Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤٢
التصحيف وأثره في الحديث
لعبد الله بن بُجير، فإن عبد الله بن بُجير المذكور - بضم الموحدة بعدها جيم
بصيغة التصغير، يكنى أبا حمران، بصري قيسي، ويقال تميمي، وقد وقع في
رواية الطبراني أنه قيسي - وثقه أحمد وابن معين وأبو داود وأبو حاتم، وروى
الآجري عن أبي داود أن أبا الوليد الطيالسي روى عنه(١) ووثقه وذكره ابن
حبان في الثقات. وإنما قال ابن حبان ما نقله ابن الجوزي عنه في عبد الله بن
بحير القاص الصنعاني الذي يكنى أبا وائل، وأبوه بفتح الموحدة وكسر الحاء
المهملة، على أن المذكور قد وثقه غير ابن حبان. ولكن ليس هو راوي
حديث أبي أمامة لأنه صنعاني يروي عن أهل اليمن، وصاحب الحديث
المذكور يروي عن البصريين، وسيار شيخه شامي نزل البصرة فروى عنه
أهلها. وقد أخرج الضياء المقدسي حديث أبي أمامة من طريق المسند ومن
طريق الطبراني في الأحاديث المختارة ... )) (٢).
قلت: ومما يدل على خطأ ابن الجوزي وتصحيفه في اسم هذا الرجل أن
عبد الله بن بحير (المضعف) لم تعرف له رواية عن سيار، كما أن أصحاب
التراجم لم يذكروا في الآخذين عنه أبا سعيد مولى بني هاشم شيخ الإمام
أحمد فيه، ولا أبا الوليد الطيالسي وعلي بن عثمان اللاحقي ومن طريق
هذين الأخيرين رواه الطبراني.
أما عبد الله بن بجير فقد ذكر المحدثون أنه روى عن سيار، كما ذكروا في
الآخذين عنه أبا الوليد الطيالسي وعلي بن عثمان اللاحقي، وأبا سعيد مولى
بني هاشم واسمه عبد الرحمن بن عبد الله البصري .
(١) رواية أبي الوليد الطيالسي عنه ثابتة في هذا الحديث عند الطبراني في المعجم الكبير ٨٪
٣٠٨ فقد رواه الطبراني من طريقين: طريق أبي الوليد الطيالسي وطريق علي بن عثمان
اللاحقي .
(٢) القول المسدد في الذب عن المسند لابن حجر العسقلاني ص ٣٢ -٣٣.

١٤٣
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
وبعد هذا فليلاحظ القارئ الكريم ضرر هذا التصحيف وما ترتب عليه
من أثر بالغ الخطورة، فكم بين الحديث الصحيح والحديث الموضوع!؟ وهل
هناك حديث شر من الموضوع؟ ! .
المطلب الثاني
تجهيل الثقات
من النتائج التي ترتبت على التصحيف في أسماء الرواة، أن يجهل الثقة
ويرد حديثه، أو يتوقف في قبوله. ومن أمثلة ذلك:
النموذج الأول:
روى الطبراني من طريق عبد الله بن موسى التيمي عن أسامة بن زيد عن
معاذ بن عبد الله بن خُبيب عن جابر بن أسامة الجهني قال: ((لقيت النبي عَّ
في أصحابه بالسوق فسألت أصحاب رسول الله: أين يريد؟ قالوا: يخط
لقومك مسجداً، فرجعت فإذا قومي قيام، فقلت: ما لكم؟ قالوا: خط لنا .
رسول الله عَّه مسجداً وغرز في القبلة خشبة أقامها فيها))(١) ..
والحديث أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: ((رواه
الطبراني في الأوسط والكبير وفيه معاوية بن عبد الله بن حبيب، ولم أجد
من ترجمه))(٢)
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من طريقين الطريق الأول عن يعقوب بن محمد
الزهري ثنا عبد الله بن موسى به ٢/ ١٩٤ ح ١٧٨٧ . الطريق الثاني عن مسعدة بن سعد
العطار المكي ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا عبد الله بن موسى به ٢/ ١٩٣ ح ١٧٨٦ .
(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي ٢/ ١٥ .

