Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨٠ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف ثم الاضطراب قد يكون في المتن وقد يكون في السند، وإنما يسمى مضطرباً إذا تساوت الروايتان المختلفتان في الصحة، بحيث لم تترجح إحداهما على الأخرى، أما إذا ترجحت إحداهما بكون راويها أحفظ، أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيح؛ فإنه لا يطلق على الوجه الراجح وصف الاضطراب، ولا له حكمه، والحكم حينئذ لوجه الراجح)»(١) . ثم قال: ((ومثال الاضطراب في المتن حديث فاطمة بنت قيس سألت أو سئل النبي ◌َّ عن الزكاة فقال: ((إن في المال لحقاً سوى الزكاة). فهذا حديث قد اضطرب لفظه ومعناه، فرواه الترمذي(٢) هكذا من رواية شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة. ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: ((ليس في المال حق سوى الزكاة)(٣). فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل، وقول البيهقي إنه لا يحفظ لهذا اللفظ الثاني إسناداً معارض بما رواه ابن ماجه هكذا والله أعلم. والاضطراب موجب لضعف الحديث المضطرب لإشعاره بعدم ضبط راويه أو رواته والله أعلم)) (٤) . فهذا المثال على فرض صحته(٥) يبين لنا أن الاضطراب قد يؤدي إلى (١) ((التبصرة والتذكرة)) للحافظ العراقي ١/ ٢٤٠ -٢٤١. (٢) ((سنن الترمذي)) ٣/ ٤٨ حديث ٦٥٩ كتاب الزكاة: باب ما جاء أن في المال حقاً سوى الزكاة . (٣) سنن ابن ماجه ١/ ٥٨٠ ح ١٧٨٩ كتاب الزكاة: باب ما أدى زكاته فليس بكنز. ((التبصرة والتذكرة)) للعراقي ١/ ٢٤٤-٢٤٥. (٤) (٥) أقول هذا وأحترز لأن جميع أو معظم الأمثلة التي مثل بها المحدثون في علم المصطلح للحديث المضطرب لم تسلم من اعتراض ومن تكلف الجمع والتوفيق. ٣٨١ التحمل والأداء التصحيف في متن الحديث، فيحرف معناه ویصرفه عن وجهه. ومن أمثلة المضطرب أيضاً متناً ما جاء في قصة بَريرَة وفيها: ((كان زوجها عبداً)) وفي رواية: ((وكان زوجها حراً»(١). ٥- القلب : من أنواع المخالفة التي يرد بها حديث الراوي: القلب. والحديث المقلوب هو : الذي حول وصرف عن وجهه. ويدخل ضمن جهود المحدثين في مقاومة التصحيف اعتبارهم الحديث المقلوب من قبيل المردود لعدم ضبط راويه. والقلب قد يقع في الإسناد كما يقع في المتن. والقلب في متون الأحاديث يغير معاني النصوص ويحرفها عن مواضعها فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي عَّه قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)(٢) . قال ابن حجر العسقلاني: ((قال القاضي عياض: هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم، وهو مقلوب، والصواب الأول، وهو وجه الكلام لأن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين، وقد ترجم عليه (١) راجع في هذا المثال ((إرواء الغليل)) للشيخ الألباني ٦/ ٢٧٢ ح ١٨٧٣ فإنه أفاض في بيان وجه اضطراب الحديث بما لا يسع ذكره هنا . (٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٧/ ١٢٢ كتاب الزكاة : باب فضل إخفاء الصدقة . ٣٨٢ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف البخاري في الزكاة: ((باب الصدقة باليمين)) قال: ويشبه أن يكون الوَهَم فيه ممن دون مسلم بدليل قوله في رواية مالك لما أوردها عقب رواية عبيد الله بن عمر فقال: بمثل حديث عبيد الله، فلو كانت بينهما مخالفة لبينها كما نبه على الزيادة في قوله: ((ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه))))(١). وهذا نوع آخر من أنواع المخالفة - وهو القلب - يبين لنا أن في رد المحدثين للحديث المقلوب حفظاً للسنة من التصحيف وصيانة للشريعة من التحريف . (١) فتح الباري ٢/ ١٤٦. ٣٨٣ التحمل والأداء المطلب الخامس شروط الأداء ١- الضبط : قال ابن منظور: ((الضبط لزوم الشيء وحبسه. وضبط عليه وضبطه يضبط ضبطاً وضباطة. وقال الليث: الضبط لزوم الشيء لا يفارقه في كل شيء، وضبط الشيء حفظه بالحزم، والرجل ضابط أي حازم ... ))(١) . والضبط في اصطلاح المحدثين ينقسم إلى قسمين: ضبط صدر وضبط کتاب . فأما ضبط الصدر: ((فهو أن يثبت الراوي ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء)) (٢) . والمقصود من ضبط الصدر: هو تمكن الراوي من حفظ ما سمعه، وصيانته في صدره وقلبه، وقدرته على تذكره واستحضاره متى شاء. وقد نص المحدثون على ضرورة حفظ واستيعاب الراوي مروياته، صيانة لها من التغيير والتبديل . قال أشهب: ((وسئل مالك: أيؤخذ ممن لا يحفظ - وهو ثقة صحيح - أيؤخذ عنه الأحاديث؟ فقال: لا يؤخذ منه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل))(٣). وأما ضبط الكتاب: ((فهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن (١) لسان العرب ٧/ ٣٤٠. (٢) ((نزهة النظر شرح نخبة الفكر)) للحافظ ابن حجر العسقلاني ص ٢٩. (٣) رواه الخطيب البغدادي في ((الكفاية في علم الرواية)) ص ٢٢٧ . ٣٨٤ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف يؤدَّى منه))(١) . ((والضابط من يكون حافظاً، متيقظاً، غير مغفل، ولا ساه، ولا شاك، في حالتي التحمل والأداء))(٢). وكما اهتم المحدثون بالبحث عن مدى حفظ الراوي وتمكنه من مروياته، اهتموا أيضاً بالتفتيش عن ضبط كتابه وصيانته. ولقد انتقد المحدثون الأصول وتتبعوها، واعتبروا الخطأ والفساد اللذين يطرآن على أصل المحدث علامة على قلة ضبطه . قال ابن حجر: «إن من اعتمد في روايته على ما في كتابه لا یعاب، بل هو وصف أكثر رواة الصحيح من بعد الصحابة وكبار التابعين، لأن الرواة الذين للصحيح على قسمين : أ - قسم كانوا يعتمدون على حفظ حديثهم، فكان الواحد منهم يتعاهد حديثه ويكرر عليه فلا يزال مبيناً له، وسهل ذلك عليهم قرب الإسناد وقلة ما عند الواحد منهم من المتون حتى كان من يحفظ منهم ألف حديث يشار إليه بالأصابع. ومن هنا دخل الوهم والغلط على بعضهم لما جبل عليه الإنسان من السهو والنسيان . ب - قسم كانوا يكتبون ما يسمعونه ويحافظون عليه ولا يخرجونه من أيديهم ويحدثون منه. وكان الوهم والغلط في حديثهم أقل من القسم الأول إلا من تساهل منهم كمن حدث من غير كتابه أو أخرج كتابه من يده إلى غيره فزاد فيه ونقص وخفي عليه، فتكلم الأئمة فيمن وقع له ذلك منهم)) (٣). (نزهة النظر)) لابن حجر ص ٢٩. (١) ((توضيح الأفكار)) لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ١ / ٨ . (٢) (٣) ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) لابن حجر العسقلاني ١/ ٢٦٩. ٣٨٥ التحمل والأداء وقال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي: ((واعلم أن المتقدمين كانوا يعتمدون على الحفظ، فكان النقاد يعتمدون في النقد عدالة الراوي واستقامة حديثه، فمن ظهرت عدالته وكان حديثه مستقيماً وثقوه. ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع، فكان النقاد إذا استنكروا شيئاً من حديث الراوي طالبوه بالأصل. ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقييد السماع فشدد النقاد، فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم الموثوق به المقيد سماعه فيه، فإذا لم يكن للشيخ أصل لم يعتمدوا عليه، وربما صرح بعضهم بتضعيفه، فإذا ادعى السماع ممن يستبعدون سماعه منه كان الأمر أشد ... ))(١). ومن الأمثلة التطبيقية التي يمكن أن تنزل على كلام الشيخ المعلمي، ما ذكره الحافظ ابن حجر عند تخريجه لحديث المغيرة أنه عَّ مسح أعلى الخف وأسفله: ((قال أحمد: ((وقد كان نعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور، فقلت له: إنما هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول: حدثت عن رجاء ولا يذكر المغيرة فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه، فأخرج إليّ كتابه القديم بخط عتيق فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم ((عن المغيرة)) فأوقفته عليه وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: ((اضربوا على هذا الحديث))))(٢) . وذكر أيضاً الحافظ ابن حجر في ترجمة سعد بن عبد الكريم بن الحسن بن أحمد بن موسى الغندجاني أبي الجوائز الواسطي قول أبي سعد بن (١) ((التنكيل)) لعبد الرحمن المعلمي ١/ ٢٠٠ -٢٠١. (٢) ((التلخيص الحبير)) للحافظ ابن حجر ١ / ١٥٩ . ٣٨٦ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف السمعاني: ((سمع رزق الله التميمي وغيره. رأيت أهل واسط يثنون عليه غير أنه أخرج لي ورقة بخط جده أبي محمد الغندجاني ((أجزت لابن ابني سعد بن عبد الكريم جميع ما سمعته من شيوخي في جمادى الآخرة سنة (٦٧))). فرأيت في موضعين من هذه الإجازة كشطاً وإصلاحاً بخط طري: [الأول](١): وكأنه كان لا بني أبي سعد فصيره ابن ابني. الثاني: في قوله وستين كان فيه وخمسين فكشط الخاء))(٢). هكذا نرى أن المحدثين كانوا إذا ارتابوا في رواية شيخ طالبوه بإبراز أصله، فإذا أخرجه لهم فحصوه ونقدوه أشد النقد، وإذا لم يخرجه لهم عرفوا أنه ليس من أهل الضبط فردوا روايته. وقد تكلم النقاد من المحدثين في جماعة من الرواة لأنهم لم تكن لهم أصول، أو كانت لهم أصول لا يعول عليها لعدم ضبطها، فمن هؤلاء: ١ - أحمد بن عبد الملك الفارسي الأعلم، مات بسمر قند قبل الستين وثلاثمائة ... قال الإدرسي: ((كتبنا عنه، وكان سيء الأصول، مجازفاً في الرواية، لا اعتماد عليه))(٣ . ٢ - أحمد بن عيسى بن خلف بن زُغْبَة البغدادي. قال عبد الغني الأزدي: «لم يكن له أصول يعول عليها، يحدث عن أبي القاسم البغوي، يكنى أبا بكر وكان وراقاً)) (٤). ومن الرواة الذين وقع الخطأ في روايتهم لأنهم لم يكن لهم كتاب: (١) هذه الزيادة مني اقتضتها منهجية ترتيب الكلام. (٢) ((لسان الميزان)) لابن حجر ٣/ ١٧ -١٨. (٣) ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) ١ / ١١٧. (٤) ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) للذهبي ١/ ١٢٧. ٣٨٧ التحمل والأداء • عبد العزيز بن محمد الدراوردي ... كان يحدث من كتب غيره فيخطئ(١) . ● حاجب بن سليمان المنبجي شيخ النسائي. قال الدار قطني: ((كان يحدث من حفظه ولم يكن له كتاب. وهم في حديثه عن وكيع عن هشام عن أبيه عن عائشة: ((قبل رسول الله عَّه بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ)). والصواب عن وكيع بهذا الإسناد أنه ((كان يقبل وهو صائم))))(٢) . ولما علم الرواة حرص النقاد على السماع ممن له أصل، حاول بعضهم اقتناء كتاب حتى يرغب في السماع منه، غير أن المحدثين تيقظوا لذلك وحذروا منه . ذكر الذهبي في ترجمة الحسن بن مسعود بن الحسن بن علي المحدث، أبي علي الوزير الدمشقي قول ابن عساكر فيه: ((فيه تسامح شديد؛ اشترى نسخة غير مسموعة. بالمعجم الكبير للطبراني، فكان يحدث منها، وهي غير منقولة من أصل سماعه، ولا عورضت به))(٣) . وقد بالغ المحدثون في العناية والحفاظ على أصولهم، فضبطوها حرفاً حرفاً، حتى إذا أعار أحدهم أصله فغير، عَرَفَ ذلك ورد الخطأ إلى الصواب. من ذلك ما روي عن أبي زرعة الرازي: قال ابن أبي حاتم: ((سمعت أبا زرعة يقول: سمعت من بعض المشايخ أحاديث فسألني رجل من أصحاب الحديث فأعطيته كتابي فرد عليّ الكتاب بعد ستة أشهر، فأنظر في الكتاب فإذا أنه قد غيَّر في سبعة مواضع. قال أبو (١) ((تقريب التهذيب)) لابن حجر ١/ ٥١٢. (٢) ((ميزان الاعتدال)» للذهبي ١/ ٤٢٩. (٣) ((ميزان الاعتدال)) للذهبي ١/ ٥٢٣. ٣٨٨ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف زرعة: [فأخذت الكتاب وصرت إلى عنده فقلت: ألا تتقي الله، تفعل مثل هذا؟ قال أبو زرعة]: فأوقفته على مَوْضع موضع وأخبرته، وقلت له: أما هذا الذي غيرت فإنه هذا الذي عن ابن أبي فديك فإنه عن أبي ضمرة مشهور، وليس هذا من حديث ابن أبي فديك، وأما هذا فإنه كذا وكذا، فإنه لا يجيء عن فلان وإنما هذا كذا، فلم أزل أخبره حتى أوقفته على كله ثم قلت له: فإني حفظت جميع ما فيه في الوقت الذي انتخبت على الشيخ، ولو لم أحفظه لكان لا يخفى عليّ مثل هذا. فاتق الله عز وجل يا رجل. [قال أبو محمد]: فقلت له: من ذلك الرجل الذي فعل هذا؟ فأبى أن يسميه))(١). اختلال الضبط : الضبط بنوعيه السابقي الذكر يمكن أن يختل، فإذا وقع ذلك من الراوي لم يعد في مأمن من تصحيف المتون وتحريف أسماء الرواة وإحالة المعاني. ولذا فإن المحدثين يردون رواية من كان من هذا الصنف. ويعرف اختلال ضبط الراوي الذي ترد به روايته بفحش غلطه، والمقصود بفحش الغلط أن يغلب خطأ الراوي على صوابه. ومما يطعن في ضبط الراوي أيضاً الغفلة، والمقصود بالغفلة قلة تعاهد الراوي لمحفوظاته وعدم عنايته بصناعة الحديث حفظاً ومذاكرة وكتابة ... فإذا كان الراوي بهذه المثابة من البعد عن الإتقان والتحقيق لمروياته جاز عليه التصحيف ووقع منه التحريف . هذا عن ضبط الصدر، وأما ضبط الكتاب فهو الآخر يمكن أن يختل بسبب الضياع أو الفساد أو التغيير الذي يحصل في أصل المحدث من طرفه (١) تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي ١/ ٣٣٢ -٣٣٣. ٣٨٩ التحمل والأداء أو من طرف غيره، فإذا حصل ذلك لم تعد هناك ثقة بذلك الراوي الذي وقع التغيير، أو التبديل في أصله؛ لجواز التصحيف عليه. ومن أجل تفصيل هذا الكلام والوقوف على أقوال السلف من المحدثين؛ نقول: إن المحدثين قسموا الضبط إلى ضبط صدر وإلى ضبط کتاب، وكلاهما يمكن أن يختل . فأما ضبط الصدر : فيعرف اختلاله بما يلي : ١ - فحش الغلط : الراوي إذا كثر غلطه واشتد خطؤه وعظم وهمه، اختل ضبطه، فلم يؤمن وقوعه في التصحيف والتحريف. فمتون الأحاديث وأسماء الرواة تحتاج عناية تامة وإتقاناً بالغاً وتيقظاً هاماً. قال أحمد بن سنان: «کان عبد الرحمن بن مهدي لا يترك حدیث رجل إلا رجلاً متهماً بالكذب أو رجلاً الغالب عليه الغلط)) (١) . وقال ابن مهدي: ((الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم، والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه)) (٢) . وقال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: ((من الذي يُترك حديثه؟)). قال: ((إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر، ترك حديثه، فإذا اتهم بالحديث(٣) ترك حديثه، فإذا أكثر الغلط ترك حديثه، وإذا روى (١) أخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية ص ١٤٣ . (٢) أخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية ص ١٤٣ . (٣) أشار محقق كتاب ((معرفة علوم الحديث)) الذي أورد النص، أنه وقع بهامش الأصل (فإذا اتهم بالكذب). ٣٩٠ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف حديثاً اجتمع عليه أنه غلط ترك حديثه، وما كان غير هذا فارو عنه))(١). وليس معنى هذا أن كل من أخطأ ردت روايته، وانخرم ضبطه، وإنما المقصود من کثر ذلك منه حتی فحش. قال سليمان بن أحمد الدمشقي قلت لعبد الرحمن بن مهدي: ((أکتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: ((نعم)). قيل له يغلط في عشرين؟ قال: ((نعم)). قلت: ((فثلاثين؟)) قال: (نعم)). قلت: ((فخمسين)) قال: ((نعم))(٢). قلت: كلام ابن مهدي هذا ينزل على من كان مكثراً للرواية. أما من قلت روايته وكانت أحاديثه دون المائة، فإن الغلط في خمسين حديثاً يكون مؤثراً على ضبطه وروايته. ولهذا قال سفيان الثوري: ((ليس يكاد يفلت من الغلط أحد. إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك))(٣). وقال ابن حبان: ((فإن قال: كان حماد يخطئ، يقال له: وفي الدينا أحد بعد رسول الله عَّه يعرى عن الخطأ، ولو جاز ترك حديث من أخطأ، لجاز ترك حديث الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين، لأنهم لم يكونوا بمعصومين. فإن قال: حماد كثر خطؤه يقال له: إن الكثرة اسم يشتمل على معان شتى، ولا يستحق الإنسان ترك روايته حتى يكون منه من الخطأ ما يغلب صوابه، فإذا فحش ذلك منه، وغلب على صوابه، استحق مجانبة روايته، وأما من كثر خطؤه، ولم يغلب على صوابه، فهو مقبول الرواية فيما لم يخطئ فيه، واستحق مجانبة ما أخطأ فيه فقط، مثل شريك، (١) أخرجه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٦٢ . (٢) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ١٤٧ . (٣) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٤٤. ٣٩١ التحمل والأداء وهشيم، وأبي بكر بن عياش وأضرابهم كانوا يخطئون فيكثرون، فروى عنهم، واحتج بهم في كتابه، وحماد واحد من هؤلاء)) (١) . وهذا إنصاف من ابن حبان واعتدال في نقد الرجال، واستقراء وتتبع لأحوالهم ومروياتهم. إذاً فالخطأ الذي يؤثر في ضبط الرواة هو ما كان فاحشاً، أو ما كان غالباً على الصواب. فإذا غلب خطأ الراوي على صوابه لم يؤمن حينئذ أن يصحف أسماء الرواة ومتون الأحاديث. ب - الغفلة : وغفلة الراوي عن الضبط والإتقان مما يطعن في ضبطه . وقد نص المحدثون على أن الشيخ المغفل لا يؤخذ عنه الحديث لعدم تيقظه وقلة إتقانه . قال ابن عباس: ((لا يكتب عن الشيخ المغفل))(٢). وتنشأ غفلة الراوي عن قلة تعاهده لمحفوظاته، وعدم عنايته بصناعة الحديث: حفظاً ومذاكرة وكتابة ورحلة ومجالسة للشيوخ ... فالراوي المغفل وإن کان عدلاً في دينه قد يقع في الكذب من غير قصد. قال ابن حبان في ترجمة «إبراهيم بن هراسة أبي إسحاق الشيباني)»: (( ... وهو من النوع الذي ذكرت أنه غلب عليه التقشف والعبادة، وغفل (١) ((الإحسان بترتيب ابن حبان)) ١ / ٨٥ . (٢) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٤٨ . ٣٩٢ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف عن تعاهد حفظ الحديث حتى صار كأنه يكذب))(١) . وقال ابن حجر العسقلاني في ترجمة عباد بن كثير الثقفي: ((قال أبو طالب عن أحمد: هو أسوء حالاً من الحسن بن عُمارة وأبي شيبة، روى أحاديث كذب لم يسمعها وكان صالحاً. قلت: كيف روى ما لم يسمع. قال: ((البله والغفلة)))) (٢). فالراوي إذا كان مغفلاً تطرق الفساد إلى ((أصله)) لأنه قد يغير في كتابه لقول غيره من الرواة(٣) وقد يصل المرسل، أو يوقف المرفوع. وربما وقع التصحيف من الراوي المغفل فيقلب المعنى ويغير الألفاظ، ولهذا استحق ترك روايته لما يترتب على الأخذ بها من التصحيف في المتون والتحريف في الأسانيد . عن بشر بن موسى قال عبد الله بن الزبير الحميدي: «فما الغفلة التي يرد بها حديث الرضا الذي لا يعرف يكذب؟)). قلت: هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له (في ذلك) فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم، لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف ذلك تصحيفاً فاحشاً يقلب المعنى لا يعقل ذلك، فيكف عنه)) (٤) . وأما القسم الثاني من أقسام الضبط فهو : ضبط الكتاب: قسم المحدثون الضبط إلى ضبط صدر وضبط كتاب، وكما أن ضبط ((المجروحين)) لابن حبان ١ / ١١١. (١) (٢) ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر العسقلاني ٥/ ١٠٠. سيأتي الكلام بتفصيل عن اختلال ضبط كتاب الراوي. (٣) (٤) رواه الخطيب البغدادي ((الكفاية)) ص ١٤٨ . ٣٩٣ التحمل والأداء الصدر يختل بكثرة الخطأ والغفلة