Indexed OCR Text

Pages 301-320

وصفوه بأنه إسناد حسن، أو جيد، أو لا بأس به، أو قوي، ونحو
ذلك، على اختلاف بينهم في التشدد والتسامح، فمنهم من يقصر هذه
الأوصاف على المرتبة الثانية فقط.
وإذا وجد فيه من هو من أصحاب المرتبة الرابعة من مراتب
التعديل، وكذا الأولى والثانية من مراتب التجريح وصفوا الإسناد بأنه
إسناد فيه لين، أو فيه ضعف، أو ليس بالقوي، ونحو ذلك، وإذا وجد
فيه من هو من أصحاب المرتبة الثالثة من مراتب التجريح وصفوا
الإسناد بأنه ضعيف، على اختلاف بينهم أيضاً في التشدد والتسامح،
فمنهم من يصفه بأنه ضعيف في المراتب الأربع كلها.
وكلام ابن أبي حاتم الذي يحكي فيه صنيع الأئمة يدل على أن
أصحاب هذه المراتب كلها لا يحكم لهم بحكم معين حتى ينظر في
حديثهم، وما يحتف به من قرائن، ومن أهمها وجود طرق أخرى أو
عدمه، وإذا وجدت فما أثرها على الإسناد؟
وقد يقول قائل: لكنهم يفعلون هذا أيضاً في أصحاب المرتبة
الأولى من مراتب التعديل عند ابن أبي حاتم، التي فصلها من جاء
بعده، يبحثون عن أسانيد أخرى، ثم إن وجدوها نظروا في أثرها عليه.
والجواب أن هذا صحيح لا إشكال فيه، لكن هؤلاء غالب
رواياتهم صحيحة، ولهذا وصفوا بأنهم ثقات، وأما أصحاب المراتب
بعدهم فإنما نزلوا عن درجة الثقة لما في رواياتهم من أخطاء، وكثرة
التفرد عندهم، فلهذا فرق ابن أبي حاتم بين أصحاب المرتبة الأولى،
وبين أصحاب المراتب بعدها، ثم فرق بين أصحاب المرتبتين الثانية
والثالثة من مراتب التعديل، وبين أصحاب المرتبة الرابعة من مراتب
٣٠١

التعديل، والثلاث الأولى من مراتب التجريح، كما تقدم شرحه آنفاً،
وإن كان الكل - بلا استثناء - لا يحكم لإسناد هو فيه إلا بعد النظر في
الطرق الأخرى.
وسيأتي لهذا الموضوع زيادة بيان في بحث مستقل في آخر الباب
الثاني (الاتصال والانقطاع)، وإنما أشرت إليه هنا لارتباطه الوثيق
بمراتب الجرح والتعديل.
والخلاصة أن ابن أبي حاتم قد قدَّم خدمة جليلة للمشتغل بنقد
السنة بوضعه مراتب لألفاظ النقاد في الجرح والتعديل، وبيانه لأحكام
أصحاب تلك المراتب، وتمم عمله من جاء بعده من المشتغلين بالنظر
في قواعد أولئك النقاد، إما بزيادة تفصيل للمراتب التي ذكرها، أو
بضم بعضها إلى البعض الآخر، أو بزيادة ألفاظ في كل مرتبة.
ولا شك أن هذا قد سهّل جداً من ممارسة نقد السنة على أهل
الاختصاص، سواء في نقد الأسانيد مفردة، أو في المقارنة بينها، غير
أنه من جهة أخرى أدى إلى وضع لم يقصده هؤلاء، ولا يسألون عنه،
ذلك هو اعتقاد كثير من المتصدين لنقد السنة أن الأمر سهل جداً، فما
هو إلا النظر في رواة الإسناد، ثم الحكم عليه، ولست أعني هنا
إهمالهم النظر في الشروط الأخرى لصعوبة البحث فيها، فهذا شأن آخر
سيأتي الكلام عليه في الموضع الذي أشرت إليه آنفاً، وإنما أعني هنا
ضعف نظرهم في مرتبة الراوي، والباحث المتأخر بعد عصر النقد ليس
المطلوب منه أن يحكم على الراوي بنفسه، فهذا أمر لا يستطيعه في
غالب الأحوال، والمطلوب منه فقط النظر في كلام أئمة النقد،
وموقفهم من حديث الراوي، ثم وضع الراوي في مرتبته اللائقة به،
٣٠٢

