Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢٢
التصحيف وأثره في الحديث
الأخذ عن إسماعيل بن أبي خالد فلم يذكره الحافظ المزي في ((تهذيب
الكمال)» ضمن شيوخ محمد بن عيسى الطباع الذي روى ابن جرير من
طريقه هذا الحديث، بل ذكر محمد بن عيسى هذا ضمن الآخذين عن عبيد
ابن القاسم. ولم يذكر المزي محمد بن عيسى ضمن الآخذين عن عبثر بن
القاسم .
والحافظ المزي معروف بطول النفس في استقصاء واستقراء شيوخ
وتلاميذ كل من ترجم له في ((تهذيب الكمال)) مع الدقة في ترتيب شيوخ
وتلاميذ المترجم حسب حروف المعجم.
وهذا الذي ذهب إليه ابن التركماني من تصحيحه الحديث، أشار إلى
مثله الحافظ ابن حجر - ولعله تأثر بكلام ابن التركماني - حيث قال: «ورواه
أبو جعفر الطبري في تهذيبه)) وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) والطبراني في
((الكبير)) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وظاهر إسناده الصحة، وهو يعكر
على البيهقي حيث قال عقب حديث أبي يوسف: ((يروى بأسانيد أخر كلها
ضعيفة))))(١) .
أما كونه عند ابن جرير الطبري في ((تهذيبه» فقد سبق الوقوف على ذلك
وأما أبو نعيم فقد أخرجه في ((معرفة الصحابة)) وقد وقفت عليه فإذا هو قد
أخرجه من طريق يحيى بن هاشم ثنا إسماعيل بن أبي خالد به.
ثم قال أبو نعيم عقبه: ((رواه عبيد بن القاسم عن إسماعيل))(٢).
ويحيى بن هاشم هو السمسار أبو زكريا الغساني الكوفي ((كذبه ابن معين
(١) التلخيص الحبير ٤/ ٢١٤.
(٢) معرفة الصحابة لأبي نعيم ١/ أ/ ٣٤٣ (مصورة المكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة عن نسخة أحمد الثالث بتركيا).

١٢٣
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
وقال النسائي وغيره: متروك، وقال ابن عدي: كان ببغداد يضع الحديث
ویسرقه»(١)
وقصدي هنا أن الحافظ لا يقصد طريق يحيى بن هاشم السمسار، لأنه
كذاب وترجمته في ((اللسان)) عند الحافظ ابن حجر.
إذاً ماذا بقي بعد هذا؟ بقي طريق الطبراني في (معجمه الكبير))، فقد أورد
الحديث الحافظ نور الدين الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ثم قال: ((رواه
الطبراني، وفيه ((عبيد بن القاسم)) وهو كذاب))(٢).
وقال الحافظ الزيلعي: ((وأما حديث ابن أبي أوفى فأخرجه الطبراني في
((معجمه)) عن عبيد بن القاسم الأسدي عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله
ابن أبي أوفى ... )) فذكره ثم قال: ((ورواه ابن عدي في «الكامل)) وأعله بعبيد
ابن القاسم، ونقل عن ابن معين أنه قال فيه: ((كان كذاباً)))) (٣).
وبعد هذا البحث فإن هذا التصحيف الواقع في اسم هذا الرجل ((عبيد
ابن القاسم)) كان من نتائجه أن اعتبر ابن التركماني الحديث صحيحاً وانخدع
بكلامه الحافظ ابن حجر العسقلاني، وأن الحديث بهذا الإسناد حقه أن يدرج
ضمن الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة جداً، ولذلك فقد أحسن صنعاً ابن
عدي حيث أورده في ((كامله)).
وحديث ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) حديث صحيح من حيث المتن لأن
له شاهدين: من حديث ابن عمر، ومن حديث علي بن أبي طالب.
أما حديث ابن عمر فقد أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي من طريقين
(١) ميزان الاعتدال للذهبي ٤/ ٤١٢ .
(٢) («مجمع الزوائد» ٤/ ٢٣١.
(٣) ((نصب الراية)) ٤/ ١٥٢.

