Indexed OCR Text

Pages 221-240

الباب الثالث
التصحيف وأثره في الفقه

بعد أن انتهينا واستمتعنا بتلك الفوائد الحديثية التي ترتبت على
التصحيف في ألفاظ الجرح والتعديل وفي أسماء الرواة، نلتفت بالقارئ
الكريم إلى فن آخر، وهو صنو فن الحديث ألا وهو علم الفقه. ونقصد هنا
بالفقه: فقه الأحكام وفقه العقائد.
وينبغي أن نعلم هنا أن التصحيف لم يسلم منه الفقهاء أيضاً؛ لتعاملهم
واحتكامهم واعتمادهم على الحديث النبوي في استنباط الأحكام الشرعية .
وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرة التصحيف عند الفقهاء قد أسهمت في
نشوء الخلاف الفقهي وإن كان ذلك على ندرة.
وسنقف على بعض ذلك في هذا الباب إن شاء الله .
وأشير إلى أن التصحيف في الفقهاء الذين قلت عنايتهم ومراسهم بعلم
الحديث، أكثر منه في الفقهاء المحدثين الذين عنوا بسماع الحديث وضبطه،
ورحلوا وجالوا وطوفوا من أجل تصحيح السماع وضبطه .
وقبل أن نخوض صلب هذا الباب ننبه إلى أننا اقتصرنا على إيراد
الأحاديث التي وقع فيها تصحيف، وعمل بمقتضى معناها المصحف بعض
العلماء أو استدل بها في حكم من الأحكام الشرعية .

٢٢٧
من كتاب الإيمان
من كتاب الإيمان
من أسماء الله الحسنى المُقيت
قال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الإمام قال: حدثنا أبو جعفر
محمد بن أحمد بن الوليد. قال: حدثنا صفوان بن صالح قال: حدثنا
الوليد بن مسلم قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّهُ: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً، الحديث،
وذكر فيه الأسامي وفيه ((الحفيظ المُقِيت)).
قال أبو عبد الله: وهكذا أخرجه أبو بكر بن خزيمة في المأثور (المقيت))
فحدثنا أبو زكريا العنبري قال: ثنا أبو عبد الله البوشنجي قال: حدثنا موسى
ابن أيوب النصيبي قال: حدثنا الوليد بن مسلم فذكر الحديث بنحوه وقال :
(الحفيظ المغيث)). سمعت أبا زكريا العنبري يقول: سمعت أبا عبد الله
البوشنجي يقول: المحفوظ (المغيث))، ومن قال ((المقيت)) فقد صحف(١) .
وإذا علمنا أن تصحیفاً وقع في متن هذا الحديث، فلا يصح الاستدلال به
على أن من بين أسماء الله(المقيت)، كما فعل ابن خزيمة رحمه الله.
واسم (المقيت) ثابت الله تعالى بنص الآية ﴿وكان الله على كل شيء
مقيتا﴾(٢) ، غير أن الاستدلال عليه بالحديث السابق الذكر لا يصح لأنه لفظ
مصحف. والتصحيف علة كما هو معلوم عند أهل الحديث.
(١) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص ١٤٧ - ١٤٨.
(٢) سورة النساء الآية ٨٤ رواية ورش عن نافع و ٨٥ في رواية حفص عن عاصم.