ومع هذا فليس الأمر بالهين، فالنقاد كثيرون، وليسوا بمنزلة واحدة، ثم
المنقول عنهم في غالب الرواة كثير أيضاً، وبعضه مما لم يذكره الأئمة
الذين وضعوا مراتب لألفاظ الجرح والتعديل في تلك المراتب، لقلة
تداوله أو لسبب آخر، فيحتاج وضعه في مرتبته إلى البحث في القرائن،
وقد يتعارض المنقول عن النقاد في الراوي، وهذا كثير أيضاً، بل قد
يتعارض المنقول عن الناقد الواحد، وقد تختلف حال الراوي الواحد،
إما بالنسبة للوقت، أو للبلد، أو للشيوخ.
فإذا ضممنا إلى ذلك أحكامهم العملية التطبيقية على الرواة - أدركنا
أن وضع الراوي في مرتبته اللائقة به يحتاج إلى ما يمكن أن نسميه (فقه
الجرح والتعديل)، وأعني به ضرورة الأخذ بعين الاعتبار النظرة
الشمولية لما يحكم هذا الأمر من ضوابط، وهي موضع الحديث في
الفصل التالي.
٣٠٣

الفصل الثالث
ضوابط النظر في أحكام النقاد على الرواة
وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
المبحث الأول: ثبوت النص.
المبحث الثاني: سلامة النص.
المبحث الثالث: قائل النص.
المبحث الرابع: دلالة النص.
م
٣٠٤

تمهيد:
قبل سرد هذه الضوابط وشرحها لابد من التنبيه على أربعة أمور:
١- تعلق هذه الضوابط بجميع مباحث الجرح والتعديل، وعليه فلا
مناص من الإحالة إلى مواضع كثيرة مما مضى البحث فيه في هذا
الباب، تجنباً للتكرار والإطالة.
٢- حاجة الباحث إلى تطبيق هذه الضوابط هي في عموم دراسته
لنقد السنة، فلا يلزم أن يحتاج إليها كلها في كل راو ينظر فيه، ثم
بعضها قد يمر بالباحث وقت طويل وتراجم كثيرة دون أن يحتاج إليه،
ولكن لابديل عن ذكرها وشرحها، إذ قد تكون عاملاً مؤثراً في تصحيح
حديث أو تضعيفه، يضاف إلى ذلك غرض آخر أقصده وهو تنبيه
الباحث إلى ضرورة التدقيق في المعلومات التي يقف عليها، ولا سيما
ما يحتاج منها إلى الموازنة والمقارنة.
ومن غير الخفي أننا إذا قلنا بضرورة إدراك هذه الضوابط وتطبيقها
تطبيقاً جيداً - فإن هذا الأمر يتأكد جداً حين يقع اختلاف في الراوي
الواحد، سواء كان هذا من إمام واحد اختلف النقل عنه، أو من أئمة
متعددين، وسواء كان هذا في حال الراوي مطلقاً، أو في حاله مقيداً
بشيء معين، كبعض الشيوخ، أو بعض البلدان، أو في وقت دون
وقت، ونحو ذلك، أو في حاله مقارناً بغيره من الرواة، فكل هذا
وغيره قد وقع فيه اختلاف، وتطبيق هذه الضوابط يبين إن كان
الاختلاف حقيقياً، أو لفظياً، كما يساعد على الترجيح في حال كونه
حقيقياً.
٣٠٥

٣- توجد كثير من ضوابط النظر في أحكام النقاد في كلام النقاد
أنفسهم، فقد احتاجوا إليها حين ينظر الناقد منهم في نقد من سبقه
للرواة .
كما اعتنى من جاء بعدهم بهذه الضوابط تحريراً وتطبيقاً، ومن
السابقين إلى ذلك أبو حفص بن شاهين في جزء له في الرواة المختلف
فيهم(١)، ثم أبو الوليد الباجي في مقدمة كتابه ((التعديل والتجريح)) (٢).
وقد كان للذهبي في عامة كتبه، ثم لابن حجر عناية فائقة بهذا
الجانب، فحررا كثيراً من هذه الضوابط، وطبقاها عند نظرهما في
الراوي وأقوال الأئمة فيه (٣).
وفي وقتنا الحاضر تصدى شيخنا وزميلنا فضيلة الشيخ الدكتور
عبدالعزيز بن محمد العبداللطيف - رحمه الله -، فوضع كتاباً لطيفاً
بعنوان: ((ضوابط الجرح والتعديل))، أجاد فيه وأفاد.
وقد رأيت - في هذه العجالة - أن ألمّ شعث هذه الضوابط مما
وقفت عليه، مع العناية بما قاله النقاد الأوائل، وبدا لي أن أضعها في
ضوابط عامة، أفرع من كل واحد منها ما يتصل به، فقد خطر في بالي
أن كل منقول في باب نقد الرواة يلزم النظر فيه من جهة ثبوته عمن
(١) طبع جزء من مختصره في آخر كتاب ((تاريخ جرجان)) للسهمي ص ٦٤٤ -٦٥٧
بتحقيق عبدالرحمن المعلمي، وفيه نقص وليس فيه ما يدل على اسم المختصر، ثم
حقق هذا المختصر تاماً حماد الأنصاري، وابنه عبدالباري.
(٢) ((التعديل والتجريح)) ٢٨٣:١-٢٨٨.
(٣) خصص الباحث قاسم علي سعد رسالته للماجستير لدراسة منهج الذهبي في كتابه
ميزان الاعتدال، قدمها إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كما خصص
الباحث محمد الثاني بن عمر موسى رسالته للماجستير لدراسة ضوابط الجرح
والتعديل عند الحافظ الذهبي من خلال كتابه: سير أعلام النبلاء، قدمها للجامعة
الإسلامية بالمدينة المنورة، والثانية مطبوعة.
٣٠٦

