Indexed OCR Text

Pages 141-160

الفصل الثاني
اثر البيئة في وضع الحديث
أسباب قلة وضع الحديث في القرن الأول :
رأينا من قبل أن الاوضاع السياسية بدأت تتغير منذ أواخر خلافة عثمان بن عفان
رضي الله عنه وأن قتله كان سببا في نشأة الأحزاب والفرق فظهر عندئذ الخوارج
والشيعة ، وفي آخر عصر الصحابة حدثت أمور منها الخلاف بين عبد الله بن الزبير
والامويين ، ومقتل الحسين وما تبعه من ثورات شيعية إلى جانب ظهور بدعة القدرية
والمرجئة المتطرفة أما النواة الأولى المعتدلة فظهرت مع الخوارج والشيعة ، وفي أول عصر
التابعين كانت ثورة ابن الاشعث ، وفتنة ابن المهلب وفي آخره وقعت حركة أبي مسلم
الخراساني وفي الاثناء ظهرت بدعة الجهمية (1) .
هذا ملخص ما في القرن الأول من أحداث سياسية وظواهر فكرية ورغم أننا أثبتنا
قولا لابن عباس (2) بين فيه تحريه في الرواية لتغير الأوضاع، ورغم أن كثيرا من الفرق
ظهرت في هذه المدة ومنها من حاول دعم آرائه بتأويل القرآن أو نصوص دسها بين
(1) ابن تيمية ، المنتقى من منهاج الاعتدال : 387 (السلقية القاهرة 1374)
(2) انظر ما سبق ص : 45
143

الأحاديث ، ومع اتفاق الباحثين على نشوء الوضع قبل منتصف هذا القرن فانه كان
محدودا لكثرة حفاظ الحديث من الصحابة والتابعين وتمييزهم الخبر الموضوع من
الحديث الصحيح ولأنهم كانوا أكثر أهل هذا القرن ، والوضع لا يتصور من الصحابة
وقد وضحنا من قبل عد التهم فلا يمكن أن نستمع إلى من يتهمهم بذلك (3) وأغلب
كبار التابعين أبرياء منه وان ضعف بعضهم بسبب اختلال الضبط لا القدح في
العدالة غالبا وكانوا افرادا معروفين .
لهذا ، قل الوضاعون ، وصعب على من وجد منهم نشر أباطيله ، يضاف إلى
ذلك قلة دواعي الوضع فقد كانت في بدايتها فلما تكاثرت وتشعبت وضعفت
العوامل المضادة المانعة من انتشاره ووجدت البيئة الملائمة له كثر فما هي أسباب
انتشاره ومتى كثر ؟
أسباب انتشاره بداية من أول
القرن الثاني
بالتأمل في أصناف الطبقة الأولى من المجروحين وهم الوضاعون نجد أن الأسباب
الرئيسية للوضع هي الخلافات السياسية والبيئة الاجتماعية والتطورات الفكرية وما
تضمنته من خلافات كلامية ، فهذه الاوضاع التي فصلناها سابقا شجعت
وساعدت في الآن نفسه متعمدي الكذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلم على
نشر أكاذيبهم بصورة ضيقة في القرن الأول وبطريقة واسعة بداية من أول القرن الثاني
لان - الوضاعين من لم يوجد من قبل أو وجد بكيفية محدودة ولم يستطع الظهور
إلا في هذا الوقت كالزنادقة .
ومن لم يوجد الا من بعد كالمتعصبين من أتباع المذاهب الفقهية وكالفرق الجديدة
(3) انظر ما نقله ابن أبي الجديد في اتهامهم شرح نهج البلاغة 1 : 467 (ط 2 دار الفكر بيروت)
144

المتفرعة عن السابقة أو الناشئة من جديد كالكرامية . ولتطور الأسباب الرئيسية بما
أحدثته السياسة من تغيير في الأوضاع الاجتماعية وتقريب أجناس وجماعات وابعاد
آخرين وما حدث من بدع مستحدثه كالقول بخلق القرآن ، فكل هذه العوامل إلى
جانب عدم تدوين الحديث مبكرا هيأت الظروف الملائمة للوضع ، فمن هم
الوضاعون ؟.
الوضاعون وأصنافهم
الوضاعون هم الذين تعمدوا الكذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ،
ونخصهم بالحديث في هذا الفصل مؤجلين الكلام عن بقية المجروحين إلى مناسبات
آتية لانهم دونهم خطرا ، ولبعضهم أسباب غير التي ذكرت هنا ويمكن إرجاء الحديث
عن المجروحين عموما إلى ما بعد فصل نقاد الحديث لأن النقد هو الذي كشف عنهم
فعرفوا ، ولكننا آثرنا أن نقدمهم لأن ظهورهم كان نتيجة الأوضاع العامة التي بيناها
فكانوا سببا في ظهور النقاد فهم أسبق في الوجود، وقد ترصدهم النقاد منذ وجدوا
فتركوا الرواية عنهم وشهروا بهم في مجالسهم وتآليفهم فصنف فيهم البخاري والنسائي
وابن حبان وغيرهم فذكروا ما قيل فيهم ، وقسمهم من بعدهم أصحاب كتب
المصطلح كالحاكم أبي عبد الله وغيره إلى طبقات .
وبالاطلاع على تلك التصانيف والتأمل في الموضوعات وبيئة الوضع رأيت أن
أصنفهم التصنيف الآتي :
- أعداء الاسلام الساعون إلى تغيير أصوله وأحكامه والاطاحة بدولته ويمثلهم
الزنادقة .
- دعاة الاحزاب السياسية والفرق العقدية والجهلة من خصومهم .
- المتأثرون بالخلافات الكلامية وبعض المتعصبين لآرائهم وأئمتهم من جهلة
الفقهاء .
- المتعصبون للجنس والبلدان
145

