Indexed OCR Text

Pages 281-300

فلان يروي عنه)»، أو «لم يرو عنه فلان))، أو («لم یکن فلان يحدث
عنه))، ومرادهم بواسطة، وأما المتأخرون - كما نراه مثلاً في عبارات
المزي في ((تهذيب الكمال)) - فيعبرون عن الرواية بواسطة بعبارة: ((روى
له))(١)، ويضطر محققو الكتب إلى التنبيه على ما يرد في كلام
الأولین(٢).
والاعتراضات التي تقدمت في الحالة الأولى يرد مثلها هنا،
ويجاب عنها بمثل ما تقدم هناك، وكذلك تشدد بعض الأئمة في
الانتقاء، وتسامح بعضهم موجود هنا أيضاً.
وسأكتفي - خشية الإطالة - بذكر بعض النصوص المتعلقة بهذه
الحالة، فمن ذلك قول محمد بن المثنی: «ما سمعت یحیی یحدث عن
سفيان، عن إبراهيم الهجري، وکان عبدالرحمن یحدث عن سفيان،
عنه))(٣).
وقال محمد بن المثنی أيضاً: «ما سمعت یحیی، ولا عبدالرحمن،
حدثا عن سفيان، عن داود بن يزيد الأودي شيئاً قط))(٤).
وقال عمرو بن علي: ((كان يحيى، وعبدالرحمن، لا يحدثان عن
داود بن يزيد الأودي - وهو عم عبدالله بن إدريس -، وكان شعبة،
(١) انظر مثلاً: ((تهذيب الكمال)) ٢٤٧:١، ٢٥١، ٢٥٣، ٢٥٦، ٢٦٢، ٢٦٤، ٢٦٥،
٢٦٦، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨١.
(٢) ((سؤالات أبي داود)) ص٢٣٢ حاشية ٩، ص٣١٧ حاشية ٢، ص٣٤٩ حاشية ٤ .
وسيأتي مزيد إيضاح لهذه القضية في الباب الثاني (الاتصال والانقطاع).
(٣) ((الضعفاء الكبير)) ٦٦:١، و((الكامل)) ٢١٥:١.
(٤) ((الجرح والتعديل)) ٤٢٧:٣، وليس فيه ((شيئاً قط))، و((الضعفاء الكبير)) ٤٢:٢،
و ((الكامل)) ٩٤٧:٣.
٢٨١

وسفيان يحدثان عنه))(١)، ومراده في يحيى، وعبدالرحمن - أي
بواسطة، كما تقدم آنفاً في كلام محمد بن المثنى.
ومثله قول ابن المديني: ((أنا لا أروي عن داود بن يزيد بن
عبدالرحمن الأودي، وكان أبوه ثبتاً)(٢).
وقال عمرو بن علي في شهر بن حوشب: «کان یحیی لا یحدث
عنه، وكان عبدالرحمن يحدث عنه))(٣)، ومراده بواسطة، فإنهما لم
یدر کاه .
وكذا قال ابن المديني في شهر: ((أنا أحدث عنه، وكان عبدالرحمن
يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمعا عليه، يحيى،
وعبدالرحمن -، يعني على تركه -، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عن
شهر»(٤) .
وقال أبو داود: ((سمعت أحمد سئل عن شهر، فقال: لا بأس به،
قلت: كان يحيى يحدث عنه؟ قال: لا أدري، ما أعلم سمعت منه عنه
شيئاً، قال أحمد: وقد روى شعبة، عن معاوية بن قرة، عن شهر، وأنا
أحتمله وأروي عنه، من يصبر عن تيك الأحاديث التي عنده؟))(٥).
وقول أحمد في رواية شعبة، عن معاوية بن قرة، عن شهر - يشبه
ما تقدم في كون الراوي قد يروي عن الشخص لا على سبيل الرواية،
(١) ((الضعفاء الكبير)) ٤٢:٢، و((الكامل)) ٩٤٧:٣.
(٢) ((الضعفاء الكبير)) ٤١:٢.
((الكامل)) ٤: ١٣٥٥، و((الجرح والتعديل)) ٣٨٣:٤.
(٣)
(٤)
((تهذيب الكمال)) ١٢ : ٥٨٣.
(٥) ((سؤالات أبي داود)) ص٣٤٩.
٢٨٢

