Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
التحمل والأداء
المطلب الأول
طرق الأداء
سبق أن ذكرنا من طرق التحمل ((السماع من لفظ الشيخ)) و((القراءة على
الشيخ أو العرض)). وقصرنا حديثنا على هذين الطريقين لأهميتهما في حفظ
السنة من التحريف والتصحيف .
ولذا سنقصر كلامنا هنا على الصيغ التي يؤدي بها من تحمل عن طريق
((السماع من لفظ الشيخ)) أو عن طريق ((القراءة على الشيخ أو العرض)). فإذا
سمع الراوي من لفظ الشيخ فله أن يؤدي بإحدى الصيغ حسب الترتيب
الآتي :
• الأولى: أن يقول: ((سمعت)). وهذه الصيغة هي أرقى الألفاظ الدالة على
السماع لكونها صريحة فيه .
• الثانية: أن يقول: ((حدثني))، أو يقول: ((حدثنا)). وهاتان أدنى رتبة من
((سمعت) .
• الثالثة: أن يقول: ((أخبرني))، أو يقول: ((أخبرنا)). وهاتان أدنى رتبة من
«حدثني)) وما معها .
• الرابعة: أن يقول: ((أنبأنا))، أو ((نبأنا))، أو ((أنبأني))، أو ((نبأني)). وهذه
الصيغ تأتي بعد ((أخبرني)) وما معها .
• الخامسة: أن يقول: ((قال لنا))، أو ((ذكر لنا))، أو ((قال لي))، أو ((ذكر لي)).

٣٤٢
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
هذا رأي الجمهور في هذا الترتيب، وخالف ابن الصلاح في المرتبة
الأولى فجعلها ((حدثنا)) أو ((أخبرنا)).
وأما إذا كان طريق تحمل الراوي هو ((القراءة على الشيخ أو العرض))
فالأحوط أن يقول: ((قرأت على فلان))، أو يقول: ((قرئ على فلان وأنا
أسمع))، أو يذكر لفظاً من الألفاظ التي سبق تعدادها في الطريق الأول، لكن
بشرط أن يقيد ما يذكره منها بالقراءة، كأن يقول: ((حدثنا قراءة عليه))، أو
((حدثنا بقراءتي))، أو ((أخبرنا قراءة عليه)).

٣٤٣
التحمل والأداء
المطلب الثاني
وسائل الأداء
١ - تجويد الحديث :
يعتبر الرسول ◌َّ أفصح العرب لساناً، وأبلغهم بياناً، وأعرفهم بمواقع
الخطاب، وهو الذي أوتي جوامع الكلم، وكان إذا خاطب أصحابه،
خاطبهم بما یفهمون، وإذا حدثهم تمهل وفصل كلامه حتى يحفظه ويعيه عنه
من سمعه. وقد استقام على طريقته في الخطاب كثير من صحابته حتى كانوا
ينكرون على من يسرد الحديث سرداً يمنع فهمه ويفوت ألفاظه.
عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي عَّه كان يحدث حديثاً لو عَدّهُ العاد
لأحصاه))(١) .
وعن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: ((ألا يعجبك أبو فلان(٢) جاء
فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله عزّه يسمعني ذلك، وكنت
أُسَبّحُ، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت علیه، إن رسول الله
ـّ لم يكن يسرد الحديث كسردكم)) (٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٥٦٧ ح ٣٥٦٧ كتاب المناقب: باب صفة النبي عَّ.
(٢) المقصود من قول عائشة: (أبو فلان) أبو هريرة كما بينت ذلك رواية مسلم وأبي داود
والخطيب البغدادي.
(٣) قال ابن حجر في شرح قول عائشة: (ولو أدركته لرددت عليه): أي لأنكرت عليه وبينت
له أن الترتيل في التحديث أولى من السرد.
وقال في تفسير قولها: (لم يكن يسرد الحديث كسردكم): أي يتابع الحديث استعجالاً
بعضه إثر بعض، لئلا يلتبس على المستمع. ثم قال ابن حجر: ((واعتذر عن أبي هريرة
بأنه واسع الرواية كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث كما قال
بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي على فيّ)) فتح الباري ٦/ ٥٧٨ -٥٧٩ .