- أصحاب الاغراض الدنيوية
- مدعو العلم
- جهلة الزهاد
هذه أصنافهم وقد تعددت دوافعهم ، واختلفت كيفية وضعهم فمنهم من أنشأ.
متن الخبر أساسا ، ومن أضاف اسنادا صحيحا مشهورا إلى متن ضعيف ، ومن
نسب كلاما مقبولا وليس بحديث إلى الرسول صلّى الله عليه وسلم موهما أنه من
لفظه ، ومن نسب إليه كلام الحكماء إلى غير ذلك من طرق تعمد الكذب واتحدت
نتيجة عملهم وهي خلط ما لم يضح من الحديث بما صح منه ولم يتم هدف بعضهم
وهو التشكيك في الحديث والدين عامة ، فأحبطته جهود النقاد بكشفهم ما وضع
واحصائهم الوضاعين جماعات وأفرادا . .
وفيما يلي تعريفات موجزة بهم وعينات من وضعهم .
الزنادقة ووضعهم الحديث
قبل بيان وضعهم للحديث نبين خطرهم ونعرف بهم بايجاز ، تعتبر حركتهم من
أخطر الحركات على الاسلام لتعدد وسائل المواجهة التي اعتمدوها فاستعملوا السلاح
مثلما رأينا في حركات الموالي ولو اقتصروا عليه لاكتشف أمرهم وقضي عليهم أساسا كا
قضي على ثوراتهم المسلحة ، ولكنهم اعتمدوا أيضا على نشر مبادئهم بين المسلمين
بالدعوة إليها وبسلوكهم المخالف لاحكام الاسلام ، ووضعهم الاخبار المكذوبة ودسها.
بين الحديث فعملوا في الآن نفسه على مواجهة الدولة وافساد العقيدة وتحريف ثاني.
مصادر التشريع والتهاون بالقيم الاخلاقية والاحكام الشرعية العملية .
وفي معاني لفظ الزندقة ما يدل على هذا ففي لسان العرب « الزنديق القائل ببقاء
الدهر فلا يؤمن بالآخرة ولا بوحدانية الخالق وليست في كلام العرب ، ويعبرون عن
معناها بملحد ودهري » (4) .
(4) ج 2 ص 12 (مادة زندق)
146

ولو أظهر الزنادقة الالحاد. لاكتشف أمرهم بيسر ولكنهم حسب ما جاء في وصية
الخليفة المهدي لابنه الهادي بشأن ملاحقتهم والقضاء عليهم يتظاهرون بالدعوة إلى
اجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة ويعمدون إلى بث معتقداتهم ضمن
هذا الإطار الخارجي فيحرمون الحلال كأكل اللحم وقتل الهوام ويبيحون الحرام کنكاح
الاخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الاطفال من الطريق بدعوى انقاذهم من
ضلال الظلمة إلى هداية النور وينشرون أصل عقيدتهم وهو عبادة اثنين : النور
والظلمة (5) .
لهذا كانت الزندقة أكثر ما تطلق على من اعتنق مذهب المانوية باطنا والاسلام
ظاهرا.
ومن معانيها الاستهتار وهو المتعارف عند العامة حتى قيل « إِن علامة الزندقة
شرب الخمر والرشا في الحكم ومهر البغي » (6) ..
فمنهم مستهترون لا يلتزمون بأحكام الشرع في سلوكهم وقد ينطقون بألفاظ ماسة
به وفيهم جماعة من الشعراء والكتاب الماجنين .
والمتتبع لمعانيها في المعاجم وعند الكتاب القدامى والمحدثين يجدها كثيرة
متشاهبة (7) ذكر منها أحمد أمين أربعة :
(1) التهتك والاستهتار والفجور بالفعل والقول عن مجون لا عن نظر
2) اتباع دين ماني مع التظاهر بالاسلام مثلما كان الامر عند الافشين وبشار
3) اتباع نفس الدين من غير تظاهر بالاسلام 4) الالحاد (8) .
(5) الطبري، تاريخ الامم والملوك 10: 142. شلبي أحمد، التاريخ الاسلامي 3 : 196
(6) أحمد أمين ، ضحى الاسلام 2 : 150
(7) الليثي سميرة مختار، الزندقة والشعوبية 19 - 20 (المطبعة الفنية الحديثة القاهرة 1968)
(8) ضحى الاسلام 1 : 154
147