٢٢٨
التصحيف وأثره في الفقه
ما جاء في العُلُو
عن حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس (١) عن عمه
أبي رُزَيْن قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال:
(كان في عَمَاء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء))(٢) .
قال الإمام ابن قتيبة: ((ونحن نقول: إن حديث أبي رزين هذا مختلف
فيه، وقد جاء من غير هذا الوجه بألفاظ تستشنع أيضاً، والنقلة له أعراب،
ووكيع بن حدس الذي روي عنه حديث حماد بن سلمة أيضاً لا يعرف غير
أنه قد تكلم في تفسير هذا الحديث أبو عبيد القاسم بن سلام.
حدثنا عنه أحمد بن سعيد اللحياني أنه قال: العماء السحاب، وهو كما
ذكر في كلام العرب إن كان الحرف مَمْدُوداً، وإن كان مقصوراً كأنه كان في
عمى، فإنه أراد كان في عمى عن معرفة الناس، كما تقول: عميت عن هذا
الأمر، فأنا أعمی عنه عمی، إذا أشكل عليك فلم تعرفه، ولم تعرف جهته،
وكل شيء خفي عليك فهو في عمى عنك.
وأما قوله: ((فوقه هواء وتحته هواء)) فإن قوماً زادوا فيه ((ما)) فقالوا: ((ما
فوقه هواء وما تحته هواء)) استيحاشاً من أن يكون فوقه هواء وتحته هواء،
(١) وكيع بن حُدُس بمهملات وضم أوله وثانيه، ويقال بالعين أيضاً بدل الحاء.
(٢) الحديث أخرجه الترمذي في السنن ٥/ ٢٨٨ ح ٣١٠٩ كتاب تفسير القرآن: باب ومن
سورة هود، وابن ماجه ١ / ٦٤ - ٦٥ ح ١٨٢ المقدمة: باب فيما أنكرت الجهمية .
وأحمد في المسند ٤/ ١١ وعنه ابنه عبد الله في ((السنة)) ص ٥٤ .
وابن حبان في صحيحه ٨/ ٤ ح ٦١٠٨ (كتاب التاريخ: باب بدء الخلق) بلفظ أتم .

٢٢٩
من كتاب الإيمان
ويكون بينهما. والرواية هي الأولى، والوحشة لا تزول بزيادة (ما) لأن فوق
وتحت باقيان والله أعلم))(١) .
وقال الحافظ أبو سليمان الخطابي - بعد أن أورد الحديث على الصواب:
((يرويه بعض المحدثين: في عمىٌ مقصور على وزن [عصا] وقفا، يريد أنه
كان في عمى عن علم الخلق ، وليس هذا [ بشيء ] وإنما هو [ في ] عماء
- ممدود - هكذا رواه أبو عبيد وغيره من العلماء. [قال: والعماء: السحاب،
قال غيره: الرقيق من السحاب]، ورواه بعضهم: في غمام. وليس
بمحفوظ))(٢).
قال أبو حاتم بن حبان بعد أن روى الحديث: ((وهم في هذه اللفظة حماد
ابن سلمة من حيث [ ... ](٣) في غمام (٤) إنما هو في عماء يريد به أن الخلق لا
يعرفون خالقهم من حيث هم، إذ كان ولا زمان ولا مكان، ومن لم يعرف
له زمان ولا مكان ولا شيء معه لأنه خالقها كان معرفة الخلق إياه كأنه في
عماء عن علم الخلق، لا أن الله كان في عماء إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف
المخلوقين)) (٥) .
(١) عن كتاب ((تأويل مختلف الحديث)) للإمام ابن قتيبة الدينوري ص ٢٠٠ - ٢٠١ .
(٢) عن كتاب ((إصلاح الأخطاء الحديثية التي يرويها أكثر الناس محرفة أو ملحونة)) للحافظ
أبي سليمان الخطابي ص ٥٨ -٥٩. وراجع كتاب ((غريب الحديث)) لأبي عبيد القاسم بن
سلام ٢ / ٧ -٩.
(٣) أشار مصحح كتاب ((الإحسان)) كمال يوسف الحوت إلى وجود سقط في أصل المخطوط
وأنه قدره بـ «قوله)).
(٤) في المطبوع الذي ضبطه السيد كمال يوسف الحوت وقع ((في عمام)) بإهمال العين وضبط
في النسخة المطبوعة بتحقيق الشيخ الأرناؤوط ((في غمام)) بالغين المعجمة، وهذا الذي
يتفق مع ما قاله الخطابي فيما سبق .
(٥) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/ ٤ .