١٤٤
التصحيف وأثره في الحديث
قلت : تصحف عليه هذا الاسم في موضعين :
الأول: قوله: ((معاوية)) وإنما هو ((معاذ)) بالذال المعجمة.
الثاني: قوله: ((ابن حبيب)) بفتح المهملة وإنما هو ((ابن خبيب)) بالخاء
المعجمة مضمومة .
ومما يدل على أن تصحيفاً وقع للهيثمي في هذا الاسم أمور :
أولاً: ما ورد عند الطبراني في المعجم الكبير من طريقين بلفظ ((معاذ بن
عبد الله بن خبیب)).
ثانياً: ما ورد في تاريخ البخاري الكبير في ترجمة جابر بن أسامة
الجهني: ((قال لي الحزامي: حدثني عبد الله بن موسى قال: حدثني أسامة
عن معاذ بن عبد الله فذكره باختصار شديد))(١) .
ثالثاً: ما أورده الحافظ ابن حجر في ترجمة جابر بن أسامة من الإصابة
حيث قال: ((وروى البخاري في تاريخه، وابن أبي عاصم، والطبراني،
وغيرهم من طريق أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب)) (٢) فذكره.
وإذا تبينا أن تصحيفاً وقع فعلاً في اسم هذا الراوي فقد كان من أثره أن
جهل الهيثمي هذا الراوي بقوله: ((ولم أجد من ترجمه)) مع أن معاذ بن
عبد الله بن خبيب قد وثقه ابن معين وأبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقد نقل كلام الهيثمي السابق الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي محقق
معجم الطبراني الكبير دون أن يشير إلى التصحيف الذي وقع فيه الحافظ
الهيثمي مع أن الذي في المعجم هو الصحيح والصواب، لذلك فقد أفسد في
تعليقه على هذا الحديث ونقله كلام الهيثمي، فما معنى هذا النقل وهو
(١) التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ٢٠٢ .
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢١١.

١٤٥
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
مخالف لما في الأصل؟ .
وقد انخدع واغتر بكلام الهيثمي أيضاً الشيخ عبد الله الغماري فحكاه
تعليلاً للحديث في تعليقه على رسالة السيوطي («إعلام الأريب بحدوث بدعة
المحاريب))(١) .
وكلام الهيثمي في هذا الحديث لا يصح حجة لرد هذا الحديث لأن اسم
الراوي تصحف عليه .
أما نحن فقد تبينا وجه الصواب فيه، من خلال هذا التتبع السابق،
وعرفنا أن الصواب فيه ((معاذ بن عبد الله بن خُبَيْب)) وأنه وثقه جماعة من
العلماء .
والحديث أورده الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في ((سلسلة
الأحاديث الضعيفة)) وحسن إسناده.
النموذج الثاني:
روى مالك بن أنس عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمر بن
عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد أن رسول الله عَّه قال: ((لا يرث المسلم
الكافر)) (٢) .
قال الشافعي: ((صحف مالك في عُمَر بن عثمان وإنما هو عمرو بن
عثمان))(٣) .
قال الترمذي: ((وروى مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن
عثمان عن أسامة بن زيد عن النبي عَّهِ نحوه (٤) ، وحديث مالك وَهَمٌ وهم
(١) راجع سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ١ / ٤٥١ - ٤٥٢ ح ٤٤٩.
(٢) ((الموطأ)) للإمام مالك ٢/ ٥١٩ ح ١٠ كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الملل.
(٣) رواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٥٠ .
(٤) يعني نحو حديث هُشيم الذي أخرجه الترمذي.