واعتبرها طه حسين ضربا من السخط على العرب والاسلام والكلف بحياة الفرس
وحضارتهم وما ذاع فيها من عقيدة دينية (9) .
وليس في أصناف الزنادقة من لا خطر منه ولكن أخطرهم من اعتقدوا المانوية
وأظهروا الاسلام ولا يعني هذا أن من تظاهروا بالفجور ممن وصفوا بالزندقة يتسامح
معهم ولكنهم معروفون بخلاف المتسترين فلماذا ظهروا بهذا المظهر ؟ يفبر أحمد أمين
ذلك بأمرين : أولهما . أن جماعة منهم اعتنقوا الإسلام ظاهرا لكسب الجاه والمال بينما
أخلصوا لدينهم القديم .
وجماعة ثانية غايتهم أبعد وهي افساد العقيدة الاسلامية وتظاهروا بالاسلام أمنا على
أنفسهم لبسهل الاخذ عنهم (10) .
فالصنفان اشتركا في الكفر وتخصصت الجماعة الثانية في الافساد عن قصد .
تاريخها :
نشأت العقيدة الأولى للزندقة وهي ديانة مزدك وماني ببلاد فارس قبل الاسلام
والذي يهمنا ظهورها في الاسلام ويرجعها المؤرخون إلى العهد الأموي بواسطة عبد
الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد ، والجعد بن درهم مؤدب مروان بن
محمد آخر خلفاء بني أمية وحماد عجرد وهو من مخضرمي الدولتين الاموية والعباسية ،
إلا أنه اشتهر في عهد العباسيين وكان خليعا ماجنا متهما في دينه مرميا
بالزندقة (11) .
(9) حديث الأربعاء 2: 162 - 163 (دار المعارف مصر).
(10) ضحى الاسلام 1 : 150
(11) الاصفهاني ، الاغاني 14: 304، شلبي أحمد، التاريخ الاسلامي 3: 197 (دار الثقافة
بيروت 1959)
148

ومن الذين نادموه بالكوفية حماد الراوية وحماد الزبرقان وثلاثتهم زنادقة غير أنه أشهر
من صاحبيه (12) .
ففي العهد العباسي انتشرت بكل مظاهرها وأصنافها فوجد الزنادقة الذين يعترفون
بزندقتهم اذا اكتشفوا ويصرون عليها ويرفضون التوبة، مثل أحدهم أمام المهدي فاعترف
فاستتابه فأبى فأعدمه وصلبه (13). قال الجهشياري: « ان ممن يعتقد الزندقة قوما
يرون أن جحد ما يدينون به محظور وأن التقية غير جائزة » (14) وقد اتهم يزيد بن
الفيض كاتب المنصور بالزندقة في عهد المهدي فلما سئل أقربها فحبس فهرب من
الحبس فلم يقدر عليه (15) ووجد الصنف الذي تجاهر بالمجون كبشار وأبي نواس ،
والصنف الذي ثار على الدولة كبابك الخزمي ، فما هي عوامل انتشارها في هذا
العهد ؟ وما موقف الخلفاء منها ؟ ذكر حسن ابراهيم حسن من أسباب انتشارها :
توسط تعاليمها بين النصرانية والزراد شتية مما سهل انجذاب أهل هذه النحل إليها .
وشبه شعائر المانوية بشعائر الاسلام في الطهارة قبل الصلاة وتكرر الصلاة في
اليوم والليلة (16) .
ويرى أحمد أمين أن من أسباب انتشارها في العهد العباسي ما شاع من بحث
فلسفي وجدل عقدي أثار في البعض شكوكا وعمل بعض الفرس على اضعاف
الاسلام بنشر دياناتهم القديمة ليهيئوا المناخ لانتقال الحكم إليهم، ولعل حظوتهم لدى
العباسيين قوت في نفوسهم هذا الأمل (17) .
وهذه الأسباب الثانية وجيهة لانطباقها على العهد العباسي ، يضاف إليها ما عرف
فيه من لهو ساعد على الاستهتار بأحكام الدين .
(12) نفس المرجع والجزء: 305 - 306
(13) الطبري، تاريخ الأمم والملوك 10 : 42
(14) الوزراء والكتاب: 153
(15) نفس المرجع : 156
(16) تاريخ الاسلام 2: 102
(17) أحمد أمين ، ضحى الاسلام 1 : 138 - 139
149

مواقف الخلفاء :
ادرك الخلفاء العباسيون خطر الزندقة فأوقفوا من شكوا فيه وقتلوا من ثبتت ادانته
باعترافه أو بحجة أخرى ، والخليفة المهدي أكثرهم تتبعا للزنادقة ولأجل ذلك قام
بأعمال ثلاثة أولا كون ديوانا للبحث عنهم ومحاكمتهم والقضاء عليهم وعلى تعاليمهم
عين عليه موظفا سماه صاحب الزنادقة فقتل بعضهم وسجن آخرين .
· ثانيا : أنشأ هيئة علمية لمناظرتهم وتأليف الكتب للرد عليهم .
ثالثا : وصى ابنه الهادي بملاحقتهم والقضاء عليهم (18). ومع أن خلافة الهادي
(169 - 170) لم تطل فانه تابعهم وقتل بعضهم، واستمر الرشيد في تكليف
صاحب الزنادقة بامتحان المتهمين منهم وعقاب المدانين بكل أنواع العقوبة وعندما أمن
في سنة (171 / 787) من کان هاربا أو مستخفیا استثنى جماعة منهم کيونس بن
فروه ويزيد بن الفيض (19) .
وأما المأمون فامتحن بعضهم من أهل البصرة ، ولما أصروا على آرائهم قتلهم (20)
وهزم المعتصم بابك الخرمي ثم المازيار وقبض عليهما وصلبهما وحاكم الافشين وسجنه ،
وليست لدينا: أخبار عن وجودهم بعد هذه الفترة ولو وجدوا بكيفية أثروا فيها في
غيرهم لعرفت أخبارهم .
والمتتبع لتاريخهم يلاحظ أمورا ويستنتج أخرى فمن الملاحظات
1) أن أكثرهم من الموالي وأن العرب فيهم قليلون وهذا يتناسب وأهدافهم.
2) أن الذين يعملون في الخفاء متسترين باعتناق الاسلام منهم من إذا اتّهموا
وحوكموا اعترفوا وأبوا أن يتوبوا ورضوا بالموت في سبيل الاصرار على عقيدتهم ، ومنهم
من نجا من العقوبة بذكائه كيزدان بخت أحد رؤسائهم الذي أحضره المأمون بعد أن
(18) أحمد أمين ، ضحى الاسلام 1 : 140 - 141
(19) الطبري ، تاريخ الامم والملوك 10 : 50 أمين أحمد ، ضحى الاسلام 1 : 142
(20) أحمد أمين، ضحى الاسلام 1 : 142.
150