٣٤٤
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
ومن هذا الحديث أخذ المحدثون والمنظرون في علم المصطلح استحباب
تمهل الراوي عند أدائه للحديث، وكرهوا سرد الحديث لما فيه من تضييع
ألفاظه وحروفه على المتحمِّل، لأنه قد ينتج عنه التصحيف والتحريف.
وقد نص الخطيب البغدادي على كراهة سرد الحديث واستحباب
التمهل، ثم ساق حديثي عائشة المتقدمين(١).
٢ - رفع الصوت :
يعتبر صوت المعلم في المجال التعليمي من أهم الوسائل التعليمية في
تمرير المعارف، بل هو وسيلة التواصل بين العالم والمتعلم. وتقل مردودية
الصوت كلما ازداد عدد المتعلمين، واتسع مجلس التحديث.
وكل ضعف في صوت الشيخ من شأنه أن ينشأ عنه خطأ، أو تصحيف
في سماع الطالب.
وقد تكلم المحدثون عن نوع خاص من أنواع التصحيف ينشأ عن سوء
سماع الراوي وسموه ((تصحيف السمع)).
وتفادياً للوقوع في هذا النوع من التصحيف نص المحدثون على أنه
ينبغي للمحدث أن يرفع صوته بالقدر الذي يسمع فيه من حضر المجلس،
كما ينبغي له أن يراعي ضعف سماع طلاب المجلس، فيبلغهم صوته .
قال الخطيب البغدادي: ((فإن حضر المجلس سيء السمع وجب على
المحدث أن يرفع صوته حتى يسمعه))(٢) .
وقد وقفت على تجربة لأحد المشتغلين بالتحقيق في عصرنا الحاضر، ذكر
(١) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ٦٠ .
(٢) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ٥٨ .

٣٤٥
التحمل والأداء
فيها نماذج من التصحيف السمعي وهاك نصها :
قال الدكتور رمضان عبد التواب: ((فقد قمت بإجراء تجربة يسيرة، تبين
لي منها كيف يتسبب الخطأ السمعي في تصحيف الكلام وتحريفه؛ إذ
جمعت بعض الكراسات من أيدي الطلبة بعد انتهائي من إحدى
المحاضرات، فوجدت في واحد منها ((أكل الهريسة يشق الظهر)) بدل (يشد)).
وفي أخرى ((كما تفر من الحسد)) بدلاً من ((الأسد)). وفي ثالثة ((شقيقة نوح))
بدلاً من ((سفينة نوح)). وفي رابعة ((دعاء القنوط)) بدل ((دعاء القنوت))))(١).
٣ - صعود المنبر :
اهتم الإسلام كثيراً بمهمة التبليغ وحث عليها، واعتبر حسن البيان من
السحر الحلال حتى قال فيه الرسول عَّه: ((إن من البيان لسحراً)(٢) والإعلام
كما هو معلوم، يعتمد الوسائل الفنية والتقنية أكثر من اعتماده على أي شيء
آخر.
وقد أحدث الناس اليوم في المدارس والجامعات والمؤتمرات واللقاءات
مواقع يتبوؤها المدرس أو الخطيب أو الرئيس ... إلخ تعمل على توزيع،
وتبليغ الصوت بتوازن إلى جميع الحضور.
وبروز المحدث على المنبر أو فوق السطح، من الوسائل التي اعتمدها
السلف من أهل الحديث قصد إحداث التوازن الذي يوزع الصوت، ويبلغه
إلى جنبات المجلس الكبير، فيؤمن معه التصحيف الذي يترتب على سوء
السمع .
وجلوس المحدث على المنبر يساعد الطالب على تتبع حركات شفتي
(١) ((مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين)) للدكتور رمضان عبد التواب ص ١٢٩.
(٢) رواه البخاري ٩/ ٢٠١ ح ٥١٤٦ كتاب النكاح باب الخطبة .