٢٣٠
التصحيف وأثره في الفقه
هكذا ورد هذا النص في النسختين المطبوعتين من كتاب ((الإحسان)):
الأولى بتحقيق الأرناؤوط، والثانية بتصحيح وضبط كمال يوسف الحوت،
والكلام لا يستقيم مقارنة بما سبق عن ابن قتيبة والخطابي، إلا إذا جعلنا
مكان كلمة (عماء)) الأولى والثانية في هذا النص ((عمی)).
ولعل تصحيفاً وقع في الأصل المحقق، وهو نسخة فريدة، مجهولة
الهوية: خلو من اسم الناسخ وتاريخ النسخ - كما ذكر الشيخ الأرناؤوط .
والحاصل هنا أن رواية ((كان في عمى)» رواية مصحفة، وأن المائلين إلى
التعطيل في باب الصفات أيدوا بها مذهبهم في نفي العلو؛ لذلك كان
حديث الباب - على الوجه الصواب - من جملة ما أورده ابن قتيبة في ((تأويل
مختلف الحديث)) رداً على الذين يتهمون المحدثين بالتشبيه .
قال رحمه الله: ((قالوا: حديث في التشبيه. قالوا: رويتم في حديث
أبي رزين العقيلي ... )) فذكر الحديث، وذكر الجواب عن الاعتراض بما سبق
ذكره ورجح رواية كان في ((عماء)). وليس هذا ذهاباً منه إلى معنى هذه
الرواية؛ وإنما هو تخريج لمعناها على فرض صحتها، وإلا فقد سبق ذكر
تضعيفه الحديث وتعليله بوكيع بن حُدُس. وهذا هو الصواب، فالحديث
ضعيف، ولا يمكن الاستدلال به في هذا الباب - على شهرته عند العلماء -
لجهالة وكيع بن حدس. فقد قال فيه ابن قتيبة: ((لا يعرف)) وقال ابن القطان:
((مجهول الحال))(١). وقال ابن حجر: ((مقبول))(٢) يعني حيث يتابع وإلا فهو
لین الحدیث .
(١) تهذيب التهذيب ١١ / ١٣.
(٢) تقريب التهذيب ٢/ ٣٣١.

٢٣١
من كتاب الإيمان
الإرجاء
قال الحافظ ابن عبد البر وهو يترفق في الاعتذار عما رمى به الإمام أبو
حنيفة من القول بالإرجاء: (( ... وأما الإرجاء المنسوب إليه، فقد كان غيره
فيه أدْخَل وبه أقْوَل ... ))(١) .
قال الأستاذ سعيد أحمد أعراب المعلق على بعض الأجزاء من ((التمهيد))
- معلقاً على قول ابن عبد البر: ((وبه أقول)): ((وهذا واضح من ابن عبد البر
القول بالإرجاء - كما لا يخفى)) (٢) .
قلت: تصحفت هذه العبارة على الأستاذ سعيد أحمد أعراب فقرأها
على أنها فعل مضارع ((وبه أقُول)) - يريد أن يعربه فيعجمه - وإنما هي صيغة
تفضيل عطفاً على قوله ((فقد كان غيره فيه أدْخَل)).
والعجب من الأستاذ أن يدّعي على ابن عبد البر القول بالإرجاء، وأن
ذلك لا يخفى.
أقول: ابن عبد البر أشهر من نار على علم، عرف بالمشرق والمغرب
بعقيدته السلفية، وهو مفخرة للمغاربة خاصة، وللمالكية عامة. وهو
بالنسبة للمغاربة كالخطيب البغدادي بالنسبة للمشارقة. وكتاب ((التمهيد)) قد
سجل ونطق بعقيدة هذا الإمام الحافظ، ألا تراه يقول في ((التمهيد)) وهو
(١) ((التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)) للحافظ أبي يوسف عمر بن عبد البر
٠١٤/١٤
(٢) التمهيد لابن عبد البر ١٤ / ١٤ (هامش رقم ١).