نسب إليه، وسلامته من التغيير، وقائله، ودلالته، فهذه أربع جهات
للنظر في المنقول عن النقاد، وسأفرد کل جھة بمبحث خاص.
٣٠٧

المبحث الأول
ثبوت النقل عمن نسب إليه
النقل عن أئمة النقد في الرواة لا يختلف عن أي منقول عن
غيرهم، في ضرورة ثبوته عمن نقل عنه، وإلا لم يصح بناء حكم عليه،
وبادىء ذي بدء لابد من التسليم بوجود أقوال ونصوص نسبت إلى أئمة
النقل، وبعد التمحيص تبين عدم ثبوتها، وأن الأمر لا يخلو من لبس،
وقد واجه ذلك أئمة النقد أنفسهم، فجاء عنهم نفي شيء مما نسب
إليهم، أو بيان الصواب فيما نقل عنهم، فمن ذلك ما رواه ابن المديني
قال: ((ذكرت له (يعني ليحيى القطان) حديثاً عن مروان الفزاري، عن
إسماعيل بن أبي خالد، فاستحسنه، فقلت له: يا أبا سعيد أليس كنت -
أي لا تأمر بالكتابة عنه _؟ قال: لا، ليس هكذا مروان، إذا حدثك عن
ثقة فهو ثقة، وإن حدثك عمن لا تعرف فدعه ... ))(١).
وقال المروذي: ((وسألته (يعني أحمد) عن أبي بكر الأثرم، قلت:
نهيت أن يكتب عنه؟ قال: لم أقل: إنه لا يكتب عنه الحدیث، إنما
أكره هذه المسائل))(٢).
ونقل الدارمي عن ابن معين قوله في محمد بن ثابت العبدي: ((لا
بأس به))(٣)، وفي رواية معاوية بن صالح: ((ليس به بأس، ينكر عليه
حديث ابن عمر في التيمم لا غير))(٤)، وفي رواية ابن محرز: ((ليس
(١) ((معرفة الرجال)) ٢: ٢٤٠.
(٢)
((علل المروذي)) ص١٧٤
((تاريخ الدارمي عن ابن معين)) ص٢١٦ .
(٣)
((الضعفاء الكبير)) ٣٩:٤.
(٤)
٣٠٨

بذاك القوي، حدث بحديث عن نافع، عن ابن عمر في التيمم))(١)،
وفي رواية ابن الهيثم: ((ضعيف، روى حديث التيمم))(٢)، وفي رواية
الدوري: ((ليس بشيء))، وقال مرة: ((ضعيف))، قال الدوري: ((قلت
ليحيى: أليس قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط))(٣).
ويتطرق الشك إلى المنقول عن أئمة النقد من جهتين:
الجهة الأولى: الناقد نفسه، فقد يشتبه عليه الأمر، إما في
الجمع أو التفريق بين الرواة، فإذا ذهب الناقد إلى جعل الراوي اثنين،
ثم نقل عنه شيء فيهما، أو ذهب إلى جعل راويين راوياً واحداً، ونقل
عنه فيه قول، والراجح في الجمع أو التفريق خلاف ما ذهب إليه هذا
الناقد، فالحقيقة أن ما نقل عنه لم يثبت في واحد من هؤلاء الرواة
حسب ما ترجح لنا.
وهذه مسألة دقيقة تقدم البحث فيها في الفصل الأول من هذا
الباب (٤)، وأذكر لها هنا مثالين، الأول: قال أحمد، وابن معين، في
رزين بن حبيب الجهني بياع الرمان: ((ثقة))(٥)، وقال فيه أبو حاتم:
((صالح الحديث، ليس به بأس، وهو أحب إلي من إسحاق بن خليد
مولی سعید بن العاص))(٦)، وقال فيه يعقوب بن سفيان: ((لا بأس به))،
وقال مرة: ((ثقة))(٧)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))(٨).
(١) (معرفة الرجال)) ٧٢:١.
((من كلام ابن معين - رواية ابن الهيثم)) ص٩٤ .
(٢)
(٣)
((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢ : ٥٠٧ .
(٤)
انظر: المبحث الرابع: (معوقات الحكم على الراوي).
(٥)
((الجرح والتعديل)) ٥٠٨:٣.
((الجرح والتعديل)) ٥٠٨:٣.
(٦)
((المعرفة والتاريخ)) ١١٠:٣، ١٧٦.
(٧)
((الثقات)) ٣٠٨:٦.
(٨)
٣٠٩