فقد روى شعبة، عن معاوية بن قرة، قال: حدثني من سمع ابن عباس،
قال: فقلت لمعاوية: من حدثك؟ قال: حدثني شهر بن حوشب(١)،
وشعبة قد لقي شهراً، ولكنه لم يعتد به، وكان يتكلم فيه (٢).
وقال أبو داود: ((قلت لأحمد: صالح مولى التوأمة؟ قال: لقيه
مالك - زعموا - بعد ما كبر، قلت لأحمد: هو مقارب الحديث، قال:
أما أنا فأحتمله، وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع حجة - فلا))(٣).
وقال أيضاً: ((سمعت أحمد يحدث عن رباح بن أبي معروف))(٤).
وقال البخاري: ((أسامة، وعبدالله، ابنا زيد بن أسلم لا بأس بهما،
وذكرهما علي بن عبدالله بخير، وأما عبدالرحمن بن زيد بن أسلم فلا
أروي عنه))(٥).
وكذا قال أبو داود: ((أنا لا أكتب حديث عبدالرحمن، وعبدالله
أمثل منه، وأسامة ضعيف، قليل الحديث))(٦).
في نصوص كثيرة جداً تدل على أن روايتهم للراوي شيئاً من حديثه
يدل على قبولهم له، إذا كان ذلك على سبيل الرواية، وأن ترکهم له إن
(١) (تهذيب الكمال)) ٥٨٦:١٢، وانظر قصة أخرى لشعبة شبيهة بهذه، لكن عن غير
معاوية بن قرة في: ((الجرح والتعديل)) ١٦٧:١، و((الضعفاء الكبير)) ١٩٢:٢،
و((الكامل)) ٤: ١٣٥٤، و((المحدث الفاصل)) ص٣١٣.
(٢) ((الضعفاء الكبير)) ١٩١:٢، و((الكامل)) ٤: ١٣٥٥، ١٣٥٦، و(تهذيب الكمال))
١٢ :٠٥٨١
(٣) ((سؤالات أبي داود)» ص٢٠٨، لكن وقع فيه: ((موضع مجد))، والتصويب من
المخطوط .
(٤)
((سؤالات أبي داود)» ص٢٣٢ .
(٥)
((العلل الكبير» ٩٦٩:٢.
(٦) (تهذيب الكمال)) ١٤ : ٥٣٨.
٢٨٣

كان من أجل حديثه فهو عندهم متروك الحديث، لا ينبغي أن يروى له.
القسم الثاني: الانتقاء الخاص للرواة.
والمقصود بهذا القسم أن جمعاً من النقاد تصدى لتأليف كتاب
بشرط خاص، ينتقي فيه الرواة - سواء كانوا من شيوخه، أو ممن يروي
عنه بواسطة - انتقاء خاصاً، يزيد على درجة الانتقاء العام الماضي في
القسم الأول.
ولإيضاح ذلك سأضرب مثلاً مختصراً وهو الإمام البخاري في
((صحيحه))، فالبخاري أحد من ينتقي الرواة الانتقاء العام، وقد عبر عن
ذلك بقاعدة ذكرها، فقال في زمعة بن صالح: ((ذاهب الحديث، لا
يدري صحيح حديثه من سقيمه، أنا لا أروي عنه، وكل من كان مثل
هذا فأنا لا أروي عنه))(١).
لكن البخاري في ((صحيحه)) ينتقي الرواة انتقاء خاصاً يزيد على ما
ذكره في هذه القاعدة، ولهذا أعرض عن حديث جماعة من
المتوسطين، كسماك بن حرب، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن
إسحاق، وربما أعرض عن حديث بعض الثقات الذين يخطئون أحياناً،
کحماد بن سلمة .
وهو في كتبه الأخرى مثل كتابه: ((الأدب المفرد)) يخرج لهؤلاء،
بل يخرج لمن دونهم ممن لا يدخل تحت قاعدته السابقة، فلم يصل
إلى حد الترك عنده، وشرح هذا يطول.
(١) ((العلل الكبير)) ٩٦٧:٢، وانظر: ١٢٠:١، ٩٧٣:٢، ٩٧٨.
٢٨٤

وهذه الكتب التي انتقى أصحابها أحاديثها، عرفت بالكتب
الصحاح، مثل ((صحيح البخاري))، و((صحيح مسلم))، و((صحيح ابن
خزيمة))، و((صحيح ابن حبان))، ويلتحق بها الكتب المستخرجة على
((الصحيحين)) أو أحدهما، مثل ((مستخرج أبي عوانة على صحيح
مسلم))، وربما أطلق عليه اسم الصحيح(١)، و((مستخرج الإسماعيلي
على صحيح البخاري))، سمي بالصحيح أيضاً(٢)، و((مستخرج البرقاني
على الصحيحين)).
ويلتحق بها أيضاً مثل كتاب ((المنتقى)) لابن الجارود، قال فيه
الذهبي: ((مجلد واحد في الأحكام، لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبداً،
إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد))(٣).
ولا يختلف اثنان من المنتسبين لهذا العلم على أن أعلى هذه
الكتب، وأحسنها انتقاء: كتابا البخاري ومسلم، سواء من جهة
الأحاديث المنتقاة، أو من جهة رواة هذه الأحاديث، وهو ما نحن
بصدده الآن.
ولهذا السبب اعتنى الأئمة برواتهما، وتتبعوهم واحداً واحداً، وفي
ذلك مؤلفات عديدة، كما يذكرون في سياق تعديل الراوي أنه من رجال
الشيخين، أو من رجال البخاري، أو من رجال مسلم، واشتهرت بينهم
كلمة أبي الحسن المقدسي التي نقلها عنه ابن دقيق العيد، في حق من
أخرج له في الصحيح. قال ابن دقيق العيد: ((وكان شيخ شيوخنا
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٤ : ٤١٧.
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٢٩٣:١٦، ١٧: ٤٦٧، و((تذكرة الحفاظ)) ٩٤٩:٣.
((سير أعلام النبلاء)) ٢٣٩:١٤.
(٣)
٢٨٥

