Indexed OCR Text
Pages 381-400
الفكري فيبدأ بالسهو الخفيف والوهم وينتهي بالغلط ، وهو وان كان سهوا . فغالبا ما يكون قادحا في الضبط وإن كان الراوي عدلا صدوقا لكن القدح يتبع درجته لانه لا يكاد يسلم منه أحد ، لذلك نظر النقاد الى قلته وكثرته والى الاصرار عليه ، والتراجع فيه ، فاعتبروا ما كثر منه جارحا دون ما قل . قال سفيان بن عينية : « ليس يكاد يفلت من الغلط أحد اذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وان غلط وان كان الغالب عليه الغلط ترك (132) وقال ابن حبان : « من كثر خطؤه وفحش ،. وكاد أن يغلب على صوابه استحق الترك من أجله ، وإن كان ثقة في نفسه صدوقا في روايته لان العدل اذا ظهرت عليه أكثر أمارات الجرح استحق الترك » ... (133) . وتسامح ابن مهدي مع من يخطىء في خمسين حديثا (134) ورفض الاخذ عمن يغلط في مائة (135) . والعدد المتسامح فيه قد يبدو كثيرا ولكنه بالنسبة لعدد أحاديث الرواة لا يستكثر ، فيتلخص من هذا أن الغلط الذي يرد الرواية هو الكثير فقد ترك شعبة من يكثر الغلط . ورد الشافعي رواية من يكثر الغلط وليس له أصل صحيح قال: « من كثر غلطه من المحدثين ، ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم تقبل شهادته » (136) ورد الترمذي الحديث الذي لا يكون الا من طريق كثير الخطا والمغفل والمتهم (137) ، وإنما تسامح النقاد في الخطإ القليل لأن أهل العلم تفاضلوا في الحفظ والاتقان والتثبت عند السماع ، ولم يكد يسلم من الغلط أحد منهم مع حفظهم (138) . ورأى ابن حبان أنه لم يعر من الخطإ الا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وان عدم الأخذ عن. (132) الخطيب البغدادي ، الكفاية 227 - 228 . (133) كتاب المجروحين 1 : 76 - 77 . (13.4) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 232 . (135) الرازي ابن أبي حاتم؛ الجرح والتعديل: ج 1 ق 1 ص : 33 (136) البيهقي ، معرفة السنن والاثار 1 : 42 . (137) ابن رجب ، شرح علل الترمذي : 100 . (138) نفس المرجع : 147 . 383 المخطئين يتسبب في ترك الاحاديث الكثيرة وتسامح أكثر فقبل الصواب من رواية من كثر خطؤه ولم يغلب على صوابه كأبي بكر بن عياش (139) ، وحماد بن سلمه ، وشريك (140). وهشيم وكأنه استند في رأيه الى الذين فرقوا بين أحاديث الرواة تبعا لمصادرها كيحي بن معين الذي قال في اسماعيل بن عياش (141) : « اذا حدث عن الشاميين فحديثه صحيح واذا حدث عن العراقيين أو المدنيين خلط ما شئت » (142) . الإصرار على الغلط : تعود نقاد الحديث على اصلاح أخطائهم متى نبهوا أو انتبهوا اليها وأجمعوا على ترك رواية من نبه الى غلطه ، فلم يتراجع عنه وقد عد شعبة من المتروكين من يتمادى في رواية غلط مجمع عليه بعد اصلاحه له (143) ونفس الرأي عند عبد الله بن المبارك ، وأحمد بن حنبل (144) . (139) أبو بكر بن عياش بن سالم الاسدي الكوفي ، اختلف في اسمه والصحيح أن اسمه کنیته ولد سنة 95 أو 714/96. وتوفي 193 أو 809/194 . روى عن أبي اسحاق السبيعي ، وحميد الطويل ، وعنه الثوري وابن المبارك ، عرف بالصلاح وضعف من أغلب الائمة بسبب غلطه . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 12 : 34 - 37 . (140) شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي 708/90 ت 793/177 روى عن الاعمش وهشام بن عروة وعنه ابن مهدي ووكيع وثقه . ابن معين لكن فضل عليه غيره اذا خالفه ووصف عن أكثر الائمة بسوء الحفظ واضطراب الحديث وكثرة الخطأ ، الذهبي ، ميزان الاعتدال 3 : 270 - 274 . (141) إسماعيل بن عياش الحمصي ولد حوالي المائة وتوفي 797/181 . روى عن خلق من أهل الشام والحجاز والعراق وعنه الأعمش والوليد بن مسلم والثوري لم يشهد له بالصحة إلّا في أحاديث أهل الشام . لاضطراب أحاديثه عن سواهم واتهمه بالأخذ عن غير الثقة أبو مسهر وأبو اسحاق الفزاري والجوزجاني . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 1 : 321 - 326 . (142) ابن حبان ، كتاب المجروحين 1 : 77 . (143) ابن حبان ، كتاب المجروحين 1 : 79 (144) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 227 384 واحترز الحميدي في مسألة التراجع فقبله ممن يخطئ قليلا ورده ممن يكثر لان كثرة خطإ الراوي مدعاة الى عدم الاطمئنان الى حديثه ، وان رجع عنه لأنه يخشى أن يكون من بين الحديث الذي ثبت عليه ما هو خطأ ، ولا يتوقع هذا بالنسبة لمن قل خطؤه (145) . ومن المخطئين من يعمد إلى المغالطة فيطلب من أصحاب الحديث تصحيح كتبه ويعدهم بأن لا يحدث بالخطإ ثم يستمر عليه غير ذاكر التصحيح فاذا