١٢٤
التصحيف وأثره في الحديث
عن عبد الله بن دينار به(١) .
وأما حديث علي فأخرجه البيهقي بإسناد صحيح. ولفظه («الولاء بمنزلة
النسب لا يباع ولا يوهب، أقره حيث جعله الله ،(٢).
النموذج الثاني:
روى الدار قطني والبيهقي وغيرهما من طريق القاسم بن عبد الله
العُمَري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري عن أبيه عن أبي سعيد
الخدري قال: قال رسول الله عَ: (لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان))(٣).
قال الذهبي في نقده لبيان الوهم والإيهام: ((حديث للدار قطني، من
رواية القاسم بن محمد العُمَري: ((لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان)).
قال - يعني ابن القطان -: فالقاسم متروك.
قلت (٤): ((الصواب القاسم بن عبد الله))(٥).
قلت: يشير الإمام الذهبي رحمه الله إلى الوهم والتصحيف اللذين وقع
فيهما الحافظ عبد الحق الإشبيلي، وذلك أن راوي الحديث هنا كما تقدم عند
الدار قطني وغيره هو القاسم بن عبد الله العمري وقد قال فيه الإمام أحمد :
(ليس بشيء، كان يكذب ويضع الحديث))(٦) .
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) ٧/ ٢٢٠ ح ٤٩٢٩
كتاب البيوع باب البيع المنهي عنه. والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٤١ والبيهقي في السنن
الكبرى ١٠/ ٢٩٢.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٢٩٤.
(٣) الدار قطني في السنن ٤ / ٢٠٦ ح ١٤ كتاب في الأقضية والأحكام، والبيهقي ١٠ / ١٠٥ .
١٠٦.
(٤) القائل هنا هو الذهبي.
نقد الإمام الذهبي لبيان الوهم والإيهام ص ٧٢ .
(٥)
(٦) ميزان الاعتدال ٣/ ٣٧١.

١٢٥
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
وقال يحيى بن معين: ((ليس بشيء)) وقال مرة: ((كذاب)).
وقال أبو حاتم والنسائي: ((متروك)).
وقال الدار قطني: ((ضعيف)). وقال البخاري: ((سكتوا عنه))))(١).
قلت: ويشتبه بالقاسم العمري هذا القاسم المَعْمَري(٢) ، وهو ابن محمد
ابن حميد، وهو الذي اشتبه على الحافظ عبد الحق الإشبيلي كما أشار إلى
ذلك الذهبي. فعندما اشتبهت على الحافظ عبد الحق نسبة العمري بالمعمري
حمل القاسم على أنه ابن محمد، لذلك تعقبه الذهبي بقوله: ((قلت:
الصواب القاسم بن عبد الله)).
وليس الحافظ عبد الحق الإشبيلي هو أول من وقع في هذا التصحيف،
بل سبقه إلى مثله عثمان بن سعيد الدارمي، فقد قال: سمعت ابن معين
يقول: ((قاسم المعمري كذاب خبيث)).
قال عثمان الدارمي: ((وليس كما قال يحيى))(٣) .
قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى اليماني المعلمي: «فيشبه أن يكون ابن
معين إنما قال: ((قاسم العُمَري كذاب خبيث)) فكتبها عثمان الدارمي، ثم بعد
مدة راجعها في كتابه فاشتبه عليه فقرأها: ((قاسم المعمري)))) (٤) .
قلت: ولابد من مثل هذا التخريج خروجاً من تضارب أقوال النقاد في
الرجل الواحد فالقاسم بن محمد المَعْمَري لم يثبت عن ابن معين جرحه وإنما
(١) ميزان الاعتدال ٣/ ٣٧٢.
(٢) بالميمين المفتوحتين المخففتين والعين المهملة الساكنة، قيل له ذلك لرحلته إلى معمر.
راجع تبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر العسقلاني ٤ / ١٣٧٥ .
(٣) ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر ٨/ ٣٣٦.
(٤) ((التنكيل)) لعبد الرحمن بن يحيى المعلمي ١/ ٦٣ - ٦٤ .

