Indexed OCR Text
Pages 61-80
وموضوع التلقين وأثره في الرواة بحاجة إلى دراسة مستقلة، فإن التلقين بالقراءة على الراوي من غير حديثه، فيقر به، أو بأن يدفع إليه من غير حديثه فيقرأه - من التلقين الجلي، وهو أشهر صور التلقين وأكثرها شيوعاً، وهناك صور من التلقين خفية، مثل أن يُلَفَّن حديثه هو، أو يُحَدِّث من كتاب غيره، أو ينظر في كتاب غيره وهو يحدث، أو ينسخ من كتاب الغير ما سمعه هو من شيخه، أو يستفهم جليسه عن شيء من متن الحديث أو إسناده لم يسمعه جيداً من شيخه وهو يحدث، أو يعتمد على إملاء بعض تلامذة الشيخ، أو يروي حديثاً على وجه خاطىء فیصححه له أحد ممن سمعه، أو یذگِّره غيره بحدیث کان يحفظه، والضرير إذا كتب له ثم لقن ما كتب ليحفظه، ونحو ذلك، فالراوي متى حدث في هذه الصور ولم يبين فهو نوع من التلقين؛ إذ الأصل في الراوي أن يعتمد على مسموعه ومحفوظه فقط، ولا علاقة له بغيره، فغيره قد تكون روايته مخالفة لروايته هو، وقد يكون فيها مخطئاً، إما عن تعمد، أو عن غير تعمد، وبعض الأئمة يتسامحون في بعض هذه الصور، ومنهم من يتشدد، حتى إن بعضهم إذا اختلف ما يحفظه عما في كتابه هو بين ذلك، فيقول: في حفظي كذا، وفي كتابي كذا(١). المغيث)) ١٠٣:٢. (١) ينظر في هذه الصور ونحوها: ((سؤالات أبي داود)» ص٢٢٨، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٣٥:١ فقرة ٦٠٨، ٩٢:٣ فقرة ٤٣٢٩، و((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٦٥٧:٢، ٦٥٨، و((معرفة الرجال)) ١: ١٠١ فقرة ٤٤٥، و((صحيح البخاري)) حديث ٢٦٦١، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤١٧، ٦٩٨، ٧٤١-٧٤٢، و((المعرفة والتاريخ)) ١٦٩:٢، و((الجرح والتعديل)) ٢٧:٢، ٣٤، و((الضعفاء الكبير)) ١٣٢:٤، و(الكامل)) ٩٢:١، و((تاريخ بغداد)) ٤١٠:٥، ٤٠٣:٨، ١٩:١١، ٤٠، و((الكفاية)) = ٦١ وكل هذه الصور لها صلة بجرح الرواة وتعديلهم، فإذا مرت بالباحث في راو من الرواة أدرك مقصود الأئمة بالتنبيه عليها، وغرضهم من الإشارة إليها، إذ قد يخفى هذا الغرض على بعض الباحثين، فيفسر كلام الناقد على غير وجهه، من ذلك أن أحدهم علق على قول عبدالرحمن بن مهدي: ((نظرت في كتاب أبي عوانة - وأستغفر الله)) بقوله: ((لعل استغفار ابن مهدي بعد النظر في كتابه يكون بسبب أنه رأى فيه بدون إذنه، وليس لأجل التضعيف ... )). وهذا التعليق بعيد عن المقصود فمراده أنه لم يعتمد على ما عنده هو، واستعان بكتاب أبي عوانة، وهو نوع من التلقين خفي. ثم إن ما ذكرته من هذه الصور هو على سبيل التمثيل، ويلتحق بها غيرها مما يندرج تحت قضية (استعانة الراوي بغيره فيما يحدث به)، وأنه نوع من التلقين. الثانية: المذاكرة، وهي في الأصل: طرح موضوع للبحث بين اثنين أو أكثر، وقد يكون الموضوع مسألة فقهية، أو حديثية، أو لغوية، أو نحوية، أو غير ذلك. وقد وردت المذاكرة بهذا المعنى في أحاديث كثيرة، بين رسول الله وَل﴿ وصحابته، أو بين أصحابه، ومن ذلك حديث عائشة في قصة كنيسة الحبشة: ((أنهم تذاكروا عند رسول الله وَل في ص١٤٨، ٢١٦-٢٣٧، ٢٥٣-٢٥٩، و((طبقات الحنابلة)) ٣٤٨:١، و((مقدمة ابن الصلاح)) ص٣٢٦-٣٣٠، ٣٤٢، ٣٥٦، و((مجموع فتاوى ابن تيمية)) ٢٥٢:٢٥، و ((سير أعلام النبلاء)) ١٣: ٥٦٥، و((شرح علل الترمذي)) ٨١٢:٢، و((هدي الساري)) ص٣٥٦، و((تهذيب التهذيب)) ٢٩٥:٣. ٦٢ مرضه ... ))(١). وقد استخدم المحدثون المذاكرة رواية ودراية بكثرة، ففي مجال الرواية يلتقي الاثنان منهم أو أكثر ويأخذون في المذاكرة في باب من أبواب السنة مثلاً، وماذا عند كل واحد منهما في هذا الباب، أو في طرق حديث معين، أو في أحاديث راو عن شيخ معين له. وهناك أغراض متعددة من المذاكرة في الرواية، من أهمها مدارسة المحفوظ، وزيادة تثبيته، وقد يسبق المذاكرة استعداد لذلك، ومنها استفادة