٢٣٢
التصحيف وأثره في الفقه
يعرف الإيمان أثناء شرحه لحديث ((دعه فإن الحياء من الإيمان)) :
((القول في الإيمان عند أهل السنة - وهم أهل الأثر من المتفقهة والنقلة -
وعند من خالفهم من أهل القبلة في العبارة عنه اختلاف، وسنذكر منه في
هذا الباب، ما فيه مقنع وهداية لأولي الألباب :
أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا
بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم
إيمان، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه، فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا
تسمى إيماناً. قالوا: إنما الإيمان التصديق والإقرار، ومنهم من زاد:
والمعرفة. قالوا: وهو المعروف من لسان العرب ومن ألسنة المجتمع
عليه ... )).
ثم ذكر ابن عبد البر أدلتهم التي استدلوا بها فيما ذهبوا إليه .
ثم قال: ((وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق
والشام ومصر منهم مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري،
والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد
القاسم بن سلام، وداود بن علي، وأبو جعفر الطبري ومن سلك سبيلهم،
فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، [و](١) اعتقاد
بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، قالوا: وكل ما
يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة، فهو من الإيمان، والإيمان يزيد
بالطاعات وينقص بالمعاصي.
وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم،
(١) هذه الزيادة اقتضاها السياق وإن كانت غير موجودة بالأصل.

٢٣٣
من كتاب الإيمان
وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر، ألا ترى إلى قول رسول الله
عَبّ: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو
مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))(١) يريد مستكمل الإيمان. ولم
يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني
والسارق وشارب الخمر - إذا صلوا للقبلة، وانتحلوا دعوة الإسلام - من
قرابتهم المؤمنين الذين آمنوا بتلك الأحوال، وفي إجماعهم على ذلك مع
إجماعهم على أن الكافر لا يرث المسلم أوضح الدلائل على صحة قولنا: إن
مرتكب الذنوب ناقص الإيمان بفعله ذلك وليس بكافر - كما زعمت الخوارج
في تكفيرهم المذنبين .
وقد جعل الله في ارتكاب الكبائر حدوداً جعلها كفارة وتطهيراً ؛ كما
جاء في حديث عبادة عن النبي عَّ ((فمن واقع منها شيئاً- يعني من
الكبائر -، وأقيم عليه الحد، فهو له كفارة، ومن لا فأمره إلى الله، إن شاء غفر له،
وإن شاء عذبه)) (٢). وليس هذا حكم الكافر، لأن الله لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
والإيمان مراتب بعضها فوق بعض، فليس الناقص فيها كالكامل،
قال الله عز وجل: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت
عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ (٣) أي إنما المؤمن حق الإيمان من كانت هذه صفته
ولذلك قال: ﴿أولئك هم المؤمنون حقا ﴾ ... ))(٤).
(١) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح ٥/ ١٢٠ ح ٢٤٧٥ كتاب المظالم: باب النهبى
بغير إذن صاحبه .
(٢) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح ١ / ٦٤ ح ١٨ كتاب الإيمان.
(٣) سورة الأنفال الآية ٢ في رواية ورش عن نافع ورواية حفص عن عاصم.
(٤) التمهيد ٩ / ٢٣٨ إلى ٢٤٤.