أمنه وأمره بالاسلام فتلطف معه في القول فعفا عنه وكان مما أنهى به قوله ولكنك ممن
لا يجبر الناس على ترك مذاهبهم (21).
أما النتائج التي تأتت عن وجودهم فهي :
1) احداث الثورات المسلحة بالنسبة لبابك الخرمي والمازيار ومن قبله المقنع
وغيره .
2) افساد عقيدة وسلوك بعض من جروهم اليهم . .
3) انتشار المجون والاستخفاف بأحكام الدين في المجتمع الاسلامي .
4) تحريف الحديث والتزيد فيه وهي من أخطر النتائج ، فماذا قيل عن وضعهم
الحديث ؟
وضعهم الحديث :
من المفيد أن نذكر أشخاصا منهم ونبذا من اعترافاتهم لتتضح لنا حقيقة عقيدتهم
وخطورة عملهم وليكون ما قيل فيهم صدقا وليس تقولا .
فمنهم بيان بن سمعان النهدي التميمي الذي ظهر بالعراق بعد المائة الأولى (22) وادعَى
أن جزءا الهيا حل في علي كرم الله وجهه ثم في محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم في
بيان نفسه وادعى النبوة ، فقتله خالد القسري وصلبه وإليه تنسب الفرقة البيانية (23).
ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب قتله المنصور بسبب الزندقة وهو راوي حديث
أنس « أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي » .
(21) ابن النديم ، الفهرست : 338 (نشر مكتبة خياطا بيروت)
(22) شاكر أحمد محمد ، الباعث الحثيث : 86
(23) الاشعري، أبو الحسن ، مقالات الاسلاميين. 1 : 66 (انظر الأصل والتعليق رقم 1)
151

وقد أضاف إليه « إلا أن يشاء الله » ووضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من
الالحاد والزندقة (24) .
ومن آرائه جواز وضع الاسناد للكلام الحسن (25).
وعبد الكريم بن أبي العوجاء خال معن بن زائدة الشيباني الامير المعروف قتل في
زمن المهدي بعد الستين ومائة ، فلما أخذ لتضرب عنقه قال: « لقد وضعت فيكم
أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال ، وأحلل الحرام » (26).
وبين عبد القادر البغدادي (27) عقيدته ووضعه الحديث فذكر أنه جمع أربع
ضلالات اعتقاد دين المانوية سرا ، والقول بالتناسخ والميل إلى الرافضة في الامامة، والقول
بالقدر في أبواب التعديل والتجوير .
وقال عنه « انه وضع أحاديث كثيرة بأسانيد يغتر بها من لا معرفة له بالجرح
والتعديل ، وكلها ضلالات في التشبيه والتعطيل ، وفي بعضها تغيير أحكام الشريعة
وأنه أفسد على الرافضة صوم رمضان بالهلال وردهم عن اعتبار الأهلة بحساب وضعه
لهم ، ونسبه إلى جعفر الصادق » (28) .
ويبدو أنهم كانوا يجدون متنفسا فيما يضعونه من الأخبار . فاذا ما اكتشف أمر.
" أحدهم اعترف بما وضعه كأنه يرى أنه أدى دوره الواجب عليه فقد أقر أحدهم عند
المهدي بوضعه أربعمائة حديث تجول بين أيدي الناس (29) وأقر غيره للرشيد
(24) النيسابوري الحاكم أبو عبد الله المدخل: 18 (العلمية. حلب 1932/1351)
(25) السيوطى ، تدريب الراوي : 1 : 284
(26) الذهبي ، ميزان الاعتدال 2 : 644
(27) الفرق بين الفرق: 273 - 274
(28) وقال انه قتله عامل المنصور على الكوفة والمشهور أنه قتل على عهد المهدي، أما الأمير الذي
قتله فهو نفسه الذي ذكره البغدادي بيد أن هناك رواية تقول إنه أمير البصرة وهي الأكثر وأخرى
تقول إنه أمير مكة الذهبي ، ميزان الاعتدال: 2: 664.
(29) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 1 : 38
152

