعده سائرا على نهجه فأرهب الكذابين وخوف المكثرين.
واليك طرفا من تلك الأعمال الجليلة .
(١) أمر الصحابة بتقليل الرواية
نظر الخلفاء الراشدون وتابعهم سائر الصحابة الى السنة الشريفة
فالفوها كنوزا ثمينة فى صدور الذين أوتوا العلم فلم يشاءوا أن
يعرضوها فى سوق الرواية لئلا يتخذ المنافقون من شيوع الحديث

٦٧
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذريعة للتزيد فيه وسلما لتزييف
الحديث عن رسول الله ولئلا تزل بالمكثرين أقدامهم فيسقطوا فى هوة
الخطأ والنسيان فيكذبوا على رسول الله من حيث لا يشعرون كما
كرهوا أن يشتغل الناس برواية الحديث وينصرفوا عن تلاوة القرآن ولما
يتيسر حفظه لكثير منهم ، لذلك نجدهم قد أنفقوا من السنة بقدر
حسب ما يعن لهم من مسائل الفتوى والقضاء .
فهذا أبو بكر الصديق رضى الله عنه - على كثرة سماعه من رسول
الله ص - يقلل من رواية الحديث ، وهذا عمران بن حصين . وهذا
أبو عبيدة ، وهذا العباس بن عبد المطلب ، وغيرهم كلهم يقلون الرواية
حتى ان سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة بالجنة لم يرو له الا حديثان أو
ثلاثة ، وهذا ابى بن عمارة لم يرو له الا حديث واحد فى المسح على الخفين.
وهذا أبو هريرة يمسك عن التحديث فى زمن عمر بن الخطاب مع
أنه معدود فى المكثرين من الصحابة لرواية الحديث ولكنه اتباعا لسنة
الشيخين فى التقليل من الرواية يكف عنها ثم لما طالت به الأيام واحتيج
الى ماعنده من العلم حدث به وأظهره للناس . روى البخارى عن أبى
هريرة أنه قال : ان الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان فى كتاب
الله ماحدثت حديثا ثم يتلو قوله تعالى ((ان الذين يكتمون ما أنزلنا من
البينات والهدى من بعد مابيناه للناس فى الكتاب اولئك يلعنهم الله
ويلعنهم اللاعنون)) حتى يبلغ قوله تعالى ((وأنا التواب الرحيم)» ان
اخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق فى الأسواق وان اخواتنا
من الأنصار كان يشغلهم العمل فى أموالهم . وان أبا هريرة كان يلزم
رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه ويحضر مالا يحضرون ويحفظ
مالا يحفظون)) وانما اشتد انكارهم على أبى هريرة لأنه صحب النبى

٦٨
صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين وأتى من الرواية عنه مالم يأت به أحد.
من السابقين الأولين . فلما أخبرهم بأنه كان ألزمهم لرسول الله صلى
الله عليه وسلم وانه لم يشغله عن مجالسته تجارة ولا بيع ولا زرع ولا
غرس فحفظ ما لم يحفظوا سكتوا عنه . ومع ذلك فقد كان أبو هريرة
يمسك عن التحديث زمن عمر الذى كان شديدا على الرواة حذرا من
خطر الاكثار . فقد قيل لأبى هريرة : أكنت تحدث فى زمن عمر هكذا ؟
قال لو كنت أحدث فى زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربنى بمخفقته)).
كان عمر بن الخطاب يأمر الناس بتقليل الرواية وكان مهيبا عندجميع
الصحابة روى الشعبى عن قرة بن كعب أنه قال : خرجنا نريد العراق
فمشى معنا عمر الى صرار فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال أتدرون لم مشيت
معكم ؟ قالوا نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت
معنا . فقال أنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل
فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم امضوا وأنا شريككم . فلما قدم قرظة،
قالوا حدثنا ، قال: نهانا عمر بن الخطاب)) وانما ذكرنا هذه الرواية على
فرض صحتها والا فقد طعن فيها ابن عبد البر .
، وهذا عبد الله بن الزبير يسأل الزبير : انى لا أسمعك تحدث عن
رسول الله صلی الله علیه وسلم کما یحدث فلان وفلان ، فيقول له : أما
أنى لم افارقه ولكن سمعته يقول ((من كذب على فليتبوأ مقعده من النار »
وهذا زيد بن أرقم يقال له حدثنا فيقول : كبرنا ونسينا والحديث عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد)) والسائب بن يزيد يقول: صحبت
سعد بن مالك من المدينة إلى مكة فما سمعته يحدث عن النبى صلى الله
عليه وسلم حديثا واحدا )) والشعبى يقول : جالست ابن عمر سنة فما
سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا)) وكان أنس بن