كل واحد من الآخر، فإذا ذكر له صاحبه حديثاً أو إسناداً ليس عنده طلب منه أن يحدثه به، أو يذهب إلى شيخه - إن كان حياً - فيسمعه منه . وقد كان للمذاكرة أهمية كبرى لدى حفاظ الحديث ورواته، عبّر بعضهم عن ذلك بعبارات شتى، فمن ذلك قول الزهري: ((إنما يذهب العلم النسيان، وترك المذاكرة))(٢). وقال ابن المديني: ((ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى، وعبدالرحمن، ووكيع، وابن عيينة، وأبو داود، وعبدالرزاق، من شدة شهوتهم له))(٣) . (١) ((صحيح مسلم)) حديث ٥٢٨. وانظر: ((صحيح البخاري)) حديث ٢٣٨٥، ٥٧٥٢، و((صحيح مسلم)) حديث ١١٦٧، ١٧٣٣، و((مسند أحمد)) ٢: ٥٠٧، ٤: ٨١، ٢٧٤، ٦١:٥. (٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٣٣٧:٥. ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٢: ٢٧٤، وقد فسرهم المحقق فأصاب، سوى قوله إن أبا (٣) داود هو سليمان بن الأشعث صاحب ((السنن))، وإنما هو أبو داود الطيالسي، صاحب «المسند». ٦٣ وقال عبدالله بن أحمد: ((لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، فكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يوماً يقول: ما صليت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي))(١). وفيما يتعلق باختبار ضبط الراوي وعدالته - يستفاد من المذاكرة معرفة سعة حفظ الراوي، واكتشاف أخطائه، بل والتأكد من صدقه، فإن بعض المذاكرين قد يدعي - أنفة - أشياء لا وجود لها، كما قال الحاكم في النوع الثالث والثلاثين من علوم الحديث: ((هذا النوع من هذه العلوم مذاكرة الحديث، والتمييز بها، والمعرفة عند المذاكرة بين الصدوق وغيره، فإن المجازف في المذاكرة يجازف في التحديث، ولقد كتبت على جماعة من أصحابنا في المذاكرة أحاديث لم يخرجوا من عهدتها قط، وهي مثبتة عندي، وكذلك أخبرني أبو علي الحافظ وغيره من مشايخنا أنهم حفظوا على قوم في المذاكرة ما احتجوا بذلك على جرحهم))(٢). وأما الصادق منهم فلا يدعي سماع مالم يسمع، رغم تأثره بتفرد قرينه عنه بشيء، كما قال شعبة: ((ذاكرت قيس بن الربيع حديث أبي حصين، فلوددت أن البيت وقع علي وعليه حتى نموت، من كثرة ما (١) ((تاريخ بغداد)) ٣٢٧:١٠، وانظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٦٨:١٣، و((تذكرة الحفاظ)) ٥٥٧:٢. وانظر نصوصاً أخرى في أهمية المذاكرة وشغفهم بها: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٧٦:٢، ٤٠:٣، و((معرفة الرجال)) ٢٠٨:٢، ١٦٩:٩، و((الجرح والتعديل)) ٩٧:٧، و((المحدث الفاصل)) ص٥٤٥_٥٤٨، و((معرفة علوم الحديث)) ص١٤٠-١٤١، و((الجامع لأخلاق الراوي)) ٢٦٧:٢-٢٧٩، و((تاريخ بغداد)) ٧ : ٣٧٠. (٢) ((معرفة علوم الحديث)) ص١٤٠ . ٦٤ كان يغرب به علي))(١)، وجاء عنه قوله: ((إني لأذاكر بالحديث يفوتني فأمرض))(٢)، وغاية ما يفعله بعض الثقات إذا ألجأه الأمر أن يدلس(٣). فمن النصوص في المذاكرة قصة سفيان الثوري مع يحيى بن سعيد القطان، وإعجاب سفيان بسعة حفظ يحيى، قال عبدالرحمن بن مهدي: ((لما قدم الثوري البصرة قال: يا عبدالرحمن جئني بإنسان أذاكره، فأتيته بيحيى بن سعيد، فذاكره، فلما خرج قال: قلت لك: جئني بإنسان، جئتني بشيطان - يعني: بهره حفظه _)) (٤). وقال عبدالله بن أحمد: ((سمعت أبا زرعة يقول: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب))(٥). وقال سليمان بن عبدالرحمن أبو أيوب الدمشقي: ((بلغني ورود هذا الغلام الرازي - يعني أبا زرعة - فدرست للقائه ثلاثمائة ألف حديث))(٦). وفي مقابل هؤلاء سقط جماعة في المذاكرة، إما في الضبط أو العدالة، على اختلاف درجاتهم، فمن ذلك قول وكيع بن الجراح: ((الكامل)» ٢٠٦٤:٦. (١) (٢) ((سير أعلام النبلاء)» ٢٢٨:٧. انظر: القسم الثاني (الاتصال والانقطاع) باب (التدليس). (٣) (٤) ((سير