١٢٦
التصحيف وأثره في الحديث
جرح القاسم بن عبد الله العُمَري. قال الحافظ ابن حجر في ترجمة القاسم بن
محمد المعمري: ((صدوق من العاشرة، نقل الدارمي أن ابن معين كذبه، ولم
يثبت ذلك))(١) .
قلت: ويضاف إلى هذا توثيق قتيبة بن سعيد للقاسم المعمري(٢). وذكر
ابن حبان له في كتابه «الثقات)» (٣).
والخلاصة أن قول الحافظ عبد الحق الإشبيلي: ((من رواية القاسم بن
محمد العمري)) يعتبر وهماً وتصحيفاً. وقد أحسن الحافظ ابن القطان
الفاسي في تعقبه على الحافظ عبد الحق الإشبيلي.
فالواقف على كلام عبد الحق الإشبيلي إما أن يصحح الحديث إذا اعتبره
من رواية القاسم بن محمد، وإما أن يقف متحيراً؛ لأنه لا وجود للقاسم بن
محمد العمري، فيحكم بتجهيل هذا الراوي جهالة عين.
والخلاصة أن الصواب في هذا الحديث أنه من رواية القاسم بن عبد الله
العمري وهو من الكذابين. فالحديث بهذا السند يعتبر موضوعاً. وقد وقع
تصحيف في نسبة راويه فصار ((المعمري)) - وهو ثقة - بدل العمري، فحكم
عبد الحق الإشبيلي على هذا الحديث بالصحة، وحكمه هذا خطأ لأنه مبني
على تصحيف وقع في اسم راويه، ولذلك تعقبه الحافظ ابن القطان بقوله:
((فالقاسم متروك)) فبين الذهبي أن القاسم المتروك هو القاسم بن عبد الله.
(تقريب التهذيب)) لابن حجر العسقلاني ٢ / ١٢٠.
(١)
((تهذيب التهذيب)) لابن حجر العسقلاني ٨/ ٣٣٦.
(٢)
((الثقات)» لابن حبان ٩/ ١٥.
(٣)

١٢٧
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
المطلب الثاني
توثيق الضعفاء:
في هذا المطلب سنقف على نوع آخر، وأثر آخر من الآثار التي ترتبت
على التصحيف في أسماء الرواة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التصحيف في
أسماء الرواة أكثر من التصحيف في متون الأحاديث، وذلك لأن الأسماء لا
يدخلها القياس، ولا يدل عليها ما قبلها، ولا ما بعدها، ولهذا وغيره فإن
البحث في أثر التصحيف في أسماء الرواة طريف، ويمكن أن يدخل تحت
عدة مباحث من علوم الحديث، كما سنقف على بعض ذلك إن شاء الله.
وأعود فأقول: إن التصحيف في أسماء الرواة ترتب عليه اعتبار
الضعيف ثقة، وأسوق نموذجين يدلان على ذلك:
النموذج الأول:
عن أبي شهاب عن سفيان الثوري عن حجاج بن فرافصة عن يحيى بن
أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً (المؤمن غِرَّ كريم، والفاجر خَبٌ
لنيه)(١) . أبو شهاب في هذا السند هو الحَنَّط - بالحاء المهملة والنون - اسمه
عبد ربه بن نافع الكناني قال فيه الحافظ ابن حجر: ((صدوق يهم، من
الثامنة))(٢).
وهذا الحديث المذكور أعلاه أورده الحافظ السيوطي في ((تدريب الراوي))
ووقع له فيه تصحيف عجيب حيث تصحف عليه ((أبي شهاب)) إلى ((ابن
شهاب)) فنسبه زهرياً وأورده هكذا:
(١) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٣ .
(٢) تقريب التهذيب ١/ ٤٧١ .

١٢٨
التصحيف وأثره في الحديث
((كحديث الزهري عن سفيان الثوري عن حجاج بن فرافصة عن يحيى
ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً(المؤمن غر كريم، والفاجر
خب لنيم» ... )) (١).
وهذا خطأ ووهم فإن الزهري أقدم جداً من الثوري، ولم تعلم له رواية
عنه، والصواب ما ورد عند الحاكم: ((أبي شهاب)). وهكذا نرى أن هذا
التصحيف الذي وقع فيه السيوطي رحمه الله ترتب عليه اعتبار أبي شهاب
الحناط - وهو متكلم فيه - ثقة في مرتبة الزهري، والحق أن بين ابن شهاب
الزهري وأبي شهاب الحناط مفاوز في الضبط والإتقان والعناية بشأن
الحديث .
غريب الحديث:
قوله عَّهُ: ((المؤمن غِرّ) أي يغره كل أحد ويغره كل شيء ولا يعرف الشر
وليس بذي مكر ولا فطنة للشر، فهو ينخدع لسلامة صدره وحسن ظنه
وقوله: ((والفاجر خَبٌّ لَنيه) أي جريء فيسعى في الأرض بالفساد(٢) ...
النموذج الثاني:
عن عبد الله بن نصر الأصم نا شبابة، نا ابن أبي ذئب، عن الزهري عن
سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله عَّهُ: (لا يَغْلَقُ الرهن، والرهن لمن رهنه، له غُنْمُه، وعليه غُرْمه، (٣).
:
(١) تدريب الراوي ١/ ٢٦٠ -٢٦١، وانظر (ألفية الحديث للسيوطي بتحقيق الشيخ أحمد
شاكر ص ٦٢).
(٢) راجع ((فيض القدير)) للمناوي ٦/ ٢٥٤.
(٣) أخرجه الدار قطني ٣/ ٣٣ ح ١٣٣ كتاب البيوع. والحاكم في المستدرك ٢ / ٥١ وابن
عدي في الكامل ٤ / ١٥٤٦ .