لقي من صحح له زعم أنه لا يحدث الا بالصواب (146) . ومثل هذا الذي ينتسب الى أهل الحديث وليس منهم يجمع بين نشر الخطإ والكذب فهو وان ادعى أن الصواب معه لا مع من أصلح له فإنه لا يقبل منه لانه طلب تصحيح أحاديثه وطلبه يدل على أمرين : اعترافه بالخطإ وثقته فيمن صحح له فلا عذر له بعدئذ فيما يزعمه ، ومن باب أولى أن لا عذر له في الكذب . والمصر على الخطإ مطعون في ضبطه لغلطه وفي عدالته لاصراره عليه وتعمده الكذب فحديثه مردود بينما حديث من فحش غلطه دون اصرار منكر على رأي من لا يشترط في المنكر المخالفة . الغفلة هي السبب الثاني من أسباب الطعن في الضبط ، فمن اللازم أن لا يكون الراوي مغفلا ، وفي لسان العرب غفل عنه يغفل غفولا وغفلة سها (147) والمغفل الذي لا فطنة له . فغفلة المحدث هي ما يطرأ عليه من سهو يخل بضبطه مع أنه عدل رضا وبقدر تأثيرها في الضبط وحسب كيفية الاداء تكون درجة ضعف الحديث فان "خفت وكان التحديث من كتاب قبل الحديث لأثر الكتاب في صيانته وان اشتدت وكان التحديث من الحفظ طرح الحديث ، وأشد أنواعها عدم تمييز الراوي بين الصواب والخطإ فيما حدث به وحتى في صورة تنبيهه الى الخطإ فانه يصلحه دون (145) نفس المرجع : 228 . (146) نفس المرجع : 234 (147) (مادة غفل) 2 : 1002 اعداد يوسف خياط ونديم مرعشلي . 385 ادراكه بل بالاعتماد على رأي من أصلح له . وهذه الصورة من الغفلة تتسبب في تغيير المعاني فترد رواية من اتصف بها ، قال الحميدي فإن قلت : « فما الغفلة التي يرد بها حديث الرضا الذي لا يعرف بكذب ؟ قلت : « هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ، ويحدث بها قالوا أو يغيره في كتابه بقولهم لا يعقل فرق ما بين ذلك أو يصحف ذلك تصحيفا فاحشا يقلب المعنى لا يعقل ذلك » (148) . والمغفل وإن ردت روايته فلا يقدح في عدالته ان ثبتت لان جرحه راجع الى ما أصابه من ذهول ، وقد حكم الحميدي برد حديثه مع وصفه اياه بالعدل الرضا. وشهد ابن معين بصدق أحد المغفلين لان غفلته تأتت من حسن ظنه فقد كتب أبوه أحاديث ليسمعها ، فلم يسمعها ، وظنه سمعها فرواها عنه حتى نبه اليها (149) . ومجرد الغفلة ليس سببا للطعن لقلة من يعافيه الله منها ، وإنما يطعن كثيرها (150) وعن ابن عباس « لا يكتب عن الشيخ المغفل»(151) ، وعد الترمذي الراوي المغفل من بين من يرد حديثهم . واعتبر ابن حجر حديثه منكرا على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة (152). فما هو الحديث المنكر ؟ الحديث المنكر المنكر لغة خلاف المعروف ، وفي الاصطلاح اختلف المحدثون في تعريفه وتعرض له مسلم فلم يعرفه ولكنه بين علامته في صيغة تشبه الحد فقال: « وعلامة المنكر في (148) الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل : ق 1 ج 1 : 33 (149) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 233 (150) القاري حاشيه على شرح نخبة الفكر : 121 (151) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 233 (152) نزهة النظر في شرح نخبة الفكر : 32 386 حديث المحدث اذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها ، فان كان الاغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله» (153) فهو عنده الحديث الذي خالف روايه رواية الحفاظ العدول فيكون مردودا ، ويدعم هذا ذكره لطائفة من الرواة المتروكين لنكارة حديثهم كعبد الله بن محرَّرَ، والجراح بن المنهال (168) ويحي بن أبي أنيسة (146). وأضرابهم ، وكلهم متروكون عنده وعند غيره الأول لغفلته وقلبه الاخبار البخاري منكري الحديث ، والثالث لقلبه الأسانيد ورفعه المراسيل وكذبه (156) وتمثيله بهم يدل على أنه لا يشترط في المنكر المخالفة فقط بل أيضا ضعف الراوي ، وما اختاره هو الذي يقصده البخاري عندما ينقد راويا بكونه منكر الحديث حيث نقل عنه أن من قال فيه ذلك لا تحل الرواية عنه (157) وهو الذي اختاره ابن حجر فاشترط القيدين المذكورين ووضح أكثر فبين الرواة الذين يكون حديثهم منكرا ، وهم : الفاسق ، وفاحش الغلط ، وشديد الغفلة ، وهو ما دفعنا الى اثبات تعريف الحديث المنكر هنا بعد بيان هذه الأسباب الجارحة . وفرق بينه وبين الشاذ بأن الشاذ ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه ، أو تفرد به قليل الضبط ويقابله المحفوظ . والمنكر ما خالف فيه الثقة الضعيف لجهالته أو سوء حفظه أو لتضعيفه في بعض مشايخه ، ونحوهم ممن لا يقبل حديثه بغير عاضد يعضّده ويقابله المعروف ، فهما يشتركان في مخالفة الارجح ويختلفان في أن راوي الشاذ ثقة أو صدوق ، وراوي المنكر ضعيف من قبل حفظه أو مقدوح في عدالته (158) . (153) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 7 المقدمة (154) ابن حبان ، كتاب المجروحين 2 : 22 - 23 . البخاري ، الضعفاء الصغير : 67 (155) ابن حبان، كتاب المجروحين 1 : 218 - 219 . البخاري، الضعفاء الصغير : 26 (156) ابن حبان ، كتاب المجروحين 3 : 110 البخاري ، الضعفاء الصغير : 118 (157) الذهبي ، ميزان الاعتدال 1 : 6 . السبكي ، طبقات الشافعية 2 : 9 (158) نزهة النظر شرح نخبة الفكر: 20 - 21 . السخاوي، فتح المغيث 1 : 190 - 191 . 