وسواء اعترفوا أو أبوا فإن النقاد كانوا يتتبعونهم ويحصون عليهم ما وضعوه فنقل عن
حماد بن زيد أنهم وضعوا أربعة عشر ألف حديث (30) ، وفي رواية اثني عشر
ألفا (31) وإحصاؤها دليل على معرفة النقاد بها، ووصفهم ابن قتيبة بالاحتيال على
الاسلام وتهجينه لدسّ الأحاديث المستشنعة والمستحيلة (32) فما هي مواضيع
الأخبار التي وضعوها ونسبوها إلى الحديث ؟ في مقدمتها ما وضعته الشعوبية إحدى
فروعهم مما يتضمن مزايا الفرس ومنزلتهم عند الرسول صلّى الله عليه وسلم مثل إن
الاعاجم ذكروا عنده صلى الله عليه وسلم فقال: «لأنا بهم أوثق مني بكم» (33)
ومثل « سيأتي ملك من ملوك العجم فيظهر على المدائن كلها الا دمشق» (34) .
ومن المواضيع الرئيسية التي شملها وضعهم افساد العقيدة الاسلامية وتغيير أحكام
الشريعة يدل على هذا اضافة محمد بن سعيد المصلوب الاستثناء إلى الحديث السابق
« أنا خاتم النبيين » ليفتح المجال لمدعى النبوة ، وما نسبه البغدادي لهم من تشبيه
وتعطيل وصرح به ابن أبي العوجاء من تحليل وتحريم مما يدل على أنهم من أخطر أصناف
الوضاعيين لأنهم يبطنون المانوية أو غيرها من ديانات الفرس القديمة ويظهرون الإسلام،
ومنهم من لا يتدينون بدين وغايتهم جميعا إضعاف دولة الإسلام، وإفساد
عقيدته وتغيير أحكامه فوضعوا الاخبار المكذوبة في أصول الدين ليشوهوها وينفروا
الناس منها وفي المعاملات لتكون على غير المنهج الإسلامي وفي الاخلاق ليكون فيها
مبادىء غير اسلامية وفي فضل الفرس وذم العرب ليظهروا مكانتهم في المجتمع
الاسلامي ويهيئوا أنفسهم ليكونوا قادة إذا سمحت الاوضاع بذلك ولا أكون مبالغًا ان
قلت أنهم وضعوا في أغلب المواضيع لان غايتهم تحريف ما جاء به الاسلام وان
المتصفح للموضوعات يجد قسما منها لا يضاف إلى أي صنف آخر من الوضاعين
لانه لا يتناسب وأهدافهم فلا يكون الا منهم لان هدفهم عام ، ناهيك وأن عبد الله
(30) نفس المرجع والصفحة
(31) القارىء علي بن الملا ، الاسرار المرفوعة : 61
(32) تأويل مختلف الحديث : 279
(33) و(34) أحمد أمين ، ضحى الاسلام 1 : 75
153
بيترمن

ابن المبارك نسب إليهم ظنا وضع حديث طويل عن أبي بن كعب في فضائل
القرآن (35) .
وقد يقول القائل هذا الظن يتنافى وهدفهم التهديمي فكيف يناوئون الاسلام ويرغبون
في القرآن ؟ والجواب أنه يكفيهم لو تم لهم ما أرادوا أنهم دسوا في الحديث ما ليس
منه، ثم ان الواضع منهم لذلك يتّخذ ما وضعه تضليلا للعوام ليصدقوه فيما يضعه من
أخبار أخرى ذات مقصدين تحريف الحديث ونشر ما يروم بثه كفضل الفرس مثلا .
ورغم تعدد وسائلهم لمحاربة الاسلام وتفننهم في وضع الحديث . فان حركاتهم
المسلحة أبيدت بفضل حزم الخلفاء ووضعهم اكتشف بفضل الجهابذة من نقاد
الحديث .
دعاة الفرق
الشيعة :
الشيعة في مقدمة الفرق الإسلامية الكبرى التي ظهرت مبكرا نتيجة للخلافات
السياسية واستطاعت أن تصل إلى الحكم في بعض الفترات وتستمر إلى اليوم في عدد
كبير من الأتباع وفي مناطق كبيرة المساحة .
وكلما ذكر الوضع في الحديث كانت أولى من يذكر ، وقبل عرض ما قيل في هذا
الموضوع أبدي ملاحظات أرجو أن تساهم في رفع أباطيل نسبت إلى آل البيت
تعسفا ممن ادعوا التشيع اليهم وهم منهم أبرياء ، وهذا لا يعني اقرار التشيع المعتدل أو
انكاره فليس هذا موضوعنا ولكننا فقط نريد أن نلاحظ أن كثيرا من غير المخلصين.
للاسلام بل من أعدائه أحيانا تستروا بالتشيع ليكسبوا تأييد العوام ويحققوا أغراضهم
(35) السخاوي ، فتح المغيث 1 : 242
154

فتظاهروا بالدعوة لآل البيت ولا صلة لهم بهم وكانوا من العرّب ومن غيرهم نذكر منهم
المختار الثقفي الذي شهد التاريخ بتقلبه بين الزبيريين والامويين والشيعة
والخوارج (36) .
ونقل عنه أنه أغرى رجلا بمال كثير ليضع له حديثا عن النبي صلى الله عليه
وسلم ، أنه كائن بعده خليفة مطالب له بعترة ولده فامتنع الرجل أن يكذب عليه.
صلّى الله عليه وسلم ورضي بالكذب على الصحابة ولكن المختار قال له : « عن
النبي أوكد والعقاب عليه أشد» (37).
فماذا يعني هذا ؟ نصرة آل البيت أو البحث عما يدعم خروجه وفي موقف الامام
جعفر الصادق وبعض العلويين من أبي سلمة الخلال ورفضهم دعوته إياهم دليل على
أن غايته أن يجد فيهم من يسانده دون أن يقصد شخصا بذاته والا فكيف يدعو لمن
لم يتشاور معه بل من لم يعرفه بالمرة ويراسل جماعة في وقت واحد (38)، ثم ألا ترى
إلى صاحب ثورة الزنج (39) كيف جمع في الآن نفسه قبل أن يكشف أمره بین
الادعاء بالانتماء إلى آل البيت والدعوة إلى مبادئ الخوارج حتى يجمع في نظره بين
شرف الاصل وديمقراطية المبادىء .
وأكثر من هؤلاء جميعا دعاة الفرق الغلاة الذين ليسوا من المسلمين ويدّعون
الانتساب إلى آل البيت وما أبعدهم عنهم .
ومن الاسئلة التي تفرض وجودها السؤال الآتي : هل يعقل أن يكون أبناء الأمام
علي وأحفاده رضي الله عنهم التقاة الامناء كالحسن والحسين وجعفر الصادق وزيد بن
علي ممن يقبلون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على علي كرم الله.
وجهه ؟.
(36) انظر ما سبق ص : 54
(37) ابن الجوزي، الموضوعات الكبرى 1: 39 (ط 1 نشر المكتبة السلفية المدينة
(1966/1368
3(38) شلبي أحمد، التاريخ الاسلامي 3 : 250
39) انظر ما سبق ص : 108
155

