Indexed OCR Text
Pages 221-240
سمعه منه ، ولهذا كان موقفه مثالا لكل راو متحمل لمسؤوليته ، ولا نشك في أنه ليس وحده الذي انفرد به بل کان موقف کل صحابي سمع من صحابي آخر ، وبالرجوع الى ما نقل عن ابن سيرين «110» في الموضوع نجد له قولين متكاملين يساندان الموقف السابق لأنهما يبينان العوامل التي دعت الى اعتماد الاسناد والمطالبة به قال : « ان هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم»(208) . هذه دعوة لمعرفة المروي عنه ، تتضمن المطالبة بالاسناد لأنه من الضروري أن يسمى الراوي من نقل عنه ليعرف ، ويعني هذا التوقف في خبر المجهول والمجروح عموما للتأمل فيه وما تضمنه قول ابن سيرين هذا صرح به قوله الآخر : « لم يكونوا يسألون عن الاسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر الى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم » (209) ، هذا تحديد تاريخي لبداية المطالبة بالاسناد ، وهو حدوث الفتنة ، ويراد بها أمران: إما الخلافات السياسية التي جدت بسبب مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه وكانت سبب تعفن الحياة السياسية ومنطلق المذاهب العقدية المتعددة ، وإما انتشار الآراء المضللة بسبب المذاهب المذكورة الناشئة عن هذه الخلافات ، وهذا الاحتمال أولى لأن أهل البدع انما عرفوا بعد انتشار آرائهم وهذا متأخر عن نشأة الفتنة السياسية قليلا . عن الأعمش عن أبي اسحاق ، قال: « لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه قال رجل من أصحاب علي : « قاتلهم الله أي علم أفسدوا » ، قال : النووي: « هذه اشارة الى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي من الأباطيل » (210)، فهذا الأثر يفيد انتشار الوضع بعد مقتل علي وان ذكرنا من قبل ظهور مبتدعين دعاة للفتنة للتأليب على قتل عثمان ، وكذبهم على علي في حياته ، ولكن ذلك يعني البدء أما ظهور أثرهم فكان بعد ذلك . ويدعم هذا الاحتمال وجود العامل الثاني للمطالبة بالاسناد وهو « قوة الوعي العلمي الحافز على الرغبة في معرفة (208) و(209) صحيح مسلم المقدمة : 5 (210) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 83 223 أصل التلقي ، ومدى الاطمئنان إليه (211) . فهذه الرغبة تحصل كلما طال الزمن الفاصل بين المنقول عنه والمتلقي أي بين الرسول عليه السلام وبين من سمع حديثه من الرواة ، وبالرجوع الى تاريخ وفاة الأشخاص الذين عرفوا بآرائهم المضللة كمعبد الجهني المتوفى بين سنتي «80 و90» وبقية أصحاب النزعات السياسية والعقائدية والذين كان وجودهم من عوامل البحث عن رجال الاسناد ، ووفاة ابن سيرين «10-1» الذي دعا الى التفتيس عنه، نقرب أن يكون تاريخ المطالبة به بداية النصف الثاني من القرن الأول اذ أن هؤلاء المذكورين بدأ تأثيرهم يظهر في ذلك الوقت وموقف الشعبي (104) من حديث الربيع بن خثيم «63» (212) ، يدعم هذا فقد قال له عندما حدثه من حدثك ؟ قال عمرو بن ميمون ، قلت من حدثك ؟ فقال أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يحي بن سعيد: « وهذا أول من فتش عن الاسناد » (213) فهذا الخبر عن موقف الشعبي من حديث ابن حثيم وشهادة يحي وتقدم وفاة الربيع أدلة على بداية الاسناد في هذه الفترة ويؤيد ذلك ما رواه الأعمش عن ابراهيم قال : « انما سئل عن الاسناد أيام المختار » قال ابن رجب: (214) « وسبب هذا أنه كثر الكذب على علي في تلك الأيام» (215) والمختار بن أبي عبيد الثقفي قتل في سنة سبع وستين وهو يوافق الفترة التي حددناها وأسباب ذلك نتجت عن البحث عن طريق الحديث للاطمئنان اليه . ومن الشعور بثقل مسؤولية التبليغ بسبب الخلافات المذهبية وظهور أهل الأهواء مما جعل المحدثين يبحثون عن الرجال ليعرفوا نزعاتهم العقدية واتجاهاتهم السياسية فهل التزم الاسناد دفعة واحدة أم في تدرج ؟ (211) أمين الخولي ، مالك بن أنس . 