387 هذا هو التعريف المقبول للحديث المنکر وهو بهذا ضعيف جدا لان راويه ضعيف وازداد ضعفا بالمخالفة (159) وأرى أنه تدلى عن الضعف الى الرد وهو المفهوم من قول. مسلم السابق وما يقصده البخاري بقوله منكر الحديث ومن توضيح ابن حجر ومن موقف يحي بن معين من راوي الاحاديث المنكرة ، فقد سئل ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكره ، فرد عليه أصحاب الحديث : ان هو رجع عنها ، وقال ظننتها ، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها ؟ فقال : « لا يكون صدوقاً أبدا ، انما ذلك الرجل يشتبه له ذلك الحديث الشاذ ، والشيء فيرجع عنه ، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لاحد فلا فقال له السائل ما يبرئه ؟ فأجاب بأن ما يبرئه ويدل على صدقه هو الاستظهار بكتاب قديم فيه نفس الاحاديث ليظهر خطؤه فان ادعی ذهاب الاصل رفض ادعاؤه وعد كاذبا حتى يجىء بكتابه القديم ، ذلك لان الاحاديث دين ولا يحل فيه غير هذا الموقف» (160). فابن معين وان لم ينقل عنه تعريف الحديث المنكر فان موقفه من راويه يدل على مدى الجرح بروايته عنده الى درجة أنه لا يقبل تراجعه الا اذا استظهر بما أوقعه في روايته خطا . واعتبر بعض الأئمة مطلق التفرد موجبا للنكارة كأحمد بن حنبل (161) والنسائي وغيرهما ، قال ابن حجر: « المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعه على الحديث الفرد الذي لا متابع له » (162) وقال مرة أخرى: « أحمد وغيره يطلقون المناكير على. الافراد المطلقة » (163) والى رأي أحمد ذهب البرديجي (164) فقال في تعريف (159) عتر ، المنهج النقدي لعلوم الحديث : 407 (160) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 192 (161) انظر الصفحات التالية وغيرها من كتابه العلل، ومعرفة الرجال الجزء الاول: 56، 137 ، 168، 199 ، 201، 205، 206، 210، الى آخره . (162) هدي الساري : 437 (163) نفس المرجع : 392 (164) هو أحمد بن هارون البريديجي البرذعي (أبو بكر). 845/239 - 915/301 محدث حافظ بارع مصنف . كحاله ، معجم المؤلفين 1 : 198 . 388 المنكر : « هو الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه منه ولا من وجه آخر» (165). قال ابن حجر أيضا : «فمذهب البريجي أن المنكر هو الفرد سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة فلا يكون قوله منكر الحديث جرحا بينا (166) واذا كانت عبارة منكر الحديث في هذا المذهب لا تقتضي الجرح البين فأقل منها دلالة قولهم روى مناكير أو يروي المناكير أو في حديثه نكارة فقد أكثروا من اطلاقها على الثقات . الوهم الوهم نوع من الغلط ، يقال وهم أي غلط وأوهم في صلاته أسقط منها شيئا ،. والراوي الواهم : من يروي الحديث على سبيل التوهم فيصل المنقطع أو يدخل حديثا في حديث أو غير ذلك، وهو صدوق . قال البيهقي (167): « وقد يزل الصدوق فیما یکتبه فيدخل له حدیث في حدیث فیصیر حديثا روي باسناد ضعيف مركبا على اسناد صحيح»(168). وقال أبو زرعة الرازي في أحد المخطئين ، « صدوق الا أنه بهم» (169) وعده ابن حبان من الثقات الذين لا يحتج بحديثهم قال: «فمن الثقات من كان يخطىء الخطأ اليسير إما في الكتابة حيث كتب ، ولم يعلم به حتى بقي الخطأ في كتابه الى أن كبر واحتيج اليه ، مثل تصحيف اسم يشبه اسما ، ومثل رفع مرسل أو ايقاف مسند ، أو ادخال حديث في حديث ، أو ما يشبه هذا . فلما رأى أئمتنا : مثل يحي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وبعدهما أحمد بن (165) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 71 - 72 . (166) هدي الساري : 455 (167) أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله (أبو بكر) البيهقي 994/384 ت 1066/458 ، محدث ، فقيه ، غلب عليه الحديث فصنف فيه كثيرا له السنن الكبرى وغيرها ، السبكي ، طبقات الشافعية 3 : 3 - 7 (168) معرفة السنن والآثار : 1 : 56 . (169) الرازي ابن أبي حاتم ، علل الحديث 1 : 13 389 حنبل ويحي بن معين ومن كان من