٦٩
مالك يتبع الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم بقوله : (( أو كما
قال )) حذرا من الوقوع فى الكذب عليه .
من هذه الآثار - وغيرها كثير - تجد أن الصحابة وقفوا على حذر
فى شأن الحديث فأقلوا من الرواية خشية أن يتخذها المنافقون مطية
لأغراضهم الخبيثة ولغير ذلك مما سبق وهم مع ذلك واقفون عند قوله
صلى الله عليه وسلم (( اياكم وكثرة الحديث ومن قال عنى فلا يقولن
الاحقا)) (١) واقفون عند سنة الخلفاء الراشدين المهديين كما أمرهم النبى
صلى الله عليه وسلم ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)).
(ب) تثبت الصحابة فى رواية الحديث
وكما أشار الصحابة بالاقلال من رواية الحديث وأمسكوا عن الاكثار
منها كذلك ساروا على منهاج التثبت فى الراوى والمروى مستضيئين فى
ذلك بكتاب الله مسترشدين بما تواتر أو اشتهر من سنة رسول الله .
فأخذوا الحديث بحيطة بالغة وحذر شديد . فما اطمأنت قلوبهم اليه
من الحديث بأن كان متواترا أو مشهورا أو آحادا لم يكن فى رواته من
يشك فى حفظه وضبطه قبلوه وعملوا به ولم يطلبوا عليه شهيدا ولا
دليلا. وما وقع فيه شك طلبوا عليه ظهيرا . وما لم تقم البينة على صدقه
مما وقع فيه الشك أو كان مخالفا لكتاب الله ردوه على قائله .
ونحن ذاكرون لك طرفا من الروايات توضح ذلك .
١ - روى الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ فى ترجمة ابى بكر
الصديق قال : كان أول من احتاط فى قبول الأخبار ، فروى ابن شهاب
عن قبيصة أن الجدة جاءت الى ابى بكر تلتمس أن تورث . قال ما أجد
(١) رواه أحمد والحاكم وابن ماجه

٧٠
لك فى كتاب الله شيئا . وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذكر لك شيئا . ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعطيها السدس . فقال له هل معك أحد . فشهد محمد بن
مسلمة بمثل ذلك . فأنفذه لها ابو بكر رضى الله عنه .
٢ - وروى فى ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال : وهو
الذى سن للمحدثين التثبت فى النقل ، وربما كان يتوقف فى خبر الواحد
اذا ارتاب روى الجريرى عن أبى نضرة عن أبى سعيد أن أبا موسى سلم
على عمر من وراء الباب ثلاث مرات . فلم يؤذن له فرجع فأرسل عمر
فى أثره فقال لم رجعت . قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (( إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع)» قال لتأتينى على ذلك
بينة أو لأفعلن بك . فجاءنا أبو موسى منتقعا لو نه ونحن جلوس . فقلنا
ماشأنك فأخبرنا وقال فهل سمع أحد منكم فقلنا نعم كلنا سمعه فأرسلوا
معه رجلا منهم فأخبره .
٣ - وروى الذهبى أيضا عن هشام عن أبيه عن المغيرة بن شعبة .
أن عمر استشارهم فى أملاص المرأة - يعنى السقط - فقال المغيرة :
قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة (١). فقال له عمر: ان كنت
صادقا فأت واحدا يعلم ذلك . قال فشهد محمد بن مسلمة أن رسول
الله صلی الله عليه وسلم قضى به .
٤ - وروی الذهبی أيضا أن عمر قال لأبى - وقد روى له حديثا -
لمتأتينى على ما تقول بينه ، فخرج فاذا ناس من الأنصار ، فذكر لهم .
قالوا قد سمعنا هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عمر أما
أني لم أتهمك ، ولكن أحببت أن أتثبت .
(١) الغرة بضم الغين وتشديد الراء المفتوحة هى عند الجمهور ما بلغ
نصف عشر الدية .