560 (212) هو الربيع بن خثيم بن عائد الثوري (أبو زيد) الكوفي سمع من ابن مسعود وأبي أيوب وعمرو ابن ميمون . وعنه الشعبي وابراهيم النخعي وغيرهما . ابن حجر ، تهذيب التهذيب 3 : 242 (213) ابن عبد البر، التمهيد 1: 55 . الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 208 (214) زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي نزيل دمشق 1239/637 بغداد 1392/795 دمشق ، له ذيل طبقات الحنابلة وشرح علل الترمذي . السيد صبحي جاسم الحميد ، مقدمة شرح علل الترمذي لابن رجب (215) ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي : 82 - 83 224 ان كل أمر جديد يمر بفترة يتأرجح فيها بين الالزام به والتسامح في تركه ولقانون النشوء هذا خضع الاسناد ، فتأرجح ثم ثبت ، تأرجح عندما كان من الرواة من تقبل روايتهم ولو لم يسندوا وثبت عندما صار قانونا الزاميا لا تقبل الرواية، بدونه مهما كانت ثقة الراوي ، وهذه أمثلة لتدرجه فابراهيم النخعي «96» يحفظ أسانيد حديثه ولا يذكرها ، ويطالبه الأعمش بها فيجيبه بأنه يعلمها واذا لم يسم واسطته إلى عبد الله بن مسعود فإنه سمع منه عن أكثر من واحد وإذا سمع من واحد عبئة، قال سليما الأعمش « قلت لابراهيم : اذا حدثتني حديثا فأسنده »، فقال: « tit قلت عن عبد اللّه فاعلم أنه عن غير واحد ، وإذا سميت لك فهو الذي سميت » (216) . فهذان التابعيان حدّث أحدهما الآخر فاعتنيا بالاسناد ، السامع سأل عنه عندما لم يسند له محدثه بينما كان الراوي على علم به ، وكانت له طريقته الخاصة في التحديث وهي التي وصفها : فهو لم يصرح به ولكنه اعتمده بيد أن التخلي عنه يدل على أن التزامه لم ينتشر بعد ، والمطالبة به من محدث مشهور، تشعر بأفضليته وبحث القوم عنه . ويبدو أن الأعمش كان يختار رجاله جيدا وأنه استطاع أن يكون له سند ، شهد له أبن معين بأنه من أجود الأسانيد وهو : الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله وقد وصله بواسطة ابراهيم فكان وصف دقة الاختيار يشملهما . وتشتد المطالبة بالاسناد حينما لا يكون المحدث عمدة فقد أنكر الزهري «124» على اسحاق بن عبد الله بن أبي فروة (217) أن يرسل فقال له : « قاتلك الله يا ابن أبي فروة تجيئنا بأحاديث ليس لها خطم (218) ولا أزمة)) (219)، وفي رواية الحاكم زيادة تدلّ على التخويف من إهمال الإسناد «ما أجرأك على الله لا تسند حديثك (216) ابن عبد البر، التمهيد 1 : 37 - 38 . (217) ادرك معاوية ت 753/136 ولم يكن ثقة. ابن حجر ، تهذيب التهذيب 1 : 240 - 242 (218) الخطام : كل ما وضّع في أنف البعير ليقاد به والجميع خطمهم وخطمت البعير زمه . ابن منظور لسان العرب (مادة خطم) 1 : 861 (219) علل الترمذي آخر الجزء 13 من صحيحه بشرح ابن العربي 228 - 229 225 تحدثنا ... » (220)، ودعا هشام بن عروة «146» (221)، الى المطالبة بالاسناد لمعرفة الرجال فقال : « اذا حدثك الرجل بحديث فقل عمن هذا ؟ أوفممن سمعته ؟ فإن الرجل يحدث عن آخر دونه ، يعني في الإتقان والحفظ (222) .. هذه صور من البحث عن الاسناد والالزام به فهل كان هذا عاما عند كل التابعين ؟ كانت هذه الدعوة من جهة وكان إرسال بعضهم من جهة أخرى ، وليس بين الأمرين تضارب ، لأن الاسناد لم يلتزم كليا في بدايته وكانت الغاية من المطالبة به معرفة المروي عنه فاذا كانت ثقة الراوي المطلقة أو في نظر جلاسه تغني عن ذلك قُبِل ارساله وعد في درجة من يستد ، عن معمر بن راشد «153» « كنا نجالس قتادة (117) ونحن أحداث فنسأل عن السند فيقول مشيخة حوله : « مه ان أبا الخطاب سند فيكسرونا عن ذلك» (223) ولم يشعر قتادة بالحاجة الى الاسناد كما لم يسمح تلاميذه للوافد على الحلقة بسؤاله عن ذلك فضلا عن أن يسألوه هم أنفسهم ، ولكنه عندما لاحظ اسناد غيره أسند . قال حماد بن سلمة « كنا نأتي قتادة فيقول : بلغنا عن النبي عليه السلام، وبلغنا عن عمر، وبلغنا عن علي ، ولا يكاد يسند فلما قدم حماد بن أبي سليمان «119» البصرة جعل يقول : سألت مطرّفا وسألت سعيد بن المسيب ، وحدثنا أنس بن مالك فأخبر بالأسناد ، أسند قتادة » (224) . وكذلك كان الزهري وهو من دعاة الاسناد يرسل عن ابن عمر ، فإذا سئل بعد المجلس عن واسطته اليه أجاب أنه روى عنه بواسطة ابنه سالم . قال مالك بن أنس : « كنا نجلس الى الزهري والى محمد من المنكدر «130». (220) معرفة علوم الحديث : 6 (221) انظر ما سبق ص : 90-91 (222) الرازي ابن أبي حاتم ، الجرح والتعديل ج 1 ق 1 : 36 (223) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 6 : 230 (224) نفس المرجع والجزء : 230 - 231 226 فيقول الزهري قال ابن عمر : كذا وكذا ، فإن كان بعد ذلك جلسنا إليه ، فقلنا له : « الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به ؟ قال : ابنه سالم» (225)، أما زيد بن أسلم «136» أحد علماء المدينة وممن روى عنه مالك في الموطإ، فكان يجيب من سأله عمن روى « ما كنا نجالس السفهاء ولا نجمل عنهم » (226) وبنفس الجواب أجاب الامام مالك من بعد (227). قضية الاسناد إذن في هذه الفترة قضية جوهر أكثر منها قضية شكل ، فان وثق طالبو الحديث بالراوي اعتبروه هو نفسه سندا في الغالب ، ومع هذا الاعتبار ليس هناك مانع من مطالبته بالإسناد ولا موجب لرد حديثه المرسل ومع الزمن التزم الذين لا يسندون الاسناد وصار الحديث مرفوضا بدونه ولكن هذا حصل متأخرا نسبيا اذا ما وقفنا عندما أرسله الامام مالك وهو من أتباع التابعين ، وعلى كل فإن التابعين في الغالب طالبوا بالإسناد وأسندوا منذ بداية النصف الثاني من القرن الأول ومع ذلك أرسلوا لأن قصدهم تبليغ ما صح من الحديث مرسلا أو مسندا وهذا ما يفسر موقف من بحث على الاسناد وفي نفس الوقت كان يرسل ، فظاهرة الالتزام بالإسناد أو التخلي عنه تعود الى منزلة الراوي ومدى الثقة به . وفي أعقاب هذه الفترة صار واجبا والحديث بدونه مردودا واعتبر الراوي الذي يتركه بمثابة من يحاول أن يصعد الى السطح بدون سلم ؛ قال عبد الله بن المبارك « مثل الذي يطلب أمر دينه بلا اسناد كمثل الذي يرتقي السطح بدون سلم (228). وعنه « أن الاسناد من الدين ولولا الاسناد لقال من شاء ما شاء » (229) وكيف لا يكون من الدين وهو طريق تبليغه ، والوسيلة لحمايته من التزيد فيه ولذا قال في نقل آخر عنه: « بيننا وبين القوم القوائم » يعني الإسناد (230) وكان السبيل (225) ابن عبد البر ، التمهيد أ : 37 (226) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 188 (227) الخولي أمين ، مالك بن أنس : 568 (228) الخطيب البغدادي ، شرف أصحاب الحديث : 42 (229) صحيح مسلم المقدمة : 5 (230) نفس المرجع ! : 118، السخاوي ، فتح المغيث 3 : 4 - 5 227 التمييز الحديث الصحيح من غيره سئل عن حديث فقال: « إن بين راويه وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي » ونفس المعنى أو ما يقاربه عن سفيان الثوري حيث عده سلاح المؤمن قال: « الإسناد سلاح المؤمن ، فإن لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل » (231) وفعلا فإنما قوتل الكذابون بالتفتيش عن رجال الاسناد ، فكل سلسلة اندس فيها أحدهم سقطت ، وألغي النص المنقول بواسطتها إن لم تكن له طرق أخرى . وعرضت على حماد بن زيد أحاديث فقال : « ما أجودها لو كان لها أجنحة » (232) ، يعني الأسانيد . ومثل الامام الشافعي من يطلب الحديث بغير اسناد بحاطب الليل (233) لان كليهما لا ينتقى ما يأخذ ويعتمد على الجمع بدل الفرز والانتقاء . هذه أقوال أئمة الحديث في الإسناد وقد عضدتها مواقفهم فكانوا يقبلون الصحيح منه قائلين « هذه شهادات العدول المرضيين بعضهم على بعض ويتوقفون فيمن في رجاله شبهة ، ويرون أن ديون الأشخاص انما تثبت بشهادة عدلين ودين الله عز وجل أحق أن يؤخذ فيه بالعدول » (234) . وضبطوا من انتهى اليه الاسناد من التابعين في مختلف الامصار والى من انتقل من بعدهم ثم فاضلوا بين الأسانيد وطلبوا العالي منها وهو الذي قُلّت فيه الوسائط أو قدم فيه سماع الراوي ، أو وفاته ، واعتبروا ذلك سنة مرغوبة للتمكن من القرب منه صلى الله عليه وسلم ولأنه كما قال ابن الصلاح: « يبعد الاسناد من الخلل لأن كل رجل (231) الخطيب البغدادي ، شرف أصحاب الحديث : 42 (232) السخاوي ، فتح المغيث : 3 : 5 (233) السخاوي ، فتح المغيث 3 : 5 (234) الرازي ابن أبي حاتم، كتاب الجرح والتعديل ج 1 ق 1 : 16 228 من رجاله يحتمل أن يقع الحلل من جهته سهوا أو عمدا، ففي قلتهم قلة جهات الخلل وفى گثرتهم كثرتها » (235). والعلو ينقسم الى مطلق وهو : « ما فيه قرب من حيث العدد من الرسول صلى الله عليه وسلم باسناد صحيح نظيف بالنظر الى سائر الأسانيد أو بالنسبة لسند آخر فأكثر يرد به ذلك الحديث بعينه في عدد أكثر من الرجال (236). ونسبي ينقسم الى أقسام أغلبها من بحث المتأخرين منها : القرب الى امام حافظ ضابط من أئمة الحديث كالأعمش وان كثر بعده العدد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنها العلو المقيد بالنسبة إلى رواية أحد كتب الحديث المعتمدة . وقد اعتنى المتأخرون بهذا القسم وجعلوا له صورا ، ذكرها السيوطي فلتراجع هناك مع بقية الأقسام (237) . وإلى جانب مسألة العلو بحث النزول وهو تعدد رجال الاسناد ، قال ابن المديني : .« النزول شؤم» وقال ابن معين: « الاسناد النازل قرحة في الوجه» (238) وحكى الـ امهرمزي عن بعض أهل النظر تفضيله على العلو لأنه كلما زاد عدده زاد الاجتهاد ٤ متن الحديث ، وفي الناقل وتعديله ، وكلما زاد الاجتهاد زاد صاحبه ثوابا (239) وضعف هذا الرأي ابن الصلاح (240) قال ابن دقيق العيد: « ... لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها ، ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى » ، وأيده العراقي لأن المقصود من الحديث التوصل الى صحته وبعد الوهم وكلما كثر رجال الاسناد تطرق اليه الخطأ والخلل ، وكلما قصر السند كان أسلم اللهم الا أن يكون رجال السند النازل أوثق أو أحفظ أو أفقه ، أو كونه متصلا بالسماع وفي . (235) و(236) علوم الحديث : 231 (237) نفس المرجع : 232 وما بعدها والسيوطي تدريب الراوي 2 : 165 وما بعدها (238) السيوطي، تدريب الراوي 2 : 171 وما بعدها (239) المحدث الفاصل : 216 (240) الزرقاني، شرح البيقونية : 52 (الحلبي مصر 1349) 229 العالي حضور أو اجازة أو مناولة أو تساهل في بعض رواته في الحمل فالنزول حينئذ. ليس بمفضول بل هو فاضل» (241). فالاهتمام بالاسناد العالي ليس لذاته بل لما يترتب عليه من قوة الظن بصحة متنه ، فاذا شك في رجاله فضل النزول عن الثقات على العلو عن غيرهم . قال عبد الله بن المبارك: « بعد الاسناد أحب الي اذا كانوا ثقات لأنهم قد تربصوا به ، وحديث بعيد الاسناد صحيح خير من قريب الاسناد سقيم » (242). أصح الأسانيد : بعد التزام الاسناد وبحث التعالي والتنازل ، وقعت المفاضلة بين أصح الأسانيد ، ورأى النقاد أنه لا يجزم في اسناد أنه أصح مطلقا لان تفاوت مراتب الصحة مرتب على تمكن الاسناد من شروط الصحة ، ويعز وجود أعلى درجات القبول في كل واحد واجد من رجال الاسناد الكائنين في ترجمة واحدة ، ولهذا اضطرب من خاض في ذلك اذ لم يكن عندهم استقراء تام وانما رجح كل منهم بحسب ما قوي عنده خصوصا اسناد بلده لكثرة اعتنائه به (243) : وهذه أسانيد رأى البعض امتيازها عن غيرها . فعند اسحاق ابن راهوية: أصح الأسانيد كلها : الزهري عن سالم عن أبيه ونحو هذا عن أحمد بن حنبل . وعند عمرو بن علي الفلاس : محمد بن سيرين عن عبيدة عن على ، ونحوه عن علي ابن المديني ، وعن ابن المدينى أيضا عبد الله بن عون عن ابن سيرين (244). وروي ذلك عن غيرهما . وعند يحي بن معين : أجودها الأعمش عن ابراهيم النخعى عن علقمة عن عبد الله (241) الزرقاني، شرح البيقونية: 52 (الحلبي مصر 1349) (242) الرازي ابن أبي حاتم ، كتاب الجرح والتعديل ج 1 ق 1 : 25 (243) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 76 (244) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 77 230 ابن مسعود ، وعند أبي بكر بن أبي شيبة أصحها كلها الزهري عن زين العابدين علي ابن الحسين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب وعند البخاري أصحها مالك عن نافع عن ابن عمر (245) . وعند سليمان بن حزب أجودها : أيوب السختياني عن ابن سيرين عن شيوخه . وذكر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري أمثلة من أصح الأسانيد لبعض الصحابة وأمثلة أخرى لأصحها بالنسبة للبلدان ملاحظا عدم امكانية الجزم بالحكم على اسناد بأنه أصبح الأسانيد ، وأمثلة أخرى لأوهى الاسانيد بالنسبة لبعض الصحابة ولبعض الأمصار (246) والمتأمل في بحث الاسناد يرى أنه من أمهات قضايا الجرح والتعديل لانه ينبني أسناسا على معرفة الرواة والبحث عن حالهم من الحفظ والعدالة والضبط ، وبالنظر في تطوره يتضح أنه لا يمكن القدح فيه بكونه التزم متأخرا فطبيعة نشأته اقتضت ذلك ، ورغم تدوين الحديث فإن المطالبة به ظلت مستمرة ولا زال لأغلب المحديثن اليوم أسانيد متصلة . وقد أبدى المستشرق جوينبول كاتب مادة الحديث في دائرة المعارف الإسلامية اعجابه بمبحث الاسناد عند المسلمين فقال : « لا يعد الحديث صحيحا في نظر المسلمين إلا إذا تتابعت سلسلة الاسناد من غير انقطاع ، وكانت تتألف من أفراد يوثق بروايتهم وتحقيق الاسناد جعل علماء المسلمين يقتلون الامر بحثا ولم يكتفوا بتحقيق أسماء الرجال وأحوالهم لمعرفة الوقت الذي غاشوا فيه وأحوال معاشهم ومكان وجودهم ومن منهم كان على معرفة شخصية بالآخر ، بل فحصوا أيضا عن قيمة المحدث صدقا وكذبا وعن مقدار تحريه للدقة والأمانة في نقل المتون ليحكموا أبي الرواة كان ثقة في روايته » (247) . (245) ابن الصلاح ، علوم الحديث : 12 (246) معرفة علوم الحديث : 55 وما بعدها (247) دائرة المعارف الإسلامية الترجمة العربية 7 : 235 231 البَاب الثالث التعديل واحكامه الفصل الأول شروط الراوي التمهيد : يعتمد الحديث الشريف على الراوي فهو الذي يتلقاه ممن نقله اليه باحدى طرق التحمل التي ضبطها علماء الحديث ، ويبلغه للآخد عنه . وسمي تلقي الحديث بالتحمل ، وتبليغه بالأداء وتعين البحث عن أهلية الراوي في الحالتين ، وبما أن الاداء هو المقصود ، فإن الشروط التي تراعى فيه أكثر من التي تشترط في التحمل . ونقاد الحديث في القرن الثاني الهجري وحتى الثالث قد يبدو أنهم لم ينصوا على جملة الشروط التي ذكرها المتأخرون ، والواقع غير هذا فهم لم يرتبوا مباحث قواعد علم الحديث بابا ، بابا ، وفصلا فصلا ، ولكنهم ذكروها كلها في مواطن متفرقة وبالمناسبة ، وما لم يذكروه فقد طبقوه ، فلم يحرروا بابا بعنوان شروط الراوي مثلا ولكنهم أجابوا من سألهم عمن تقبل روايته ؟ ومن ترد ؟ بما يتضمنها ، ومارسوها في انتقائهم الشيوخ ، وتمييزهم الآلاف من الأحاديث . ولم يزد المتأخرون على جمع القواعد السابقة وتنظيمها اعتمادا على أقوال السابقين واستنتاجا من مواقفهم ، صرح بهذا من بينوا شروط البخاري ، فلاحظوا أنهم استنتجوها ولم يجدوا فيها نصوصا ، وليس للمتأخرين أن يضيفوا جديدا والحال أن الرواية انتهت بتدوين الحديث ، وصار سندهم يقف عند الكتاب المدون ، وبسند صاحبه يصلون الى الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو الصحابي ، ولذا منع ابن 234 الصلاح المتأخرين من تصحيح الأحاديث لأنه ما من حديث لم يصحح الا وفي رجال اسناده من هو دون رجال الصحيح عند الأئمة السابقين فلزم الاعتماد في معرفة الصحيح والحسن على ما نصوا عليه في تصانيفهم المعتمدة المشهورة ، وصار المقصود. من الاسناد الابقاء على خاصية هذه الأمة (1) . وذهب النووي الى جواز التصحيح لمن تمكن وقويت معرفته وعاضده العراقي وذكر جماعة من المصححين المتأخرين (2) . أهلية التحمل مما بحث في أهلية التحمل سماع من لم يبلغ ، والظاهر أن أهل الحديث الغالب على أكثريتهم تجويزه مع اختلاف بينهم في السن المؤهلة لذلك ، فهي في زمن التابعين ما بعد البلوغ ، قال الخطيب البغدادي : « قلّ من كان يثبت الحديث في عصر التابعين ، وقريب منه الا من جاوز حد البلوغ وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم » (3) . قال الزهري لسفيان بن عينية : « ما رأيت طالبا للعلم أصغر منك » وكانت سنه يومئذ خمس عشرة ، قال الرامهرمزي : « وهي سن البلوغ عند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد » (4) . : والظاهر أن ابن عينية سمع قبل ذلك (5) وقال ابن جريح في وكيع : « باكر العلم » وكان لوكيع ثماني عشرة سنة (6) . (1) علوم الحديث : 13 (2) السيوطي ، تدريب الراوي 1 : 143 (3) الكفاية : 103 (4) المحدث الفاصل : 185 (5) الكفاية : 111 (6) أَبَن سعد، الطبقات الكبرى 6 : 286 235 فقد رأيت أنهم استصغروا من كان في سن الخامسة عشرة وحتى الثامنة عشرة وقبل صغار التابعين تحديث الصغار فكان الأعمش يحدثهم فقال له رجل : «هؤلاء الغلمان حولك » ؟ فقال : أسكت هؤلاء يحفظون عليك أمر دينك » (7). ومن بعدهم تفاوتت سن الطالبين ، ورغم أن سفيان الثوري بدأ الطلب صغيرا لأن أباه من رجال العلم فإنه قال : « كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث تأدب وتعبد قبل ذلك بعشرين سنة » (8) . وحماد بن زيد خضر عند أيوب منذ الرابعة عشرة لأنه لازمه عشرين سنة ، ومات أيوب سنة «131» ولحماد أربع وثلاثون سنة (9) بينما ولادته سنة «98» فيكون له من العمر أربع عشرة سنة عند بداية التتلمذ . وسمع ابن عينية صغيرا وأسمع الصغار، وسن الطلب ليست محل اتفاق فعن يحي بن معين قال: ((حد الغلام في كتاب الحديث أربع عشرة سنة، أو خمس عشرة سنة، أو كما قال: ((وعن يزيد بن هارون: ((مقدار الغلام عندنا في الحديث ثلاث عشرة سنة): (10) . وطلب الأمام البخاري الحديث في سن العاشرة ، وساهم في اصلاح خطإ الاسناد في الحادية عشرة وهو ما جعل الشيخ الذي أصلح له ينتهره كما حدث عن نفسه (11) . ومن أهل الحديث من حددها بالخامسة اعتمادا على ما رواه البخاري في صحيحه (7) الكفاية : 115 (8) الاصفهاني، حلية الأولياء 6 : 361 (9) ابن سعد ، الطبقات الكبرى 6 : 286 (10) الخطيب البغدادي ، الكفاية: 113_114 (11) ابن حجر ، هدي الساري : 193 236 عن الصحابي محمود بن الربيع رضي الله عنه، قال : « عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي ، وأنا ابن خمس سنين من دلو » (12). وخضع تحديد السن للاقليمية : « فأهل البصرة يكتبون لعشر سنين ، وأهل الكوفة لعشرين ، وأهل الشام لثلاثين»(13) . :٠ والأنسب في هذا أن نقول إن التحمل في الصغر وفي سنوات مختلفة ثابت عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كسهل بن سعد الساعدي القائل كنت ابن خمس عشرة سنة حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحسين بن علي ، وعبد الله بن الزبير ، وأبي الطفيل الكناني ، وغيرهم (14) بل إن في صغار الصحابة مكثرين كأنس بن مالك ، وعبد الله بن عباس وأبي سعيد الخدري . والمقياس الصحيح في بداية الطلب هو التمييز. قال الرامهرمزي: « ليس المعتبر في كتب الحديث البلوغ ولا غيره بل يعتبر فيه الحركة والنضاجة والتيقظ والضبط » (15) وسئل الامام أحمد بن حنبل عن ذلك فقال : « اذا عقل وضبط» (16)، وفي رواية عنه أنه اعتبر سن الخامسة عشرة في الجهاد. دون السماع (17) . واستند الذين جوزوا سماع الصغير الى ما رواه البخاري في صحيحه في باب « متى يصح سماع الصغير » عن الصحابي محمود بن الربيع المتقدم الذكر . وكان المتأخرون يكتبون لمن حضر المجلس سمع اذا كان ابن خمس ، وحضر اذا كان دونها . ويرى ابن حجر أنه ليس في الحديث ما يدل على تسميع من عمره خمس (12) ابن حجر ، فتح الباري 1 : 172 كتاب العلم : 18 (13) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 185 (14) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 105 (15) المحدث الفاصل : 186 (16) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 113 (17) نفس المرجع : 114 237 سنين بل الذي ينبغي في ذلك اعتبار الفهم ، فمن فهم الخطاب يسمع ولو كان دون. خمس وإلا فلا » (18) . وتوقف عبد الله بن المبارك في تحديث الصبيان ، وأبى أن يحدث أحدهم ، ولم يستجب الا نزولا عند رغبة حماد بن زيد ، وعلته في الامتناع أنه صبي لا يفقه (19). ومن مباحث التحمل : مسألة سماع الكافر فكما تقبل رواية المسلم البالغ لما تحمله في الصغر تقبل روايته لما تحمله في حال كفره ، ومن أمثلة ما تحمل في حالة الكفر ووقع أداؤه بعد الاسلام حديث «جبير بن مطعم وهو أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بسورة الطور ، وكان جاء في فداء أسرى بدر قبل أن يسلم (20) . وعقد الخطيب البغدادي في الكفاية بابا بعنوان ما جاء في الذمي أو المشرك يسمع الحدیث هل يعتد بروايته إياه بعد اسلامه اذا كان ضابطا له ؟ أورد فيه قول عثمان بن عفان رضي الله عنه: « النصراني والصبي والمملوك يشهدون شهادة فلا يدعون لها حتى يسلم هذا ويعتق هذا ويحتلم هذا ، ثم يشهدون بها أنها جائزة » . قال الخطيب وهو قول مالك وابن أبي ذئب، قال: « وإذا جاز هذا في الشهادة فهو في الرواية أولى لأنها أوسع في الحكم ، وثبتت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة حفظوها قبل اسلامهم وأدوها بعد » (21). وفي المتأخرين سئل ابن تيمية عن السماح للكافر بالحضور فأذن بذلك ، وسمع اليهودي يوسف بن عبد السيد عن الشيخ محمد بن عبد المؤمن الصوري أشياء من الحديث ، وكتب الشيخ اسمه في الطبقة ، وممن أثبته الحافظ المزي وأسلم بعد فأدى وسمع منه (22) . (18) فتح الباري ، 1 : 173 (19) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 5 - 6 (20) السيوطي، تدريب الراوي 2: 4 ، الامام أحمد بن حنبل المسند 4 : 83 (دار صادر) (21) الكفاية : 134 (22) السخاوي ، فتح المغيث 2 : 5 238 ب. ولا غرابة في اذن ابن تيمية فالكافر الذي يرغب في السماع انما يعبر في العادة عن ميل قد يكون دفعه الى الاسلام ، ان لم يكن له غرض خاص ، ومصداق ذلك ما رأيناه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من صحابته الذين أسلموا بسبب سماعهم بعض الآيات كجبير بن مطعم الذي سمع قراءة سورة الطور فمال إلى الإيمان . قال : « وذلك أول ما وقر الايمان في قلبي » (23) وغيره كثير . وهذا ما قيل في تحمل الصبي والكافر ، وهو ما يبحث في هذه المسألة . شروط الأداء رأينا عند الحديث عن التابعين أن من شروط الراوي عندهم : الثقة والضبط والشهادة له بطلب الحديث (24) ولم يكن فيهم ، ولا فيمن بعدهم من لم يشترط ثقة الراوي ، والمتتبع لأخبار نقاد أهل القرن الثاني من مؤسسي علم الجرح والتعديل يجد أن ما نقل عنهم مما يتعلق بهذا الموضوع كان مجملا ، وبعضه في بيان الشروط ، وأغلبه يبين أوضاف مردودي الرواية لأنه ببيان المجروحين يظهر العدول . قال الامام مالك : « لا يؤخذ العلم من أربعة ، ويؤخذ ممن سوى ذلك ، لا يؤخذ من رجل صاحب هوى يدعو الناس الى هواه ، ولا من سفيه معلن بالسفه ، وان كان من أروى الناس ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس ، وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من رجل له فضل وصلاح عبادة لا يعرف ما يحدث » (25) . ونقلت عنه وعن غيره عبارات في وصف الرواة بما يقتضي تعديلهم كقولهم هو صدوق أو أصدق الناس ، أو لم أر أحدا أصدق من فلان ، أو ثقة أو غير ذلك ... (23) السيوطي ، تدريب الراوي 2 : 4 (24) انظر ما سبق ص : 87_88 (25) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 249 239 واهتموا بحفظ الراوي واتقانه وكثرة الطلب ، ومجالسة الشيوخ والمعرفة بصناعة الحديث ، وسلامة العقيدة، واستقامة السلوك، قال يحي بن سعيد: «ينبغي في هذا الحديث غير خصلة ، ينبغي لصاحب الحديث أن يكون ثبت الأخذ ، ويكون يفهم ما يقال له ، ويبصر بالرجال ثم يتعاهد ذلك » (26) . وتحروا في انتقاء الشيوخ والأخذ عنهم مهما كانت بلدانهم الحجاز أو غيرها ، قيل الشعبة : متى يترك حديث الرجل ؟ قال: «اذا روى عن المعروفين مالا يعرفه المعروفون فأكثر ، وإذا أكثر الغلط، واذا اتهم بالكذب ، وإذا روى حديث غلط مجتمع عليه فلم يتهم نفسه فيتركه طرح حديثه ، وما كان غير ذلك فارو عنه » (27) . وسئل ابن المبارك : عمن تأخذ ؟ فأجاب : « من طلب العلم لله ، وكان اسناده أشد قد يلقى الرجل ثقة ، وهو يحدث عن غير ثقة ، ويلقى الرجل غير ثقة وهو يحدث عن ثقة ، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة » (28) . . وفي نهاية القرن الثاني بيّن الامام الشافعي شروط قبول الرواية عند تعرضه لخبر الواحد (29) فكانت أكثر توضيحا من أقوال سابقيه ، وكالخلاصة لآرائهم ، والمصدر لمن جاء بعده . وتعرض لها أهل القرن الثالث فقال يحيى بن معين : « آلة الحديث الصدق ، والشهرة ، والطلب ، وترك البدع ، واجتناب الكبائر » (30) . وطبق البخاري في جمعه الأحاديث كل الشروط الواجبة في الراوي ولم ينص عليها شأن كثير من المحدثين ، ونبه مسلم في مقدمة صحيحه إلى وجوب اجتناب الرواية (26) نفس المرجع : 256 (27) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 410 (28) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 252 (29) الرسالة : 51 (30) الرامهرمزي ، المحدث الفاصل : 406 240 عن المتهمين والمعاندين من أهل البدع ،وأوجب التثبت في الأخذ مستندا فيما يقوله الى .الكتاب والسنة (31) . ومن عاش في القرنين الثالث والرابع ، وضبط مقاييس صحة الحديث مضيفا الى البحث عن الرواة النظر في متن الحديث عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي . قال : « تعرف صحة الحديث بعدالة ناقليه ، وأن يكون كلاما يصح أن يكون من كلام النبوة ، ويعلم سقمه وانكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته» (32) . وجعل في كتابه الجرح والتعديل عنوانا نصه : « صفة من يحتمل الرواية عنه في الأحكام والسنن» أورد فيه اقوال من سبقه من النقاد (33) . وأما في القرن الرابع فممن نص على هذه الشروط : ابن حبان في مقدمة صحيحه قال : « وأما شرطنا في نقل ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتج فيه إلا بحديث اجتمع في شيء من رواته خمسة أشياء : العدالة ، والصدق، والعقل بما يحدث ، والعلم بما يحيل المعاني ، وتعري الخبر عن التدليس » (34) . وهي تكاد تكون عين شروط الامام الشافعي ، وفيما عدا العدالة فإنها تتعلق بالصناعة الحديثية ، وهو ما أكد عليه كل النقاد ، وأورد الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل بابا بعنوان: القول فيمن يستحق الأخذ عنه (35) ذكر فيه آراء بعض التابعين كابن عون ثم أقوال من ذكرنا من الأئمة . وقول مروان بن محمد الدمشقي الطاهري : « لا غنى لصاحب الحديث عن صدق ، وحفظ وصحة كتب ، فاذا أخطأته واحدة ، وكانت فيه واحدة لم تضره ، إن لم يكن حفظ رجع الى الصدق ،. وكتبه صحيحة لم يضره إن لم يحفظ » (36) . (31) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 60 - 62 (32) تقدمة المعرفة : 351 .(33) ج 1 ق 1 ص 27 (34) صحيح ابن حبان 1 : 112 (35) ص : 403 (36) ص : 405 - 406 241 ونقل عن ابن مهدي : شرط الحفظ ، والاتقان ، والتسامح في الوهم اذا كان الغالب على حديث الراوي الصحة ، وأضاف آراء أئمة آخرين (37). واستشهد بأحاديث منها ما رواه باسناده إلى ابن عباس مرفوعا : « لا تأخذوا العلم إلا عمن تجيزون شهادته » (38) ويأتي الحديث عليه بعد ان شاء الله . ومنها ما أسنده الى ابن عباس أيضا مرفوعا وهو: « ان أخوف ما أخاف على أمتي العصبية ، والقدرية ، والرواية عن غير ثبت » (39) وكل طريق من طرقه لا يخلو من ضعيف أو متروك . وللحاكم أبي عبد الله باب بعنوان: « صدق المحدث ، واتقانه ، وثبته وصحة أصوله ، وما يختمله سفه ، ورحلته من الأسانيد ، وغير ذلك من غفلته وتهاونه . بنفسه ، وعلمه وأصوله» (40) ذكر فيه شروطا هي: اعتقاد التوحيد وتطبيق الشريعة وعدم الدعوة لأهل البدع ، وصحة السماع ، وقدم الأصول وأن لا يأخذ عمن كتب سماعاته بخطه في كتب عتيقة وحدث بها ، فمن سمع من هذا فهو مجزوح (41) وروى قول أبي جعفر الباقر (42) « من فقه الرجل بصره بالحديث واذا . عرف طالب الحديث اسلام المحدث وصحة سماعه ، كتب عنه فقل من يجد ما (37) ص : 406 (38) ص : 411 (39) ص 413 (40) معرفة علوم الحديث : 14 (41) نفس المرجع 1 : 15 - 16 (42) محمد بن علي زين العابدين بن الحسين الطالبي الهاشمي خامس الأئمة الاثني عشر عد الأمامية كان ناسكا عابدا، له في العلم وتفسير القرآن آراء وأقوال. 676/57 بالمدينة 732/114 . الزركلي الاعلام 7 : 153 242