Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤٢ التصحيف وأثره في الفقه قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: ((لقد تصحف هذا الحديث على الحافظ عبد الحق الإشبيلي، فإنه أورده في ((باب التيمم)) من كتابه ((الأحكام)) (رقم ٥٣٨ - منسوختي) من طريق العقيلي بلفظ ((يمسح المتيمم هكذا ... )). وهذا من أغرب تصحيف وقفت عليه، لاسيما من مثل هذا الحافظ، ولست أدري كيف خفي هذا عليه مع أن معناه أكبر منبه عليه، إذ لا قائل بالتيمم على الرأس! لاسيما وتمام الحديث يؤكد ذلك: ((ومن له أب فهكذا ... ))! فجل من لا يسهو ولا ينسى))(١) . قلت: لعل السبب الذي أجاز مثل هذا التصحيف على هذا الحافظ الكبير ما وقع في رواية العقيلي من الفصل بين جملتي الحديث، والإدراج الواقع فيه، وهاك لفظه عند العقيلي: ((قال رسول الله عَّه: ((يمسح اليتيم هكذا - ووصفه صالح من وسط رأسہ إلی جبهته۔، ومن له أب فھکذا۔ ووصف صالح من جبهته إلی وسط رأسه-)». فلعل الحافظ عبد الحق أخذته جملة ((بمسح الیتیم هكذا - ووصفه صالح من وسط رأسه إلى جبهته ـ)) ولم ينتبه إلى باقي الحديث، وفهم منها أن المسح المقصود في هذا الحدیث یکون بمسح جميع الوجه - كما هو معلوم - مع إدخال الجبهة وبعض الرأس. والله أعلم. وسيأتي لنا في الباب الأخير من هذا البحث - إن شاء الله - الكلام على اختصار الحديث وأنه قد يؤدي في بعض الأحيان إلى التصحيف في المتون. وعلى كل حال ففهم عبد الحق الإشبيلي لهذا الحديث على هذا الوجه المصحف، سواء عمل به واعتقده، أو بَوَّبَ به فقط لضرورة اقتضتها المنهجية (١) ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) ٣/ ١٨٦ ح ١٠٧٢. ٢٤٣ من كتاب الطهارة العلمية(١) ، فقوله هذا يبقى قولاً شاذاً مهجوراً، ليس له تأثير في الفقه الإسلامي، ولم نعلم أحداً تابعه عليه. ومع ذلك اقتضى الأمر التنبيه عليه حتى لا يغتر به أحد، نظراً لمنزلة الحافظ عبد الحق الإشبيلي عند المحدثين. (١) أقول هذا الكلام لأنني لم أقف على ((أحكام)) عبد الحق الإشبيلي، فقد يكون عبد الحق ضعف هذا الحديث، فيكون تبويبه له بالمعنى المصحف غير ملزم له العمل به ولا اعتقاد صحة معناه، وإن کان فهمه الحدیث - الضعيف - على التصحيف خطأ. فالمحدثون الذين ألفوا في الموضوعات رتبوا الأحاديث الموضوعة على الأبواب الفقهية، وليس معنى ذلك أنهم قائلون بتلك المعاني المستنبطة منها، وإنما فعلوا ذلك تيسيراً لتناولها والله أعلم. ٢٤٤ التصحيف وأثره في الفقه من كتاب الصلاة سنة الجمعة القبلية روى ابن ماجه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وعن أبي سفيان عن جابر قالا: جاء سليك الغطفاني ورسول الله عَلّ يخطب، فقال له النبي عَّ: ((أصليت ركعتين قبل أن تجيء؟ قال: لا. قال: ((فصل ركعتين وتجوّزْ فیھما،(١) . قال أبو شامة: ((قال بعض من صنف في عصرنا: قوله: ((قبل أن تجيء)) يدل على أن هاتين الركعتين سنة للجمعة قبلها، وليست تحية المسجد، كأنه توهم أن معنى قوله قبل أن تدخل المسجد أي أنه صلاهما في بيته ... ))(٢). وقال أبو البركات ابن تيمية: ((وقوله: ((قبل أن تجيء)) يدل على أن هاتين الركعتين سنة الجمعة. وليستا تحية المسجد))(٣). وقال حفيده أبو العباس أحمد بن تيمية: ((وهذا غلط، والحديث معروف في ((الصحيحين)) عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله عَّة يخطب، فقال: ((أصليت؟)) قال: لا. قال: ((فصل ركعتين))، وقال: ((إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما)). (١) أخرجه ابن ماجه في سننه ١/ ٣٥٣ ح ١١١٤ (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب). (٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة الشافعي ص ٩٥. (٣) منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية ٢/ ٢٢ وزاد المعاد ٢ / ٤٣٤ والتلخيص الحبير لابن حجر ٢ / ٧٤. ونيل الأوطار ٣/ ٣١٨. ٢٤٥ من كتاب الصلاة فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في الغالب غير صحیحة)) (١) . وقال الحافظ أبو الحجاج المزي: «هذا تصحيف من الرواة، إنما هو : ((أصليت قبل أن تجلس)) فغلط فيه الناسخ. وقال: كتاب ابن ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم، فإن الحفاظ تداولوهما، واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما. قال: ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف))(٢) . وقال ابن القيم: ((ويدل على صحة هذا أن الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها، وصنفوا في ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرها، لم يذكر واحد منهم هذا الحديث في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحية المسجد والإمام على المنبر، واحتجوا به على من منع من فعلها في هذه الحال، فلو كانت هي سنة الجمعة، لكان ذكرها هناك، والترجمة عليها، وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد. ويدل عليه أيضاً أن النبي ◌َّه لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخل لأجل أنها تحية المسجد، ولو كانت سنة الجمعة لأمر بها القاعدين أيضاً، ولم يخص بها الداخل وحده ... ))(٣). ثم استطرد في رد الأدلة التي استدل بها من قال بسنة الجمعة القبلية . وخلاصة ما انتهى إليه المحققون من أهل الحديث والفقه أنه ليس هناك (١) زاد المعاد لابن القيم ٢/ ٤٣٤ -٤٣٥ . (٢) زاد المعاد ٢ / ٤٣٥° والتلخيص الحبير ٢/ ٧٤ وفتح المغيث ٣/ ٧٧. (٣) زاد المعاد ٢/ ٤٣٥. ٢٤٦ التصحيف وأثره في الفقه سنة قبلية للجمعة، لا أخذاً من هذا الحديث المصحف، ولا من غيره من الأدلة الأخرى، ولذلك قال العراقي: ((ولم أر للأئمة ندب سنة قبلها))(١) . (١) ((الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة)) للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ص٣٢. ٢٤٧ من كتاب الصلاة ركعتا الخروج للسفر روى أبو بكر بن أبي شيبة(١) ، ومن طريقه الخطيب البغدادي عن عيسى ابن يونس عن الأوزاعي عن المُطعم بن المقدام قال: قال رسول الله عليه: ((ما خلف عبد على أهله أفضل من ركعتين ير كعهما عندهم حين يريد السفر)». هذا الحديث عزاه الإمام النووي في ((الأذكار)) (٢) للطبراني لكنه قال: ((المُقَطَّم بن المقدام الصحابي)) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الطاء المهملة؛ ونسبه صحابياً، وإنما هو صنعاني نسبة إلى صنعاء دمشق. وقد ترتب على هذا التصحيف الذي وقع فيه الإمام النووي اعتبار الحديث متصلاً، ثم استفاد منه مشروعية صلاة ركعتين عند الخروج للسفر قال رحمه الله: ((باب أذكاره عند إرادته الخروج من بيته)) ثم قال : ((يستحب له عند إرادته الخروج أن يصلي ركعتين لحديث المقطم بن المقدام الصحابي .. )). وقد يقول قائل: لعل التصحيف هذا وقع من بعض النساخ لا من النووي، قلت: يمنع من ذلك وروده مضبوطاً بخط الإمام النووي، وورود الترجمة له. (١) أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف ١/ ٤٢٤ ح ٤٨٧٩ (كتاب الصلوات: باب الرجل يريد السفر من كان يستحب له أن يصلي قبل خروجه). وأخرجه أيضاً الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٠٥ . (٢) الأذكار للنووي ص ١٨٥ . ٢٤٨ التصحيف وأثره في الفقه وقد نقلنا فيما سبق عن الحافظين: ابن رجب الحنبلي وابن حجر العسقلاني ما يدل على أنهما وقفا على ذلك واطلعا عليه بخط النووي نفسه(١) . وهذا حكم شرعي آخر ترتب على التصحيف الواقع في اسم هذا الراوي، حيث ظن النووي أنه صحابي فأخذ من الحديث - وهو ضعيف لا تقوم به حجة - مشروعية صلاة ركعتين لمن أراد الخروج إلى السفر. (١) راجع ذلك في ص ١٥٨ - ١٥٩ من هذه الرسالة. ٢٤٩ من كتاب الصلاة إتمام الرباعية في السفر قال الدار قطني: ((ثنا المحاملي، ثنا سعيد بن محمد بن ثواب، ثنا أبو عاصم، ثنا عمرو بن سعيد(١) عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌َّه كان يَقْصُر في السفر وَيُتَمُّ، ويفطر ويصوم)). قال: ((وهذا إسناد صحيح))(٢) . قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((وللدار قطني من طريق عطاء عن عائشة: ((كان النبي ◌َّهُ يقصر في السفر، وتُتمُّ، ويفطر، وتصوم))، صحح إسناده، ولفظ (تتم وتصوم)) بالمثناة من فوق . وقد استنكره أحمد، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم، وذكر عروة أنها تأولت كما تأول عثمان كما في الصحيح، فلو كان عندها عن النبي عَّم رواية؛ لم يقل عروة عنها أنها تأولت، قد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك))(٣). قال الشوكاني: ((اختلف أهل العلم هل القصر واجب، أم رخصة والتمام أفضل؟ فذهب إلى الأول الحنفية والهادوية، وروي عن علي وعمر، ونسبه (١) كذا في المطبوع من سنن الدار قطني ((عمرو بن سعيد)) بواو، وهو تصحيف والصواب ((عمر)) بدون واو - وهو عمر بن سعيد بن أبي حسين النوفلي المكي، راجع تهذيب التهذيب ٧/ ٤٥٣ وسيأتي على الصواب في كلام ابن تيمية . (٢) سنن الدار قطني ٢/ ١٨٩ ح ٤٤ . (٣) ((التلخيص الحبير)) لابن حجر ٢/ ٤٤ . ٢٥٠ التصحيف وأثره في الفقه النووي إلى كثير من أهل العلم. قال الخطابي في المعالم: كان مذاهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر، وهو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن . وقال حماد بن سليمان: يعيد من صلى في السفر أربعاً . وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت . و[ذهب](١) إلى الثاني الشافعي ومالك وأحمد))(٢). واستدل كل فريق على ما ذهب إليه بأدلة ليس هذا محل بسطها . وكان من جملة ما استدل به القائلون بأن القصر رخصة والتمام أفضل حديث عائشة بلفظه المصحف أن النبي ◌َّةٍ ((كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم)) . وأورد الحديث المجد ابن تيمية في ((منتقى الأخبار)) وبوب عليه ((باب اختيار القصر وجواز الإتمام))(٣). وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية: ((وما كان يجمع في السفر بين الصلاتين إلا أحياناً عند الحاجة، لم يكن جمعه كقصره، بل القصر سنة راتبة. والجمع رخصة عارضة، فمن نقل عن النبي ◌َّ أنه ربَّع في السفر الظهر أو العصر أو العشاء فهذا غلط، فإن هذا لم ینقله عنه أحد لا بإسناد صحيح، ولا بإسناد ضعيف. ولكن روى بعض الناس حديثاً عن عائشة أنها (١) هذه الزيادة مني اقتضاها طول الفصل بين العطف. (٢) نيل الأوطار ٣/ ٢٤٥ -٢٤٦. (٣) راجع نيل الأوطار ٣/ ٢٤٨. ٢٥١ من كتاب الصلاة قالت: ((كان رسول الله عَّ في السفر يقصر، وتتم، ويفطر وتصوم فسألته عن ذلك فقال: أحسنت يا عائشة)) فتوهم بعض العلماء أنه هو كان الذي يقصر في السفر ويتم، وهذا لم يروه أحد. ونفس الحديث المروي في فعلها باطل، ولم تكن عائشة، ولا أحد غيرها ممن كان مع