١٤٦
التصحيف وأثره في الحديث
فيه مالك، وقد رواه بعضهم عن مالك فقال: ((عن عمرو بن عثمان))، وأكثر
أصحاب مالك قالوا: عن مالك ((عن عمر بن عثمان)) وعمرو بن عثمان بن
عفان هو مشهور من ولد عثمان، ولا يعرف عمر بن عثمان ... )) (١) .
وقال الحافظ العراقي: ((فخالف مالك غيره من الثقات في قوله ((عُمَر
ابن عثمان)) يعني بضم العين. وذكر مسلم في ((التمييز)) أن كل من رواه من
أصحاب الزهري قال فيه ((عمرو بن عثمان)) يعني بفتح العين، وذكر أن
مالكاً كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمرو
وعمر جميعاً ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن ((عمرو)) بفتح
العين. وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه ... ))(٢) .
قلت: وأما الذين خالفوا مالكاً في قوله ((عمر بن عثمان)) فهم :
أولاً: محمد بن أبي حفصة، وحديثه عند البخاري في الصحيح (٣).
ثانياً: ابن جريج، وحديثه عند البخاري أيضاً (٤).
ثالثاً: معمر، وحديثه عند الدارمي في السنن (٥).
رابعاً: سفيان بن عيينة، وحديثه عند مسلم في الصحيح (٦) .
(١) ((سنن الترمذي)) ٤/ ٤٢٤ .
(٢) ((التبصرة والتذكرة)) للحافظ العراقي ١/ ٢٠٠.
(٣) ((فتح الباري)) ٨/ ١٣ ح ٤٢٨٢: كتاب المغازي: باب أين ركز النبي عَّه الراية يوم
الفتح .
(٤) فتح الباري ١٢ / ٥٠ ح ٦٧٦٤: كتاب الفرائض: باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر
المسلم .
(٥) سنن الدارمي ٢/ ٢٦٨ ح ٣٠٠٢ كتاب الفرائض: باب في ميراث أهل الشرك وأهل
الإسلام.
(٦) شرح النووي على مسلم ١١/ ٥٢ كتاب الفرائض.

١٤٧
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
خامساً: يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي وحديثه عند ابن ماجه(١) .
سادساً: هُشَيْم بن بشير عند الترمذي (٢) .
فهؤلاء الستة كلهم خالفوا مالكاً في قوله ((عُمَر بن عثمان)) بضم العين،
واتفقوا على قولهم ((عمرو بن عثمان)) بفتح العين. فهذا يدل على أن مالكاً
صحف هذا الاسم.
وهذا التصحيف الذي وقع فيه الإمام مالك يترتب عليه اعتبار الحديث
ضعيفاً، لأن عمر بن عثمان مجهول كما قال الترمذي بخلاف عمرو بن
عثمان فإنه ثقة .
النموذج الثالث:
عن شهاب قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: ((من ستر على مسلم عورة فكأنما أحيا
ميتاً».
هذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) في ترجمة ((شهاب)) -
غير منسوب - وقال: ((روى الطبراني من طريق مسلم عن أبي الذيال عن أبي
سفيان سمع جابر بن عبد الله يحدث عن شهاب رجل من أصحاب النبي عَّة
كان ينزل مصر أنه سمع النبي يقول ... ))(٣) فذكره.
هكذا وقع في المطبوع من ((الإصابة)) وقد وقع فيه تصحيف في ثلاثة
مواضع :
(١) سنن ابن ماجه ٢ / ٩١٢ ح ٢٧٣٠ كتاب الفرائض: باب ميراث أهل الإسلام من أهل
الشرك .
(٢) سنن الترمذي ٤/ ٤٢٣ ح ٢١٠٧ كتاب الفرائض باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم
والكافر .
(٣) الإصابة في تمييز الصحابة ٢ / ١٥٩ .

١٤٨
التصحيف وأثره في الحديث
الأول: في قوله ((مسلم)) بالميم، وصوابه ((سَلَم)) بالسين المهملة دون
((میم)) .
الثاني: في قوله ((عن أبي الذيال)) وصوابه ((بن أبي الذيال)).
الثالث: في قوله ((عن أبي سفيان)) وصوابه ((عن أبي سنان)).
وسنتبين كل ذلك من خلال مقارنة الروايات والرجوع إلى الأصول التي
أخرجت الحديث .
الحديث أورده الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: ((رواه
الطبراني من طريق مسلم بن أبي الذيال عن أبي سنان المدني، ولم أعرفهما،
وبقية رجاله ثقات))(١) .
قلت: في كلام الهيثمي هذا مؤاخذة واحدة وعدة فوائد أخرى، ستعيننا
- إن شاء الله - على الوصول إلى الصواب فيما يتعلق بالتصحيف الواقع في
هذا السند .
أما المؤاخذة فهي قوله: ((مسلم)) وهو تصحيف، وكان من نتائج ذلك
أنه جهل هذا الرجل .
وأما الفوائد فهي :
أولاً: قوله: ((مسلم بن أبي الذيال)) فلم يقل: ((عن أبي الذيال)) كما في
(الإصابة))، وبذلك يكون قد ضيق دائرة الاحتمال، وقربنا من اسم الرجل
حیث نسبه «ابن أبي الذیال)).
ثانياً: في قوله: ((عن أبي سنان)) وهذا هو الصواب كما سنتبين.
ثالثاً: في قوله: ((المدني)) وقد نسب كذلك في بعض الروايات كما
(١) مجمع الزوائد ٦/ ٢٤٧ .