أعلام النبلاء)) ١٧٧:٩ . (٥) ((مناقب أحمد» ص٨٥. («تهذيب التهذيب)) ٢٠٨:٤. (٦) وانظر نصوصاً أخرى في ذلك: ((الإرشاد)) ٣: ٨٥٥، و((الكامل)) ٦: ٢٠٦٤، و((مناقب أحمد)) ص٨٧، و((سير أعلام النبلاء)) ١١: ١٢٥، ١٦٩:١٢ . ٦٥ ((لقيت يونس بن يزيد الأيلي وذاكرته بأحاديث الزهري المعروفة، وجهدت أن يقيم لي حديثاً فما أقامه))(١). وقال إسحاق بن عيسى بن الطباع: ((ذاكرت ذات يوم محمد بن جابر بحديث لشريك، عن أبي إسحاق، فرأيته قد ألحقه بين سطرين، كتاب طري))(٢). وذكر إسحاق بن راهويه أبا داود سليمان بن عمرو النخعي فقال: ((أتيناه فقلنا له: إيش تعرف في أقل الحيض وأكثره، وما بين الحيضتين من الطهر؟ فقال: الله أكبر، حدثني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن النبي بَّ، وحدثنا أبو طوالة، عن أبي سعيد الخدري، وجعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ قال: ((أقل الحيض ثلاث، وأكثره عشر، وأقل ما بين الحيضتين من الطهر خمسة عشر يوماً))، وكان هو وأبو البختري يضعان الحديث))(٣). وذكره علي بن المديني أيضاً فقال: ((دخلت عليه ببغداد ... ، فجعل يحدثنا، فاتهمته فقلت له: عكرمة: ((أن النبي وَّل نهى عن طعام المتباريين))؟ فقال: حدثنا خصيف، عن عكرمة، فبان أمره، ولم يرو هذا غير الزبير بن الخريت))(٤). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ((كنا نجتمع للمذاكرة، وفينا الشاذكوني (سليمان بن داود الحافظ)، فإذا مر حديث لم يكن عندي علقته لأسمعه (١) ((الجرح والتعديل)) ٢٤٨:٩. (٢) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٧٥. (٣) ((المعرفة والتاريخ)) ٥٧:٣، و((تاريخ بغداد)) ٢٠:٩، وانظر: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ص٥٢٥ . (٤) تاريخ بغداد)) ١٧:٩ . ٦٦ من صاحبه إن كان حياً، فتذاكرنا يوماً، فقال سليمان: حدثنا معاذ بن معاذ، فذكر حديثاً، فعلقته، وذهبت إلى معاذ فسألته، فقال: ما لهذا أصل))(١). وقال صالح بن محمد البغدادي الحافظ في الشاذكوني أيضاً: ((قال لي أبو زرعة الرازي: مُرَّ بنا إلى الشاذكوني يوماً حتى نذاكره، فذهبنا إليه جميعاً، فما زال يذاكره حتى عجز الشاذكوني، وأعياه أمره، فألقى عليه حديثاً من حديث الرازيين فلم يعرفه أبو زرعة، فقال الشاذكوني: يا سبحان الله، ألا تحفظ حديث أهل بلدك، هذا حديث مخرجه من عندكم ولا تحفظه، وأبو زرعة ساکت، والشاذکوني يجهله، ویری من حضر أنه قد عجز عنه، فلما خرجنا جعل أبو زرعة يقول: لا أدري من أين جاء هذا الحديث، قال: فقلت: إنه وضعه في الوقت ليخجلك، قال: هكذا، قلت: نعم، قال: فسري عنه))(٢). وقال أبو زرعة الرازي: ((ذاكرني القاسم بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، عن النبي وَلير: ((من رآني في النوم فقد رآني في اليقظة))، فقلت له: ليس هذا من حديث يزيد بن هارون، إنما هذا حديث خلف بن خليفة، وكنا نجلس إلى ابن نمير، فأبقاني (كذا) أن أذكر ذاك لابن نمير، فسبقني إلى ابن نمير، فلما جئت ابن نمير فجلست إليه وجدته عنده، فقال لي: يا أبا زرعة أبو عبدالرحمن قد أنكر الحديث كما أنكرته، فقلت له: نعم ليس هذا من حديث يزيد بن هارون، فقال لي: كيف وقع في كتابي؟ فقلت: لم يقع (١) ((لسان الميزان)) ٨٦:٣. (٢) ((لسان الميزان)) ٨٦:٣. ٦٧ في كتابك، أنت أوقعته))(١). وقال البرذعي: ((رأيت أبا زرعة يسيء القول في سويد بن سعيد، وقال: رأيت منه شيئاً لم يعجبني، قلت: ماهو؟ قال: لما قدمت من مصر مررت به، فأقمت عنده، فقلت: إن عندي أحاديث لابن وهب، عن ضمام، ليست عندك، فقال: ذاكرني بها، فأخرجت الكتب، وأقبلت أذاكره، فكلما كنت أذاكره كان يقول: حدثنا بها ضمام، وكان یدلس حديث حريز بن عثمان، وحديث نيار بن مكرم، وحديث عبدالله بن عمرو، (زرغباً)، فقلت: أبو محمد (يعني سويداً) لم يسمع هذه الثلاثة الأحاديث من هؤلاء، فغضب ... ))(٢). وروى ابن حبان عن أحمد بن محمد بن عبدالكريم الوزان قوله في النضر بن سلمة المروزي المعروف بشاذان: ((عرفنا كذبه لأنه كان یجالسنا فنذکر باباً من العلم، فنذكر ما فيه، ویذکر هو مافیه، ثم یزیدنا فيه ماليس عندنا بأحاديث، ثم نجالسه بعد مدة، فنذكر ذلك الباب بعينه، فنذكر مافيه، ويذكر هو مافيه، ويزيدنا أشياء غير تلك الأشياء التي زادها في المجلس الماضي، فعلمنا أنه يضع الحديث))(٣). (١) أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٧١. (٢) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٠٨ . (٣) ((المجروحين)) ٥٢:٣، وانظر: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٠٣-٤٠٤. وانظر نصوصاً أخرى في هذا المعنى في: ((علل المروذي)) ص١٤١ فقرة ٢٤٨، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٤٧٥، ٥٢٦-٥٢٧، و((المجروحين)) ١٦٣:١، و ((الكامل)) ١٨٧٧:٥. ٦٨ رابعاً: النظر في أصول الرواة وكتبهم: فتش الأئمة النقاد عن أصول الرواة وكتبهم، ونظروا فيها، وتأكدوا من صحتها، وسلامتها من التغيير والزيادة، وإذا كان فيها تغيير فقد یکون من الراوي نفسه، وقد يكون من قبل غيره، وهو نوع من التلقين، كما تأكدوا من صدق الراوي إذا حدث بأحاديث هل له فيها أصل أو لا؟ ولا سيما إذا ارتابوا في الراوي، أو كان الراوي يخطىء في حديثه، فيتأكد هل هذا الخطأ في أصوله، أو هو يخطىء إذا حدث من حفظه؟ وقد يكون الراوي يحتفظ بأصول وكتب شيخه، فينظر الناقد فيها هل حفظها أو غير فيها؟ وأظهر النقاد براعة فائقة، ودقة متناهية في هذا الجانب، يعجز عنها الوصف. وأمكن بهذه الوسيلة تمييز المتقن الصادق الحافظ لكتابه أو كتاب شيخه من المتلاعب أو المغفل، وكشف تساهل بعض الرواة بأصولهم وكتبهم، وكذب بعضهم بتصرفه المتعمد بأصوله و کتبه. كما أمكن بهذه الوسيلة أيضاً إجراء المقارنة بين ما في كتب الرواة وبين ما يحدثون به من حفظهم، لمعرفة صدقهم، وضبطهم لما يحدثون به . قال عبدالرحمن بن مهدي مبيناً أهمية النظر في كتب الرواة: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكتبت تفسير كل حديث إلى جنبه، ولأتيت المدينة حتى أنظر في كتب قوم قد سمعت منهم))(١). ومن النصوص في ذلك قول أبي نعيم الفضل بن دكين: ((نظر ابن (١) ((الجرح والتعديل)) ٢٦٢:١. ٦٩ المبارك في كتبي، فقال: ما رأيت أصح من كتبك))(١). وقال عبدالرحمن بن مهدي في محمد بن مسلم الطائفي: ((كتب محمد صحاح))(٢). وقال يحيى بن سعيد القطان: ((نظرت في أصول شريك فإذا الخطأ في أصوله))(٣). وقال ابن نمير في قيس بن الربيع: ((كان له ابن هو آفته، نظر أصحاب الحديث في كتبه فأنكروا حديثه، وظنوا أن ابنه قد غيرها))(٤). وكذا قال فيه أبو داود الطيالسي: ((إنما أتي قيس من قبل ابنه، كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فرج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك))(٥) ووافقهما أحمد بن حنبل فقال: ((كان له ابن يأخذ حديث مسعر، وسفيان، والمتقدمين، فيدخلها في حديث أبيه وهو لا يعلم)) (٦). وقال أحمد: ((كان أبو أسامة ثبتاً صحيح الكتاب))(٧). وقال أحمد أيضاً: ((ما كان بمحمد بن يزيد الواسطي بأس، كتبه (١) ((تاريخ بغداد)) ٣٤٨:١٢. (٢) ((التاريخ الكبير)) ١ :٢٢٤. (٤) ((المجروحين)) ٧٨:١، و((تاريخ بغداد)) ١٢ : ٤٦٠. (٣) ((الضعفاء الكبير)) ١٩٥:٢ . (٥) ((التاريخ الصغير)) ١٧٢:٢، و(تهذيب الكمال)) ٢٤: ٣٤. (٦) ((الكامل)) ٢٠٦٣:٦. وقد ذكر عبدالرحمن بن مهدي حديثاً مما أدخل على قيس بن الربيع، انظر: ((تاريخ بغداد)» ١٢ :٤٥٩. (٧) (العلل ومعرفة الرجال)) ٣٩٠:١، و((الجرح والتعديل)) ١٣٢:٣. ٧٠ صحاح))(١). وقال فيه أيضاً: ((كان ثبتاً في الحديث، وكان يزيد - يعني ابن هارون - إذا قيل له في الحديث: هو في كتاب محمد بن يزيد كذا - كأنه يخاف، يتوقاه))(٢). وسئل أحمد عن محمد بن جابر اليمامي فقال: ((أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لحوق))(٣)، وكذا قال فيه أبو حاتم: ((رأوا في كتبه لحقاً))(٤). وقال أحمد في عبدالله بن زياد بن سمعان مشيراً إلى كذبه: ((زعموا: أخرج كتابه فإذا فيه: ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، فقال: حدثنا جابر بن زيد))(٥) . وقال ابن محرز: ((سمعت يحيى بن معين يقول: كنت عند خلف البزار، فقلت له: هات كتبك، فجبن، فقلت: هات رحمك الله، فجاء بها، فنظرت فيها، فرأيت أحاديث مستقيمة صحاحاً، قيل له: فكتبت عنه منها شيئاً؟ قال: نعم، كتبت عنه أحد عشر حديثاً، كنت عند سعدویه، فلما رجعت دخلنا إليه))(٦). وروى ابن محرز أنه ذُكر نصر بن باب عند يحيى بن معين فقال: (١) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٤:٢. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٣: ٣٧٢، و(تهذيب الكمال)) ٣٢:٢٧. (٣) ((مسائل إسحاق)) ٢٣٠:٢، وانظر: ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٧٠:٢. ((الجرح والتعديل)) ٢١٩:٧، وانظر في محمد أيضاً: ((المجروحين)) ٢٧٠:٢، (٤) و(تهذيب التهذيب)) ٩: ٩٠. «سؤالات أبي داود)) ص٣٦٣. (٥) (٦) (معرفة الرجال)) ١٦١:٢ . ٧١ ((كذاب خبيث، عدو لله، ذهبت إليه أنا وابن الحجاج بن أرطاة، فأخرج إلينا كتباً، كان فيها كتاب عوف، فجعل يحدثنا، فطوى رأس الكتاب، فاستربت منه، فقلت: ناولني الكتاب - وظننت أنه قد خنس عنا بعض الأحاديث - فأبى أن يعطيني، فوثبت عليه، فأخذت الكتاب منه، فنظرت فيه - وكان يحدث عن عوف - فإذا أوله: بسم الله الرحمن الرحيم: حدثني نوح بن أبي مريم أبو عصمة الخراساني، عن عوف، فطرحت الكتاب من يدي، وقمت وتركناه، فقلت له: كيف هذا؟ فقال: هاه، كتبتها عن أبي عصمة، ثم سمعتها بعد، فقمنا وتركناه))(١). وقال أبو زرعة في سويد بن سعيد: ((أما كتبه فصحاح، وكنت أتتبع أصوله وأكتب منها، فأما إذا حدث من حفظه فلا))(٢). وقال أبو زرعة: ((كنت بالرملة فرأيت شيخاً جالساً بحذائي إذا نظرت إليه سبح، وإذا لم أنظر إليه سكت، فقلت في نفسي: هذا شيخ هو ذا يتصنع لي، فسألت عنه، فقالوا: هذا محمد بن أيوب بن سويد، فقلت لبعض أصحابنا: اذهب بنا إليه، فأتيناه، فأخرج إلينا كتب أبيه أبواباً مصنفة، بخط أيوب بن سويد، وقد بیض أبوه کل باب، وقد زید في البياض أحاديث بغير الخط الأول، فنظرت فيها فإذا الذي بالخط الأول أحاديث صحاح، وإذا الزيادات أحاديث موضوعة، ليست من حديث أيوب بن سويد، فقلت: هذا الخط الأول خط من هو؟ فقال: خط أبي، فقلت: هذه الزيادات خط من؟ قال: خطي، قلت: فهذه الأحاديث من أين جئت بها؟ قال: أخرجتها من كتب أبي، قلت: لا (١) (معرفة الرجال)) ٥٦:١. (٢) (أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٠٩. ٧٢ ضير، أخرج إلي كتب أبيك التي أخرجت هذه الأحاديث منها، قال: فاصفار لونه، وبقي، وقال: الكتب ببيت المقدس، فقلت: لا ضير، أنا أكتري فيجاء بها إليّ، فأوجه إلى بيت المقدس، وأكتب إلى من كتبك معه حتى يوجهها، فبقي ولم يكن له جواب ... ))(١). وقال ابن حبان بعد أن ساق عدداً من الأحاديث الموضوعة والمقلوبة في ترجمة أحمد بن محمد بن مصعب أبي بشر المروزي: ((حدثنا أبو بشر بهذه الأحاديث من كتب له عملت أخيراً مصنفة، إذا تأملها الإنسان توهم أنها عتق، فتأملت يوماً من الأيام جزءاً منها نابي الأطراف، أصفر الجسم، فمحوته بأصبعي فخرج من تحته أبيض، فعلمت أنه دخنها، والخط خطه ... ))(٢). ومن دقائق هذا الباب - النظر في أصول الرواة وكتبهم - أنها عندهم على قسمين، أحدهما: أصول الراوي القديمة التي سمع بواسطتها من شيخه أثناء الطلب، وربما