وجاء عن ابن معين أن رزيناً هذا هو نفسه رزين المعروف ببياع
الأنماط(١)، فبياع الرمان عنده هو بياع الأنماط، وكذا قال يعقوب بن
سفيان .
وأما البخاري، وأبو حاتم، فجعلاهما اثنين(٢)، ولم يذكر ابن أبي
حاتم في بياع الأنماط جرحاً ولا تعديلاً، وكذا فرق بينهما ابن
حبان(٣).
وحينئذ فبياع الأنماط ليس فيه سوى توثيق ابن معين، ويعقوب بن
سفيان، وذكر ابن حبان له في ((الثقات))، ولو افترضنا أن الباحث رجح
أنهما اثنان لما صفا معه سوى ذكر ابن حبان له في ((الثقات))، لأن ابن
معين، ويعقوب وثقاه لأنه عندهما هو بياع الرمان، ولو ترجح لهما أنه
غيره فیحتمل أن يختلف كلامهما فيه.
ومن ذيول هذه القضية أن الترمذي أخرج من طريق أبي خالد
الأحمر، عن رزين، عن سلمى ، عن أم سلمة حديثاً في قتل الحسين،
واستغربه(٤)، فذكر ابن حجر أن رزيناً هذا هو بياع الرمان، وهو الذي
وثقه الأئمة، وبنى ذلك على أن أبا حاتم ذكر في بياع الأنماط أنه يروي
عن الأصبغ بن نباتة، ويروي عنه عيسى بن يونس، لم يذكر فيه سوى
هذا (٥)، غير أن البخاري قد ذكر هذا الحديث بهذا الإسناد في ترجمة
بياع الأنماط، وذكر من الرواة عنه أيضاً مروان بن معاوية الفزاري، وأبا
«تاریخ الدوري عن ابن معین)) ١٦٥:٢ .
(١)
(التاريخ الكبير)) ٣٢٤:٣، و((الجرح والتعديل)) ٥٠٨:٣.
(٢)
(٣)
((الثقات)) ٣٠٨:٦.
((سنن الترمذي)) حديث ٣٧٧١.
(٤)
((تهذيب التهذيب)» ٢٧٦:٣ .
(٥)
٣١٠

أسامة حماد بن أسامة، فلم يتم لابن حجر ما أراد.
الثاني: قال عثمان بن سعيد الدارمي: ((قلت: (يعني لابن معين)
فعطاء بن المبارك تعرفه؟ فقال: من يروي عنه؟ قلت: ذاك الشيخ أحمد
بن بشير، فقال: هه - كأنه يتعجب من ذكر أحمد بن بشير - فقال: لا
أعرفه))، ثم عقب الدارمي على هذا السؤال والجواب بقوله: ((أحمد بن
بشير كان من أهل الكوفة، ثم قدم بغداد، وهو متروك))(١).
كذا قال الدارمي، ومقتضى كلامه أن أحمد بن بشير الراوي عن
عطاء بن المبارك متروك، لأنه عنده هو الكوفي الذي قدم بغداد، وقد
تعقبه الخطيب في ذلك، وذكر أنه غيره، وأنه بغدادي، ولم يذكر في
ترجمته جرحاً ولا تعديلاً(٢)، فالباحث إذا وافق الخطيب على التفرقة لا
يصح أن يعتمد قول الدارمي فيه، لأن الذي تكلم فيه الدارمي غيره.
وقد يكون الراويان متميزين لا اشتباه بينهما، لكن يقع الاشتباه
على الناقد حين يسأل، فيسأله التلميذ عن راو، ويجيب هو في راو
آخر، يظن السؤال عنه، فمن ذلك قول ابن محرز: («سألت يحيى عن
أحمد بن حاتم الطويل الخياط، فقال: لا أعرفه، فلا أدري أفهم عني
أم لا، وذلك أن هشام بن المطلب حدثني قال: سألت يحيى بن معين
عن محمد بن حاتم السمين، فقال: ليس بشيء، يكذب، ولكن أحمد
بن حاتم الطويل ثقة، فأحسب أن يحيى بن معين ظن أني إنما سألته عن
محمد بن حاتم السمين))(٣).
(١) (تاريخ الدارمي عن ابن معين)) ص١٨٤ .
(٢) ((تاريخ بغداد)» ٤٦:٤.
(٣) (معرفة الرجال)) ٩٣:١، وانظر: ((تاريخ بغداد)) ٢٦٧:٢.
٣١١