النبي ◌َّ يصلي، إلا كصلاته، ولم يصل معه أحد أربعاً قط، لا بعرفة، ولا بمزدلفة، ولا غيرهما، لا من أهل مكة ولا من غيرهم، بل جميع المسلمین کانوا یصلون معه ركعتين، وكان يقيم بمنى أيام الموسم يصلي بالناس ركعتين، وكذلك بعده أبو بكر. ثم عمر ثم عثمان بن عفان أول خلافته، ثم صلى بعد ذلك أربعاً لأمور رآها تقتضي ذلك، فاختلف الناس عليه، فمنهم من وافقه، ومنهم من خالفه)) (١). وقال ابن تيمية أيضاً: ((والذين لم يكرهوا أن يصلي المسافر أربعاً ظنوا أن النبي ◌َّ فعل ذلك، أو فعله بعض أصحابه على عهده فأقره عليه. وظنوا أن صلاة المسافر ركعتين وأربعاً بمنزلة الصوم والفطر في رمضان، وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة بأنهم يسافرون مع النبي ◌َّه: فمنهم الصائم ومنهم المفطر. وهذا مما اتفق أهل العلم على صحته، وأما ما ذكروه من التربيع فحسبه بعض أهل العلم صحيحاً، وبذلك استدل الشافعي وبعض أصحاب أحمد. قال الشافعي لما ذكر قول النبي عَّه ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)،(٢) : فدل على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله. والصدقة رخصة، لا حتم من الله أن يقصر. ودل على أن [له أن] يقصر في السفر بلا خوف - إن شاء المسافر - أن عائشة قالت: ((كل ذلك فعل رسول الله ﴾ أتم في السفر وقصر)). (١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٢/ ٢٩٠ -٢٩١. (٢) الحديث أخرجه مسلم ٥/ ١٩٦ كتاب صلاة المسافرين وقصرها. ٢٥٢ التصحيف وأثره في الفقه قلت: وهذا الحديث رواه الدارقطني وغيره من حديث أبي عاصم: حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أن النبي ◌َّه كان يقصر في السفر وَيُتُمُّ، ويفطر ويصوم)). قال الدار قطني: ((ولهذا شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وطلحة بن عمر (١) وكلهم ضعيف. وروى حديث دلهم من حديث عبيد الله بن موسى: حدثنا دلهم بن صالح الكندي، عن عطاء عن عائشة قالت: ((كنا نصلي مع النبي ◌َّه إذا خرجنا إلى مكة أربعاً حتى نرجع)). وروى حديث المغيرة وهو أشهرها عن عطاء، عن عائشة ((أن النبي كان يَقْصُرُ في السفر ويتم))(٢) . وروى حديث طلحة بن عمر (٣)، عن عطاء عن عائشة قالت: «كل ذلك قد فعل رسول الله ◌ّه قد أتم وقصر، وصام في السفر وأفطر)). قال البيهقي : وقد قال عمر بن ذر - كوفي ثقة -: أنا عطاء بن أبي رباح ((أن عائشة كانت تصلي في السفر المكتوبة أربعاً)). وروی ذلك بإسناده، ثم قال: وهو كالموافق لرواية دلهم بن صالح، وإن کان في رواية دلهم زیادة سند. قلت: أما ما رواه الثقة عن عطاء عن عائشة من ((أنها كانت تصلي أربعاً))، فهذا ثابت عن عائشة، معروف عنها من رواية عروة وغيره عن (١) كذا في المطبوع من مجموع الفتاوى ((طلحة بن عمر)) وهو تصحيف، صوابه ((طلحة بن عمرو)) بالواو، وهو طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي، راجع تهذيب التهذيب ٥/ ٢٣ وميزان الاعتدال ٢/ ٣٤٠. (٢) رواه أيضاً الدار قطني في سننه ٢/ ١٨٩ ح ٤٥ وقال: ((المغيرة بن زياد ليس بالقوي)). (٣) الصواب ((طلحة بن عمرو)) بالواو كما سبق. ٢٥٣ من كتاب الصلاة عائشة، وإذا كان إنما أسنده هؤلاء الضعفاء، والثقات وقفوه على عائشة؛ دل ذلك علی ضعف المسند، ولم یکن ذلك شاهداً للمسند. قال ابن حزم في هذا الحديث: ((انفرد به المغيرة بن زياد ولم يروه غيره، وقد قال فيه أحمد بن حنبل: ((ضعيف، كل حديث أسنده منكر))(١) . قلت: فقد روي من غير طريقه لكنه ضعيف أيضاً، وقد ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه سئل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر. وهو كما قال الإمام أحمد، وإن كان طائفة من أصحابه قد احتجوا به موافقة لمن احتج به كالشافعي، ولا ريب أن هذا حديث مكذوب على النبي ◌َّ مع أن من الناس من يقول لفظه ((كان يقصر في السفر وتتم، ويفطر وتصوم)) بمعنى أنها هي التي تتم وتصوم. وهذا أشبه بما روي عنها من غير هذا الوجه مع أنه كذب عليها أيضاً ... ))(٢) . وقال ابن قيم الجوزية: ((ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة ((أن النبي عَّه كان يَقْصُر في السفر، ويتم، ويفطر ويصوم)) فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام بن تيمية يقول: ((هو كذب على رسول الله عٹے» انتھی. وقد روي: ((كان يقصُّر، وتتم))، الأول بالياء آخر الحروف، والثاني بالتاء المثناة من فوق، وكذلك (يفطر وتصوم))، أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين)) ثم ذكر بعضاً من كلام ابن تيمية السابق ثم قال رحمه الله: ((قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبي عَّه ، قال ابن عباس وغيره: إنها تأولت كما تأول عثمان، وأن النبي ◌َّه كان يقصر دائماً، فركب بعض الرواة من (١) المحلى لابن حزم ٤ / ٢٦٩. (٢) راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٤/ ١٤٣ - ١٤٥. ٢٥٤ التصحيف وأثره في الفقه الحديثين حديثاً، وقال: فكان رسول الله عَّه يقصر وتتم هي، فغلط بعض الرواة، فقال: كان يقصر ويتم، أي هو ... ))(١) . والخلاصة أن حديث عائشة الذي استدل به القائلون بأن القصر في الصلاة في السفر رخصة والتمام أفضل، لا يصلح للاستدلال لأنه بالإضافة إلى أنه ضعيف سنداً، فإن في لفظه تصحيفا . كما أنه لم يثبت عنه عَّ أنه أتم الرباعية في السفر. (١) زاد المعاد ١ / ٤٦٤ - ٤٦٦. ٢٥٥ من كتاب الصلاة صلاة التراويح عشرون ركعة قال أبو داود: ((حدثنا شجاع بن مخلد، حدثنا هشيم، أخبرنا يونس بن عبيد، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي لهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي، فإذا كانت العشر الأواخر تخلف فصلى في بيته، فكانوا يقولون: أَبَق أُبَيٌ) (١) . وقع في جميع الطبعات من سنن أبي داود، وفي جميع الشروح هذا الحديث بلفظ ((فكان يصلي لهم عشرين ليلة)). وجاء في حاشية ((بذل المجهود)) قول محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي: ((في نسخة بدله: ((ركعة)) كذا في نسخة مقروءة على الشيخ مولانا محمد إسحاق رحمه الله تعالى))(٢) . ووقعت أيضاً ((ركعة)) في الطبعة الهندية بحاشية محمود الحسني الحنفي فوقع في الحاشية: لفظ ((ركعة)). ومن هنا أدخلت بعد، ففرح بها متعصبة الحنفية، واستدلوا بها على مشروعية صلاة عشرين ركعة في صلاة التراويح. وكان من آخر من استدل بهذا اللفظ المحرف الأستاذ محمد علي الصابوني في كتابه ((الهدي النبوي الصحيح لصلاة التراويح))(٣)، حيث (١) سنن أبي داود ٢/ ١٣٦ ح ١٤٢٩ كتاب الصلاة: باب القنوت في الوتر. (٢) حاشية بذل المجهود في حل أبي داود ١ / ٢٥٢. (٣) راجع ص ٥٧ من الكتاب المذكور . ٢٥٦ التصحيف وأثره في الفقه أورد الحديث محرفاً، واستدل به على مشروعية عشرين ركعة في صلاة التراويح. وبالإضافة إلى أن هذا الخبر الذي استدل به الحنفية على ما ذكر - مصحف، فإنه ضعيف أيضاً، لأنه مرسل، أرسله الحسن المولود سنة ٢١ هـ عن عمر - رضي الله عنه - المتوفى سنة ٢٣ هـ(١). (١) راجع كتاب ((تحريف النصوص من مآخذ أهل الأهواء في الاستدلال)) للشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد ص ١٧٤ . ٢٥٧ من كتاب الحج من كتاب الحج صلاة ركعتين بعد السعي بين الصفا والمروة عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله عَّه، إذا فرغ من سَبْعُه جاء حتى يحاذي بالركن. فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطواف أحد(١). أفاد هذا الحديث مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف سبعة أشواط بالكعبة، ولذلك أورده ابن ماجه في سننه تحت عنوان ((باب الركعتين بعد الطواف)). وبمعناه وردت أحاديث أخرى، وقد اتفق العلماء على القول بمشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف. وقد وقع تصحيف للإمام ابن الهمام الحنفي في لفظ هذا الحديث. قال رحمه الله وهو بصدد مناقشة استدلال بعض الفقهاء القائلين باستحباب صلاة ركعتين بعد السعي: ((ولا حاجة إلى هذا القياس(٢)، إذ فيه نص، وهو ما روى المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله عَّه حين فرغ من سَعْيه جاء .. فصلى ركعتين في حاشية المطاف، وليس بينه وبين الطائفين (١) الحديث أخرجه ابن ماجه ٢ / ٩٨٦ ح ٢٩٥٨ كتاب المناسك: باب الركعتين بعد الطواف وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٦/ ٣٩٩ بلفظ (حين فرغ من أسبوعه). (٢) يقصد ابن الهمام ما ذهب إليه بعض الفقهاء من قياس هاتين الركعتين على ركعتي الطواف. ٢٥٨ التصحيف وأثره في الفقه أحد. رواه أحمد وابن ماجه)) (١) . هكذا تصحف هذا الحديث على ابن الهمام ((سعيه)) من السعي بدل ((سَبْعُه))، فكان من نتائج ذلك أنه قال باستحباب صلاة ركعتين بعد الفراغ من السعي، وهي بدعة ليس لها دليل من السنة، نص على عدم مشروعيتها ابن تيمية وغيره(٢) . (١) ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) للألباني ٢/ ٣٢٨ و((حجة النبي)) للشيخ الألباني أيضاً ص ١٣٠ - ١٣١. و((فتح القدير)) لابن الهمام ٢/ ١٥٦ - ١٥٧. (٢) راجع القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية ص ١٠١ . ٢٥٩ من كتاب العيدين من كتاب العيدين خطبة الإمام على الراحلة في عيد الفطر عن داود بن قيس الفراء، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري أن النبي عَّ خطب يوم عيد على راحلته(١). قال ابن القيم: ((وذكر أبو سعيد الخدري: أنه ◌ّه كان يخرج يوم العيد فيصلي بالناس ركعتين، ثم يسلم، فيقف على راحلته مستقبل القبلة وهم صفوف جلوس، فيقول: ((تصدقوا، فأكثر من يتصدق النساء، بالقرط والخاتم والشيء، فإن كانت له حاجة يريد أن يبعث بعثاً يذكره لهم، وإلا انصرف. وقد كان يقع لي أن هذا وهم، فإن النبي عَّه، إنما كان يخرج إلى العيد ماشياً، والعَنَزَةَ(٢) بين يديه، وإنما خطب على راحلته يوم النحر بمنى إلى أن رأيت بقي بن مخلد الحافظ قد ذكر هذا الحديث في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا داود بن قيس، حدثنا عياض بن عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ټ يخرج يوم العيد من يوم الفطر، فيصلي بالناس تَّيْنكَ الركعتين، ثم يسلم، (١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٢/ ٣٤٨ ح ١٤٤٥ جماع أبواب صلاة العيدين: باب الخطبة قائماً على الأرض إذا لم يكن بالمصلى منبر، وابن حبان ٤/ ٢١٠ ح ٢٨١٤ (الإحسان) باب العيدين: ذكر جواز خطبة المرء على الرواحل في بعض الأحوال، وجعفر الفريابي في ((كتاب العيدين)) ص ١٣٩ - ١٤٠ ح ١٠١ . (٢) العَنَزَة: بالعين المهملة والنون المفتوحتين ((مثل نصف الرمح أو أكبر شيئاً وفيها سنان مثل سنان الرمح)) النهاية ٣/ ٣٠٨، وقد كان يستعملها عليّه سترة للصلاة. ٢٦٠ التصحيف وأثره