٢٣٤
التصحيف وأثره في الفقه
ثم أفاض ابن عبد البر في الاستدلال على صحة قول الجمهور
باستعراض الأدلة من القرآن والسنة، اختصرناها خشية الإطالة.
ولقد عجبت وانتهى عجبي لما رأيت أن الأستاذ سعيد أحمد أعراب هو
محقق الجزء التاسع من ((التمهيد)) الذي نقلنا عنه جميع هذا الكلام السابق
لابن عبد البر في معنى الإيمان، وفي كونه يزيد وينقص. بل الأستاذ أعراب
هو الذي خرج تلك النصوص التي استدل بها ابن عبد البر على أن الإيمان
قول وعمل یزید وینقص .
ألا ليت شعري كيف يمكن أن يضيع هذا البحث النفيس لابن عبد البر
حول معنى الإيمان بسبب التصحيف الذي وقع لهذا المحقق.
وبعد أن تبينا عقيدة الحافظ ابن عبد البر في معنى الإيمان، بقي لنا أن
نؤكد صحة ما ذكرنا في مطلع هذا الكلام من أن المقصود بقول ابن عبد البر
((وبه أقْوَل)) أنه صيغة تفضيل وليس فعلاً مضارعاً.
فالدليل على ذلك هو ما وقفنا عليه من كلام ابن عبد البر في كتاب
((جامع بيان العلم)) قال رحمه الله: ((ونقموا أيضاً على أبي حنيفة الإرجاء،
ومن أهل العلم من ينسب إلى الإرجاء كثير لم يعن أحد بنقل قبيح ما قيل
فيه كما عنوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته ... ))(١).
فهذا الكلام تفصيل لكلامه في ((التمهيد)) رحمه الله.
والخلاصة أن هذا التصحيف الذي وقع فيه الأستاذ سعيد أحمد أعراب
كان من نتائجه السيئة أن نُسبَ هذا الإمام الجبل إلى القول بالإرجاء، وقد بينا
(١) ((جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله)) لابن عبد البر ٢/ ١٨٢.

٢٣٥
من كتاب الإيمان
بما لا يدع مجالاً للشك - من خلال كلام ابن عبد البر - أنه بريء من الإرجاء
براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

٢٣٦
التصحيف وأثره في الفقه
منع الرقية
روى البخاري في صحيحه من طريق حصين بن عبد الرحمن عن سعيد
ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج علينا النبي عَّ يوماً
فقال: ((عرضت عليّ الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان
والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد. ورأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فرجوت
أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه. ثم قيل لي: انظر، فرأيت سواداً كثيراً سد
الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك،
ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس ولم يبين لهم.
فتذاكر أصحاب النبي عَّه فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله
ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا. فبلغ النبي ◌َّه فقال: ((هم الذين لا
يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن
فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: ((نعم) فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ فقال:
((سبقك بها عكاشة))(١) .
وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه ووقع عنده ((هم الذين لا
يرقون)(٢).
قال الشيخ أبو العباس أحمد بن تيمية: ((وفي الصحيحين عن النبي
عليه
(١) أخرجه البخاري ١٠/ ٢١١ ح ٥٧٥٢ كتاب الطب: باب من لم يَرْق.
وأخرجه أيضاً الترمذي ٤ / ٦٣١ ح ٢٤٤٦ كتاب صفة القيامة.
(٢) صحيح مسلم ٣ / ٩٤ كتاب الإيمان (باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة
بغير حساب ولا عذاب).

٢٣٧
من كتاب الإيمان
أنه قال: ((يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب)) وقال: ((هم الذين لا
يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فمدح هؤلاء بأنهم لا
يسترقون، أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم. والرقية من جنس الدعاء فلا
يطلبون من أحد ذلك.
وقد روى فيه ((ولا يرقون)، وهو غلط، فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم
حسنة، وكان النبي عَّه يرقي نفسه وغيره ولم يكن يسترقي، فإن رقيته نفسه
وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره، وهذا مأمور به فإن الأنبياء كلهم
سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة آدم وإبراهيم وموسى
وغيرهم ... ))(١).
وقال أيضاً: ((وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ((يدخل من أمتي الجنة
سبعون ألفاً بغير حساب هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم
يتو كلون)).
فهؤلاء من أمته وقد مدحهم بأنهم لا يسترقون، والاسترقاء أن يطلب
من غيره أن يرقيه، والرقية من نوع الدعاء، وكان هو عمّه يرقي نفسه وغيره،
ولا يطلب من أحد أن يرقيه، ورواية من روى في هذا ((لا يرقون)) ضعيفة
غلط !... ))(٢) .
قلت: المقصود بضعف رواية ((لا يرقون)) يعني أنها ضعيفة من جهة
المعنى لا من جهة الإسناد، وإلا فالذي صحف فيها هو الحافظ سعيد بن
منصور شيخ مسلم كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر .
وقال ابن القيم في ((هديه عَّ في عيادة المرضى)): ((وكان يرقي من به
(١) التوسل والوسيلة (ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٨٢).
(٢) التوسل والوسيلة لابن تيمية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية ١/ ٣٢٨).