٣٤٦
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
الشيخ ليوازن بينها وبين ما يبلغ مسامعه .
كما أن رؤية الشيخ تربط فكر الطالب وتشد ذهنه إلى ما يلقيه الشيخ،
وتبعد الكسل والسهو والغفلة عن الطالب. عن أبي السليل العبسي قال :
((قدم علينا رجل من أصحاب النبي ◌َّه وكانوا يجتمعون عليه، فإذا كثروا
صعد على ظهر بيت فحدثهم منه))(١) .
وقال أيوب: ((قدم علينا عكرمة، فاجتمع الناس عليه حتى أصعد فوق
ظهر بيت))(٢). وقال الخطيب البغدادي: ((إذا كثر عدد من يحضر للسماع،
وكانوا بحيث لا يبلغهم صوت الراوي، ولا يرونه، استحب له أن يجلس
على منبر أو غيره، حتى يبدو للجماعة وجهه، ويبلغهم صوته))(٣).
٤ - تكرار الحديث ثلاثاً :
من المبادئ التعليمية التي كان يتبعها الرسول عَّه في تعليم الصحابة
((مبدأ التكرار)) وهو وسيلة تساعد المتيقظ على الضبط والاستيعاب، وتمكن
سيء الحفظ من الحفظ والإتقان؛ وذلك لأن ما تكرر تقرر.
ومبدأ التكرار في المجال التعليمي يدخل في إطار مراعاة الفروق الفردية
بين المتعلمين .
وقد كان الرسول عَّ إذا حدث بحديث أعاده ثلاثاً حتى يفهم عنه
ويحفظ ويضبط .
عن أنس عن النبي ◌َّ ((أنه كان إذا سَلم سلم ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة
(١) رواه الخطيب في ((الجامع)) ٢ / ٥٩.
(٢) رواه الخطيب في ((الجامع)) ٢ / ٥٩ - ٦٠.
(٣) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ٥٩ .

٣٤٧
التحمل والأداء
أعادها ثلاثاً)) (١).
وعنه أيضاً عن النبي ◌َّه أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم
عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم، سلم عليهم ثلاثاً (٢).
وهكذا نري أن الإعادة والتكرار أثناء التحديث وفي مجالس العلم،
وسيلة أخرى اعتمدها المحدثون في التبليغ والأداء، قصد تجويد متون
الأحاديث وأسماء الرواة، وعدولاً بها عن الوقوع في التصحيف
والتحريف .
٥ - اتخاذ المستملي :
ازدهرت الحركة العلمية لدى المحدثين فيما بين القرن الثالث والخامس،
وكثر طلاب العلم، وتجمهر الرواة حول المشايخ، وكثرت حلقات العلم،
وضاقت المساجد والمدارس، واستعاض عنها المحدثون بالجلوس في
الصحاري والميادين الرحبة، وأصبح الشيخ عاجزاً عن تبليغ جميع الطلبة
الحاضرين. لذا لجأ المحدثون إلى اتخاذ المستملي لتبليغ الإملاء إلى من بَعُدَ
في الحلقة. قال الخطيب البغدادي: ((ينبغي للمحدث أن يتخذ من يبلغ عنه
الإملاء إلى من بعد في الحلقة))(٣).
ثم روى عن رافع بن عمرو المزني قال: ((رأيت الرسول عَّه يوم النحر
(١) رواه البخاري ١ / ١٨٨ ح ٩٤ كتاب العلم: باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه .
(٢) رواه البخاري ١ / ١٨٨ ح ٩٥ كتاب العلم: باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه .
قال ابن المنير: ((نبه البخاري بهذه الترجمة على الرد على من كره إعادة الحديث، وأنكر
على الطالب الاستعادة، وعده من البلادة. قال: والحق أن هذا يختلف باختلاف القرائح،
فلا عيب على المستفيد الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد، ولا عذر للمفيد إذا لم يعد، بل
الإعادة عليه آكد من الابتداء، لأن الشروع ملزم. )) فتح الباري ١/ ١٨٩ .
(٣) ((الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ١٢٣ .

٣٤٨
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
بمنى يخطب الناس حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعليٌ يعبر عنه))(١) .
وحتى تتم الفائدة من اتخاذ المستملي، ينبغي أن يكون هذا الأخير
جهوري الصوت كي يبلغ الحاضرين .
قال الإمام عبد الكريم بن محمد السمعاني: ((وينبغي أن يكون المستملي
جهوري الصوت)»(٢). كما ينبغي للمستملي أن يتبوأ مكاناً مشرفاً، يساعده
على تبليغ صوته الحاضرين قال ابن السمعاني: ((ويستحب للمستملي أن
يقعد على موضع مرتفع مثل دكة أو كرسي، فإن لم يجد استملى قائماً لأن
المقصود من الاستملاء أن يبلغ جميع الحاضرين))(٣).
وكما اشترط المحدثون في الراوي أن يكون على دراية بالنحو واللغة
العربية، اشترطوا في المستملي أن يكون كذلك حتى لا يقع في التصحيف.
قال ابن السمعاني: ((وينبغي أن يتخير للاستملاء أفصح الحاضرين
لساناً، وأوضحهم بياناً وأحسنهم عبارة وأجودهم أداء))(٤).
روى الخطيب البغدادي أن سيبويه كان يستملي على حماد بن سلمة فقال
له حماد يوماً: ((قال رسول الله عَّه: ((ما أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه
ليس أبا الدرداء».
فقال سيبويه: ((ليس أبو الدرداء)). فقال حماد: لَحَنْتَ يا سيبويه. فقال
(١) ((الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ١٢٣ .
وأخرجه أبو داود أيضاً ٢ / ٤٨٩ ح ١٩٥٦ كتاب المناسك: باب أي وقت يخطب يوم
النحر .
(٢) ((أدب الإملاء والاستملاء)) لأبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني ص ٨٩.
(٣) ((أدب الإملاء والاستملاء)) لأبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني ص ٨٨.
(٤) ((أدب الإملاء والاستملاء)) لأبي سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني ص ٩٣.