الحافظ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل يخرج عنه في الصحيح:
هذا جاز القنطرة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، وهكذا
نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا ببيان شاف وحجة
ظاهرة ... ))(١).
والباحث الآن يوصى بذلك أيضاً، فيوضح في سياقه لترجمة
الراوي - ولا سيما إن كان فيه جرح وتعديل - أنه قد أخرج له في
الكتابين أو أحدهما، ويوصى كذلك بتتبع كيفية إخراجهما له، وهو أمر
بالغ الأهمية، فإن بعض الرواة في ((صحيح البخاري)) إنما أخرج لهم
البخاري تعليقاً فقط، وهم الذين يعبر عنهم بعض الأئمة بأن البخاري
أخرج لهم اعتباراً(٢)، وبعضهم يعبر عن ذلك بأن البخاري روى لهم
استشهاداً، أو يقولون: استشهد به البخاري(٣)، وربما بينوا ذلك،
فيقولون: ((استشهد به البخاري، ولم يرو له)) (٤)، أو ((استشهد به
البخاري تعليقاً)(٥)، وكأنهم فعلوا ذلك خوف الاشتباه بالتخريج للراوي
موصولاً في الشواهد أيضاً، وربما التبس هذا على بعض الباحثين فلم
يميز (٦).
ثم الرواة الذين أخرجا لهم موصولاً ليسوا على درجة واحدة،
(١) ((الاقتراح)) ص١٢٧، وانظر: ((هدي الساري)) ص٣٨٤، و((فتح المغيث)) ١٩:٢.
(٢) ((ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات، عند البخاري
ومسلم)) للدار قطني ٤٣٥:٢ .
(تهذيب الكمال)) ١١:٢، ٢٢٤، ٣٥٠، ٤٩٣، ٥١٤، ... ، و((الموقظة)) ص٧٩.
(٣)
(٤)
((سير أعلام النبلاء)) ٤ : ٥٣١ .
(٥)
«هدي الساري» ص٥٩٩ .
(٦) انظر: حاشية ((تهذيب الكمال)) ٣٥١:٢، وحاشية ((الموقظة)) ص٧٩.
٢٨٦

فمنهم من أخرجا له في الأصول، أي أنهما اعتمدا عليه وحده، ولو في
بعض حديثه، ومنهم من أخرجا له في المتابعات، والشواهد، أو مقروناً
بغيره، بل ربما جرى ذكر بعض الرواة في أسانيد عند الشيخين ولم
يقصدا التخريج لهم(١).
فالراوي متى أخرجا له في الأصول فهو توثيق له عندهما، وإذا
أخرج له واحد منهما فهو توثيق منه له كذلك، وعليه فكل من أخرجا له
أو أحدهما بهذه الصفة فهو ثقة عند من أخرج له، فإن كان فيه توثيق
صريح ضم إليه، وإن لم يكن فصنيعهما توثيق له، فليس فيمن أخرجا
له أو أحدهما على هذا الوصف من هو مجهول الحال(٢)، ولا ريب أن
ارتضاءهما للراوي قد يكون أقوى من توثيق مجرد منقول عن أحد
النقاد .
هذا هو الأصل، لا يخرج عنه إلا بدليل ظاهر قوي، وسأضرب
لذلك مثالاً واحداً، فقد أخرج البخاري ومسلم لعتبة بن مسلم المدني،
وقد روى عنه جماعة من أهل المدينة، ولم ينص أحد على توثيقه،
وأخرج له البخاري حديث أبي هريرة في (الذباب إذا وقع في الإناء)،
عن عبيد بن حنين، عن أبي هريرة(٣)، وهذا الطريق أقوى طرق هذا
الحديث، وما عداه فلا يسلم من كلام، فاعتماد البخاري عليه في هذا
الحدیث توثيق له بلا ريب.
(١) سيأتي شرح هذا مفصلاً في الكلام على مصطلح((شرط الشيخين))، في نهاية الباب
الثاني (الاتصال والانقطاع).
(٢) انظر: ((الموقظة)) ص ٨٠، و((هدي الساري)) ص٣٨٤.
(٣) ((صحيح البخاري)) حديث ٣٣٢٠، ٥٧٨٢ .
٢٨٧