والوهم والتصحيف، فكذلك ضبط الکتاب يختل إذا فسد أصل المحدث أو عدم. والمحدث ترد روايته - خشية الوقوع في التصحيف - إذا عدم أصله عن طريق الاحتراق. فممن احترقت أصوله فاختل ضبطه فوقع التصحيف في حديثه: ((عبد الله بن لهيعة))، قال ابن حبان: «كان مولده سنة ست وتسعین، ومات سنة أربع وسبعين ومائة، وصلى عليه يزيد بن حاتم، وكان شيخاً صالحاً، ولكنه يدلس عن الضعفاء قبل احتراق كتبه، ثم احترقت كتبه في سنة سبعين ومائة قبل موته بأربع سنين، وكان أصحابنا يقولون: إن سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه - مثل العبادلة _(١) فسماعهم صحيح، ومن سمع منه بعد احتراق كتبه فسماعه ليس بشيء، وكان ابن لهيعة من الكتّابين للحديث، والجمّاعين للعلم، والرحّالين فيه))(٢) . وقد أوردنا في بحثنا هذا نماذج من التصحيفات التي وقعت لابن لهيعة . وقد يتغير ضبط الراوي إذا فقد أصوله، كمن ذهبت الريح بأصوله قبل أن يتمكن من حفظ ما فيها، من هؤلاء: هُشَيْم بن بَشير السُّلَمي أبو معاوية الواسطي الحافظ. قال الحسين بن فهم: ((أخبرني الهروي أن هُشَيْماً كتب عن الزهري نحواً من ثلاثمائة حديث، فكانت في صحيفة، فجاءت الريح فرمت الصحيفة فنزلوا فلم يجدوها، وحفظ هشيم منها تسعة أحاديث))(٣). ولهذا ضعف العلماء هشيماً في الزهري لذهاب تلك الأحاديث التي (١) المقصود بالعبادلة: عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد المقري. (٢) ((المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين)) لابن حبان ٢/ ١١. (٣) ((ميزان الاعتدال)) للذهبي ٤ / ٣٠٨ و(تهذيب التهذيب)) لابن حجر ١١/ ٦٠. ٣٩٤ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف سمعها منه قبل أن يحفظها. فاختل ضبط هشيم في الزهري، وهذا يُجَوِّزُ علیه التصحيف في أحاديث الزهري وحدها. ومنهم من اختل ضبط كتابه لغرق أصوله، فطعن المحدثون النقاد في ضبطه . قال الذهبي: ((أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن دُوسَت العلاف الحافظ العلامة ... قال الأزهري: «ابن دوست ضعيف: رأیت کتبه كلها طرية، وکان یذکر أن أصوله غرقت فاستدرك نسخها))))(١). ومن الرواة من طعن في ضبط كتابه بسبب وراق سوء أدخل عليه في أصوله ما ليس من حديثه، من هؤلاء: • سفيان بن وكيع بن الجراح أبو محمد الرؤاسي. ((قال ابن أبي حاتم: أشار أبي عليه أن يغير وراقه، فإنه أفسد حديثه، وقال له: لا تحدث إلا من أصولك. فقال: سأفعل. ثم تمادى وحدث بأحاديث أدخلت عليه. وقال ابن حبان: وكان شيخاً فاضلاً صدوقاً إلا أنه ابتلي بوراق سوء كان يدخل عليه، فكلم في ذلك، فلم يرجع)) (٢). · وعبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني المصري أبو صالح کاتب الليث بن سعد على أمواله. قال ابن حبان: ((كان في نفسه صدوقاً، إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له، فسمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار كان بينه وبينه عداوة، (١) ((ميزان الاعتدال)) ١/ ١٥٣. (٢) ((ميزان الاعتدال)) ٢/ ١٧٣ . ٣٩٥ التحمل والأداء كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله، ويرميه في داره بين كتبه، فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدث به))(١) . · وعلي بن أحمد بن محمد بن داود الرزاز - صدوق. ((قال الخطيب: مكثر، إلى الصدق ما هو، وكف بصره. شاهدت جزءاً من أصوله في بعضها سماعه بالخط العتيق، ثم رأيته وقد غير بعد، وفيه الإلحاق بخط جديد، فيقال: ذلك من فعل ولد له.)) (٢) . ومن الرواة من كان يغير في أصله بيده، فتكلم النقاد في ضبطه، فمن هؤلاء : ● «الحسن بن رشيق العسكري. لينه الحافظ عبد الغني بن سعيد قليلاً. ووثقه جماعة، وأنكر عليه الدار قطني أنه كان يصلح في أصله ويغير))(٣). وهكذا