١٤٩
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
سنقف على ذلك.
والحديث رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) قال رحمه الله: حدثنا
محمد بن معاذ الحلبي ثنا القعنبي ثنا معتمر بن سليمان(١) عن سَلَم بن أبي
الذيال عن أبي سنان رجل من أهل المدينة سمع جابر بن عبد الله يحدث عن
شهاب رجل من أصحاب رسول الله عَّه كان ينزل مصر أنه سمع رسول الله
عَّ يقول ... ))(٢) فذكره.
فهذه الرواية تبين الصواب في رجال هذا السند.
أما كون الراوي ((سلم بن أبي الذيال)» فقد ذكر الحافظ ابن حجر في
التهذيب(٣) في ترجمة ((سلم بن أبي الذيال)) معتمر بن سليمان من الذين رووا
عنه كما وقع هنا عند الطبراني .
وذكر في ترجمته من التقريب (٤) أنه ثقة، قليل الحديث وأن له حديثاً
واحداً عند مسلم .
وبالإضافة إلى ما سبق فإنني لم أقف على ترجمة لـ ((مسلم بن أبي
الذيال)) فيما بين يدي من كتب الرجال، فدل كل ذلك على أن تصحيفاً وقع
فيه كما سبق .
وقد ترجم الحافظ المزي في ((تهذيب الكمال))(٥) لسلم بن أبي الذيال،
وذكر في تلاميذه معتمر بن سليمان، وهو الراوي عنه هذا الحديث عند
(١) وقع في المطبوع ((معتمر عن سليمان)) وهو تصحيف مطبعي.
(٢) المعجم الكبير للطبراني ٧/ ٣٧٤ ح ٧٢٣١.
(٣) تهذيب التهذيب ٤/ ١٢٩.
(٤) التقريب ١/ ٣١٣.
(٥) تهذيب الكمال ١/ ٥١٨ .

١٥٠
التصحيف وأثره في الحديث
الطبراني كما سبق. وذكر المزي أيضاً في شيوخ سلم بن أبي الذيال أبا سنان
المدني فأكد ذلك صحة ما عند الطبراني.
وأما أبو سنان المدني فاسمه يزيد بن أمية الدؤلي المدني، وهو ثقة(١).
وبعد أن تبينا الصواب في رجال هذا السند، فينبغي أن نعلم أن هذا
التصحیف ترتب عليه أمران :
الأول: تجهيل سلم بن أبي الذيال كما وقع من الحافظ الهيثمي، في حين
أنه ثقة كما تقدم ذلك .
الثاني: اعتبار هذا الراوي ((سلم بن أبي الذيال)) شخصين ((مسلم)) و ((أبو
الذيال)) كما وقع في الإصابة .
النموذج الرابع:
روى الطحاوي من طريق إسحاق عن هشام بن يوسف ، عن
عبد الرحمن بن صخر الإفريقي، عن جميل بن كُريب، عن عبد الله بن يزيد
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله عَّهُ: ((من شرب بَسْقَة
خمر فاجلدوه ثمانين) (٢) .
قال ابن حجر: قال ابن حزم في كتاب ((الإيصال))(٣): ((هو موضوع
لاشك فيه ، كأن إسناده ظلمات بعضها فوق بعض ، ولا يدرى من
(عبد الرحمن بن صخر) ولا من (جميل بن جرير)، ولا من (عبد الله بن
يزيد)، ولا من رواه عن (إسحاق بن إسرائيل).
قال ابن حجر: ((تصحف على ابن حزم ((ابن عمرو)) فصيره ((ابن عمر))
(١) سلسلة الأحاديث الضعيفة للشيخ الألباني ٣/ ٤٢٥ -٤٢٦ ح ١٢٦٥.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ١٥٨.
(٣) وقع في لسان الميزان لابن حجر ((الاتصال)) وهو تصحيف.