وأما غير هذين الكتابين من الكتب التي تقدمت الإشارة إليها آنفاً
فإننا نجد في تراجم بعض الرواة الإشارة إلى أن ابن خزيمة يصحح له،
أو ابن حبان، أو أبا عوانة، ولا شك أن هذا عمل سائغ، ولكن يبقى
النظر في درجة انتقاء هؤلاء الأئمة لرواتهم المعروفين، ولا يخفى أنهم
جميعاً لا يدانون عمل البخاري ومسلم، وقد ذكر ابن حجر أن ابن
خزيمة، وابن حبان يحتجان بأحاديث أهل الطبقة الثانية الذين يخرج
لهم مسلم أحاديث في المتابعات، كابن إسحاق، وأسامة بن زيد
الليثي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغير
هؤلاء(١).
وما قاله ابن حجر أمر ظاهر، ولهذا نص هو وغيره على أن كثيراً
من أحاديث الكتابين هي في عداد الحسن، وأن هذا اصطلاح لهما
يدرجانه في الصحيح (٢).
فإذا ضم إلی ذلك جانب آخر ۔ سیأتي الحديث عنہ مفصلاً - وهو
جانب علل الأحاديث فإنني أقول إن منزلة الكتابين لا تعدو بحال ((سنن
أبي داود))، و((سنن النسائي))، بل إن الأخير فوقهما.
ويضاف إلى ذلك أن ابن خزيمة قد شحن ((صحيحه)) بأحاديث لا
يرى صحتها، ويذكرها للنقد، فيتنبه لذلك.
وإذا كان هذا حال الكتابين - مع شهرتهما - فإن غيرهما من باب
أولى، ولهذا فلا أجد غضاضة في القول بأن انتقاء الرواة فيما عدا
(١) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٢٩١:١.
(٢) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٢٩٠:١، ٢٩١، و((فتح المغيث)) ١٧ :٤٣.
٢٨٨

((الصحيحين)) غايته أن يندرج تحت الانتقاء العام الماضي في القسم
الأول، والله أعلم.
ولابد من كلمة هنا عن ((مستدرك الحاكم))، فلم يتقدم له ذكر، مع
أنهم يوردونه في الكتب التي يؤخذ منها الحديث الصحيح مما ليس في
((الصحيحين))، فإن غرضه من كتابه الاستدراك عليهما، غير أن الحاكم
قصر جداً في تطبيق شروطهما، فملأ كتابه بالأحاديث الضعيفة، وكثر
فيه أيضاً ما هو في عداد الأحاديث الموضوعة ، فإذا أخرج لراو لم
ینفعه ذلك شيئاً، والله أعلم.
٢٨٩

المبحث الثالث
مراتب أحكام النقاد على الرواة
عرفت هذه المراتب بـ((مراتب الجرح والتعديل))، أو ((مراتب ألفاظ
الجرح والتعديل))، على اعتبار أن أحكام النقاد اللفظية هي التي يسهل
تصنيفها ووضع مراتب لها، ويلحق بها ما هو من أحكامهم العملية.
كما اشتهر أيضاً أن ابن أبي حاتم المتوفى سنة ٣٢٨هـ هو أول من
ذكر مراتب للجرح والتعديل(١)، وهو كلام حق من جهة أن ابن أبي
حاتم ذكرها مجتمعة مرتبة، ولكن إذا عرفنا أن هذه المراتب خلاصة
موضوع الجرح والتعديل كله؛ إذ هي تقسيم للرواة بحسب أحكام النقاد
عليهم، ثم الموقف من أصحاب كل مرتبة قبولاً لحديثه أو رداً، ودرجة
هذا القبول والرد، وعرفنا أن أحكام النقاد على أحاديث هؤلاء الرواة
بناء على مراتبهم متقدمة على عصر ابن أبي حاتم بكثير - أدركنا بسهولة
أن هذه المراتب كانت موجودة في عصر النقاد الأوائل، أما تطبيقاً
وعملاً فلا إشكال في ذلك، وأما من أقوالهم وعباراتهم فإن المتأمل
فيما نقل عنهم، الجامع بين أطراف كلامهم، سيجد أصل هذا التقسيم
لمراتب الرواة موجوداً في كلام النقاد الأولين.
فالناظر في العبارات نفسها يجدها متفاوتة، سواء في الجرح أو في
التعديل، إما من جهة دلالتها اللغوية، أو من جهة تكرارها وعدمه، أو
من قرائن أخرى تحيط بعبارة الناقد.
ثم إننا نجد في كلام النقاد عبارات في التقسيم نفسه، فقد تقدم في
(١) انظر: ((مقدمة ابن الصلاح)) ص٢٣٧، و((فتح المغيث)) ١٠٨:٢.
٢٩٠