٣٤٩
التحمل والأداء
سيبويه: لا جرم لأطلبن علماً لا تلحنني فيه، فطلب النحو ولزم الخليل))(١).
وكما اشترط المحدثون في المستملي العلم باللغة والنحو، اشترطوا فيه
أيضاً ألا يروي ما سمع من المملي بالمعنى.
قال الخطيب البغدادي: ((ويستحب له أن لا يخالف لفظ الراوي في
التبليغ عنه، بل يلزمه ذلك وخاصة إذا كان الراوي من أهل الدراية والمعرفة
بأحكام الرواية»(٢).
واشترطوا في المستملي أيضاً أن يكون متيقظاً غير مغفل حتى لا يقع منه
التصحيف. قال الخطيب البغدادي: ((ويجب أن يكون المستملي متيقظاً
محصلاً، ولا يكون بليداً، مغفلاً، كما حكي عن مستملي يزيد بن هارون
فيما أنا محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي، أنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله
العسكري، نا ابن المُغَلِّس(٣) ، نا إسحاق بن وهب قال: كنا عند يزيد بن
هارون وكان له مستمل يقال له بَرْبَخ(٤) فسأله رجل عن حديث، فقال یزید :
نا به عدّة.
قال: فصاح به المستملي: يا أبا خالد ((عدة بن مَنْ))؟
(١) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ١٢٦ .
(٢) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ١٢٥ .
(٣) وقع عند الخطيب البغدادي في ((الجامع)) بتحقيق محمد رأفت سعيد (ابن المفلس) وهو
تصحيف والصواب أنه بالغين كما في تصحيفات المحدثين عند العسكري ١/ ١/ ٣٧ .
وكذا ضبطه الطحان في النسخة التي حققها من ((الجامع)).
(٤) وقع عند الخطيب في ((الجامع)) بتحقيق محمد رأفت سعيد (بريخ) بالباء الموحدة ثم راء
مهملة ثم ياء مثناة من تحت وآخره خاء معجمة. والذي وقع في تصحيفات المحدثين
للعسكري (بَرْبَخ) بالباء الموحدة ثم راء ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة وآخره خاء معجمة
من فوق. كذا ضبطه محققه الدكتور محمود ميرة. وكذا ضبطه الطحان في النسخة التي
حققها من ((الجامع)) ٢/ ٦٦-٦٧

٣٥٠
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
قال: ((عدة بن فَقَدْتُكَ))))(١) .
وقد يكثر عدد من يحضر مجلس الإملاء بحيث يعجز المستملي الواحد
- مهما كان صوته - عن تبليغ جميع من حضر، فيحتاج إلى مستمل آخر أو
أکثر ليبلغ عنه.
قال ابن السمعاني: ((وإذا كثر الزحام فينبغي أن يزاد من المستملي حتى
يبلغ بعضهم بعضاً) (٢) .
ثم روى عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن سلم قال: ((لما قدم علينا أبو
مسلم الكجي أملى الحديث في رحبة غسان وكان في مجلسه سبعة
مستملين، يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه. وكتب الناس عنه قياماً
بأيديهم المحابر، ثم مسحت الرحبة، وحسب من حضر بمحبرة، فبلغ ذلك
نيفاً وأربعين ألف محبرة سوى النظارة)) (٣).
والمقصود هنا أن اتخاذ المستملي عند ما يكثر من يحضر مجلس الإملاء
بالشروط السابقة، وسيلة من وسائل الأداء والمحافظة على لفظ الحديث
النبوي، وأسماء الرواة، وذلك لأن ضعف الصوت ينشأ عنه في كثير من
الأحيان التصحيف والتحريف في المتون وفي أسماء الرجال.
(١) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ١٢٥ .
(٢) ((أدب الإملاء والاستملاء)) لابن السمعاني ص ٩٦.
(٣) ((أدب الإملاء والاستملاء)) لابن السمعاني ص ٩٦.