أقرانهما ، وأهل هذه الصناعة ما تفردوا به من الأشياء التي ذكرتها أطلقوا عليهم الجرح وضعفوهم في الأخبار . وهذا الجنس ليسوا عندي بالضعفاء على الاطلاق حتى لا يحتح بشيء من أخبارهم بل الذي عندي ألا يحتج بأخبارهم اذا انفردوا فأما ما وافقوا الثقات في الروايات ، فلا يجب اسقاط أخبارهم» (170) . وبين عبد الرحمن بن مهدي درجات الوهم وأثرها في قبول الحديث ورده فقال: « الناس ثلاثة : رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه ، وآخريهم والغالب على حديثه الصحة فهذا لا يترك حديثه ، وآخريهم والغالب على حديثه الوهم فهذا يترك حديثه » (171) . وجعل ابن حجر الوهم في المرتبة السادسة بين أسباب الطعن كلها ، والثالثة بين الأسباب الطاعنة في الضبط وحديث من أصيب به يسمى المعل. وسماه البخاري والترمذي والدارقطني والحاكم وغيرهم المعلول وهو لحن لان فعله أعل واسم المفعول منه معل بلام واحدة . وأعله الله تعالى : أصابه بعلة فهو معل وعليل ولا تقل معلول (172) واستعملت هذه الصيغة في العروض وفي المعجم الوسيط : أعله الله فهو معل وعليل ويقال معلول وهو من النوادر (173) . ولا يقال معلل لان هذه مفعول علل بمعنى ألهاه عن الشيء وشغله فلا يقال علل الحديث بمعنى أعله (174) . (170) ابن حبان ، كتاب المجروحين 1 : 90 (171) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 227 (172) الزبيدي ، تاج العروس 8 : 32 629 : 2 (173) (174) الصنعاني ، توضيح الأفكار 2 : 26 390 ٠٠ والحديث المعل : هو الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها ويتطرق ذلك الى الاسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر (175) معرفة العلل : وتدرك العلة بجمع طرق الحديث وفحصها والنظر في ضبط رواته ومقارنة اختلافهم لمعرفة من تفرد منهم فخالف من هو أحفظ منه ويغلب على ظن الناقد أن الحديث . معل فيقضي بعدم صحته أو يتردد فيتوقف فيه . وقد تقصر عبارته عن اقامة الدليل على نقده كما يعجز الصيرفي عن تعليل نقد الدرهم والدينار ، قال عبد الرحمن بن مهدي : « معرفة علل الحديث الهام . لو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا لم يكن له حجة ، وكم من شخص لا يهتدي لذلك » (176) وقيل له أيضا : « انك تقول للشيء هذا صحيح ، وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك ؟ فقال أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك ، فقال هذا جيد وهذا بهرج ، أكنت تسأل عمن ذلك ،. أو تسلم له الأمر ؟ قال : « بل أسلم له الأمر . قال : « فهذا كذلك ، بطول المجالسة ، والمناظرة والخبرة ». وعلل الحديث كما قال الحاكم: « علم برأسه غير الصحيح والسقيم ، وغير الجرح والتعديل (177). وهي من أدق فنون الحديث وأغمضها ، وأشرفها ولم يتمكن منه الا أهل الحفظ الجيد ، والفهم الثاقب ، والمعرفة التامة بمراتب الرواة . وطرق المتون ، ولم يتكلم فيه الا القليل من أهل الشأن كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل ، والبخاري ، ويعقوب بن شيبة (178) وأبي حاتم الرازي وصاحبه أبي زرعة والدارقطني (179) . (175) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 65 (176) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 252 - 253 (177) معرفة علوم الحديث : 112 (178) يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي البصري ثم البغدادي . 796/180 ت 875/262 محدث حافظ ، صنف مسندا معللا الا أنه لم يتمه . الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد 14 : 281 . 283 - ۔ ٠ 391 موضع العلة : تقع العلة في اسناد الحديث وهو الاكثر وقد تقع في متنه ، ثم ان ما يقع في الاسناد قد يقدح في صحة المتن كالاعلال بالارسال وقد لا يقدح فيه كالاعلال بوهم الراوي في اسم أحد رجال الاسناد اذا كان للمتن اسناد عن الثقات من غير رواية ذلك الذي وهم كالحديث الذي رواه يعلى بن عبيد الطنافسي (209) وهو ثقة عن الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « البيعان بالخيار ... الحديث » (180) . فهذا اسناد متصل بنقل العدول الثقات لكنه معل غير صحيح ، والمتن صحيح ، والعلة فيه ناتجه عن وهم يعلى بن عبيد فقد غلط على سفيان في قوله عمرو بن دينار ، والصواب عبد الله بن دينار كما رواه أصحاب الثوري عنه (181) . ومثال العلة في المتن ما انفرد به مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك : « صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين » لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول قراءة ولا في آخرها » (182) قال ابن الصلاح (183): « فعلل قوم رواية اللفظ المذكور - يعني التصريح بنفي قراءة البسلمة لما رأوا الاكثرين انما قالوا فيه فكانوا يستفتحون القراءة بـ (الحمد لله رب العالمين) من غير تعرض لذكر البسملة وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على اخراجه في الصحيح ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له ففهم من قوله كانوا يستفتحون بالحمد لله ، أنهم لا يبسملون ، فرواه ، - (179) ابن حجر ، نزهة النظر شرح نخبة الفكر : 32 - 33 . (180) الحديث بسنده الصحيح عن سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار في صحيح البخاري ، كتاب البيوع : 44 . صحح البخاري ، بحاشية السندي 2 : 13 . وعند البخاري أيضا بأسانيد . أخرى عن ابن عمر ، وعند مسلم ومالك في كتاب البيوع أيضا . (181) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 254 52 (182) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 299 كتاب الصلاة (183) علوم الحديث : 83 . . 392 على ما فهم وأخطأ لان معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة وليس فيه تعرض لذكر التسمية » (184) . والعلة تكون بارسال الموصول أو وقف المرفوع أو وهم واهم كابدال راو ضعيف بثقة أو دخول متن حديث في آخر ، وقسم الحاكم أبو عبد الله أجناس العلل الى عشرة ذكرها مع أمثلتها (185) ولخصها من بعده السيوطي (186) ثم نقلها عنه أحمد محمد شاكر (187) ومحمد محيي الدين عبد الحميد (188) وننقلها من هذه الكتب . دون أمثلتها طلبا للاختصار لا سيما وقد مثلنا للعلة في الاسناد وفي المتن . - النوع الاول أن يكون السند ظاهره الصحة، وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه . - الثاني : أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ . ويسند من وجه ظاهره الصحة . - الثالث : أن يكون الحديث محفوظا عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته كرواية المدنيين عن الكوفيين . - الرابع : أن يكون محفوظا عن صحابي فيروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبته . - الخامس : أن يكون مرويا بالعنعنة ، وسقط منه رجل دل عليه طريق آخر محفوظ . - السادس : أن يختلف على رجل بالاسناد وغيره ، ويكون المحفوظ عنه ما قابل الاسناد . (184) شاكر أحمد محمد، الباعث الحثيث : 66 - 67 وقد عرض السيوطي في التدريب 1 : 254 - 257 . كل ما قيل في علل هذا الحديث . .(185) معرفة علوم الحديث: 113 - 119 (186) تدريب الراوي 1 : 258 - 262 (187) الباعث الحثيث : 67 - 71 (188) توضيح الافكار للصنعاني 2 : 29 - 31 . 393 - السابع : الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله . - الثامن: أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة فاذا رواها عنه بلا واسطة فعلتها أنه لم يسمعها منه . - التاسع : أن تكون ثم طريق معروفة ويروي أحد رجالها حديثا من غير تلك الطريق فيقع الراوي عنه في الوهم فيرويه من الطريق المعروفة . - العاشر : أن يروي الحديث مرفوعا من وجه وموقوفا من وجه . ولاحظ الحاكم أنه لم يجعل هذه الاجناس لحصر أنواع العلل فلم يستوفها بل اكتفى ببعضها (189) . وقد أطلق بعض علماء الحديث اسم العلة على الاسباب التي يضعف بها الحديث كالطعن في عدالة الراوي أو حفظه فقالوا هذا الحديث معل بفلان ، ولم يقصدوا العلة المصطلح عليها لانها انما تعرف بسبر طرق الحديث (190) ، « ولان الحديث انما يعل من أوجه ليس للجرح فيها مدخل فان حديث المجروح ساقط واه ، وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه ، فيصير ... الحديث معلولا » (191). وأطلق أبو يعلى الخليلي (192) العلة على ما ليس بقادح نحو ارسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال من الحديث : ما هو صحيح معل ، وسمي الترمذي النسخ علة من علل الحديث : قال العراقي : « فان أراد أنه علة في العمل بالحديث فصحيح أو في صحته فلا لان في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة وجوام شاكر بأنه لا يريد غير القدح في العمل به»(193). (189) معرفة علوم الحديث : 119 (190) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 71 . (191) الحاكم النيسابوري ، معرفة علوم الحديث : 113 (192) الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليل (أبو يعلى) القزويني 1054/446 حافظ مصنف له الارشاد في علماء البلاد ذكر فيه المحدثين وغيرهم . الكتاني ، الرسالة المستطرفة : 97 (193) الباعث الحثيث : 72 