المبحث الذي قبل هذا قول شعبة: ((لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم
أحدثكم إلا عن ثلاثة))، وأن مراده بذلك من هم في الذروة من الثقة
والضبط، وتقدم كذلك عن غيره من الأئمة ما يوضح كلامه، فالرواة
الثقات إذن على مراتب.
وقد استدل ابن أبي حاتم على وضع مراتب لألفاظ الجرح
والتعديل بما تقدم عن عبدالرحمن بن مهدي وقد قيل له: أبو خلدة
ثقة؟ فقال: ((كان صدوقاً، وكان مأموناً، الثقة: سفيان وشعبة))، قال
ابن أبي حاتم: ((فقد أخبر أن الناقلة للآثار والمقبولين على منازل، وأن
أهل المنزلة الأعلى: الثقات، وأن أهل المنزلة الثانية: أهل
الصدق))(١).
وتقدم أيضاً في المبحث الثالث من الفصل الأول كلام كثير للنقاد
حول المقارنة بين بعض الرواة، الثقات منهم والضعفاء، وهو يدل أيضاً
على أنهم على مراتب متفاوتة.
وفي موضوع انتقاء بعضهم لشيوخهم ولمن يروون له تبين أن من
الرواة من هو متروك الحديث لا يكتب حديثه، أو لا يحدث عنه، وأن
منهم من يكتب حديثه ويحدث عنه، وقد تقدم شرح هذا في المبحث
السابق، فهذا أيضاً تقسيم إجمالي للرواة المتكلم فيهم.
وأول من وقفت على كلام له في تصنيف الرواة على مراتب
عبدالرحمن بن مهدي، قال محمد بن المثنى: قال لي عبدالرحمن بن
مهدي: ((احفظ عني: الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف
(١) ((الجرح والتعديل)) ٣٧:٢.
٢٩١

فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك ، ولو ترك
حديث مثل هذا لذهب حديث الناس، وآخر الغالب على حديثه الوهم،
فهذا يترك حديثه))(١).
وبنحو تصنيف ابن مهدي لمراتب الرواة وأحكام هذه المراتب
صنفهم أيضاً مسلم بن الحجاج، والترمذي.
فأما مسلم ففي مقدمة ((صحيحه))، فذكر لهم ثلاث مراتب، الأولى
للثقات الذين لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش،
والثانية لمن دون أولئك ممن يشملهم اسم الستر والصدق، ولم يوصفوا
بالحفظ والإتقان، والثالثة لقوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند
الأكثر منهم، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، وشرح
هذه المراتب، وضرب أمثلة لها من الرواة، مقارناً بينهم(٢).
وأما الترمذي ففي ((العلل الصغير))، وأفاض في الحديث عن هذه
المراتب، وعن أحكام أصحابها، وذكر في المرتبة الثانية خلافاً بين أهل
العلم في الرواية عنهم، فعن يحيى بن سعيد القطان أنه ترك الرواية
عنهم، وعن الجمهور خلافه، وأشار في نهاية كلامه إلى أن ما ذكره هو
كلام مجمل يمكن تفصيله، فقال: ((والكلام في هذا والرواية عن أهل
العلم تكثر، وإنما بينا منه شيئاً على الاختصار، ليستدل به على منازل
أهل العلم، وتفاضل بعضهم على بعض في الحفظ والإتقان، ومن تكلم
فيه من أهل العلم لأي شيء تكلم فيه))(٣).
(١) ((التمييز)) ص١٧٩، و((الكامل)) ١٦٦:١، و((الجرح والتعديل)) ٣٨:٢.
(٢)
«صحیح مسلم)) ١ :٥-٧ .
(٣) (سنن الترمذي)) ٧٤٠:٥-٧٥١، وانظر: ((شرح علل الترمذي)) ٣٧٠:١_٤٩٩.
٢٩٢

وفي رأيي أن ما ذكره ابن مهدي، ومسلم، والترمذي، هو الأساس
الأول لوضع مراتب للرواة، وإعطاء كل مرتبة حكمها اللائق بها، وأن
من جاء بعدهم إنما اشتغل بتفصيل المراتب الثلاث.
وممن فعل ذلك ابن أبي حاتم، في كتابه ((الجرح والتعديل))، فقد
صنفهم بطريقتين، الأولى مراتب للرواة عامة، قريبة جداً من كلام ابن
مهدي ومن معه، وقد فعل ابن أبي حاتم ذلك مرتین، باختلاف یسیر،
قال ابن أبي حاتم: ((فمنهم الثبت، الحافظ، الورع، المتقن، الجهبذ
الناقد للحديث - فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه
وتعديله، ويحتج بحديثه، وكلامه في الرجال.
ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع
في دينه، الحافظ لحديثه المتقن فيه - فذلك العدل الذي يحتج بحديثه،
ویوثق في نفسه.
ومنهم الصدوق، الورع، الثبت، الذي يهم أحياناً، وقد قبله
الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه.
ومنهم الصدوق، الورع، المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ
والغلط والسهو - فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب، والزهد،
والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.
وخامس قد ألصق نفسه بهم، ودلسها بينهم، ممن ليس من أهل
الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة
منهم: الكذبُ - فهذا يترك حديثه، وتطرح روايته))(١).
(١) ((الجرح والتعديل)) ١: ١٠، وانظر: ٦:١.
٢٩٣