أطلقوا عليها: الأصول العتيقة، والثاني: ما ينقله الراوي من هذه الأصول إلى كتب له، إما لأجل أن يروي منها محتفظاً بالأصل العتيق، أو لكونه تصدى للتأليف، فينقل من أصوله إلى مؤلفاته. والاعتماد في ضبط الحديث على الأصول القديمة، وذلك حين (١) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٣٩٠. (٢) ((المجروحين)) ١٦١:١. وانظر نصوصاً أخرى في تتبع الأئمة لأصول الرواة وكتبهم: ((علل المروذي)» ص١٢٧، و((معرفة الرجال)) ٦١:١ فقرة ٩٠، ٦٤ فقرة ١١٧-١١٨، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٤٧٥، ٧٣٢-٧٣٥، ٧٤٦، و((المجروحين)) ٧٢:١، ٧٧، ١٦٣_١٦٥، و((تاريخ بغداد) ٢٢٠:٢، ٢٥٩:٧. ٧٣ يقع اختلاف بينها وبين كتب الراوي التي نقل إليها، وهي المرجع حين يشك الراوي في شيء من حديثه، أو يرتاب الناقد في أمر الراوي فيطالبه بإحضار أصوله. وكثيراً ما يردد البخاري في كتبه رجوعه إلى أصوله فيقول: ((كذا في العتيق))، أو ((ليس في العتيق))، ونحو ذلك(١). ومن النصوص في تمييزهم بين النوعين - وهي نصوص تبرز بوضوح دقتهم المتناهية في النقد والتمحيص - قول عبد الله بن أحمد: ((سئل أبي عن بقية وإسماعيل بن عياش فقال: بقية أحب إلي، نظرت في كتابه عن يحيى بن سعيد أحاديث صحاح، وفي ((المصنف)) أحاديث مضطربة، وإذا حدث بقية عن قوم ليس بمعروفين فلا - يعني تقبلون _))(٢). وقال ابن معين: ((من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع من حماد بن سلمة نسخاً فهو صحيح)) (٣). وقال الحسين بن حبان: ((قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: لا يكون صدوقاً أبداً، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ، والشيء، فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه على أحد (١) (صحيح البخاري)) حديث ٤١٤٢، و((التاريخ الكبير)) ٩٥:٢، ١٦٩، ٢٠٤، ٥٠:٣، ١٨١، ٣٣٨، ٣٥٣، ٤٥٠، ٤٧٥، ١٥:٤، ٣٢٨:٥، ١٢٨:٦، ١٥٩، ١٦٥، ٠١٩٤ (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٣:٣. (٣) ((شرح علل الترمذي)) ٧٨٤:٢. ٧٤ فلا، فقلت ليحيى : ما يبرئه؟ قال: يخرج كتاباً عتيقاً فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شبه له وأخطأ كما يخطىء الناس، فيرجع عنها، قلت: فإن قال: قد ذهب الأصل، وهي في النسخ؟ قال: لا يقبل ذلك منه، قلت: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة وليس أجدها؟ فقال: هو كذاب أبداً حتى يجيء بكتابه العتيق، ثم قال: هذا دين، لا يحل فيه غير هذا))(١). وقال زكريا بن يحيى الحلواني: ((رأيت أبا داود السجستاني صاحب أحمد بن حنبل قد ظاهر بحديث ابن كاسب، وجعله وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه فقال: رأينا في ((مسنده)) أحاديث أنكرناها، فطالبناه بالأصول فدافعنا، ثم أخرجها بعد، فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها))(٢). ونقل يعقوب الفسوي عن عبدالرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم قوله: ((كان سليمان - يعني ابن عبد الرحمن، ابن بنت شرحبيل - صحيح الكتاب، إلا أنه كان يحول، فإن وقع فيه شيء فمن النقل))(٣). وكان لسفيان بن وكيع بن الجراح وراق يدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصحه أبو حاتم الرازي في جماعة من أهل الحديث، قال أبو حاتم: (( ... قلت: ترمي بالمخرجات، وتقتصر على الأصول، ولا تقرأ إلا من أصولك، وتنحي هذا الوراق عن نفسك، وتدعو بابن كرامة (١) ((الكفاية)» ص١١٨. ((الضعفاء الكبير)) ٤٤٦:٤. (٢) (٣) ((المعرفة والتاريخ)) ٤٠٦:٢ ليعقوب الفسوي، و((تهذيب الكمال))٣٠:١٢، وهو في الأخير منسوب إلى يعقوب الفسوي نفسه، والأمر محتمل. ٧٥ وتوليه أصولك، فإنه يوثق به، فقال: مقبول منك، وبلغني أن وراقه كان قد أدخلوه بيتاً يتسمع علينا