١٢٩
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
قلت: عبد الله بن نصر منكر الحديث ذكر له ابن عدي مناكير، وهذا
منها. والحديث أورده ابن حزم في المحلى من طريق ((قاسم بن أصبغ حدثني
محمد بن إبراهيم، حدثني يحيى بن أبي طالب الأنطاكي، وجماعة من أهل
الثقة نانصر (١) بن عاصم الأنطاكي نا شبابة عن ورقاء نا ابن أبي ذئب عن
الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي
هريرة فذكره.
ثم قال: ((فهذا مسند من أحسن ما روي في هذا الباب))(٢) .
قال ابن حجر: ((وظهر أن قوله في رواية ابن حزم ((نصر بن عاصم))
تصحيف، وإنما هو عبد الله بن نصر الأصم، وسقط عبد الله، وحرف الأصم
بعاصم))(٣) .
قلت: ((ونصر بن عاصم)) الذي تصحف به ((عبد الله بن نصر الأصم))
أنطاكي مثل ((عبد الله بن نصر))، وقد أورده ابن حبان في الثقات فقال: ((نصر
ابن عاصم الأنطاكي شيخ يروي عن الوليد بن مسلم، روى عنه عثمان بن
خرزاذ»(٤) .
فربما كان هذا هو السبب في حمل ابن حزم هذا الراوي على أنه ((نصر بن
عاصم)) أولاً، وفي تحسينه الحديث ثانياً.
واعلم أن هذا الحديث لا يصح من هذا الطريق عند المحققين من أهل
الحديث لما عرفت من حال عبد الله بن نصر الأصم.
(١) وقع في المطبوع (نضر) بالضاد المعجمة وهو خطأ مطبعي لما سيأتي عن ابن حجر.
(٢) المحلى لابن حزم ٨/ ٩٩ .
(٣) التلخيص الحبير لابن حجر ٣/ ٣٧.
(٤) الثقات لابن حبان ٩/ ٢١٧.

١٣٠
التصحيف وأثره في الحديث
قال ابن حجر: ((وله طرق في الدار قطني والبيهقي كلها ضعيفة))(١).
وقال الزيلعي بعد أن عزاه للدار قطني من طريق عبد الله بن نصر الأصم:
((وصححه عبد الحق في ((أحكامه)) من هذه الطريق، قال ابن القطان: ((وأراه
إنما تبع في ذلك أبا عمر بن عبد البر، فإنه صححه. وعبد الله بن نصر هذا لا
أعرف حاله، وقد روى عنه جماعة، وذكره ابن عدي في ((كتابه))، ولم يبين
من حاله شيئاً إلا أنه ذكر له أحاديث منكرة منها هذا)) انتهى كلامه. وقال في
التنقيح: ((عبد الله بن نصر الأصم البزار الأنطاكي ليس بذاك المعتمد))))(٢).
واعلم أنه قد وقع إدراج في هذا الحديث، وأن القدر المدرج فيه هو قوله
«له غنمه وعليه غرمه، قال ابن حجر العسقلاني: «وقوله («له غنمه وعليه غرمه)
قيل إنها مدرجة من قول ابن المسيب، فتحرر طرقه، قال ابن عبد البر: ((هذه
اللفظة اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر
وغيرهما، مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن أبي ذئب،
ووقفها غيرهم، وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوده، وبين أن هذه
اللفظة من قول سعيد بن المسيب))، وقال أبو داود في المراسيل: ((قوله ((له
غنمه وعلیه غرمه، من کلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزهري)» .
وقال عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن رسول الله عَ ليه
قال: ((لا يغلق الرهن ممن رهنه».
قلت للزهري: أرأيت قول النبي عَّه: ((لا يغلق الرهن)) أهو الرجل يقول:
إن لم آتك بمالك، فالرهن لك؟ .
(١) التلخيص الحبير ٣/ ٣٦.
(٢) ((نصب الراية)) للحافظ الزيلعي ٤/ ٣٢٠، وراجع إرواء الغليل للشيخ الألباني ٢٤٠/٥
- ٢٤١، والتلخيص الحبير ٣/ ٣٦ -٣٧ لمعرفة بقية الطرق وعللها.