لا نتصور اجابة بغير النفي وما وقع انما كان من الاتباع الجهلة أو من أعداء
الاسلام الكائدين له ؟ قال ابن تيمية « كان آل البيت من أعظم الناس صدقا
وتحقيقا للايمان وكان دينهم التقوى لا التقية» (40).
هذه الملاحظات تخطر لي كلما اطلعت خاصة على مبادىء بعض الفرق المنتسبة.
إلى الشيعة ، وقد سبقني إلى ابداء بعضها عجاج الخطيب فقال عقب ما ذكره منها
« إن أهل البيت أبرياء من هذا كله ؛ وإنما حمل اثم الوضع باسمهم من لف حولهم من
شيعتهم وكثر الوضع وأساءوا إلى امامهم علي رضي الله عنه أكثر مما أحسنوا إليه »،
قال أبو الفرج الجوزي: « فضائل علي الصحيحة كثيرة ، غير أن الرافضة لا تقنع
فوضعت له ما يضع لا ما يرفع» (41) ولعله من المفيد التذكير بأن الامام عليًا كرم
الله وجهه امام المسلمين جميعا بمعنى قدوتهم كسائر بقية الصحابة الفضلاء وليس امام
الشيعة وحدهم الا بالمفهوم الخاص للأمام عندهم.
والغاية من هذه الملاحظات كما أشرنا التفرقة بين المسلمين المحبين حقا لآل البيت
الذين لا ينسبون إليهم ما لم يقولوه ولا يضيفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الا
ما ثبت اسناده إليه من قول أو فعل أو تقرير ، وبين الدخلاء بينهم ممن كانوا يدعون
أحد آل البيت للمعركة فإذا ما نشبت خذلوه ، والتفرقة بين الافاضل من سلالة علي
كرم الله وجهه وبين من جاء من بعد ولم يثبت حتى نسبه إليهم ورضي بأن يقر ما لم
يأت به الاسلام
وهي لا تنفي بهمة الوضع عن بعموم الشيعة حسب المفهوم التاريخي للكلمة على أن
المتحدثين على الوضع عندهم، منهم من استعمل اللفظ العام ومنهم من استعمل لفظ
الرافضة، ومنهم من سمّى فرقا معينة من فرقهم. ولا بأس بتحديد الكلمتين تحديدا
مجملا للتوضيح دون الاستقصاء.
أطلق أبو الحسن الأشعري لفظ الشيعة على من شايع عليا وقدمه على سائر
(40) منهاج السنة 1: 159 (ط 1 الاميرية بولاق مصر 1322/1321)
(41) السنة قبل التدوين: 196 وانظر ما نقله عن ابن الجوزي في المنتقى من منهاج
الاعتدال :480
156

٤.
" الصحابة (42)، وقسمهم إلى غلاة ورافضة. لانهم رفضوا امامة أبي بكرو عمر،
وأجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على استخلاف علي باسمه وأظهر ذلك
وأعلنه (43) .
وزيدية أتباع زيد بن علي وكان يفضل عليا على سائر الصحابة ويتولى أبا بكر وعمر
ويرى الخروج على أئمة الجور (44) .
وأطلق ابن عبد ربه الشيعة على من يفضلون عليا على عثمان ويتولون أبا بكر
وعمر ، فعنده أنهم جميعا يقولون بامامة الشيخين وليس ذلك مطلقا بل هو عند
الزيدية فقط وأطلق لفظ الرافضة على من رفضوا امامة الشيخين ، وقال : سموا بذلك
لان أحدا من أهل الاهواء لم يرفضهما .
ووصفهم بالغلو الشديد ، وعد منهم من عرفوا بالغلاة كالسبئية والغرابية
والمنصورية وغيرهم ... والغريب عده الزيدية من الرافضة وان لاحظ أنها أقل غلوا ثم
قال الا أنهم يرون الخروج مع كل من خرج (45) وتصنيف الأشعري أدق لأن
الزيدية ليست من الرافضة ، جاء في دائرة المعارف الإسلامية (46) « الشيعة اسم
شامل لمجموعة كبيرة من فرق اسلامية مختلفة أشد الاختلاف ترجع نشأتها جميعا إلى
القول بأن عليا هو الخليفة الشرعي بعد النبي صلى الله عليه وسلم».
فهذا هو المبدأ الجامع لها ، ثم تفترق بعد قربا من الاسلام وبعدا منه بل وخروجا
عنه دون أن تتخلى عن الاسم العام ، وهذا ما يقره آل كشف الغطاء كمفهوم تاريخي
وينفيه كحقيقة مطابقة للأصل فيخص الشيعة اليوم بالإمامية .
(42) مقالات الاسلاميين 1 : 65
(43) نفس المرجع 1 : 87
(44) نفس المرجع 1 : 130 - 131
(45) العقد الفريد 2 : 236 - 240
57 : 14 - (46)
157