394 مخالفة الراوي لغيره هي السبب الرابع من أسباب الطعن القادحة في الضبط ، ولا يخلو الحال اما أن يصاحبها الطعن في عدالة الراوي أولا ، فان كانت كذلك فالأمر لا يتعلق بها وحدها ، وقد رأيناها في بحث الحديث المنكر ، وإن لم تكن كذلك فهي ما خالف فيه الراوي غيره بتغيير السند كمدرج الاسناد أو ادماج الحديث بغيره كمدرج المتن ، أو بتقديم وتأخير وهو المقلوب . إلى آخره ، ونحاول التعريف بهذه الأنواع من الأحاديث الضعيفة الناتجة عن المخالفة . الحديث المدرج : الادراج لغة: لف الشيء في الشيء (194) وعند المحدثين الحديث المدرج هو الذي اطلع في متنه أو اسناده على زيادة ليست منه بأن يذكر الصحابي أو من بعده قبل متن. الحديث أو أثناءه أو آخره وهو الاكثر كلاما من عند نفسه فيرويه من بعده غير مفصول عن كلامه صلى الله عليه وسلم . فيتوهم من لا يعلم حقيقة الحال أنه منه (195) . وهذا التوضيح ينطبق على مدرج المتن وهو الأكثر وسيأتي مثال لمدرج الاسناد ، والرواة الثقات ينبهون غالبا على كل زيادة في مروياتهم مهما كانت هيئة يسيرة بالنص على أصحابها حتى لا يعتبرها الناقل عنهم من نص الحديث . وسمح البعض كالزهري بما أدرج لتفسير غريب المتن ، جاء في حديث بدء الوحي عن عائشة « كان النبي صلى العربية عليه وسلم يتحنث ــ وهو التعبد __ في غار جراء الليالي ذوات العدد » (196) فتفسير التحنث بالتعبد من عنده ، وكان وكيع بن (194) ابن منظور ، لسان العرب مادة (درج) 1 : 164 (195) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 86 (196) صحيح البخاري بحاشية السندي 1 : 6 ، بدء الوحي : 3 395 الجراح يقول في الحديث يعني كذا وكذا وربما حذف يعني وذكر التفسير (197) . أنواع المدرج : يقع الادراج في المتن وفي السند ، ففي المتن أكثر ما يكون في آخره وقد يوجد في أوله وقل ما يوجد في وسطه . فمثال الادراج في الاول ما وراه الخطيب من طريق أبي قطن (198) وشبابه (199) عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أسبغوا الوضوء ويل للاعقاب من النار » فالعبارة الأولى « أسبغوا الوضوء » من قول أبي هريرة ، فوهم أبو قطن وشبابه في روايتهما عن شعبة وظنا أنها من قول الرسول لا من اضافة أبي هريرة . وعرف هذا مما جاء عند البخاري عن آدم ابن أبي اياس قال حدثنا شعبة ، قال حدثنا محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة وكان يمر بنا ، والناس يتوضأون من المطهرة قال : « اسبغوا الوضوء فان أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال : « ويل للاعقاب من النار» (200) وتدعمت رواية آدم بروايات أخرى فتبين وهم شبابه وأبي قطن (201) . الادراج في الوسط : مثاله ما رواه عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسره بنت صفوان قالت : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من مس ذكره أو (197) شاكر أحمد محمد الباعث الحثيث : 77 (198) عمرو بن الهيثم بن قطن البصري ت 813/198 . روى عن شعبة ومالك بن أنس ومالك بن مغول ، ويحي بن معين وثقه كل الائمة ، قيل لاحمد إنه قدري ؟ فقال ان ثلث أهل البصرة قدرية ، ابن حجر ، تهذيب التهذيب 8 : 114 - 115 . (199) هو شبابه بن سوار الفزاري أصله من خراسان ت 821/206 . روى عن جرير بن عثمان وشعبة ، وعنه علي بن المديني واسحاق بن راهويه ، كان مرجئا داعيه الخزرجي ، الخلاصة : 168 . (200) صحيح البخاري بحاشية السندي 1 : 43 كتاب الوضوء : 27 . (201) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 270 396 ٠٤ أنثييه أو رفغيه فليتوضأ » (202) قال الدارقطني : « كذا رواه عبد الحميد عن هشام ، ووهم في ذكر الانثيين والرفع وأدرجه لذلك في حديث بسرة والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع وكذلك رواه عن هشام أيوب السختياني ، وحماد بن زيد وغيرهما » (203) . الادراج في آخر المتن : مثالة الزيادة الملحقة بحديث التشهد من قول ابن مسعود وهي «فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك ان شئت أن تقوم فقم ، وان شئت أن تقعد فاقعد » . فأدرجه بعضهم عن زهير بن معاوية (204) في الحديث ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم وفصله شبابه بن سوار عن زهير نفسه فقال بعد لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم « قال : عبد الله وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه ، وتدعم عملهبفصل غيره من الثقات أيضا»(205) . مدرج الاسناد : . مدرج الاسناد يرجع في الحقيقة الى مدرج المتن ، وهو ثلاثة أقسام : الاول : أن يكون الراوي سمع الحديث بأسانيد مختلفة عن جماعة فيرويه عنه راو آخر فيجمع الكل على اسناد واحد من تلك الأسانيد من غير أن يبين الاختلاف (206) . · الثاني : ذكر ابن حجر له صورتين الأولى : أن يكون المتن عند راو لا طرفا منه فإنه عنده باسناد آخر فيروبه راو عنه تاما بالاسناد الأول . .