٣٥١
التحمل والأداء
المطلب الثالث
حالات الإمساك عن الأداء
١ - المشي والقيام :
من أهم الوسائل التي تساعد الطالب على تحصيل العلم، وضبط
المعارف، توفير الوسط، وتهيء المناخ العلمي المناسب وإبعاد العناصر
المشوشة على ذهنية المتعلم. وانطلاقاً من هذا المبدأ، وحرصاً على مزيد من
التمكن في الضبط والإتقان، نرى المحدثين كرهوا التحديث في حالات
معينة كالقيام والمشي وغير ذلك ... وهي حالات يغلب أن يكون الراوي
فيها موزع الإرادة، مشغول البال تتنازعه أغراضه الشخصية. والرغبة
والقصد والتهيؤ للعلم من أكبر الحوافز التي تساعد الطالب على الاستيعاب
والتمكن من حفظ ألفاظ الحديث وضبط أسماء الرواة .
قال قتادة سألت أبا الطفيل عن حديث فقال: ((لكل مقام مقال))(١).
قال الخطيب البغدادي: ((يكره التحديث في حالتي المشي والقيام حتى
يجلس الراوي والسامع معاً ويستوطنا، فيكون ذلك أحضر للقلب وأجمع
للفهم))(٢) .
فإذا تحمل الراوي في حالة المشي أو القيام، وهي حالات لا تتجمع فيها
(١) رواه الرامهر مزي في ((المحدث الفاصل)) ص ٥٧٢ - ٥٧٣ وفي إسناده جعفر بن محمد بن
الليث الزيادي: ضعفه الدارقطني وقال: كان يتهم في سماعه. ميزان الاعتدال ١/
٤١٥. لكن تابعه حنبل بن إسحاق عند الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ٢/ ٥٢ .٥٣.
واللفظ المذكور أعلاه لفظ الخطيب .
(٢) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ٥٣ .

٣٥٢
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
ملكات الذهن ولا تتضافر فيها قواه، جاز عليه الوهم والتصحيف فيما
تحمل. وذلك لأن الحديث يحتاج إلى عناية تامة وتيقظ بالغ وضبط مستمر .
٢ - السامة :
من المبادئ التربوية التي كان رسول الله عليّه يراعيها أثناء تعليمه
الصحابة، مراعاة القدرات العقلية والمواهب الفكرية.
قال ابن مسعود: ((كان النبي ◌َّهِ يَتَخَوَّلُنا (١) بالموعظة في الأيام كراهة
السآمة علينا))(٢).
وهذا لأن العقل الذي يتلقى ويسجل تعتريه فترات يعجز فيها عن
التركيز والضبط، لذلك ينبغي إراحته قصد استرجاع قوته ونشاطه وتيقظه.
انطلاقاً من هذا المبدأ التربوي الذي أثبت صلاحيته في جميع العلوم.
واقتداء بالرسول عَّه - المعلم الأول - فإن المحدثين كرهوا إملال السامع
وإضجاره بكثرة التحديث، لما يحدثه ذلك من ضعف في الهمة ونبوة في
السمع، وتحصيل الحديث عملية تعليمية تتطلب تيقظاً تاماً ومجهوداً قوياً -
من أجل ضبط متون الأحاديث وأسماء الرواة - خشية الوقوع في الخطأ
والتصحيف .
قال الخطيب البغدادي: ((ينبغي للمحدث أن لا يطيل المجلس الذي
(١) قال الخطابي: ((الخائل بالمعجمة هو القائم المتعهد للمال، يقال خال المال يخوله تخولاً إذا
تعهده وأصلحه. والمعنى كان يراعي الأوقات في تذكيرنا، ولا يفعل ذلك كل يوم لئلا
نمل)) فتح الباري ١ / ١٦٢.
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ١٦٢ ح ٦٨ كتاب العلم: باب ما كان النبي عَّهُ يتخولهم بالموعظة
والعلم كي لا ينفروا. ومسلم ١٧ / ١٦٣ كتاب صفة القيامة والجنة والنار: باب الاقتصاد
في الموعظة (بلفظ أتم) .