فزاد ابن أبي حاتم على من سبقه المرتبة الأولى، وهي مرتبة
النقاد، ويظهر أن ابن أبي حاتم إنما ذكرها ليبين منزلتهم في النقد،
وقبول كلامهم في الرجال، وفي الأحاديث، وأما من جهة الرواية
والتقديم فيها فقد جعلهم بمنزلة المرتبة الثانية.
وكذلك فصل ابن أبي حاتم في المرتبة الثالثة عند من سبقه،
فجعلها مرتبتين، هما الرابعة والخامسة، لأنه أراد أن يبين أن هناك فرقاً
دقيقاً بين من الغالب على حديثه الوهم والغلط، لكنه عن غفلة وسوء
حفظ، وبين الكذاب، أو المتهم بالكذب، والفارق بينهما - حسب ما
ذكره - أن الأول يجوز أن يكتب من حديثه الترغيب والترهيب،
والزهد، والآداب، ولعله أراد مالم يصل إلى حد أن يحكم عليه بأنه
متروك الحديث، فسيأتي قريباً في كلامه أن متروك الحديث لا يكتب
حديثه مطلقاً .
هذا بالنسبة لمراتب الرواة عند ابن أبي حاتم، ثم إنه خطا خطوة
مهمة جداً لابد منها للاستفادة من مراتب الرواة السابقة وتطبيق أحكامها
ـ وفي كلام الأئمة الذين ألفوا في المصطلح ما يشير إلى أنه غير مسبوق
بهذه الخطوة (١) - وهي وضع مراتب لألفاظ الأئمة في أحكامهم على
الرواة، فبها يعرف أين يوضع الراوي في مراتب الرواة، ويأخذ حكمه
اللائق به.
وابن أبي حاتم كان أكثر تفصيلاً في مراتب ألفاظ الجرح والتعديل،
فقد جعل لكل واحد منهما أربع مراتب، قال ابن أبي حاتم: ((وجدت
(١) انظر: ((مقدمة ابن الصلاح)) ص٢٣٧، و«فتح المغيث)) ١٠٨:٢.
٢٩٤

الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى، فإذا قيل للواحد: إنه
ثقة، أو متقن ثبت ۔ فهو ممن یحتج بحديثه.
وإذا قيل له: إنه صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به - فهو
ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية.
وإذا قيل: شيخ - فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا
أنه دون الثانية.
وإذا قیل: صالح الحدیث - فإنه یکتب حديثه للاعتبار.
وإذا أجابوا في الرجل بلين الحديث - فهو ممن يكتب حديثه وينظر
فيه اعتباراً.
وإذا قالوا: ليس بقوي - فهو بمنزلة الأولى في كتب حديثه، إلا أنه
دونه .
وإذا قالوا: ضعيف الحديث - فهو دون الثاني، لا يطرح حديثه،
بل يعتبر به.
وإذا قالوا: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث أو كذاب - فهو
ساقط الحديث، لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابعة))(١).
ثم تتابع الأئمة بعد ابن أبي حاتم على تتميم عمله، تفصيلاً،
ومراجعة، وشرحاً، وممن قام بذلك: ابن الصلاح، والذهبي،
(١) ((الجرح والتعديل)) ٣٧:٢، و((الكفاية)) ص٢٣، و((مقدمة ابن الصلاح))
ص٢٣٧_٢٣٩، والعبارة في المصدرين الأخيرين فيما يتعلق بالمرتبة الأولى من
مراتب التعديل هكذا: ((إذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن، فهو ممن يحتج
بحديثه))، ليس فيهما (ثبت))، فيحتمل أن يكون صواب العبارة في ((الجرح
والتعديل)): ((ثقة ، أو متقن، أو ثبت)).
٢٩٥