١٣١
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
قال: نعم. قال معمر: ثم بلغني أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا؛
إنما هلك من رب الرهن، له غُنْمُه، وعليه غُرْمُه))(١) انتھی قول ابن حجر .
غريب الحديث:
قال ابن الأثير: (لا يَغْلَقُ الرهن بما فيه، يقال غَلقَ الرهن يَغْلَقُ غُلُوقاً إذا
بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه المرتهن
إذا لم يستفكه صاحبه. وكان هذا من فعل الجاهلية، أن الراهن إذا لم يؤد ما
عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإسلام.
قال الأزهري: يقال غَلقَ الباب، وانغلق واستغلق، إذا عسر فتحه،
والغَلَقُ في الرهن: ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن فقد أطلقه من وثاقه
عند مرتهنه ... ))(٢) .
وقوله: «له غنمه، وعلیه غرمه)) :
قال ابن الأثير: ((غُنْمُه: زيادته ونماؤه وفاضل قيمته))(٣).
وقال أيضاً في تفسير الغُرم: ((أي عليه أداء ما يفكه به)) (٤) .
وخلاصة البحث أن التصحيف الذي وقع في سند هذا الحديث -
والسقط كذلك - كان من نتائجهما اعتبار الحديث صحيحاً، ومن ثم
الاستدلال به في باب الرهن كما فعل ابن حزم وعبد الحق الإشبيلي وابن
عبد البر، وقد تبينا أن الحديث ضعيف جداً، وأنه لا يصلح للاستدلال، كما
سبق عن ابن حجر، وأن طرقه كلها ضعيفة .
(١) التلخيص الحبير ٣/ ٣٦.
(٢) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٣٧٩.
(٣) المصدر نفسه ٣/ ٣٩٠.
(٤) المصدر نفسه ٣ / ٣٦٣.

١٣٢
التصحيف وأثره في الحديث
المطلب الثالث
توثيق المجاهيل
تنقسم الجهالة إلى قسمين: جهالة العين، وجهالة الحال(١) .
أ- فمجهول العين : هو الراوي الذي سمي وانفرد بالرواية عنه راو
واحد (٢)
.
قال الخطيب البغدادي: ((المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم
يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا
من جهة راو واحد، مثل عمرو ذي مر وجبار الطائي وعبد الله بن أغر
الهمداني والهيثم بن حنش ... هؤلاء كلهم لم يرو عنهم غير أبي إسحاق
السَّبيعي.
وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعداً من
المشهورين بالعلم كذلك، أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب أنا محمد بن
نعيم بن إبراهيم بن إسماعيل القاري نا أبو زكريا يحيى بن محمد بن يحيى
قال: سمعت أبي يقول: إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم
الجهالة .
قلت: إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه، وقد زعم قوم أن
عدالته تثبت بذلك))(٣). وحكم رواية مجهول العين أنها لا تقبل، هذا هو
(١) اخترنا هنا تقسيم الحافظ ابن حجر للجهالة لأنه أيسر، ولأنه أغلب اعتماد المحققين في
عصرنا الحالي على ما استقر عليه وانتهى إليه ابن حجر من تصنيف مراتب الجرح
والتعديل في (تقريب التهذيب).
(٢) نزهة النظر لابن حجر ص ٥٠.
(٣) (الكفاية في علم الرواية) للخطيب البغدادي ص ٨٨ -٨٩.