٣٥٣
التحمل والأداء
يرويه، بل يجعله متوسطاً، ويقتصد فيه حذراً من سآمة السامع وملله، وأن
يؤدي ذلك إلى فتوره عن الطلب وكسله. فقد قال أبو العباس محمد بن يزيد
المبرد فيما بلغني عنه: ((من أطال الحديث وأكثر القول فقد عرض أصحابه
للملال وسوء الاستماع(١)، ولأن يدع من حديثه فضلة(٢) يعاد إليها أصلح
من أن يفضل عنه ما يلزم الطالب استماعه من غير رغبة فيه ، ولا
نشاط له))(٣).
وقال الجاحظ: ((قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ، خير من كثير وَافَقَ
من الأسماع نبوة ومن القلوب ملالة)))) (٤) .
فهذه الأقوال تجارب شخصيات متخصصة في مجالات مختلفة -
الحديث واللغة - خبرت حقل التعليم سنوات متعددة، اتفقت واستنتجت أن
حالة السآمة لا يحصل فيها تركيز، ولا تتم فيها كبير فائدة.
٣ - الاختلاط :
الاختلاط هو تغير في الحفظ، واختلال في الضبط يصيب الراوي بسبب
كبر السن أو ذهاب البصر أو احتراق الكتب أو غرقها - إذا كان يعتمدها في
القراءة - أو موت بعض الأهل أو سرقة البيت أو ذهاب العقل ...
وقد تنبه السلف من المحدثين إلى ما يمكن أن يرافق الكبر من تغير في
الحفظ، واختلال في الضبط، فامتنع كثير منهم عن التحديث احتياطاً
(١) في ((الجامع)) للخطيب: ((وسوء الاستمتاع)) وهو تصحيف مطبعي لما علم من رداءة طبعة
كتاب ((الجامع)). وقد صححنا ذلك من ((أدب الإملاء والاستملاء)) لابن السمعاني
ص٦٦ .
(٢) في ((الجامع)): ((فضله)) وهو تصحيف، صوابه: (فضلة) بهاء التأنيث آخره.
(٣) ((الجامع)) للخطيب ٢/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٤) رواه الخطيب في ((الجامع)) ٢ / ١٨٨ .

٣٥٤
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
لحديث رسول الله عَليه. ومن حالات الاختلاط أيضاً العمى الذي يعجز فيه
المحدث عن صيانة وحفظ كتابه؛ فيلجأ إلى الإمساك عن التحديث خشية
التصحيف .
روى الخطيب البغدادي عن ابن وهب قال: ((كان عبيد الله بن عمر قد
عمي وقطع الحديث))(١) .
وقد نص المحدثون على أن الراوي إذا اختلط وجب في حقه أن يمتنع عن
التحديث. وأنه ينبغي له حال صحته أن يعهد لأهله أن يمنعوه من التحديث
إذا ظهرت عليه بوادر الاختلاط .
قال الذهبي: ((وليمتنع مع الهرم، وتغير الذهن، وليعهد إلى أهله
وإخوانه حال صحته: أنكم متى رأيتموني تغيرت، فامنعوني من
الرواية ... )) (٢) .
وإذا لم ينته الراوي عن التحديث بعد اختلاطه، فإنه قد يحجب من
طرف أهله مخافة على حديث رسول الله عَّ أن يغير.
ذكر الذهبي في ترجمة ((إبراهيم بن العباس السامري)) قول محمد بن
سعد: ((إبراهيم بن العباس اختلط آخر عمره فحجبه أهله حتى مات))(٣).
كما حجب عن التحديث بسبب الاختلاط جرير بن عبد الحميد الضبي -
(١) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ٣٦٥.
(٢) ((الموقظة)) للحافظ الذهبي ص ٦٦ .
(٣) ((ميزان الاعتدال)) للذهبي ١/ ٣٩. قال ابن حجر: (بكسر الميم والتخفيف: إبراهيم بن
أبي العباس السَّامريّ ... ) وكأن أصله كان سامرياً أو جاورهم [وقيل نسب إلى
السَّمريَّة: محلة ببغداد] ... تبصير المنتبه ٢/ ٧١٢.