٢٣٨
التصحيف وأثره في الفقه
قرحة أو جرح أو شكوى، فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها ويقول: ((بسم الله،
تُرْبَةُ أَرْضِنا، بِرِيقَةٍ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بإذن ربنا، هذا في الصحيحين، وهو
يبطل اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير
حساب، وأنهم لا يَرْقون ولا يسترقون. فقوله في الحديث: (لا يرقون)) غلط
من الراوي - سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول ذلك.
قال: وإنما الحديث ((هم الذين لا يسترقون)). قلت: وذلك لأن هؤلاء
دخلوا الجنة بغير حساب، لكمال توحيدهم، ولهذا نفى عنهم الاسترقاء،
وهو سؤال الناس أن يرقوهم، ولهذا قال: ((وعلى ربهم يتوكلون)، فلكمال
توكلهم على ربهم، وسكونهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وإنزال
حوائجهم به لا يسألون الناس شيئاً، لا رقية ولا غيرها، ولا يحصل لهم
طيرة تصدهم عما يقصدونه، فإن الطيرة تنقض التوحيد وتضعفه، قال:
والراقي متصدق محسن، والمسترقي سائل، والنبي عَّه رقى، ولم يسترق،
وقال: ((من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه))(١).
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي في ((الصحيحين)) عن عائشة
رضي الله عنها، أن رسول الله عَّ كان إذا أوى إلى فراشه، جمع كفيه ثم نفث
فيهما، فقرأ ((قل هو الله أحد)) و((قل أعوذ برب الفلق) و((قل أعوذ برب
الناس))، ويمسح بهما ما استطاع من جسده، ويبدأ بهما على رأسه ووجهه ما
أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات قالت عائشة: فلما اشتكى
رسول الله عَّه كان يأمرني أن أفعل ذلك به (٢) .
(١) رواه مسلم ١٤ / ١٨٦ كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة.
وكذا أحمد في المسند ٣/ ٣٠٢ .
(٢) أخرجه البخاري ١٠/ ٢٠٩ ح ٥٧٤٨ كتاب الطب: النفث في الرقية.
ومسلم ١٤ / ١٨٢ كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض.

٢٣٩
من كتاب الإيمان
فالجواب أن هذا الحديث قد روي بثلاثة ألفاظ، أحدها: هذا. والثاني:
أنه كان ينفث على نفسه، والثالث: قالت: كنت أنفث عليه بهن، وأمسح
بيد نفسه لبركتها، وفي لفظ رابع: كان إذا اشتكى، يقرأ على نفسه بالمعوذات
وينفث، وهذه الألفاظ يفسر بعضها بعضاً. وكان عَّ ينفث على نفسه،
وضعفه ووجعه يمنعه من إمرار يده على جسده كله، فكان يأمر عائشة أن تمر
يده على جسده بعد نفثه هو، وليس ذلك من الاسترقاء في شيء، وهي لم
تقل: كان يأمرني أن أرقيه، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده،
ثم قالت: کان یأمرني أن أفعل ذلك به، أي: أن أمسح جسده بيده، كما كان
هو يفعل))(١) .
وخلاصة كلام ابن تيمية أنه يفرق بين الرقية والاسترقاء، فيجيز الرقية
لثبوت ذلك عن النبي ◌ّه، لنفسه ولغيره، ولأن مقام الإحسان يقتضي أن
ينفع المسلم أخاه، وأنه لا يصلح منع الرقية استدلالاً بهذا اللفظ (لا يرقون)) لأنه
لفظ مصحف على الراوي.
وأما الاسترقاء وهو سؤال الناس الرقية فهو الممنوع عند ابن تيمية، لأن
فيه ميولاً بالقلب إلى سؤال الغير وتعلقاً به، ومقام التوكل وكمال التوحيد
يتنافيان والاسترقاء، وعلى هذا المعنى يتنزل الحديث، فالنبي ◌َّه رقى نفسه
وغيره ولم يسترق.
وبهذا التوجيه والتفريق استطاع ابن تيمية رحمه الله أن يخرج وأن يسلم
من الخلط والخبط اللذين وقع فيهما بعض الفقهاء في حكم الرقية بين مجيز
مطلقاً ومانع مطلقاً، ومجيز بقيد ومانع بقيد، إلى غير ذلك من الخلاف
الواقع بين الشرّاح والفقهاء في التوجيه والتوفيق بين النصوص الواردة في
(١) زاد المعاد ١ / ٤٩٥ - ٤٩٧ .