يقول : « ان اسم الشيعة يطلق على الزيدية والاسماعيلية والواقفية القطعية وغيرهم
اذا اقتصرنا على الداخلين في حظيرة الاسلام أما لو توسعنا في الاطلاق والتسمية
حتى للملاحدة الخارجين عن حدوده كالخطابية وأضرابهم فقد تتجاوز طوائف الشيعة
اليوم المائة أو أكثر ببعض الاعتبارات والفوارق ولكن يختصّ اسم الشيعة اليوم على
· اطلاقه بالامامية التي تمثل أكبر طائفة في المسلمين بعد طائفة أهل السنة» (47).
ومن المؤرخين من يطلق لفظ الرافضة على الذين رفضوا زيد بن علي عندما منعهم
من الطعن في أبي بكر وعمر (48) أو عندما طلبوا منه أن يتبرأ منهما فرفض وقال :
« كانا وزيري جدي (49)»، والروايتان تؤديان إلى نتيجة واحدة وهي رفض الرافضة
للشيخين والزيدية أيضا (50) .
هذا بعض ما قيل في مفهوم لفظة الشيعة فماذا عن وضعهم للحديث ؟ وما هي
مواضيع موضوعاتهم ؟ وما ردود الفعل التي أحدثتها ؟
تلاحظ أن من المتحدثين عن وضعهم من اكتفى بذكرهم ضمن أهل الأهواء
والبدعة ومنهم من سماهم باسمهم ورغم الاطالة النسبية للحاكم أبي عبد الله في بيان
المجروحين في كتابه المدخل فانه لم يسمهم ..
وهذا بعض ما قالوه عن أنفسهم وما قيل فيهم ، قال معلى بن عبد الرحمن
الواسطي (51) عند موته « وضعت في فضل علي سبعين حديثا » (52).
(47) أصول الشيعة وأصولها 104 (ط؟ دار البحار).
(48) الاشعري ، مقالات الاسلاميين : 1 : 87
(49) ابن منظور ، لسان العرب 1 : 197 (مادة رفض)
(50) الصنعاني ، توضيح الأفكار 2 : 55
.(51) روي عن جرير بن حازم وعبد الحميد بن جعفر ، وهو كذاب وضاع من كذبه ما رفعه إليه
صلى الله عليه وسلم: « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما » الذهبي
ميزان الاعتدال 4 : 148 - 149 .
(52) القاري علي بن الملا، الاسرار المرفوعة: 63 وفي ميزان الاعتدال تسعين حديثا أو قال
سبعين 4 : 149
158

وعن الأعمش عن أبي اسحاق قال : لما أحدثوا تلك الاشياء بعد علي رضي اللّه
عنه قال رجل من أصحاب علي: « قاتلهم الله أي علم أفسدوا » . قال النووي :
« أشار بذلك إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي رضي الله عنه وحديثه
وتقولوه عليه من الأباطيل وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلفة وخلطوه
بالحق فلم يتيمز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه » (53).
وقال حماد بن سلمة : « حدثني شيخ لهم تاب يعني الرافضة قال : « كنا إذا
اجتمعنا فاستحسنا شيئا جعلناه حديثا » (54) .
وقال عامر الشعبي : « ما كذب على أحد في هذه الامة ما كذب على على رضي
الله عنه » (55) . وله قول طويل في الرافضة وصفهم فيه بأنهم شر أهل الأهواء ،
وشبههم باليهود في عدة مسائل واعتبر دخولهم في الاسلام للمقت بأهله (56) .
وذكر أنهم مستعدون لبذل ما يعز عليهم في سبيل أن يكذبهم على علي قال :
« لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا أو أن يملؤوا بيتي مالا على أن أكذبهم على علي
كذبة واحدة لفعلوا ولكني والله لا أكذب عليه أبدا» (57) وقال «لقد بغضوا إلينا
حديث علي » (58) .
وسئل الإمام مالك رضي الله عنه عن الرافضة فنهى عن مكالمتهم والرواية عنهم
لكذبهم (59) وكذبهم ابن المبارك (60) ووصفهم الامام الشافعي بشهادة الزور وعبر
على ذلك بصيغة الحصر « لم أر أحدا أشهد بالزور من الرافضة » (61) ..
(53) النووي ، شرح مسلم 1 : 83
285 :
1
(54) السيوطي ، تدريب الراوي
(55) الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 : 77
(56) و(57) ابن عبد ربه، العقد الفريد 2 : 241
(58). نفس المرجع : 242
(59) ابن تيمة ، المنتقى من منهاج الاعتدال 21
(60) نفس المرجع : 480
(61) الخطيب البغدادي ، الكفاية : 202
159

ويرى ابن أبي الحديد أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة
الشيعة لانهم وضعوا في مبدإ الأمر أحاديث في مناقب الإمام علي حملهم على وضعها
عداوة خصومهم ، فوضع هؤلاء في مناقب أبي بكر (62) .
وأسند الامام السخاوي (63)، والسيوطي (64) الوضع للخطابية احدى الفرق
الغلاة المنتسبة لأبي الخطاب الاسدي القائل بالحلول (65)
ومن خصائص الشيعة أن لها كتبا تعتمدها في الاحاديث مثل ما عند أهل السنة ،
والمتأمل فيها وفي كتب الموضوعات يلاحظ كثرة ما فيها من الاخبار المكذوبة البينة
الوضع ، وتتعلق خاصة بمناقب علي واثبات الوصية له بالخلافة ومناقب آل البيت
عامة والنيل من أبي بكر وعمر وعثمان ، وثلب معاوية والامويين .
. ولعلي كرم الله وجهه مناقب موجودة في الكتب الصحاح كصحيح البخاري أكثر
من غيره لبقائه بعد كثير من أفاضل الصحابة، ولوجوده في زمن الخلاف فاختيج إلى
بيان فضله . نقل ابن حجر عن النسائي وغيره قولهم : « لم يرد في حق أحد الصحابة
بالاسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي وكان السبب في ذلك أنه تأخر ووقع
الاختلاف في زمانه وخروج من خرج عليه فكان ذلك سببا لانتشار مناقبه ردا على
من خالفه » (66) .
ولكن الرافضة لم يكفهم ذلك فتزيدوا عليه كما ذكرنا في بداية هذا البحث ، ومما
رووه فيه بزعمهم عن أنس مرفوعا « أن أخي ووزيري وخليفتي من بعديّ أهلي وخير
من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعودي علي» (67)، ومنها أن النبي صلّى الله
عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب : « أنت أول من آمن وأنت أول من يصافحني
(62) شرح نهج البلاغة 3 : 26
(63) فتح المغيث 2 : 239
(64) تدريب الرواي 1 : 285
(65) البغدادي ، الفرق بين الفرق : 247
(66) فتح الباري 7 : 71
(67) السيوطي، اللآلي المصنوعة 1 : 326. (ط 1 نشر المكتبة الحسينية مصر)
160