٣٥٥
التحمل والأداء
حجبه أولاده -(١) وجرير بن حازم(٢).
ولقد حذر النقاد من أهل الحديث المشتغلون بالجرح والتعديل من الرواة
الذين اختلطوا ولم ينتهوا عن التحديث.
قال إبراهيم الحربي: أخبرني صديق لي قال: لما قدم حجاج الأعور آخر
قدمة إلى بغداد خلط، فرأيت يحيى بن معين عنده فرآه خلط فقال لابنه: لا
تدخل عليه أحداً .
قال: فلما كان بالعشي دخل الناس فأعطوه كتاب شعبة. فقال : حدثنا
شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عيسى بن مريم، عن خيثمة. فقال يحيى
لابنه: ((قد قلت لك!))(٣).
وقد تنبه المنظرون الأوائل في علم مصطلح الحديث إلى ما يمكن أن
يترتب على الاختلاط من تغيير أو تصحيف؛ فعقدوا أبواباً خاصة بالاختلاط
وحذروا منه، وحدد بعضهم السن الذي يمكن أن يمتنع فيه الراوي عن
التحديث خشية التخليط في الحديث .
قال الرامهر مزي: ((فإذا تناهى العمر بالمحدث فأعجبُ إليّ أن يمسك في
الثمانين فإنه حد الهرم (٤). والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن أولى بأبناء
الثمانين. فإن كان عقله ثابتاً ورأيه مجتمعاً يعرف حديثه ويقوم به،
(١) ((ميزان الاعتدال)) ١ / ٣٩٤.
(٢) ((ميزان الاعتدال)) ١ / ٣٩٢.
(٣) ((التنكيل)) للشيخ عبد الرحمن المعلمي ١/ ٢٢٦ والقصة أوردها الذهبي في ((الميزان)) ١/
٤٦٤ باختصار .
(٤) في ((الجامع)) للخطيب البغدادي (فإنهما) وهو تصحيف مطبعي.

٣٥٦
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
وتَحَرّى(١) أن يحدث احتساباً رجوت له خيراً ... ))(٢) .
وقال الخطيب: ((إذا بلغ الراوي حد الهرم، والحالة التي في مثلها
يحدث الخرف، فيستحق له ترك الحديث والاشتغال بالقراءة والتسبيح.
وهكذا إذا عمي بصره وخشي أن يدخل في حديثه ما ليس منه، حال القراءة
عليه، فالأولى أن يقطع الرواية ويشتغل بما ذكرناه من التسبيح والقراءة))(٣).
والاختلاط قد يؤدي في بعض الأحيان إلى التصحيف في الإسناد أو
المتن ولهذا وغيره حذر منه المحدثون .
((روى ابن منده من طريق ابن لهيعة (٤) ، عن يونس بن يزيد، عن أبي
إسحاق عن محمد بن طلحة، عن أبيه، عن معاوية بن جهم الأسلمي، عن
جهم أنه قال: جئت رسول الله عَّه فقلت: إني أردت الجهاد ... الحديث.
قال ابن حجر: ((وهو غلط صحف ابن لهيعة اسمه ونسبته، وإنما هو
((جاهمة السلمي)) كما تقدم على الصواب))(٥) .
وصحف ابن لهيعة أيضاً اسم زيد بن زمعة الأسدي فقال: ((زيد بن ربيعة
الأسدي)). قال الطبراني: ((لا يعرف له في بني أسد بن عبد العزى أحد اسمه
(١) في ((الجامع)) للخطيب البغدادي (ويجري) بالياء المثناة من تحت والجيم المعجمة ولا معنى
له ويبدو أنه تصحيف مطبعي .
(٢) ((المحدث الفاصل)) للرامهر مزي ص ٣٥٤. ورواه عن الرامهر مزي الخطيب في ((الجامع))
٢/ ٣٦٦.
(٣) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢/ ٣٦٥.
(٤) عبد الله بن لَهيعَة بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري
القاضي، صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من
غيرهما. تقريب التهذيب ١/ ٤٤٤ .
(٥) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) لابن حجر ١/ ٢٧٠.

٣٥٧
التحمل والأداء
ربيعة، وإنما هو زمعة، والد أم المؤمنين سودة))(١).
صَلى الله
ومن تصحیفاته في المتون أنه صحف حديث زيد بن ثابت أن النبي
احتجر في المسجد.
أي اتخذ حجرة من حصير أونحوه يصلي فيها - وقد تقدم ذلك -.
فصحف ابن لهيعة هذا اللفظ فقال: ((احتجم في المسجد)).
وهذه التصحيفات التي صدرت من ابن لهيعة مردها إلى اختلاطه،
واختلال ضبطه ولهذا فإن المحدثين لما ردوا رواية المختلط، أو لما منعوا
المختلط من الرواية، فقد احتاطوا للسنة أن يقع فيها التصحيف.
(١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) لابن حجر ١/ ٥٨٨.