(202) سنن الدارقطني : 54 (203) سنن الدارقطني : 54 (204) زهير بن معاوية أبو خيثمة الكوفي أحد الحفاظ الاعلام. 718/100 ت 789/173 . عن سماك بن حرب ، وعنه يحي القطان وابن مهدي الخزرجي ، الخلاصة : 123 (205) سنن الدارقطني : 135 (206) ابن حجر ، نزهة النظر شرح نخبة الفكر : 33 397 الثانية : أن يسمع الحديث من شيخه الا طرفا منه فيسمعه منه بواسطة غيرويه راو عنه تاما بحذف الواسطة . الثالث : أن يكون عند الراوي متنان مختلفان باسنادين مختلفين فيرويهما راو عنه مقتصرا على أحد الاسنادين أو يروي أحد الحديثين باسناده الخاص به لكن يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس في الأول (207) . أمارات الإدراج : يعرف الادراج بورود الحديث في رواية أخرى رجالها ثقات خالية من الزيادة أو بالنص على ما أدرج من الراوي أو من بعض الأئمة ، أو باستحالة كون ما أدرج من كلامه صلى الله عليه وسلم (208) . حكمه : يسمح بالادراج لتفسير الغريب ، ولا يسمح بغيره ، فان وقع عن عمد حرم وأسقط عدالة الراوي وان كان عن خطإ فلا اثم على المخطىء لكنه ان أكثر منه طعن في ضبطه (209) . الحديث المقلوب الحديث المقلوب نوع من الأحاديث الضعيفة أو المردودة لا يمكن تعريفه لكثرة أنواعه واختلافها ، ومن علماء الحديث من حاول تعريفه ، ومنهم من اكتفى بذكر أمثلة له . ويقع القلب في الاسناد وفي المتن ولكل واحد منهما وجوه فأما في الاسناد فيكون اما بقلب اسم أحد رجاله بالتقديم والتأخير ككعب بن مرة تصبح مرة بن كعب واما بأن يشتهر الحديث عن راو فيبدله أحد الكذابين براو آخر في طبقته ليصير الحديث (207) ابن حجر ، نزهة النظر شرح نخبة الفكر : 33 (208) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 74 398 ٠٤ غريبا مرغوبا فيه كحديث مشهور عن سالم بن عبد الله جعل عن نافع ، وعرف جماعة من الوضاعين بهذا الصنيع فقلب حماد بن عمرو النصيبي حديثا عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: « إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام » فصيره عن الأعمش عن أبي صالح والسند الصحيح لهذا الحديث عند مسلم عن جماعة من الحفاظ (210) . ويوصف مرتكبُ هذا الصنيع عمدا بسرقة الحديث (211) . وقد يكون وهما من الراوي الثقة ومثاله ما رواه جرير بن حازم عن ثابت البناني عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني » سئل عنه حماد بن زيد فقال وهم أبو النضر - يعني جرير بن حازم ــ انما كنا جميعا في مجلس ثابت وحجاج الصواف معنا فحدثنا حجاج عن يحي بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أقيمت الصلاة ... الحديث « فظن جرير أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس فقد انقلب الاسناد على جرير ، والحديث معروف من رواية حجاج الصواف عن يحي بن كثير رواه مسلم (212) والنسائي من طريق حجاج الصواف عن يحي (213) . ويقع القلب في المتن بأن تجعل منه كلمة في غير موضعها وضرر هذا النوع يختلف باختلاف ما أحدثه القلب من تغيير في المعنى ، ومنه في صحيح مسلم ، « ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله » (214) (209) محمد محي الدين عبد الحميد ، توضيح الأفكار 2 : 53 (210) السيوطي، تدريب الراوي 1 : 291 ، وانظر صحيح مسلم كتاب السلام 138 بلفظ قريب منه . (211) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 89 (212) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1 : 422 كتاب المساجد ومواضع الصلاة : 156 (213) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 294 - 295 . شاكر أحمد محمد الباعث الحثيث : 89 (214) صحيح مسلم تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي 1: 715 كتاب الزكاة 12 399 والصحيح « حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » هكذا رواه الامام مالك والبخاري (215) ويكون القلب في المتن والاسناد معا بأن يجعل للمتن اسناد آخر. ويركب على اسناد ذلك المتن متن آخر ، ودوافع القلب متعددة منها ما لا يجرح وهو الناشىء عن الخطإ أو ما كان بقصد اختبار حفظ الراوي ، ومعرفة قبوله أو رفضه التلقين وقد فعله شعبة وحماد بن سلمة ويحي بن معين (216) ووقع للبخاري في القصة المعروفة