يوم القيامة وأنت الصديق ، وأنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل ، وأنت يعسوب
المؤمنين والمال يعسوب الكفار » (68).
ونسبوا إلى عمر رضي الله عنه أمورا شنيعة قال فيها ابن أبي الحديد : «فأما
الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من ارسال قنفذ الى بيت فاطمة وأن
عمر ضربها بالسوط وأضغطها بين الباب والجدار فصاحت يا أبتاه وألقت جنينا ميتا
وجعل في عنق علي حبلا يقاد به ، فكله لا أصل له عند أصحابنا ولا يثبته أحد منهم
ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه . انما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله» (69)، ولهم في
مثالب معاوية ، خبر روي من عدة طرق كلها باطلة (( إذا رأيتم معاوية يخطب على
منبري هذا فاقتلوه » (70) .
ردود الفعل على وضع الشيعة
ولكثرة ما كذب على علي كرم الله وجهه رأى المغيرة بن مقسم الضبي (71) أن
المرويات عنه غير صحيحة إلا ما كان من طريق عبد الله بن مسعود (72) ، وكان ابن
سبرين يرى أن عامة ما يروى عن علي فيه كذب (73) والمراد بذلك ما ترويه الرافضة
من الأقوال المشتملة على مخالفة الشيخين ولا يشمل ما يروى عنه مما يتعلق بالأحكام
الشرعية فقد روى ابن سعد باسناد صحيح عن ابن عباس قال : أذا حدثنا ثقة عن
على بفتيا لم نتجاوزها » (74) وبسبب وضع الشيعة للحديث ساءت نظرة
(68) نفس المرجع : 324
(69) شرح نهج البلاغة 1 : 158 - 159
(70) ابن الجوزي ، الموضوعات الكبرى 2 : 24
(71) حافظ كوفي حدث عن الشعبي ، وابراهيم النخعي ، عرف بقوة حفظه كان عثمانيا يحمل على
على بعض الحمل . الذهبي تذكرة الحفاظ 1 : 243
(72) صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 83
(73) ابن حجر ، فتح الباري 7 : 71
(74) ابن حجر ، فتح الباري 7 : 73
161

الحجازيين الى العراق لانه موطنهم ومنبع النحل المختلفة ونقل عن الامام مالك رضي الله
عنه أنه سماها دار الضرب (75) لكثرة الأحاديث المكذوبة فيها فكأنما أهلها يصنعونها
صناعة . قال: « كانت العراق تجيش علينا بالدنانير والدراهم فصارت تجيش علينا
بالحديث » ..
ونفس الرأي أو ما يقاربه كان لبقية علماء المدينة ، قال الزهري : «يخرج الحديث
من عندنا شبرا فيعود في العراق ذراعا » (76) .
واستقدم ربيعة الرأي ليتولى قضاء العراق فلزم بيته ولم يحدث (77) . ووصل تحري
الحجازيين من العراقيين أقصاه ، فاعتبر بعضهم مروياتهم بمنزلة أحاديث أهل الكتاب
لا تصدق ولا تكذب (78) .
وتكلم العراقيون في بعضهم ، فذم عبد الرحمن بن مهدي أسانيد الكوفيين ولكنه لم
يسقط أحاديث أهل بلده وجعلها في مرتبة ثانية فعندما سئل عن أصح الأحاديث
رتبها كما يلي : حديث أهل الحجاز ، حديث أهل البصرة ، حديث أهل الكوفة
حديث أهل الشام ، ولم ترضه هذه الأخيرة (79) ..
وكثرة الوضع في العراق لا منازع فيها ، ولكن لا ينبغي أن يستنتج منها ذم أهلها
عموما .
ففيها طائفة من الصحابة الأجلاء نقلوا علمهم اليها . كعلي بن أبي طالب، وعبد
الله بن مسعود ، وسعد بن أبي وقاص ، وعمار بن ياسرٍ وأبي موسى الأشعري، وأنبس.
- بن مالك ، وفي هؤلاء من عرف بالعلم زيادة عن نقل الحديث ، وعنهم أخذت طبقة
(75) الخولي أمين ، مالك بن انس 1 : 162
(76) نفس المرجع والصفحة الزواوي مناقب الامام مالك : 57
(77) الخولي أمين ، مالك بن أنس 1 : 162
(78) الزواوي ، مناقب الامام مالك : 57
(79) الخولي أمين ، مالك بن أنس 1 : 164
٠٠
162