٣٥٨
جهود المحدثين في مكافحة التصحيف
المطلب الرابع
الصفات الممنوعة عند الأداء
في هذا المطلب نتحدث عن بعض حالات تقع للراوي عند الأداء تتسبب
في بعض الأحيان في التصحيف، سواء منه اللفظي أو المعنوي، تحدث
المحدثون عن تلك الحالات في كتب المصطلح، وحذروا منها .
وأضيف هنا أن تلك الحالات - بالإضافة إلى ما قاله المحدثون عنها -
تسببت في بعض الأحيان في التغيير والتصحيف وإحالة المعاني. ونرى أن
في إيرادها هنا حماية للحديث سنداً ومتناً من التصحيف، وإيرادنا لتلك
الحالات الممنوعة عند الأداء ضرورة اقتضاها منا البحث العلمي والاستقراء -
النسبي - لكتب المصطلح والتخريج. فمنها:
أ _ الرواية بالمعنى :
قبل أن نذكر أقوال العلماء في مسألة الرواية بالمعنى، نشير إلى أن قَصْدَنا
هنا أن نبين أن منع الرواية بالمعنى في الحديث النبوي يحفظ السنة ويبعدها
عن تصحيف معانيها وتغيير أحكامها، وقد أدى التساهل في الرواية بالمعنى
إلى نشوء وتوسيع دائرة الخلاف الفقهي بين العلماء. وسنذكر أمثلة على ذلك
بعد أن نحكي أقوال العلماء بخصوص مسألة الرواية بالمعنى.
قال الخطيب البغدادي: ((قال كثير من السلف وأهل التحري في
الحديث: لا تجوز الرواية على المعنى بل يجب مثل تأدية اللفظ بعينه من غير
تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا حذف. وقد ذكرنا بعض الروايات عمن ذهب
إلى ذلك، ولم يفصلوا بين العالم بمعنى الكلام وموضوعه وما ينوب منه

٣٥٩
التحمل والأداء
مناب بعض، وما لا ينوب منابه، وبين غير العالم بذلك، وقد ذكر عن
بعض السلف أنه كان يروي الحديث على المعنى إذا علم المعنى وتحققه وعرف
القائم من اللفظ مقام غيره .
وقال جمهور الفقهاء: يجوز للعالم بمواقع الخطاب ومعاني الألفاظ
رواية الحديث على المعنى، وليس بين أهل العلم خلاف في أن ذلك لا يجوز
للجاهل بمعنى الكلام وموقع الخطاب والمحتمل منه وغير المحتمل .
وقال قوم من أهل العلم: الواجب على المحدث أن يروي على اللفظ إذا
كان لفظ ينوب مناب معناه غامضاً محتملاً، فأما إذا لم يكن كذلك بل كان
معناه ظاهراً معلوماً وللراوي لفظ ينوب مناب لفظ الرسول عنّ غير زائد
عليه ولا ناقص منه ولا محتمل لأكثر من معنى لفظه عَّه جاز للراوي روايته
على المعنى، وذلك يجوز نحو أن يبدل قوله: قام بنهض، وقال بتكلم،
وجلس بقعد، وعرف بعلم، واستطاع بقَدَر، وأوجب بفرض، وحظر
بحرم، ومثل هذا مما يطول تتبعه .
وهذا القول هو الذي نختاره مع شرط آخر، وهو أن يكون سامع لفظ
النبي عَّهِ عالماً بموضوع ذلك اللفظ في اللسان، وبأن الرسول علَّه يريد(١) به
ما هو موضوع له، فإن علم تجوزه به واستعارته له لم يسغ له أن يروي اللفظ
مجرداً دون ذكره ما عرفه من قصده علّ ضرورة غير مستدل عليه. فإنه إن
استدل به على أنه قصد به معنى من المعاني جاز عليه الغلط والتقصير في
الاستدلال، ووجب نقله له بلفظ الرسول عَّه لينظر هو وغيره من العلماء
فیه))(٢) .
(١) وقع في النسخة الهندية من كتاب الكفاية ((لم يريد)) وهو خطأ. والصواب حذف كلمة
((لم)) كما جاء في النسخة التي حققها الدكتور أحمد عمر هاشم.
(٢) ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي ص ١٩٨ -١٩٩.