١٥١
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
ثم تحرف عليه والد جميل وهو ((كريب)) فقال ((جرير)) ... )(١).
قلت: ووقع تصحيف آخر في اسم جميل هذا، فقد أورد الحديث
الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد فقال: ((وعن عبد الله بن عمرو قال: قال
رسول الله عَبه: ((من شرب بصقة خمر فاجلدوه ثمانين)، ثم قال الهيثمي: رواه
الطبراني وفيه حميد بن كريب ولم أعرفه))(٢) .
قلت: أصاب الهيثمي في موضعين أخطأ فيهما ابن حزم:
أولاً: في قوله ((ابن کریب)».
ثانياً: في جعله من مسند عبد الله بن عمرو. ولكنه أخطأ وصحف في
قوله ((حميد)) وإنما هو جميل.
قال ابن حجر: ((وذكره - أي جميل بن كريب - ابن يونس في ((تاريخ
مصر)) فقال: جميل بن كريب المعافري من أهل إفريقية، ولي القضاء
لعبد الرحمن بن حبيب الفهري، ولأخيه إياس، ولحبيب بن عبد الرحمن،
فخرج حبيب لقتال البربر، فقعد أهل إفريقية لجميل بن كريب، وخرجوا
لقتالهم فقتل جميل، وأثنى ابن يونس على سيرته في القضاء)) (٣).
قلت: والحديث أورده الحافظ ابن حجر في كتابه ((المطالب العالية بزوائد
المسانيد الثمانية)) (٤) وعزاه لأبي يعلى الموصلي.
وقال المعلق على كتاب ((المطالب العالية)) حبيب الرحمن الأعظمي:
(١) لسان الميزان لابن حجر ٢/ ١٣٥.
(٢) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ الهيثمي ٦/ ٢٧٩.
(٣) لسان الميزان ٢/ ١٣٥ وراجع ((الرفع والتكميل)) ص ٣٠٠ (تعليق لأبي غدة).
(٤) المطالب العالية ٢ / ٩٧ .

١٥٢
التصحيف وأثره في الحديث
((سكت عليه البوصيري(١). وقال الهيثمي: ((رواه الطبراني وفيه حميد بن
کریب ولم أعرفه».
قلت : - القائل هو الأعظمي - هو في إسناد أبي يعلى أيضاً، لكن وقع
في المسندة(٢) ((جمل بن كريب)))(٣) .
قلت: وهكذا تتسلسل الأخطاء في اسم هذا الراوي إلى ما لا نهاية،
فرسم هذه الكلمة يحتمل أكثر من ذلك، كما أن ندرة ترجمة هذا الراوي
وسعت دائرة الاحتمال، فلم يصب في ضبط اسمه إلا المحققون من أهل هذا
الفن الذين لهم مراس وصبر وتحمل في التنقيب والاستقراء، كالحافظ ابن
حجر العسقلاني، والإمام الزيلعي الذي أورد الحديث في كتابه العظيم
(نصب الراية)) فقال: ((روى أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا إسحاق بن
أبي إسرائيل حدثني هشام بن يونس، أخبرني عبد الرحمن بن صخر الإفريقي
عن جميل بن كريب عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال: قال
رسول الله عَّ: (((من شرب بسقة خمر فاجلدوه ثمانين)). وأشار إليه بالتضعيف
صاحب ((التنقيح)) (٤) فقال: وروي بإسناد غريب لا يثبت عن عبد الله بن
عمرو مرفوعاً فذكره))(٥) .
(١) البوصيري أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل في كتاب («إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد
العشرة» .
(٢) المطبوع من كتاب ((المطالب العالية)) محذوف الأسانيد، والمحقق حبيب الرحمن الأعظمي
الذي حقق الكتاب اعتمد نسختين في التحقيق : نسخة مجردة من الأسانيد وأخرى ذات
أسانيد .
(٣) المطالب العالية ٢/ ٩٧ (الهامش).
(٤) كتاب ((التنقيح)) من تأليف الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ).
(٥) نصب الراية للحافظ الزيلعي ٣/ ٣٥٢.

١٥٣
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
والحاصل هنا أن الصواب في اسم هذا الراوي هو جميل بن كريب وأنه
ثقة كما نقل ذلك الحافظ ابن حجر عن ابن يونس .
غريب الحديث:
قوله عَّهُ: (بَسْقَةَ خَمْرٍ، يقال بالسين وبالصاد قال المناوي: (أي شيئاً قليلاً
بقدر ما يخرج من الفم من البصاق)(١) .
(١) ((فيض القدير شرح الجامع الصغير)) للمناوي ٦/ ١٥٨.