١٣٣
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
((الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم، وقيل تقبل
مطلقاً، وهو قول من لم يشترط في الراوي مزيداً على الإسلام))(١) .
وتوسط الحافظ ابن حجر العسقلاني، فذهب إلى قبول رواية مجهول
العين بتوفر أحد شرطين :
١ - إذا وثقه غیر من ینفرد عنه.
٢ - إن وثقه من ينفرد عنه إذا كان هذا المنفرد من أئمة الجرح
والتعديل(٢).
ب - مجهول الحال أو المستور: وهو من روى عنه اثنان فصاعدا
ولم يوثق(٣) .
وحكم رواية هذا النوع ((أن لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي
موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم إمام الحرمين، ونحوه قول ابن الصلاح
فيمن جرح بجرح غير مفسر)) (٤) .
والمقصود هنا في هذا المطلب أن التصحيف أدى في بعض الأحيان إلى
اعتبار المجهول من رواة الحديث ثقة، وبالتالي تصحيح حديثه، وهذا مثال
على ذلك :
روى أبو داود والترمذي وعبد الله بن أحمد من طريق أمية بن خالد،
حدثنا أبو الجارية العبدي عن شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن
(١) تدريب الراوي ١/ ٣١٧.
(٢) نزهة النظر ص ٥٠.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه .

١٣٤
التصحيف وأثره في الحديث
ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي عَّه أنه قرأ ﴿قد بلغت من لَدُنِّي عذرا﴾(١)
مثقلة(٢) . قال الترمذي: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه،
وأمية بن خالد ثقة وأبو الجارية العبدي شيخ مجهول لا أدري من هو ولا
یعرف اسمه)».
وهذا الحديث وقع فيه تصحيف لبعض المحققين من أهل الحديث الذين
عنوا بالتأليف والتنبيه على التصحيفات التي وقع فيها المحدثون، فقد أورد
الحديث أبو أحمد العسكري في كتابه العظيم (تصحيفات المحدثين)) في
ترجمة أبي الجويرية حطّان بن خُفَاف. قال رحمه الله: ((وأبو الجويرية حطَّان
ابن خُفَاف، وهو أبو الجويرية الأكبر، روى عن ابن عباس رضي الله عنهما،
روی عنه شعبة، روی عنه أمية بن خالد.
أخبرنا الحسن بن أحمد بن بسطام، حدثنا أبو بكر بن رافع، حدثنا أمية
ابن خالد، حدثنا أبو الجويرية عن شعبة عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله عنهما أن النبي عَّ قرأ ﴿قد بلغت
من لَدُنِّي عذرا ﴾ مثقلة)(٣).
قلت: أبو الجويرية حطان بن خفاف الذي جعل العسكري الحديث من
روايته ذكروا له رواية عن ابن عباس ومعن بن يزيد وغيرهما، وذكروا في
الآخذين عنه إسرائيل وزهيراً والسفيانين وشعبة وعاصم بن كليب وشريكاً،
(١) الآية ٧٦ من سورة الكهف (رواية حفص عن عاصم، وأما نافع فإنه خففها).
(٢) أخرجه أبو داود ٤/ ٢٨٦، و٢٨٧ ح ٣٩٨٥ كتاب الحروف والقراءات. والترمذي في
السنن ٥/ ١٨٨ ح ٢٩٣٣ كتاب القراءات باب (ومن سورة الكهف)، وعبد الله بن الإمام
أحمد في زوائده على المسند ٥/ ١٢١، وأخرجه كذلك ابن جرير الطبري في تفسيره
(جامع البيان في تفسير القرآن ١٥/ ١٨٦).
(٣) تصحيفات المحدثين لأبي أحمد العسكري ٢/ ٢/ ٥٢٦.

١٣٥
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
وابن شوذب وأبا عوانة، وقد وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة، وقال أبو
حاتم: ((صدوق صالح الحديث)) وقال يعقوب بن سفيان: (ثقة لا بأس به))،
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ((ثقة))، وقال ابن عبد البر:
((أجمعوا على أنه ثقة))(١) .
قلت: من خلال هذه الأقوال يتبين لنا الأثر الذي يترتب على هذا
التصحيف، وهو توثيق من هو في عداد المجهولين، ومن ثم تصحيح
الحديث الضعيف، فقد سبق عن الترمذي أن أبا الجارية راوي هذا الحديث
مجهول، وأن اسمه لا يعرف.
وقال ابن حجر: ((أبو الجارية العبدي البصري، عن شعبة عن أبي
إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ... )) فذكر الحديث، ثم قال:
((وعنه أمية بن خالد)) ثم ذكر قول الترمذي في تجهيله(٢).
ومن الأدلة على أن قول العسكري ((أبا الجويرية)) تصحيف أن أبا
الجويرية يروي عنه شعبة كما ذكر العسكري نفسه هنا، وأما أبو الجارية فهو
الذي يروي عن شعبة(٣) .
فكلام العسكري هنا فيه تناقض واضح يدل على أن قوله ((أبا الجويرية))
تصحيف والله أعلم.
وهكذا نرى في هذا المثال كيف أدى التصحيف في اسم راوي هذا
الحديث إلى اعتباره ثقة، ثم الاحتجاج بحديثه من طرف الإمام أبي أحمد
العسكري، وهو من المحققين العارفين بهذا الفن حتى ألف فيه كتاباً يعد من
أعظم المراجع في باب التصحيف فجلَّ من لا يخطئ سبحانه وتعالى.
(١) تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ٣٩٦.
(٢) تهذيب التهذيب ١٢ / ٥٢ .
(٣) راجع ترجمته في التهذيب ١٢ / ٥٢ .