٢٤٠
التصحيف وأثره في الفقه
هذه المسألة مما هو مبثوث ومنثور في بطون كتب الحديث والفقه. والحاصل
أن هذا اللفظ ((لا يرقون)» الوارد في صحيح مسلم لا يصلح ولا يحسن
الاستدلال به على منع الرقية، لأنه لفظ مصحف، والدليل على خطأ الراوي
فيه هو أنه أسقط أيضاً من الحديث لفظ (لا يكتوون) غير أن الإمام مسلم
رحمه الله قد أخرج الحديث على اللفظ الصحيح كما هو عند البخاري،
والترمذي، لكن من حديث عمران بن حصين دون ذكر قصة عرض الأمم
مَّايقع (١)
على النبي عَّ (١).
غريب الحديث :
الرَّهْط: الرهط من الرجال ما دون العشرة. وقيل إلى الأربعين ولا
تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرْهُط وأرهاط،
وأراهط جمع الجمع (٢).
لا يتطيرون: أي لا يتشاءمون بالشيء (٣).
لا يسترقون: أي لا يطلبون الرقية من الغير («والرقية: العُوذَة التي يرقى
بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات)) (٤).
(١) صحيح مسلم ٣ / ٩٠ - ٩١.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٢/ ٢٨٣.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٣/ ١٥٢.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٢/ ٢٥٤.

٢٤١
من كتاب الطهارة
من كتاب الطهارة
المسح على الرأس في التيمم
عن صالح الناجي قال: كنت عند محمد بن سليمان أمير البصرة،
فقال: حدثني أبي عن جدي الأكبر - يعني ابن عباس - أن النبي عَّ قال:
((امسح رأس اليتيم هكذا إلى مقدم رأسه، ومن له أب هكذا إلى مؤخر رأسه))(١).
هذا الحديث أورده العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) في ترجمة محمد بن
سليمان وأعله به قال رحمه الله: ((محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن
عباس أمير البصرة: ليس يعرف بالنقل وحديثه هذا غير محفوظ، ولا يعرف
إلا به)) (٢) .
وقال البزار: ((لا نعلمه يروى عن رسول الله عَبّ إلا بهذا الإسناد، ولم
يشارك أحد محمد بن سليمان فيه، وكان أمير البصرة. وهذا إنما كتبناه لأنا
لم نحفظه إلا من هذا الوجه)) (٣).
وقال الذهبي بعد أن أورده في ترجمة ((محمد بن سليمان)): ((قلت: هذا
موضوع))(٤) .
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٥/ ٢٩١. والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ٤/
٧٣ والبزار في مسنده (٢ / ٣٨٧ ح ١٩١٣ كشف الأستار) كلهم من طريق صالح
الناجي به .
(٢) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي ٤/ ٧٣.
(٣) كشف الأستار ٢/ ٣٨٧ ح ١٩١٣.
(٤) ((ميزان الاعتدال)) ٣ / ٥٧٢ .