المبحث الثالث:
وصل المرسل

١٥٧
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
١- الحديث المرسل:
الراجح في تعريف الحديث المرسل ((أن يقول التابعي، سواء كان كبيراً أو
صغيراً: قال رسول الله عَّ كذا، أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، أو نحو
ذلك))(١).
والراجح في حكم الحديث المرسل أنه من قبيل المردود.
قال الإمام مسلم رحمه الله: ((والمرسل من الروايات في أصل قولنا،
وقول أهل العلم بالأخبار، ليس بحجة))(٢) .
وقال النووي: ((ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين
والشافعي وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول))(٣) .
ثم قال معللاً رد الحديث المرسل: ((ودليلنا في رد المرسل مطلقاً أنه إذا
كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله، فرواية المرسل أولى، لأن
المروي عنه محذوف، مجهول العين والحال)) (٤).
٢- الحديث المتصل:
(هو ما اتصل إسناده إلى النبي ◌َّه أو إلى واحد من الصحابة، أي: ما
خلا من انقطاع))(٥) .
(١) نزهة النظر لابن حجر ص ٤١ .
(٢) مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ١٣٢).
(٣) تدريب الراوي ١ / ١٩٨ .
(٤) ((المجموع)) للنووي ١ / ٦٠ المقدمة.
(٥) ((فتح المغيث)) للسخاوي ١/ ١٠٧، و((توضيح الأفكار)) للصنعاني ١/ ٢٦٠، و((قواعد
التحديث)» لجمال الدين القاسمي ص ١٢٣ .

١٥٨
التصحيف وأثره في الحديث
وصل المرسل:
ليس المقصود هنا من هذه الترجمة زيادة الوصل التي يتكلم عليها
المحدثون في مبحث العلل، ولكن المقصود أن التصحيف قد أدى في بعض
الأحيان إلى اعتبار الحديث المرسل حديثاً متصلاً، وبالتالي اعتباره حديثاً
صحيحاً واستنباط الأحكام الفقهية منه، فمن ذلك :
النموذج الأول:
روى أبو بكر بن أبي شيبة، ومن طريقه الخطيب البغدادي عن عيسى بن
يونس عن الأوزاعي عن المُطْعم بن المقدام قال: قال رسول الله عليه: ((ما خلف
عبد على أهله أفضل من ركعتين ير كعهما عندهم حين يريد السفر))(١) ..
هذا الحديث أورده الإمام النووي في كتابه ((الأذكار))(٢) وعزاه للطبراني،
لكنه قال ((المُقَطَّم بن المقدام الصحابي)) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الطاء
المهملة، ونسبه صحابياً، وإنما هو صنعاني نسبة إلى صنعاء دمشق.
وقد ترتب على تصحيف كلمة ((الصنعاني)) إلى ((الصحابي)) أثر عظيم،
وهو اعتبار الحديث متصلاً، وبالتالي صحيحاً، فاستفاد من ذلك الإمام
النووي مشروعية صلاة ركعتين قبل الخروج للسفر.
قال رحمه الله: ((باب أذكاره عند إرادته الخروج من بيته)) ثم قال:
((يستحب له عند إرادته الخروج أن يصلي ركعتين لحديث المُقَطَّم بن المقدام
الصحابي ... )).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٤٢٤ ح ٤٨٧٩ (كتاب الصلوات: باب الرجل يريد
السفر من كان يستحب له أن يصلي قبل خروجه). والخطيب البغدادي في ((موضح أوهام
الجمع والتفريق)) ٢/ ٤٠٥ .
(٢) ((الأذكار)) للنووي ص ١٨٥.
١