٧١
٥ - وفى ترجمة أمير المؤمنين على بن أبى طالب يروى الذهبى عن
أسماء بن الحكم الفزارى أنه سمع عليا يقول : كنت اذا سمعت من
رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا تفعنى الله بما شاء أن ينفعنى به .
وكان اذا حدثنى غيره استحلفته فاذا حلف صدقته . وحدثنى أبو بكر -
وصدق أبو بكر - قال سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول (( ما من
عبد مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلى ركعتين ثم يستغفر الله الا غفر
الله له)) .
٦ - وهذه عائشة أم المؤمنين ترد حديث رؤية النبى صلى الله عليه
وسلم لربه ليلة المعراج بظاهر قوله تعالى . ( لا تدركه الأبصار وهو
يدرك الأبصار ) وتقول : من زعم أن محمداً رأى ربه ليلة الأسراء فقد
أعظم على الله الفرية . وهذا اجتهاد منها رضى الله عنها وقد خالفها بعض
العلماء فى ذلك وتأولوا الآية على معنى لا تحيط به الأبصار وبذلك
لاتتنافى الآية مع الحديث - وكما كان لعائشة رضى الله عنها نظرة
فى متن الحديث حيث تنقده بعرضه على القرآن كذلك كان لها نظرة فى
الراوى فكانت تختبر حفظه لتقف على مبلغ ضبطه للحديث . جاء فى
الصحيحين عنها أنها قالت لعروة ابن الزبير . يابن أختى بلغنى أن
عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج فألقه فاسأله فإنه قد حمل عن النبي
صلى الله عليه وسلم علما كثيرا . قال فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها
عن النبى صلى الله عليه وسلم . قال عروة فكان فيما ذكر : أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال (( ان الله لا ينزع العلم من الناس اتنزاعا ولكن
يقبض العلماء فيرفع العلم معهم . ويبقى فى الناس رؤس جهال يفتونهم
بغير علم فيضلون ويضلون)) قال عروة فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت
ذلك وأنكرته قالت احدثك انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
هذا؟ قال عروة نعم . حتى اذا كان عام قابل قالت لى أن ابن عمرو قد

٧٢
قدم فألقه ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذى ذكره لك فى العلم .
قال فلقيته فسألته فذكر لى نحو ماحدثنى به فى المرة الأولى . قال عروة
فلما أخبرتها بذلك . قالت ما أحسبه الا قد صدق أراه لم يزد فيه
شيئا ولم ينقص ((١ هـ من اعلام الموقعين (١ - ٤٣).
فهذا من عائشة رضى الله عنها اختبار لحفظ عبد الله بن عمرو فأول
مرة تشككت فى ضبطه ثم لما وجدته فى المرة الثانية لم يزد فى الحديث
حرفا ولم ينقص وقد مضى على ذلك عام كامل علمت أنه حافظ للحديث
جيد الضبط فصدقته وقبلت حديثه .
وهذه الآثار - وغيرها كثير - تدل دلالة واضحة على أن الصحابة
كانوا يتثبتون فى أمر الحديث ويزنون الراوى والمروى بميزان النقد
العلمى الصحيح وهذا أمر طبيعى بعد أن لحق النبى صلى الله عليه وسلم
بالرفيق الأعلى فقد كان فى حياته يكفيهم هذه المهمة كما أشرنا من قبل .
(جـ) منع الصحابة الرواة من التحديث بما يعلو على فهم العامة
تقدم لك الإشارة الى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يخص
بنوع من العلم من يرى عليه أثر النبوغ والفهم من الصحابة وكان يمنعهم
من أن يحدثوا العامة بذلك خشية ألا يفهموه فيفتتنوا . روى البخارى
فى كتاب العلم من صحيحه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان راكبا
ومعاذ رديفه على الرحل فقال يامعاذ بن جبل . قال لبيك يارسول الله
وسعديك . قال ما من أحد يشهد ألا اله الا الله صدقا من قلبه الا حرمه
الله على النار . قال معاذ يارسول الله أفلا أخبر الناس فيستبشروا . قال
اذن يتكلوا )). وأخبر بذلك معاذ عند موته تجنبا لاثم كتمان العلم .
وهذا عمر بن الخطاب يرد أبا هريرة - وقد أمره النبى صلى الله
عليه وسلم أن يبشر الناس بمثل مافى حديث معاذ - ويقول ارجع