فهذا النص يفيد احتمال وقوع الاشتباه حين السؤال، سواء أصاب
ابن محرز في ظنه هنا أو لم يصب، ومثله في إفادة ذلك قول البرذعي:
((قلت (يعني لأبي زرعة): عيسى بن ميمون؟ قال: واهي الحديث،
وكان أبو حاتم حاضراً، فقال: إلا أن تعني صاحب ابن أبي نجيح؟
فقلت: لا، إنما أردت صاحب محمد بن كعب))(١).
وقال البرذعي أيضاً: ((سئل عن موسى بن عمير وأنا شاهد، فقال:
لا بأس به، فقلت له: تقول هذا في موسى بن عمير وقد روى عن
الحكم ما روى؟ قال: ليس ذاك أعني، إنما أعني الذي روى عنه
وكيع، ويحدث عن علقمة بن وائل، وهو لا بأس به، أما الذي ذهبت
إليه فضعيف))(٢).
الجهة الثانية: الناقل عن الناقد، فيشترط في النقل صحة
الإسناد، باتصاله، وثقة رواته، وسلامته من الشذوذ والعلل، ولست
مبالغاً في ذلك، فالنقل لنقد الراوي خبر كسائر الأخبار، لابد فيه من
هذه الشروط، ولذا قال المزي في مقدمة كتابه ((تهذيب الكمال)) وهو
يتحدث عن نقله لأقوال النقاد: ((ولم نذكر إسناد كل قول من ذلك فيما
بيننا وبين قائله - خوف التطويل ... ، فما كان من ذلك بصيغة الجزم
فهو مما لا نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأساً، وما كان منه
بصيغة التمريض فربما كان في إسناده إلى قائله ذلك نظر))(٣).
(١) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٩٧، وانظر: ((الجرح والتعديل)) ٢٨٧:٦،
و «سؤالات ابن الجنيد)) ص٣٠٣.
(٢) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٥٣١.
(٣) ((تهذيب الكمال)) ١٥٣:١.
٣١٢

فأما اتصال الإسناد فالقارىء في كتب الجرح والتعديل الأولى مثل
السؤالات، وكتب العلل يلاحظ حرص التلميذ على مطالبة الناقد
بإسناده إذا روى له نقداً عن إمام قبله، وتسليم الناقد بهذه المطالبة،
فربما أحضر إسناده، وربما اعتذر عن ذلك لكونه غاب عنه، أو لسبب
آخر(١).
وإنما يفعلون ذلك خوفاً من أن يكون تسامح في الرواية عن غير
مرضي، فلهذا لم يذكره، كما روى البرذعي قال: ((قلت (يعني لأبي
زرعة): مسلم بن سالم كيف هو؟ قال: أخبرني بعض الخراسانيين،
قال: سمعت ابن المبارك يقول: اتق حيات سالم لا تلسعك، فقلت:
تحفظ من حدثك؟ فقال: نعم، هو إنسان لا أرضاه، قلت: من هو؟
قال: أبو الصلت الهروي)) (٢).
وللذهبي وقفات مع الأقوال المروية بأسانيد منقطعة إذا ارتاب
فيها(٣).
وأما ثقة الرواة فإن رواية الضعفاء في أي باب يتوقف فيها، فكيف
في هذا الباب المهم؟ وقد نقلت أقوال عن النقاد في جرح الرواة أو
تعديلهم لم تصح عنهم لضعف رواتها، وربما خالفوا في النقل غيرهم
(١) انظر مثلاً: ((العلل ومعرفة الرجال)) ١١٢:٣، ١١٤، و((معرفة الرجال)) ١٢٦:١،
١٤٩، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٦٢، و((سؤالات الآجري لأبي داود))
٢٣٦:١، و((الضعفاء الكبير)) ١٨٥:٤ .
(٢) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٥٣٣، وانظر: ((الجرح والتعديل)) ٤٨:٦.
وانظر حكاية أخرى يظهر من تتبعها أن الناقل أسقط غير مرضي: ((أسئلة البرذعي
لأبي زرعة)) ص٧٥٦، وتاريخ بغداد)» ١٣ :٣٩٣.
(٣) (سير أعلام النبلاء)) ٩: ٢٧١، و((ميزان الاعتدال)) ٤١٦:٣.
٣١٣