نرى أن أي خلل في ((الكتاب)) أو فساد أو ضياع من شأنه أن يؤثر على ضبط الراوي عموماً كما من شأنه أن يؤثر على قبول روايته. ٢ - تعاهد الراوي لمحفوظاته: سبق أن أشرنا أن المحدثين اشترطوا في الراوي - كي يسلم من التصحيف - أن يكون حافظاً متقناً متيقظاً ضابطاً. ومهما كانت ملكة الراوي وقوة حفظه وسيلان ذهنه، فلابد له من تعاهد محفوظاته، ومراجعة مروياته للتأكد من استمرار ضبطه: فالنسيان والخطأ من آفات العلم، ومرور الزمان مدعاة للنسيان. قال الخطيب البغدادي: ((ويجب أن ينظر من كتبه فيما علق (١) ((ميزان الاعتدال)) ٢ / ٤٤١. (٢) ((ميزان الاعتدال)) ٣/ ١١٣. (٣) ((ميزان الاعتدال)) ١/ ٤٩٠. ٣٩٦ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف بحفظه فإن تعاهد المحفوظ أولى، والمراعاة له أعم نفعاً)) (١). وحتى تتحقق الفائدة من مراجعة الكتب ينبغي أن يكون تعاهد الراوي لمحفوظاته قبيل الخروج وتصدر مجلس الرواية، فإن ذلك أدعى للتذكر وضبط ألفاظ المتون وأسماء الرواة. ((عن إبراهيم الصايغ أنا نافع أن ابن عمر كان إذا خرج إلى السوق نظر في كتبه. قال عمار: قلت لعلي: في الحديث قال: نعم)) (٢). ومن المحدثين من كان يرفض التحديث - خشية الخطأ - لبعد عهده بکتبه ولعدم مراجعته لأصوله. قال عبد الرحمن بن مهدي: كنت أسأل سفيان فيقول: «أخِر هذا، أخِّر هذا. لم أطالع كتبي منذ أربع سنين))))(٣). ٣- اعتماد الأصل عند الأداء : رغم اهتمام المحدثين وعنايتهم بالحفظ والضبط فإنهم لم يكونوا يثقون أو یکتفون بما وعته قلوبھم، وحفظتہ ذا کر تھم ۔ حال أدائهم للحدیث- بل كانوا يرون أن الحفظ خوان، وأن الخطأ قد يعرض للمحدث مهما بلغ من درجات الحفظ والإتقان. لذلك ينبغي له أن يستعين بكتابه، فیحدث منه حتى يأمن الوقوع في الخطأ والوهم والتصحيف. فالكتاب هو المرجع عند المحدثين عندما يحصل الخلاف أو النكران . وهذا الذي اعتمده المحدثون - يعني الرواية من الأصل - يدخل في إطار منهجية التوثيق العلمي، وهو مبدأ تعليمي فريد: أن يعتمد الطالب في ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ٧٢ . (١) (٢) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢ / ٧٢ . (٣) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢/ ٧٢. ٣٩٧ التحمل والأداء استحضار المادة المعرفية على حاستين: حاسة العقل (الذاكرة) وحاسة البصر (الكتاب). وكل هذا يبين لنا العناية التامة التي أولاها المحدثون للسنة النبوية محافظة عليها أن يدخلها الخطأ، أو يقع فيها التصحيف والتحريف. قال أبو زرعة: «سمعت أبا نعيم وذكر عنده حماد بن زيد وابن علية، وأن حماداً حفظ عن أيوب، وابن علية كتب فقال: ((ضمنت لك أن كل من لا يرجع إلى كتاب لا يؤمن عليه الزلل» (١) . وقال أحمد بن حنبل: ((ما كان أحد أقل سقطاً من ابن المبارك، كان رجلاً یحدث من كتاب، ومن حدث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء. وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب فكان يكون له سقط. كم يكون حفظ الرجل!))(٢). ولهذا كان كبار النقاد والحفاظ من أهل الحديث لا يحدثون إلا من کتبهم . قال علي بن المديني: ((عهدي بأصحابنا وأحفظهم أحمد بن حنبل فلما احتاج أن يحدث لا يكاد يحدث إلا من كتاب))(٣). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ((ما رأيت أبي في حفظه حدث من غير كتاب إلا بأقل من مائة حديث)) (٤) . (١) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢ / ٦٩. (٢) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢/ ٦٩ . (٣) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢/ ٧٠. (٤) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢/ ٧١. ٣٩٨ جهود المحدثين في مكافحة التصحيف وقال محمد بن إبراهيم مُرَبَّع(١) الحافظ: ((قدم علينا أبو بكر بن أبي شيبة فانقلبت به بغداد، ونصب له المنبر في مسجد الرصافة، فجلس عليه فقال من حفظه: ((نا شريك ثم قال: هي بغداد(٢) وأخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها، يا أبا شيبة هات الكتاب))))(٣). وقد كان بعض المحدثين يمتنعون من السماع ممن ليس له أصل أو لم يحضر أصله. قال ابن معين: ((قال لي عبد الرزاق: ((أُكْتُبْ عني ولو حديثاً واحداً من غير كتاب فقلت: لا ولا حرف)» (٤))). ويدخل هذا الشرط - التحديث من أصل - ضمن العناية والحيطة اللتين كان عليهما المحدثون من أجل المحافظة على السنة، أن يدخلها الخطأ، أو التصحيف . قال الخطيب البغدادي: ((الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه ليسلم من الوهم والغلط، ويكون جديراً بالبعد من الزلل)» (٥) . (١) وقع في النسخة التي حققها محمد رأفت سعيد من ((الجامع)) للخطيب - الذي أورد هذا الأثر ((متربع)) بميم ثم تاء مثناة ثم راء مهملة بعدها باء موحدة وآخره عين مهملة - من غير ضبط -. وفي النسخة التي حققها محمود الطحان ((مُرَتَّع)) مضبوطاً - بالحركات - بميم مضمومة، وراء مفتوحة مهملة ثم تاء مثناة مفتوحة مثقلة ثم عين. وكلاهما تصحيف. والصواب ((مُرَبَّع)) بميم مضمومة وباء موحدة مفتوحة مشددة بينهما راء مفتوحة مهملة، وآخره عين مهملة. قال الحافظ ابن حجر في تبصير المنتبه ٤/ ١٢٧٢ «وبالتثقيل بوزن محمد: الحافظ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم صاحب يحيى بن معين، لقبه مُرَبَّع)). (٢) يعني دار الاختبار وقلب الأخبار وتمحيص الرواة كما فعل فيها بالبخاري وغيره. (٣) رواه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢/ ٧١. (٤) راجع في ذلك كتاب ((الجامع)) ٢/ ٧٠ . (٥) الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢ / ٦٨. ٣٩٩ التحمل والأداء وقد جاز الخطأ والتصحيف على كبار المحدثين لاعتمادهم عند الأداء على الحفظ دون الرجوع إلى الأصل، فمن ذلك ما رواه محمد بن أبي حاتم وراق البخاري أنه سمع البخاري يقول: ((خرجت من الكُتَّاب ولي عشر سنين، فجعلت أختلف إلى الداخلي يعني فقال يوماً وهو يقرأ للناس : سفيان عن أبي الزبير (عن إبراهيم) فقلت له: يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يروه عن إبراهيم فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك. فدخل ونظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف قلت يا غلام؟ فقلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم. فقال: صدقت، وأخذ القلم مني، فأحكم كتابه)) . قال وكان للبخاري يومئذ إحدى عشرة سنة)) (١) . وقال يحيى بن معين: ((حضرت نعيم بن حماد بمصر فجعل يقرأ كتاباً من تصنيفه. قال: فقرأ منه ساعة ثم قال: ثنا ابن المبارك عن ابن عون (فحدث عن ابن المبارك عن ابن عون) أحاديث. قال يحيى: فقلت له: ليس هذا عن ابن المبارك فغضب وقال: ترد عليّ؟. قال: قلت: أي والله أريد زينتك. فأبى أن يرجع. قال: فلما رأيته هكذا لا يرجع قلت: لا والله ما سمعت أنت هذا عن ابن المبارك ولا سمعها ابن المبارك من ابن عون قط فغضب وغضب كل من كان عنده من أصحاب الحديث، وقام نعيم فدخل البيت فأخرج صحائف فجعل يقول وهي بيده: أين الذين يزعمون أن يحيى ابن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث؟ نعم يا أبا زكريا غلطت، وكانت صحائف فغلطت فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون وإنما روى هذه الأحاديث عن ابن عون غير ابن المبارك. فرجع عنها)»(٢) . (١) أخرج القصة الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٢/ ٦ -٧. (٢) أخرج القصة الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٤٦ - ١٤٧.