الحديث، فما فعل شيئاً مما قاله، فبطل الشيخ، وكان يحدث بتلك الأحاديث التي أدخلت بين حديثه، وقد سرق من حديث المحدثين))(١). ومن طريف ما يذكر هنا ما رواه الخطيب من طريق أبي بكر بن شاذان قال: ((سمعت أبا بكر عبدالله بن سليمان (ولد أبي داود صاحب ((السنن))) يقول - وكان ربما غلّطه أبو محمد بن صاعد، فيخرج أبو بكر أصله فیطرحه إلى الحاضرين ويقول والأبيات له -: وخزي دائم أبداً يزيد على الكذاب لعنة من تعالى فهات الأصل رمّاً لا جديد فإن قال المزور: ما كذبنا وإلا أنت كذاب عنيد ففيه إن أتيت به بيان فعن رسم ابن حنبل لا محيد وقلت لصاحبي: اهجره ملياً فبورك نظم سلكك يا سعيد)) (٢) إذا ما كان سلكك حنبلياً ومن قوله أيضاً: فليطلب البعض من بعض أصولهم إذا تشاجر أهل العلم في خبر إخراجك الأصل فعل الصادقين فإن لم تخرج الأصل لم تسلك سبيلهم واخرج أصولك إن الفرع متهم (٣) فاصدع بحق ولا تأبی نصيحتهم (١) ((الجرح والتعديل)) ٢٣٢:٤، وانظر: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٠٤، ٤١٤، و((المجروحين)) ٧٧:١، ٣٥١، و((الكامل)) ٣: ١٢٥٤. وانظر نصوصاً أخرى في هذا الباب: ((الجرح والتعديل)) ٢٣١:٤-٢٣٢، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٠٦٤٠٤، ٧١٣، و((تاريخ بغداد)) ٢١٨:٢-٢١٩، ٤٦٧:٥، ٢٦٠:٧-٢٦١، و((الجامع لأخلاق الراوي)) ٣٨:٢-٤٠. (٢) ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٣٩:٢. (٣) ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٣٩:٢، و((تاريخ بغداد)) ٩: ٤٦٦. ٧٦ والراوي متى أخرج أصوله العتيقة برىء من العهدة، وتبين أنه قد سمع تلك الأحاديث، ما لم تقم قرينة أقوى تدل على أن الراوي قد استعد للكذب منذ صباه، وعمل أصولاً روى منها فيما بعد، أو ألحق خطه في السماع بأصول عتيقة، قال ابن حبان في - أحمد بن محمد بن الأزهر السجستاني - بعد أن ذكر أنه يغرب عن الثقات بما لا يتابع عليه: ((فقلت له: يا أبا العباس أحب أن تريني أصلك، فأخرج إلي كتابه بخط عتيق ... ، فكأنه كان يعملها في صباه))(١). خامساً: النظر في أحاديث الراوي ومروياته: من الوسائل المهمة جداً لمعرفة عدالة الراوي وضبطه أن يتأمل الناقد أحاديثه ورواياته، ويقلبها، ويعرضها على ما تحصل لديه من معلومات تتعلق بأمور كثيرة لا حصر لها، مثل شيوخ الراوي، وهل يمكن سماعه منهم؟ وماذا عند هؤلاء الشيوخ من الأحاديث؟ وكيف رواها أصحابهم الآخرون عنهم؟ وماذا في الباب المعين من الأحاديث؟ ثم أحاديث الراوي نفسها وسلامة متونها واستقامتها؟ ونحو ذلك. فمن ذلك قول المروذي: ((قلت (يعني لأحمد): جابر الجعفي؟ قال لي: كان يرى التشيع، قلت: يتهم في حديثه بالكذب؟ فقال لي: من طعن فيه فإنما يطعن بما يخاف من الكذب، قلت: الكذب؟ فقال: إي والله، وذاك في حديثه بین))(٢). (١) ((المجروحين)) ١٦٤:١، وانظر: ((معرفة علوم الحديث)) ص١٦. (٢) ((علل المروذي)) ص٢٣٦. ٧٧ وكان عبدالله بن وهب المصري يتساهل قليلاً في السماع، ويصرح بالتحديث في الإجازة، وقد قيل لأحمد بعد أن أثنى عليه وبين صحة حديثه: أليس كان سيء الأخذ؟ قال: ((قد كان يسيء الأخذ، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحاً))(١). ولا شك أن هذه مهمة شاقة جداً، سهلها عليهم استعدادهم المسبّق للنقد والتمحيص؛ إذ يمضي الناقد قدراً كبيراً من عمره في الجمع والتحصيل، ليتمكن من المقارنة والموازنة والنظر، فالسنة أو غالبها بين ناظريه . وهناك عدة محاور يدور حولها النظر في أحاديث الراوي ومروياته تکشف حاله، وهي: ١ - اعتداله أو مجازفته في الرواية: مما يستدل به على صدق الراوي وتثبته أن يروي أشياء يمكن تصديقه فيها، فيروي عمن يحتمل سنه إدراكهم، ويروي أحاديث مستقيمة المتون، ولا يعرف عنه رواية ما لا يقبله العقل. ومن هذا الباب أن يستدل الأئمة على صدق الراوي بروايته عن شخص مباشرة، وروايته عنه بواسطة واحد أو أكثر، ولو كان مجازفاً لحدث عنه بالجميع دون واسطة، كما في قول ابن معين وسئل عن روح بن عبادة: ((ليس به بأس، صدوق، حديثه يدل على صدقه، يحدث عن ابن عون، ثم يحدث عن حماد بن زيد، عن ابن عون))(٢). (١) ((الجرح والتعديل)) ١٨٩:٥. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٨: ٤٠٤. ٧٨ وقال أبو داود في الليث بن سعد: ((روى الليث بن سعد عن الزهري، وروى عن خمسة عن الزهري، حدث عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن الهاد، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري))(١)، وقال أيضاً: ((روى أحاديث عن رجل، ورواها عن الرجل، عن الرجل، كان يكتب على الوجه ... ، لیس أحد ينزل نزوله))(٢). ومما يستدل به على صدق الراوي وتثبته اعترافه بالخطأ إذا نبه عليه، وعدم إصراره، قال الميموني: ((أكبر ظني أن أبا عبدالله ذكر عبدالله بن رجاء فوثقه وفضله، قلت: فما قصته؟ قال: كان ثمَّ غلط ووهم، وقد حدَّث يوماً بحديث، فقيل له: غلطت فيه، فقال: الله المستعان على غلطنا في غيره أيضاً - أو قد غلطنا -، قال لي أبو عبدالله: فإذا كان الشيخ يقر بهذا تعلم أنه سليم، وربما خرج الشيء من الإنسان فيشهد له القلب بالصدق))(٣). وكذلك مما يستدل به على تثبت الراوي تقصيره بالأحاديث، كأن يقفها على شخص، وغيره يرفعها عن آخر فوقه، كما في قول أبي حاتم في عمر بن الوليد الشني: ((ما أرى بحديثه بأساً، ومن تثبت عمر أن عامة حديثه عن عكرمة فقط، ما أقل ما يجوز به إلى ابن عباس، لا شبه شبيب بن بشر الذي جعل عامة حديثه عن عكرمة، عن ابن عباس)) (٤). (١) ((سؤالات الآجري لأبى داود)) ١٦٧:٢، ١٧٣، و((تهذيب التهذيب)) ٤٦٥:٨. (٢) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ١٧٣:٢ . (٣) ((علل المروذي)) ص١٩٨ . وانظر نصاً آخر بهذا المعنى في: ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٥٨٠. (٤) ((الجرح والتعديل)) ١٤٠:٦. ٧٩ وبضد ذلك إذا جازف في الرواية، وادعى السماع من أناس لا يحتمله سنهم، أو حكى حكايات يبعد وقوعها، أو نسب إلى رسول الله وَّي ما يترفع عن مثله آحاد الناس، أو روى ما فيه مبالغة في الثواب والعقاب، أو روى أحاديث مشهورة عن إمام، ثم قلبها عن إمام آخر، أو لزم إسناداً واحداً كلما عنَّ له شيء رواه بهذا الإسناد، ونحو ذلك، فإن هذا يستدل به العلماء على كذب الراوي أو شدة غفلته. قيل لشعبة: من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: ((إذا روى عن النبي ويلر: ((لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها)) - علمت أنه يكذب))(١). وحدث عبد الله بن زياد بن سمعان عن مجاهد، وعنده ابن إسحاق، فقال ابن إسحاق: ((تالله ما رأيت كاليوم قط، أنا أكبر منك، ما سمعت من مجاهد ولا رأيته))(٢). وروى عبدالله بن أحمد قال: ((حدثني أبي، عن أبي بكر بن عياش، قال: قلت للأحوص بن حكيم في حديث، قلت له: عن النبي وَله؟ قال: أوليس الحديث كله عن النبي (وَلاي)(٣). وقال عبدالرزاق: ((سألت وكيعاً عن يحيى بن العلاء: ما تقول فيه؟ قال: ما رأيت فصاحته؟ قلت: على ذلك ما تنكرون منه؟ قال: يكفي أنه روى عشرين حديثاً في خلع النعل على (١) ((المحدث الفاصل)) ص٣١٦، و((الجامع لأخلاق الراوي)) ٢٥٧:٢. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٣٥٢:١، و((سؤالات أبي داود)) ص٣٦٣، و((علل المروذي)) ص٨٤، و((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٣٠٨:٢، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤١٢، و(الجرح والتعديل)) ٦٠:٥، و((الكامل)) ٤: ١٤٤٤، ١٤٤٥، و((تاريخ بغداد)) ٩: ٤٥٥ . (٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١٥٣:٣. ٨٠