من الثقات، فمن ذلك قول أبي عبيد الآجري: «قلت لأبي داود: حكى
رجل عن شيبان الأبليّ، أنه سمع شعبة يقول: اكتبوا عن أبي أمية بن
يعلى، فإنه شريف لا يكذب، واكتبوا عن الحسن بن دينار، فإنه
صدوق، فكذب الذي حكى هذا - قال أبو عبيد: غلام خليل حكى هذا
عن شيبان - فقال أبو داود: كذب الذي حكى هذا))(١)، وغلام خليل
اسمه أحمد بن محمد بن غالب، وقد رمي بالكذب ووضع الحديث(٢).
وأخرج ابن عدي من طريق محمد بن يونس الكديمي، عن علي بن
المديني قوله في خليفة بن خياط المعروف بشباب: ((لو لم يحدث
شباب لكان خيراً له))، ثم تعقبها بقوله: ((ولا أدري هذه الحكاية عن
علي بن المديني صحيحة أم لا؟ وإنما يرويها عن علي بن المديني
الكديمي، والكديمي لا شيء ... ))(٣).
وقيل لابن معين: يحيى - يعني القطان - لم يكن يرضى أبان؟
قال: «بلی، کان یحدث عن أبان، ولا يحدث عن همام، وقد حدثنا
عن أبان، وقد كان يرضاه، ومات وهو يحدث عنه))(٤)، وقد نقل عدم
رضى القطان عن أبان: محمد بن يونس الكديمي، عن ابن المديني،
عن القطان، فنقل عنه قوله: ((لا أروي عن أبان العطار))(٥)، والكديمي
متهم، وقد رد ذلك الذهبي، وابن حجر بتضعيف ما نقله
(١) (سؤالات الآجري لأبي داود)) ١: ٤٤٧.
(٢) ((لسان الميزان)) ٢٧٢:٢.
(٣)
((الكامل)) ٣: ٩٣٥.
(معرفة الرجال)) ١١٢:١، وانظر: ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٦:٢، و((الجرح
(٤)
والتعديل» ٢٩٩:٢.
(٥) ((الكامل)) ٣٨١:١.
٣١٤

الكديمي(١).
وروى عبدالله بن علي بن المديني، عن أبيه قوله في أبي جعفر
الرازي: ((هو نحو موسى بن عبيدة، (ضعفه ابن المديني) وهو يخلط
فيما روى عن مغيرة ونحوه))(٢)، وروى عنه محمد بن عثمان بن أبي
شيبة قوله: ((كان أبو جعفر الرازي عندنا ثقة))(٣) - فقال ابن حجر بعد
أن ذكر القولين: ((محمد بن عثمان بن أبي شيبة ضعيف، فرواية عبدالله
بن علي عن أبيه أولى))(٤).
وروى عمرو بن علي، عن ابن مهدي قوله في الفرج بن فضالة:
((حدث عن أهل الحجاز أحاديث مقلوبة منكرة))(٥)، وقال عمرو بن
علي أيضاً: ((كان عبدالرحمن لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول:
حديثه عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث منكرة مقلوبة))(٦)، وكذا
نقل الساجي أن عبدالرحمن بن مهدي كان لا يحدث عنه(٧).
وروى البغوي، عن سليمان بن أحمد، قال: («سمعت عبدالرحمن
بن مهدي يقول: ما رأيت شامياً أثبت منه، وما حدثت عنه، وأنا
أستخير الله تعالى في التحديث عنه، فقلت: يا أبا سعيد حدثني،
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٤٣٢:٧، و((تاريخ الإسلام)) حوادث سنة ١٦١-١٧٠ ص٤٢،
و ((المیزان)) ١٦:١، و«هدي الساري» ص٤٠٧ .
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٤٦:١١، و(تهذيب التهذيب)) ٣٥٨:١٠.
(٣) ((أسئلة محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني)) ص١٢٢، و((تاريخ بغداد))
١١ :١٤٦.
((التلخيص الحبير)) ١ :٢٦١.
(٤)
(٥)
«الكامل» ٦ : ٢٠٥٤.
«تاريخ بغداد)» ٣٩٥:١٢.
(٦)
«تاريخ بغداد)» ٣٩٦:١٢.
(٧)
٣١٥

فقال: اكتب: حدثني فرج بن فضالة))(١).
قال ابن حجر معلقاً على هذه الحكاية: ((لا يغتر أحد بالحكاية
المروية في توثيقه عن ابن مهدي، فإنها من رواية سليمان بن أحمد،
وهو الواسطي، وهو كذاب))(٢).
وغير خاف أن نقد النصوص المروية عن أئمة النقد بضعف الرواة،
أو انقطاع الإسناد أمره سهل بالنسبة لما ظاهر إسناده الصحة والثبوت،
وهو ما يعرف بأغلاط الثقات، والملاحظ أن أئمة النقد حين تعرضهم
لمثل هذا يستخدمون منهجهم في نقد الأحاديث، كالنظر إلى التفرد،
ومخالفة الثقات، وقد ينضم إلى ذلك أن يكون أحد الناقلين عن الناقد
قد نقل عنه ما يخالف قول أئمة النقد الآخرين، فإن هذا قرينة قوية
يستدل بها الأئمة على وجود خطأ ما في النقل، فقد ذكر ابن أبي حاتم
روايتين مختلفتين عن يحيى بن معين في مبارك بن فضالة، والربيع بن
صبيح، ثم قال: ((اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في مبارك بن
فضالة، والربيع بن صبيح، وأولاهما أن يكون مقبولاً منهما، محفوظاً
عن يحيى - ما وافق أحمد وسائر نظرائه))(٣).
ولا ينبغي أن نستوحش من قيام احتمال خطأ الناقل وإن كان ثقة،
فالنقل عن النقاد داخل في الجملة في باب الرواية، فإذا كان الراوي -
(١) (تاريخ بغداد)) ١٢: ٣٩٤، و((تهذيب الكمال)) ١٦١:٢٣.
((تهذيب التهذيب)) ٢٦٢:٨، وانظر: ((اللسان)) ٧٢:٣.
(٢)
وانظر نصوصاً أخرى في تضعيف الأئمة لما يروى عن بعض النقاد في: ((الكامل))
١: ١٣٤، و((تاريخ بغداد)) ٢٠٩:٤، و((ميزان الاعتدال)) ٥٢٤:١، و((سير أعلام
النبلاء)» ٤٩:٧-٥٠، و((نهاية السول في رواة الستة الأصول)) ٢٨٢:١، ٢٩٤:٣.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ٣٣٩:٨.
٣١٦