١٥٩
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
ولقائل أن يقول: لعل هذا التصحيف وقع من طرف النساخ.
قلت: يبعد هذا الاحتمال وجود ذلك مضبوطاً بخط الإمام النووي
نفسه، فقد اطلع على ذلك الحافظان الجليلان، ابن رجب الحنبلي وابن حجر
العسقلاني.
قال ابن حجر في كتابه ((الإصابة)): ((المقطم بن المقدام الصحابي قال:
قال رسول الله عَّ ... فذكر الحديث ثم قال: رواه الطبراني. هكذا أورده
الشيخ محيي الدين النووي في كتاب «الأذكار» له، ووقفت على ذلك في
عدة نسخ، حتى في النسخة التي بخطه، مضبوطاً بضم الميم وفتح القاف،
وتشديد الطاء المهملة، وقد تعقبه الحافظ زين الدين ابن رجب الحنبلي فقرأت
بخطه ما نصه: «هکذا قرأت بخط النووي، وقد وقع له فيه تصحیف عجيب
لأن الذي في المناسك للطبراني عن المطعم بن المقدام الصنعاني، فجعل
المطعم المُقَطَّم والصنعاني الصحابي.
والمطعم بن المقدام من أتباع التابعين، يروي عن مجاهد وسعيد بن
جبير، ونحوهما، مشهور، أرسل هذا الحديث، فهو معضل، فقد رواه أبو
بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن المطعم
ابن المقدام قال: قال رسول الله عَّ ... فذكره، ومن هذا الوجه أخرجه
الطبراني)) وهو كما قال ابن رجب ... ثم قال الحافظ ابن حجر: ثم رأيت
في تاريخ ابن عساكر أنه روى عن أبي هريرة ومحمد بن مسلمة مرسلاً، ثم
عد في شيوخه جماعة من التابعين، وذكر في الرواة عنه إسماعيل بن عياش
ويحيى بن حمزة ونحوهما، وأخرج الحديث الذي في ((الأذكار)) من طريق
الوليد بن مسلم سمعت الأوزاعي يقول: حدثني الثقة المطعم بن المقدام أن
رسول الله عَّه قال ... فذكره. ثم أخرج من طريق الوليد أيضاً يقول:

١٦٠
التصحيف وأثره في الحديث
سمعت الأوزاعي يقول: ما أصيب أهل دين بأعظم من مصيبتهم بالمطعم بن
المقدام الصنعاني ... ))(١) .
قلت: فهذا الحافظ الثالث ابن عساكر نسب المطعم بن المقدام أيضاً إلى
صنعاء وذكر اسمه على الصواب.
وهكذا نرى أن هذا التصحيف الذي وقع للإمام النووي رحمه الله في
نسبة هذا الرجل أدى إلى اعتبار الحديث متصلاً صحيحاً، ثم الاستدلال به
على مشروعية صلاة ركعتين عند الخروج للسفر، مع أن الحديث منقطع أو
معضل كما ورد عن الحافظ ابن رجب الحنبلي .
النموذج الثاني:
روى عبدان من طريق موسى بن أعين عن عبد الكريم الجزري عن فرات
عن ثعلبة البهراني مرفوعاً ((يوشك العلم أن يختلس)) (٢) الحديث.
قال ابن حجر: ((وهذا غلط نشأ عن تصحيف، وإنما هو عن فرات بن
ثعلبة فصارت ((بن)) ((عن)) والفرات بن ثعلبة تابعي معروف، ذكره ابن حبان
في ثقات التابعين وقال: ((روى عنه أهل الشام)). وقال أبو موسى: ((الحديث
المذكور يعرف بأبي الدرداء))))(٣) .
وقال ابن أبي حاتم: ((فرات بن ثعلبة البهراني شامي روى عن النبي لعلّه،
أدخله أبي في مسند الوحدان، وأدخله أبو زرعة في مسند الشاميين، ولم
يذكر فيما يروى عن النبي عَّه لقياً ولا سماعاً. روى عن أبي عامر، روى
(١) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٣/ ٥٢٩ .
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١ / ٢١٠.
(٣) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١/ ٢١٠.

١٦١
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
عنه سليم بن عامر، وضَمْرَةَ(١) والمهاصر ابنا حبيب، وروى عبد الكريم
الجزري وخصيف عنه مرسلاً، سمعت بعض ذلك من أبي وبعضه من
قبلي))(٢) .
قلت: ترتب على هذا التصحيف في كلمة ((بن)) حيث صارت ((عن))
أمران :
أولهما: اعتبار ثعلبة البهراني صحابياً حيث ذكره عبدان في الصحابة،
وفي ترجمته أورد هذا الحديث، ولم تثبت له الصحبة ولا لابنه فرات.
ثانيهما : اعتبار الحديث موصولاً، وإنما هو مرسل ، لأن رواية
عبد الكريم الجزري عن فرات بن ثعلبة مرسلة عند المحدثين كما سبق النقل
عن ابن أبي حاتم، ولأن فراتاً ليست له صحبة.
(١) في المطبوع بالصاد المهملة، وصوابه بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم.
(٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٧/ ٧٩.