والعراقي، والسخاوي(١).
فاتفق الثلاثة الأخيرون على تفصيل المراتب التي ذكرها ابن أبي
حاتم، فالمرتبة الأولى من مراتب التعديل جعلها الذهبي، والعراقي -
تبعاً له -، مرتبتين، وجعلها السخاوي أربع مراتب، واتفق الثلاثة على
ضم المرتبتين الأخيرتين من مراتب التعديل في مرتبة واحدة، فقولهم :
شيخ، جعلوها كقولهم: صالح الحديث، ونقلوا إلى هذه المرتبة أيضاً
قولهم: محله الصدق، وابن أبي حاتم جعلها مع قولهم: صدوق، ولا
بأس به، فتحصل أن مراتب التعديل عند الذهبي، والعراقي بقيت كما
هي في العدة: أربع مراتب، وعند السخاوي صارت ست مراتب.
وأما مراتب الجرح فكان تفصيلهم في المرتبة الأخيرة عند ابن أبي
حاتم، فجعلها الذهبي، والعراقي - تبعاً له - ثلاث مراتب، وجعلها
السخاوي - وقد نقل هذا أيضاً عن الذهبي - أربع مراتب، واتفق الثلاثة
على ضم المرتبتين: الثانية، والثالثة عند ابن أبي حاتم في مرتبة
واحدة، هي الثانية عندهم، فجعلوا قولهم: ضعيف الحديث في المرتبة
الثانية أيضاً؛ فصارت مراتب الجرح عند الذهبي، والعراقي: خمس
مراتب، وعند السخاوي - وقد نقله عن الذهبي أيضاً - ست مراتب(٢).
(١) ((مقدمة ابن الصلاح)) ص٢٣٧ -٢٤٠، و((الميزان)) ٤:١، و((لسان الميزان)) ٨:١،
و((شرح العراقي لألفيته)) ٣:٢-١٣، و((فتح المغيث)) ١٠٨:٢-١٣٠، و((ضوابط في
الجرح والتعديل)) ص١٥٨-١٧٢ .
(٢) عبارة الذهبي في الميزان)) ٤:١، ـ وهي في ((اللسان)) ٨:١ أيضاً - فيها مراتب
الجرح خمس مراتب، والعراقي صرح بأنه ينقل من ((الميزان))، وقد نقل السخاوي
في ((فتح المغيث)) ١٢٧:٢، عن الذهبي نحو هذه العبارة فذكرها ست مراتب،
وأرجح أن هذا هو الصواب، فالعبارة في ((الميزان)) يظهر من سياقها أن فيها سقطاً،
وقد وقع هذا أيضاً جزماً في عبارته في مراتب التعديل.
٢٩٦

فتحصل مما تقدم أن مراتب الجرح والتعديل مجتمعة عند الذهبي
تسع مراتب، أو عشر مراتب، وعند العراقي تسع مراتب، وعند
السخاوي اثنتا عشرة مرتبة .
وبالإضافة إلى ما تقدم فقد زاد هؤلاء الأئمة - ابتداء من ابن
الصلاح - كثيراً من ألفاظ الجرح والتعديل مما لم يذكره ابن أبي حاتم،
وألحقوها بالمراتب اللائقة بها، فعلوا ذلك من غير استقصاء، مع
تمنيهم لذلك، كما قال السخاوي: ((من نظر في كتب الرجال ... ظفر
بألفاظ كثيرة، ولو اعتنى بارع بتتبعها، ووضع كل لفظة بالمرتبة
المشابهة لها، مع شرح معانيها لغة واصطلاحاً - لكان حسناً، وقد كان
شيخنا (يعني ابن حجر) يلهج بذكر ذلك، فما تيسر، والواقف على
عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم، في غالب
الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك))(١).
وما أشار إليه السخاوي حق، فما ذكروه من ألفاظ الجرح والتعديل
هو الذي يتكرر على ألسنة النقاد، وما لم يذكروه - وهو كثير جداً -
أكثره من عباراتهم القليلة الاستعمال، ومما هو حكاية عن أقوالهم من
قبل تلاميذهم أو من بعدهم، وهذه يمكن إلحاقها بالمرتبة اللائقة بها
حين يقوم الباحث بدراسة راو معين، بمساعدة قرائن الأحوال، كأقوال
الإمام الأخرى، وأقوال النقاد الآخرين، ونحو ذلك.
وقد تصدى لجمع ألفاظ الجرح والتعديل وإلحاق ما لم يذكروه
بمرتبته الشيخ أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل من المعاصرين في
(١) ((فتح المغيث)) ١٠٩:٢.
٢٩٧

كتابه: ((شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل))، بذل فيه جهداً
مشكوراً.
ومما يلاحظ في صنيع الأئمة الذين نظروا في كلام ابن أبي حاتم
أنهم وإن خالفه أكثرهم في تفصيل بعض مراتبه، وضم مراتب أخرى،
إلا أنهم كلهم وافقوه في الأمر المهم هنا، وهو أحكام مراتب الجرح
والتعديل، فالمرتبة الأولى من مراتب التعديل، وهي التي فصلها
الذهبي والعراقي إلى مرتبتين، وفصلها السخاوي إلى أربع مراتب - بقي
حكم أهلها، وأنهم يحتج بهم، غاية ما فعلوه إذن أنهم جعلوا الثقات
على مراتب، دفعهم لذلك الحاجة إلى الموازنة بين الثقات حين
الاختلاف، ــ كما سيأتي في الباب الثالث -، وابن أبي حاتم نظر إلى
اتفاقهم في الحكم، وهو الاحتجاج بحديثهم كلهم.
والمراتب الثلاث الأخيرة من مراتب التعديل عند ابن أبي حاتم
جعلها الذهبي، والعراقي، والسخاوي - مرتبتين فقط، وكذا الثلاث
الأولى من مراتب الجرح، جعلوها مرتبتين فقط، واتفقوا معه على أن
أصحاب هذه المراتب مع تفاوتهم لا يحتج بحديثهم ابتداء، وإنما
یکتب وینظر فيه.
والمرتبة الأخيرة من مراتب الجرح عند ابن أبي حاتم جعلها
الذهبي، والعراقي ثلاث مراتب، وجعلها السخاوي - ونقله أيضاً عن
الذهبي - أربع مراتب، وقصدوا بذلك أن أصحاب هذه المرتبة عند ابن
أبي حاتم ليسوا على صفة واحدة، فمنهم من عرف واشتهر بوضع
الحديث، ومنهم من رمي به، ومنهم من اتهم بذلك، ومنهم من ألحق
بهؤلاء وإن كان يرتكب ما يرتكب عن غير عمد، وإنما يقع منه بسبب
٢٩٨