٧٣
يا أبا هريرة ويدخل عمر من فوره على النبى صلى الله عليه وسلم يقول له :
يارسول الله أنت قلت لأبى هريرة كذا وكذا فقال له النبى صلى الله
عليه وسلم : نعم ، فقال عمر : لا تفعل فانى أخشى أن يشكل الناس
فخلهم يعملون . وقد أقره النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال
فخلهم )) رواه مسلم فى كتاب الإيمان . وروى فى مقدمة صحيحه عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قال ((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع))
وذلك لأن تحديث العامة بكل شىء - ومعلوم أن عقولهم لا تهضم كل
شىء - مدعاة الى تكذيبهم للمحدث فيما لايفهمونه وبذلك تضيع
ثقتهم به ولعلهم ان لم يكذبوه وعملوا بما فهموا تركوا بعض الأحكام
الشرعية وكان هو كالكاذب على الله ورسوله فقد صرفهم عن العمل
بأحكام الدين بسبب تحديثهم بما يعلو على أفهامهم وكفى بذلك كذبا .
بل نقول أن تحديث العامة بما يعلو على أفهامهم مدعاة لارتيابهم فى
الدين نفسه ولهذا قال ابن عباس: (( حدثوا الناس بما يعرفون . أتريدون
أن يكذب الله ورسوله)).
هذا وقد سار الصحابة على هذا الهدى النبوى فى ذلك العصر
فامتنعوا عن التحديث بما لا تدركه عامة الناس خشية أن يفتنوا فيتركوا
بعض الفرائض الدينية . يروى مسلم فى مقدمة صحيحه عن ابن مسعود
أنه قال : (( ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم الا كان لبعضهم
فتنة)) ويروى البخارى عن أبى هريرة أنه كان يقول ((حفظت عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما احدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثئته
قطع هذا البلعوم)) ويروى عن على أيضا (( حدثوا الناس بما يعرفون.
أتحبون أن يكذب الله ورسوله )) وروى ابن عبد البر مثل ذلك عن ابن
عباس رضى الله عنهما وما زال الصحابة والتابعون والأئمة من بعدهم
يكرهون التحديث بما يكون مثار فتن وقلاقل بسبب قصور بعض الناس

٧٤
فى الفهم أو استغلال أصحاب الأهواء والسلاطين ظاهر النصوص لتأييد
بدعهم وتسويغ ظلمهم وغشمهم . ولقد أنكر الحسن البصرى تحديث
أنس للحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة الى ماكان يفعله من
المبالغة فى سفك الدماء ولا حجة له فى ذلك سوى تأويلاته الواهية .
وهذا احمد بن حنبل يكره التحديث ببعض الأخبار التى يكون ظاهرها
الخروج على الأمير . وهذا ابو يوسف يكره التحديث بالغرائب . وكان
ذلك منهم رضى الله عنهم محافظة على سلامة الدين من أصحاب الأهواء
وسلامة الأمة من أهل الشغب والفتن . فكثيرا ما تعلل المبطلون
والاباحيون بظواهر أحاديث غير مرادة فتحللوا من أحكام الاسلام
وخرجوا الى صريح الكفر من حيث يشعرون أو لا يشعرون . وكثيرا
ما يوجد ذلك فى أقوام ينصبون أنفسهم دعاة للدين سواء أكانوا مغرضين
أم غير مغرضين وصدق القائل : وآفة الأديان من جهل الدعاة . .
لذلك أمسك الصحابة عن التحديث بما يكون ذريعة للتقصير
والتهاون بسبب قصور النظر أو يكون سلما لأهل الأهواء والبدع ومن
هو على شاكلتهم حتى لا تكون فتنة فى الأرض وفساد كبير (١) .
المبحث الثالث
رد شبه واردة على منهج الصحابة فى رواية الحديث والعمل به
رب قائل يقول : ان الصحابة كانوا يزهدون فى رواية الحديث بل
ويرغبون عنها لأنهم ماكانوا يعملون الا بالقرآن وما اشتهر من السنن
ثم يحكمون آراءهم فيما سوى ذلك ولهذا أشاروا بتقليل الرواية عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقل عنهم العمل بالرأى فى كثير من
الحوادث التى كانت تعترضهم كما نقل عنهم أنهم ردوا بعض الأخبار
(١) فتح الباري ( ١ - ١٦٠ )