وهو ثقة - قد يخطىء على شيخه في إسناد حديث - فإنه قد يخطىء
كذلك في نقل كلامه، ولا سيما إذا أدركنا أن تقييدهم لبعض كلام
شيوخهم قد يكون بعد فترة من سماعه(١).
وسأذكر الآن نماذج من نقد الأئمة لما يرويه الثقات عن بعض
النقاد في الرواة.
فمن ذلك ما رواه ابن محرز قال: ((سمعت يحيى وقلت له: شعبة
حدث عن الحسن قال: كان أبو وائل مختلطاً - من حسن؟ قال: ابن
عمرو - يعني الفقيمي -، فقلت: هذا محفوظ عن شعبة؟ قال: ما ذكره
عنه أحد إلا علي بن الجعد))(٢).
وقال ابن محرز أيضاً: ((سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت عباد
بن عباد يقول: أراد شعبة أن يتكلم في أيوب، وخالد الحذاء، فمشيت
إليه أنا وحماد بن زيد، فكلمناه فقال: لست أفعله - إن شاء الله -،
دعوني حتى أنظر في أمرهما، ثم لقينا بعد في طريق فصاح بنا، ثم
قال: بدا لي أن لا أفعل؛ وذلك أني رأيت أنه لا يحل لي، قال يحيى
بن معين: وذلك أنهما كانا لا يحفظان، قال يحيى بن معين: وكانا
والله ثقتين صالحين صدوقين)(٣).
كذا روى يحيى بن معين هذه القصة بتمامها في أيوب، وخالد،
وقد نقده في ذلك يحيى بن أيوب المقابري، وذكر أنه كان قد ذاكر
يحيى بن معين أولاً بالقصة ليس فيها عود شعبة إلى الكلام فيهما، ثم
(١) انظر مثلاً: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٧٢٢-٧٢٣.
(٢) ((معرفة الرجال)) ١٤٣:١.
(٣) ((معرفة الرجال)) ١٦٦:١.
٣١٧

بلغه أنه يرويها عن عباد وفيها هذه الزيادة، وخطأه في ذلك، وأن
القصة هكذا بتمامها إنما وقعت لشعبة مع عباد بن عباد، وحماد بن زيد
في أبان بن أبي عياش(١).
والراوي عن ابن معين - وهو ابن محرز - قد أشار إلى وهم ابن
معين، فإنه ساق القصة بعد رواية يحيى بن معين لها، ساقها عن
أصحابه، عن ابن المديني، عن عبدالرحمن بن مهدي، عن حماد بن
زيد، وفيها أن المراجعة کانت في راو واحد، لكنه لم يسم، وقد رواها
ابن أبي حاتم، عن صالح بن أحمد بن حنبل، عن ابن المديني (٢).
والأمر كما قال يحيى بن أيوب، وأشار إليه ابن محرز، فالقصة
بتمامها مشهورة في أبان، وهو متروك الحديث، هكذا رواها أحمد،
وأبو داود الطيالسي، عن عباد بن عباد(٣)، وجاءت من طرق عن حماد
بن زيد، وفي بعضها أنه کان معهما ثالث حین کلموا شعبة، وهو جریر
بن حازم، وفي بعضها: ((فإنه يكذب على رسول الله وَلي))(٤).
وقد وقع لشعبة مع جرير بن حازم، وحماد بن زيد قصة أخرى
مشابهة في الحسن بن عمارة، وهو أيضاً متروك الحديث(٥).
وخالد الحذاء أراد شعبة أن يتكلم فيه لنقص وقع في حفظه، وأما
أيوب السختياني فلكونه كان يحفظ ولا يكتب، فربما اختلف عليه، وقد
(١) ((المعرفة والتاريخ)) ٩٩:٢-١٠٠، ١٩٧-١٩٨، وانظر: ((الضعفاء الكبير)) ٤:٢.
(٢)
((الجرح والتعديل)) ٣٣٩:٨.
(٣)
((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٣٦:٢، و((المجروحين)) ٩٦:١.
(الجرح والتعديل)) ١٧١:١، ٢٠:٢، و((الضعفاء الكبير)) ٣٩:١، و((المجروحين))
(٤)
١ :٠٩٦
(٥) ((الضعفاء الكبير)) ٢٣٧:١، و((الكامل)) ٦٩٨:٢.
٣١٨