في الفقه فيستقبل الناس، فيقول: ((تصدقوا)، وكان أكثر من يتصدق النساء. وذكر الحديث . ثم قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا أبو عامر، حدثنا داود، عن عياض عن أبي سعيد: كان النبي يخرج في يوم الفطر فيصلي بالناس، فيبدأ بالركعتين، ثم يستقبلهم وهم جلوس، فيقول: ((تصدقوا)). فذكر مثله وهذا إسناد ابن ماجه، إلا أنه رواه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن داود. ولعله ثم يقوم على رجليه(١) ، كما قال جابر: قام متوكئاً على بلال، فتصحف على الكاتب: براحلته، والله أعلم. فإن قيل: فقد أخرجا في ((الصحيحين)) عن ابن عباس، قال: شهدت صلاة الفطر مع نبي الله عَّه، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم، فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب، قال: فنزل نبي الله عزّ كأني أنظر إليه حين يُجَلِّسُ الرجال بيده، ثم أقبل يَشُقُّهم حتى جاء إلى النساء ومعه بلال: فقال: ﴿ يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئاً﴾(٢) فتلا الآية حتى فرغ منها، الحديث(٣) . وفي الصحيحين أيضاً، عن جابر أن النبي ◌َّه قام، فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعدُ، فلما فرغ نبي الله عَّةِ، نزل فأتى النساء فذكرهن(٤). (١) أخرجه ابن ماجه ١/ ٤٠٩ ح ١٢٨٨ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في الخطبة في العيدين، لكن وقع في سنن ابن ماجه (فيقف على رجليه) وهو خطأ من حيث الرواية كما سبق أن عرفت، ولعله تصرف من الناسخ أو الناشر بقصد التصويب . (٢) سورة الممتحنة الآية: ١٢ في رواية ورش عن نافع وفي رواية حفص عن عاصم. (٣) أخرجه البخاري ٢ / ٤٦٦ ح ٩٧٩ كتاب العيدين: باب موعظة الإمام النساء يوم العيد ومسلم ٦/ ١٧١ - ١٧٢ كتاب صلاة العيدين . (٤) أخرجه البخاري ٢/ ٤٦٦ ح ٩٧٨ كتاب العيدين: باب موعظة الإمام النساء يوم العيد ومسلم ٦ / ١٧٤ كتاب صلاة العيدين . ٢٦١ من كتاب العيدين الحديث. وهو يدل على أنه كان يخطب على منبر أو على راحلته، ولعله كان قد بني له منبر من لبن أو طين أو نحوه؟ قيل: لا ريب في صحة هذين الحديثين، ولا ريب أن المنبر لم يكن يُخْرَج من المسجد، وأول من أخرجه مروان بن الحكم، فَأُنْكرَ عليه، وأما منبر اللبن والطين، فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة، كما هو في ((الصحيحين))(١) فلعله عَّه كان يقوم في المصلى على مكان مرتفع، أو دُكان وهي التي تسمى مصْطَبَة، ثم ينحدر منه إلى النساء، فيقف عليهن، فيخطبهن، فيعظهن، ويذكرهن والله أعلم))(٢) . وقال الحافظ السخاوي وهو بصدد الكلام عن تعريف التصحيف : ((والثاني: كحديث أبي سعيد في خطبة العيد ((كان النبي عَُّ يخرج يوم العيد فيصلي بالناس ركعتين، ثم يسلم فيقف على رجليه، فيستقبل الناس وهم جلوس)) الحديث. رواه بعضهم فقال: ((على راحلته)) بدل ((رجليه)) والصواب الأول فلا ريب في ((أنه عَّه كان يخرج إلى العيد ماشياً، والعَنَزَة بين يديه، وإنما خطب على راحلته يوم النحر بمنى)) (٣). ومما يدل على أن الرواية عند ابن ماجه ((على راحلته)) - على التصحيف - ما ذكره الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) حيث قال: ((حديث أنه عد اله خطب على راحلته يوم العيد)) النسائي وابن ماجه وابن حبان وأحمد من حديث أبي سعيد الخدري)) (٤) . (١) أخرجه البخاري ٢ / ٤٤٨ ح ٩٥٦ كتاب العيدين: باب الخروج إلى المصلى بغير منبر ومسلم ٦ / ١٧٧ کتاب العیدین . (٢) زاد المعاد ١ / ٤٤٥ - ٤٤٧. (٣) فتح المغيث ٣/ ٧٧ . (٤) التلخيص الحبير ٢/ ٨٦.