٧٥
وطلبوا البينة على صحة بعض آخر منها أو استحلفوا الرواة على أنهم
سمعوها من النبى صلى الله عليه وسلم . فهذا منهم رغبة عن الرواية
ورد للسنة الآحادية وتقديم للرأى على النص وهو خلاف ماعرف
عنهم .
والجواب عن ذلك :
١ - ان أمرهم بتقليل الرواية انما كان خشية أن يحدث المكثر
بما لم يحفظه لأن ضبط المقل أكثر من ضبط المكثر . كما كرهوا الاكثار
لئلا يتخذه المغرضون من المنافقين مطية لأهوائهم فيدسوا فى الحديث
ما ليس منه . ثم هناك أقوام لم يكونوا احصوا القرآن فخافوا عليهم
الاشتغال بغيره وهو الأصل الأول فى الدين .
٢ - وأما طلبهم شاهدا على السماع أو استحلافهم الراوى عليه
فلم يكن ذلك شأنهم المستمر بل كان يحصل منهم ذلك اذا ماارتابوا فى
ضبط الراوى بدليل أنهم كانوا يقبلون أخبارا عن أفراد من الصحابة لم
يروها غيرهم اذا ما اطمأنوا لحفظهم فقد قبل عمر رواية الضحاك بن
سفيان (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب اليه أن يورث امرأة
أشيم الضبابى من ديته )) ولم يطلب منه بينة على ذلك . ورجع من
(( سرغ)) لما بلغه أن الوباء نزل بالشام لحديث عبد الرحمن بن عوف
ولم يوجد الحديث عند غيره من المهاجرين والأنصار ممن كانوا مع
عمر ولم يطلب على ذلك بينة وعلى كرم الله وجهه يقول فى حديثه
السابق: (( وحدثنى ابو بكر وصدق ابو بكر )) فلم يستحلفه لما كان
صادقا عنده . وعمر يقول لأبى : اما أنى لم أتهمك ولكن أحببت أن
أتثبت )) الى غير ذلك .
٣ - واما أنهم كانوا يعملون بآرائهم ويتركون الحديث فهذا

٧٦
ما ترده الوقائع المتكاثرة عنهم والآثار المشتهرة على ألسنتهم . هذا عمر بن
الخطاب يقول (( إياكم والرأى فان أصحاب الرأى أعداء السنن أعيتهم
الأحاديث أن يحفظوها)) ويقول ((سيأتى قوم يجادلونكم بشبهات
القرآن فخذوهم بالسنن فان أصحاب السنن أعلم بكتاب الله )) ويقول
(( تعلموا الفرائض والسنن كما تتعلمون القرآن)).
أما ماورد عنهم من الرأى فكان بعد أن تقبوا عن الحديث عند
أصحاب رسول الله فلم يجدوا ثم اذا رأوا قالوا : (( هذا رأينا فان كان
خطأ فمنا ومن الشيطان وان كان صوابا فمن الله)). ثم اذا تبين لهم بعد
ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا عن رأيهم اليه
وعملوا به . هذا ميمون بن مهران يحدث عن أبى بكر الصديق (( أنه
كان اذا ورد عليه حكم نظر فى كتاب الله فان وجد فيه مايقضى به قضى
به . وان لم يجد فى كتاب الله نظر فى سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم فان وجد فيها ما يقضى به قضى به . فان أعياه ذلك سأل الناس :
هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء ؟ فربما قام اليه بعض القوم
فيقولون قضى فيه بكذا وكذا . فان لم يجد سنة سنها النبى صلى الله
عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم فاذا اجتمع رأيهم على شىء
قضى به)) قال: ((وكان عمر يفعل ذلك فاذا أعياه أن يجد ذلك فى الكتاب
والسنة سأل : هل كان ابو بكر قضى فيه بقضاء ؟ فان كان لأبى بكر
قضاء قضى به والا جمع علماء الصحابة واستشارهم ، فاذا اجتمع رأيهم
على شىء قضى به )).
وهذا عمر أيضا يقول لشريح وقد بعثه على قضاء الكوفة : ((انظر
ما تبين لك فى كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا وما لم یتبین لك فى كتاب الله
فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وما لم يتبين لك فيه