غفلته، مع اتفاق هؤلاء الأئمة مع ابن أبي حاتم في الحكم، وهو أن
حديث هؤلاء كلهم متروك، لا يكتب، ولا يعتبر به، ولا يلتفت إليه.
ويبقى هنا قضيتان لابد من التعرض لهما، إحداهما: أن ابن
الصلاح شرح قول ابن أبي حاتم في المرتبة الثانية من مراتب التعديل:
((إذا قيل إنه صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به - فهو ممن يكتب
حديثه وينظر فيه)»، بقوله: ((هذا كما قال، لأن هذه العبارات لا تشعر
بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويختبر، حتى يعرف ضبطه، وقد تقدم
بيان طريقه في أول هذا النوع، وإن لم نستوف النظر المعرف لكون
ذلك المحدث في نفسه ضابطاً مطلقاً، واحتجنا إلى حديث من حديثه -
اعتبرنا ذلك الحديث، ونظرنا هل له أصل من رواية غيره ... )) (١).
وكأن ابن الصلاح أراد أن يفرق بين كتابة حديث الراوي والنظر فيه
الذي ذكره ابن أبي حاتم في هذه المرتبة، وفي التي تليها أيضاً، وبين
كتابة حديثه اعتباراً الذي ذكره ابن أبي حاتم في المرتبة الرابعة من
مراتب التعديل، وفي المراتب الثلاث الأولى من مراتب الجرح.
وقد نقل كلام ابن الصلاح جماعة ممن جاء بعده، ولم يعترضوه
بشيءٍ(٢)، وهو مشكل، إذ مؤداه أن الناقد إذا قال في الراوي: صدوق،
أو ليس به بأس، أو محله الصدق، أو صالح الحديث - فهو لم يستوف
النظر في حديثه لسبب ما، وترك ذلك لمن جاء بعده، وهذا بعيد جداً
من مراد ابن أبي حاتم لمن تأمله، فغرضه ذكر مراتب ألفاظ الجرح
والتعديل، وحكم أصحابها، بعد استيفاء النقاد للنظر في الراوي،
(١) ((مقدمة ابن الصلاح)) ص٢٣٨ .
(٢) ((فتح المغيث)) ١١٦:٢-١١٧.
٢٩٩

وإطلاقهم تلك الألفاظ، فالناقد إذا قال: فلان صدوق، أو ليس به
بأس، أو محله الصدق، أو صالح الحديث - قد استوفى النظر ولابد،
وابن أبي حاتم يبين ما هو الموقف من حديث هؤلاء الذين صدرت في
حقهم تلك الألفاظ من قبل النقاد، كما هو الحال بالنسبة لأصحاب
المراتب الأخرى، ولا فرق.
وحينئذ ما الفرق بين كتابة حديث الراوي والنظر فيه، وبين كتابة
حديثه اعتباراً؟ إن قلنا إنه مجرد اختلاف عبارة، فالجميع لا يحتج بهم
إذا انفردوا، وحديثهم جميعاً يكتب وينظر فيه للاعتبار والاعتضاد، - مع
تفاوتهم - فالأمر لا يحتاج إلى تفريق، ولكن يظهر لي أن ابن أبي حاتم
قصد التفريق بينهما، فمن يكتب حديثه وينظر فيه قد يحتج به لوحده
بقرائن تحتف بحديثه وروايته المعينة، فيلتحق في ذلك الحديث وتلك
الرواية بأدنى أصحاب المرتبة الأولى وهم الثقات، فيصحح حديثه،
ويحتج به، وإن كان هو في الجملة دونهم، وأما من يكتب حديثه
اعتباراً فلا يحتج به لوحده مطلقاً، وإنما قد يعضد حديث غيره، أو
يعضده حديث غيره، مع اشتراك الجميع - من يكتب حديث وينظر فيه،
ومن يكتب حديثه اعتباراً - في أن حديثهم ابتداء لا يحكم له بحكم
معين، قبل استيفاء النظر في رواية غيرهم.
القضية الثانية: يطلق بعض الأئمة وكثير من الباحثين أوصافاً محددة
على الأسانيد التي يوجد بها من هو في المراتب الثلاث الأخيرة من
مراتب التعديل، والثلاث الأولى من مراتب التجريح عند ابن أبي
حاتم، وما يعادلها عند من جاء بعده وتصرف في مراتبه، فإذا وجد في
الإسناد من هو من أصحاب المرتبة الثانية أو الثالثة من مراتب التعديل
٣٠٠