وصنيعهم يدل على جوازه لكن بالنسبة لغيرهم لا بد أن يكون مع الغرض المذكور سلامة النية وأن ينتهي بانتهاء الاختبار ومنه ما يجرح وهو المتعمد كما هو صنيع الوضاعين . الحديث المضطرب المضطرب بكسر الراء اسم فاعل من الاضطراب وهو اختلال الامر تقول اضطرب الشيء بمعنى تحرك وهاج واضطرب الأمر اختل (217) ، والمضطرب من الحديث ما اختلفت رواية راويه فيه فرواه مرة على وجه ومرة على وجه آخر مخالف له وكذلك ان اضطرب فيه راويان فأكثر فرواه كل واحد على وجه مخالف للآخر ولم يترجح أحد الوجهين (218) ولو كان المضطرب بفتح الراء اسم مكان للاضطراب لكان أظهر لتحقق المعنى الاصطلاحي لأن الحديث موضع يظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة (219) وهو نوع من المعل . ويوجد الاضطراب في المتن وفي السند فمثاله في السند وحده حديث أبي بكر قال يا رسول الله أراك شبت ؟ قال « شيبتني هود واخواتها » قال الدارقطني : « هذا حديث مضطرب فانه لم يرو الا من طريق أبي (215) مالك الموطأ 2: 952 ، تصحيح محمد فؤاد عبد الباقي كتاب الشعر : 14 البخاري بحاشية السندي 4 : 175 . كتاب الحدود : 19 (216) الصنعاني ، توضيح الأفكار 2 : 103 (217) الزبيدي ، تاج العروس 1 : 348 (218) العراقي، التبصرة والتذكرة 1 : 240 (219) محمد محيي الدين عبد الحميد ، توضيح الأفكار 2 : 36 (تعليق) 400 اسحاق (220) وقد اختلف فيه على نحو عشرة أوجه فمنهم من رواه عنه مرسلا ، ومنهم من رواه عنه موصولا ، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر ، ومنهم من جعله من مسند سعد ، ومنهم من جعله من مسند عائشة ، وجميع رواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض ، والجمع متعذر (221) . ومثال الاضطراب في المتن حديث البسملة في الصلاة الذي ذكرناه في المعل فان السيوطي قال : أعله ابن عبد البر بالاضطراب ، والمضطرب يجامع المعل لأنه قد تكون علته ذلك (222) . ويكون الاضطراب علة قادحة في صحة الحديث بشرطين : أحدهما : استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح بالمجروح . ثانيهما : مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك (223) . فالحديث المضطرب ان كان بعض رواته دون بعض في العدالة والضبط اعتبرت رواية العدل الضابط وزال الاضطراب عن الحديث وجرح الراوي الذي عدل عن روايته وإن كان الرواة في مرتبة واحدة من مراتب العدالة والضبط فان كان اختلافهم في اسم راو ، أو اسم أبيه أو نسبه لم يعتبر وان كان في غير ذلك فان أمكن الجمع بين الروايات المختلفة أو حملها على تعدد الواقعة جمع بينها بما يمكن الجمع صونا لرواية الثقات العدول عن التوهين ، وإن لم يمكن الجمع بوجه من الوجوه اعتبر هذا الاختلاف قادحا (220) هو أبو اسحاق السبيعي (127) كما في فتح المغيث للسخاوي أ : 224 (221) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 265 - 266 (222) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 267 وشاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 73 (223) ابن حجر ، هدي الساري : 348 - 349 401 في الحديث (224) ويوجد الجرح باضطراب الحديث كثيرا في كتب العلل (225) سوء الحفظ سوء الحفظ هو عاشر أسباب الجرح عموما والسبب الخامس من الاسباب الطاعنة في الضبط ومعناه ترجيح جانب اصابة الراوي على جانب غلطه فإن كان لازما للمجروح به فحديثه الشاذ ، وإن كان طارئًا بسبب الكبر وما يؤثر في الذاكرة فالراوي مختلط (226) . الحديث الشاذ : الشاذ في اللغة المنفرد يقال : شذ ، يشذ بكسر العين وضمها ، انفرد عن الجمهور فهو شاذ (227) . واختلف علماء الحديث في تعريفه فقال الشافعي : « ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره هذا ليس شاذا إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ماروى الناس » وتكون المخالفة بالزيادة أو النقص في السند أو المتن (228) وقال الحاكم : « هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل متابع لذلك الثقة » (229) . وعرفه الخليلي فقال : « الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له الا اسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة » . (224) محمد محيي الذين عبد الحميد، ضيح الافكار 2 : 3.7 (تعليق) (225) انظر الصفحات الاتية من كتاب العلل ومعرفة الرجال لاحمد بن حنبل : 102 - 119 - . 129 - 120 (226) ابن حجر ، نزهة النظر شرح نخبة الفكر : 40 (227) الجوهري ، الصحاح 2 : 564 . (228) البيهقي ، معرفة السنن والاثار 1 : 55 . (229) معرفة علوم الحديث : 119 402