٧٧
(لسنة فاجتهد فيه برأيك)) وهذا عبد الله بن مسعود يقول : (( من عرض
فه منكم قضاء فليقض بما فى كتاب الله فان لم يكن فى كتاب الله فليقض
بما قضى فيه نبيه صلى الله عليه وسلم . فان جاء أمر ليس فى كتاب الله
ولم يقض فيه نبيه فليقض بما قضى به الصالحون فان لم يجد فى كل
ذلك فليجتهد برأيه فان لم يحسن فليقم ولا يستحى)). والآثار فى الباب
كثيرة جدا (أعلام الموقعين جـ ١ ص ٥١) و (حجة الله البالغة ١ - ١٢٩)
وكيف يتصور منهم العزوف عن سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم الى آرائهم وهذا على كرم الله وجهه يقول لو كان الدين بالرأى
لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه )» وهذا ابن عباس رضى الله
عنه ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وسهل بن حنيف ومعاوية وأبو بكر
وعمر وعثمان كل هؤلاء يذمون الرأى ويشيرون باتباع السنن .
فمن هذه الآثار وغيرها ترى أن الصحابة كانوا وقافين عند الحديث
رجاعين الى السنة عاملين بها معنيين بأمرها وان أشاروا بتقليل الرواية
لغرض صحيح فلا ينبغى أن يفهم منه أنهم زاهدون فى السنن والا لنهوا
عن الاكثار منها والاقلال . وقد سبق لك عرفان الصحابة بمكانة السنة
فى الدين الأمر الذى جعلهم يعنون بها كل العناية وهم وان لم يدونوها
كما دونوا القرآن لأمور سنذكرها فى مكانها فقد حفظوها فى صدورهم
وضبطوها كل الضبط مع ما كانوا عليه من الاستعداد الفطرى فى الحفظ
وسيلان الذهن .
وأما ماجاء من ردهم لبعض الأحاديث فكان منهم اما لضعف ثقتهم
بالراوى ، واما لاطلاعهم على ناسخ أو معارض أقوى كما حصل من
عائشة فى حديث رؤية الله ليلة المعراج وكما حصل من عمر فى رده حديث
فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة

٧٨
ولا سكنى بعد الطلقة الثالثة ، وأفتى بأن للمبتوتة النفقة والسكنى ، لما
وجد من قوله تعالى (( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا أن يأتين
بفاحشة مبينة ((وقال : لا تترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندرى
أصدقت أم كذبت أحفظت أم نسيت . إلى غير ذلك من الأمثلة التى
يكون للصحابة فيها العذر فيظن من لاعلم له بحقيقة الأمر أنهم لا يعملون
بالسنة وحاشاهم من ذلك .
الرد على من يزعم أن الصحابة كانوا لا يعتمدون على أخبار الآحاد
هذا وقد استدل فريق من الناس على أن أخبار الآحاد لا يعتمد عليها
فى أمر الدين بما ثبت من توقف الصحابة فيها وعدم عملهم بها بمجرد أن
رويت لهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رد عليهم جمهور العلماء بأن
هذا التوقف انما كان لأمور طارئة فلا يلزم منه رد جميع أخبار الآحاد .
على أن ما استدلوا به من ذلك أن صح زعمهم انما يدل على مذهب من
يشترط العدد فى الرواة ولا يدل على مذهب من يشترط التواتر فى قبول
الخبر . ثم نقول لهم ان هذه الآثار التى استندتم اليها لا تخرج عن
كونها أخبار آحاد فكيف تستدلون بأخبار الآحاد على قولكم ان أخبار
الآحاد ليست بحجة ؟ هذا تناقض ظاهر. ثم انه بالوقوف على جنس
المعاذير فى رد الأخبار والتوقف فيها يزول هذا الأشتباه توقف النبى
صلى الله عليه وسلم فى قول ذى اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت
يارسول الله ، فهذا منه صلى الله عليه وسلم لأحد أمرين : اما لأنه
استبعد على ذى اليدين أن ينفرد بذلك دون الجمع الغفير فكان انفراده
ذلك امارة على غلطه اذ الأقرب فى مثل ذلك جواز الخطأ على الواحد
دون الجمع الكثير . واما لأنه أراد أن يعلم أصحابه وجوب التوقف فى
مثل ذلك - وان كان ذو اليدين صادقا - لئلا يتخذوها سنة فيصدقوا
الواحد مع سكوت الجماعة بدون توقف لاسيما والجماعة كانت حاضرة

٧٩
الحادث . وقد توقف أبو بكر فى حديث المغيرة السابق لينظر هل الحكم
مستقر أو منسوخ أو ليكون الحكم أوكد برواية غيره معه أو أظهر
التوقف لئلا يكثر الأقدام على الرواية عن تساهل . فيجب حمله على
شىء من ذلك فقد ثبت عن أبى بكر قطعا قبول خبر الواحد وترك الانكار
على القائلين به . وأما توقف عمر فى حديث أبى موسى فى الاستئذان فقد
كان مخافة أن يتقول بعض المنافقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيروى الحديث على حسب غرضه يدل على ذلك أن أبا موسى لما رجع
مع أبى سعيد الخدرى الذى شهد له ، قال له عمر : أما أنى لم أتهمك
ولكنى خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويجوز للأمام أن يتوقف مع انتفاء التهمة لمثل هذه المصلحة .
كيف وهذه الآثار التى استندوا اليها - ان سلمنا دلالتها على
زعمهم - قد عارضتها أخبار هى أشهر منها وأصح عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده . فقد تقدم لك أن النبى صلى
الله عليه وسلم كان يرسل الآحاد من الأصحاب الى الآفاق ويلزم الناس
قبول أخبارهم عنه صلى الله عليه وسلم ولم يسمع أن أحدا رد خبر
مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم . نعم كانوا يرسلون الوفود
لمجرد التأكد من الدعوة وللتشرف برؤية النبى الكريم والتزود من نصائحه
الغالية . اهـ عن المستصفى باختصار وبعض زيادات .
هذا وقد سبق لك فى المقدمة الكلام على خبر الواحد والدليل
على حجيته فارجع اليه ان شئت .
١

الدور الثالث
السنة بعد زمن الخلافة الراشدة إلى نهاية القرن الأول
ويشتمل على ثمانية مباحث :
١ - وصف الحالة السياسية وظهور الفرق .
٢ - الخوارج ورأيهم فى الخلافة - أثر الخروج فى رواية
الحديث .
٣ - الشيعة ومعتقداتهم - أثر التشيع فى رواية الحديث .
٤ - جهود الصحابة والتابعين فى جمع الحديث وروايته ومناهضتهم
للكذابين من شيعة وخوارج وغيرهما .
٥ - كتابة الحديث وأول من دونه .
٦ - تراجم لبعض مشاهير الرواة من الصحابة - من هم.
الصحابة ؟
٧ - تراجم لبعض رواة الحديث من التابعين - من هم التابعون؟
٨ - رد شبه على رواية الحديث وكتابته فى القرن الأول .
المبحث الأول
وصف الحالة السياسية وظهور الفرق
لما ولى أبو بكر الصديق الخلافة وجد من بعض القبائل نكث لحبل.
الدين ونزوع الى التحلل من أحكامه ، فمنع بعضهم الزكاة وارتد بعضهم.