أشار إلى هذا ابن معين في تعليقه على حكاية عباد بن عباد كما سبق
آنفاً(١)، فمثل هذا لا يستوجب أن يقول شعبة: إنه لا يحل لي السكوت
عنهما .
وقال المروذي: ((قلت له: (يعني لأحمد) ما تقول في سعيد بن
جهمان؟ فقال: ثقة ... ، قلت: يروى عن يحيى القطان أنه سئل عنه
فلم يرضه، فقال: باطل - وغضب -، وقال: ما قال هذا أحد غير علي
بن المديني، ما سمعت يحيى يتكلم فيه بشيء)) (٢).
والمتأخر قد يضطر إلى النظر في بعض ما يروى عن النقاد بهذه
الطريقة، فمن ذلك أن إسماعيل بن رافع المدني ضعفه الجمهور،
وتركه بعضهم، ونقل الترمذي توثيقه عن البخاري، فقال الذهبي بعد أن
ذكر قول الجمهور: ((ومن تلبيس الترمذي قال: ضعفه بعض أهل
العلم، قال: وسمعت محمداً - يعني البخاري - يقول: هو ثقة مقارب
الحديث))(٣).
يريد الذهبي أن الترمذي لم يحكم هذا النقل عن البخاري.
ونقل أبو داود، وعبد الله بن أحمد، وأبو طالب، عن أحمد قوله
(١) وانظر: ((تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين)) ص ٨٠-٨١، و((الضعفاء الكبير)) ٤:٢،
و((شرح علل الترمذي)) ٤٤٦:١-٤٤٧، و((تهذيب التهذيب)) ١٢٢:٣.
(٢) ((علل المروذي)» ص١٠٨ .
وروى الخلال كما في ((المنتخب من علله)) ص٢١٧، عن المروذي معنى هذا،
وفيه: ((قلت: إن عباس بن صالح حكى عن علي بن المديني، عن يحيى القطان
أنه تكلم فيه، فغضب، وقال: باطل، ما سمعت يحيى يتكلم فيه)). وعباس بن
صالح هذا لم أقف على ترجمته إلا عند ابن حبان في ((الثقات)) ٥١٤:٨.
(٣) ((الميزان)) ٢٢٧:١، و(تهذيب التهذيب)) ١: ٢٩٤.
٣١٩

في هارون بن عنترة: ((ثقة))(١)، بينما نقل عنه إسحاق بن هانىء قوله
فيه: ((ضعيف الحديث))(٢)، فلا مناص عن التوقف في نقل إسحاق
هذا، لا سيما واللائق بحال هارون هو ما نقله الجماعة عن أحمد(٣).
وروى العقيلي، عن جعفر بن أحمد بن محبوب، قال: حدثنا
محمد بن إدريس، عن كتاب أبي الوليد بن أبي الجارود، عن يحيى بن
معين، قال: ((ابن لهيعة يكتب عنه ما كان قبل احتراق كتبه)) (٤).
كذا جاء عن ابن معين بهذا الإسناد، والمعروف عنه أنه كان ينفي
احتراق كتب ابن لهيعة، ويحتمل أنه يذكر الاحتراق تنزلاً، فأما التفريق
بين حديثه القديم والجديد فقد تواتر النقل عنه بنفي ذلك، وأنه سواء،
قال ابن الهيثم: ((سمعت يحيى يقول: ابن لهيعة ليس بشيء، قيل
ليحيى: فهذا الذي يحكي الناس أنه احترقت كتبه؟ قال: ليس لهذا
أصل، سألت عنها بمصر))، وقال أيضاً: ((سمعت يحيى يقول: ابن
لهيعة لم يحترق له كتاب قط))(٥).
وروى ابن الجنيد عنه قوله: ((قال لي أهل مصر: ما احترق لابن
لهيعة كتاب قط، وما زال ابن وهب يكتب عنه حتى مات))(٦).
وروى الدورقي، قال: ((قال يحيى بن معين: أنكر أهل مصر
(١) ((سؤالات أبي داود)) ص٣٠١، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٧٢:٢، و((الجرح
والتعديل)) ٩٢:٩.
(٢) ((مسائل إسحاق)) ٢١٣:٢.
((تهذيب التهذيب)) ٩:١١.
(٣)
((الضعفاء الكبير)) ٢٩٥:٢ .
(٤)
(تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين)) ص٩٧، ١١٥.
(٥)
(٦) ((سؤالات ابن الجنيد)) ص٣٩٣.
٣٢٠