١٣٦
التصحيف وأثره في الحديث
المطلب الرابع
تجهيل الكذابين
قد يقع لبعض العلماء تصحيف في اسم راو من الرواة، فلا يهتدي
ذلك المحدث للصواب في اسمه، فلا يعرف للنقاد قولاً في تعديله ولا في
تجريحه، فيحكم على ذلك الراوي بالجهالة فيرد حديثه لذلك، غير أن الأمر
قد يكون أشد من ذلك إذا علمنا الصواب في اسم ذلك الراوي وعلمنا أن
النقاد قد جرحوه بما هو أشد من الجهالة: كالكذب مثلاً أو التهمة بذلك،
ومن أمثلة ذلك :
روى الخطيب البغدادي من طريق نعيم بن سالم بن قنبر عن أنس بن
مالك عن رسول الله عَّه قال: ((خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه
لآخرته، ولم يكن كلاًّ على الناس،(١).
هذا الحديث وقع فيه تصحيف في اسم ((نعيم بن سالم بن قنبر)) كما ورد
عند الخطيب وغيره والصواب ((يَغْنَم بن سالم بن قنبر)) بفتح الياء وسكون
الغين المعجمة وفتح النون، أخرجه كذلك ابن عدي قال: حدثنا الحسن بن
سفيان قال: ثنا أحمد بن عيسى قال: ثنا يغنم بن سالم بن قنبر حدثني أنس
ابن مالك فذكره. أخرجه ابن عدي في ترجمة ((يغنم بن سالم بن قنبر)» (٢) .
وترجم له العقيلي أيضاً في ((الضعفاء)) فقال: ((يغنم بن سالم بن
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٤/ ٢٢١، وعزاه أيضاً الشيخ الألباني لأبي بكر
الأزدي في ((حديثه)) (١/١٥) وأبي محمد الضراب في «دم الرياء)) (٢٩٣/ ١) ((سلسلة
الأحاديث الضعيفة)) ٢ / ١.
(٢) الكامل في الضعفاء لابن عدي ٧ / ٢٧٣٧ - ٢٧٣٨.

١٣٧
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
قيس))(١)، عن أنس منكر الحديث))(٢) ثم قال: ((وعند نعيم (٣) عن أنس نسخة
أکثرها مناکیر)).
قال ابن حجر: ((نعيم بن سالم عن أنس وعنه عمرو بن خليفة، قال ابن
القطان: ((لا يعرف)).
قلت : تصحف عليه اسمه، وإلا فهو معروف مشهور بالضعف متروك
الحديث. وأول اسمه ياء مثناة من تحت ثم غين معجمة ثم نون وسيأتي)) (٤).
وقال أيضاً: ((وبفتح الياء وسكون المعجمة وفتح [النون] يَغْنَم بن سالم
ابن قنبر عن أنس تركوه))(٥) .
قلت: فإذا تبينا وجه الصواب في اسم هذا الرجل فينبغي أن نعلم أن
كلام النقاد فيه شديد. قال أبو حاتم: ((ضعيف)) (٦) وقال ابن حبان: ((يضع
الحديث على أنس بن مالك، روى عنه نسخة موضوعة))(٧). وقال ابن
يونس: ((حدث عن أنس فكذب))(٨) وقال ابن عدي: ((عامة أحاديثه غير
محفوظة)) (٩).
فإذا عرفت شدة هذه الأقوال في يغنم بن سالم. فقارنها بقول ابن القطان
(١) كذا في المطبوع (بن قيس) وهو تصحيف.
(٢) الضعفاء الكبير للعقيلي ٤ / ٤٦٦ .
(٣) هكذا في المطبوع (نعيم) وهو خطأ مطبعي يدل عليه أنه وقع على الصواب أولاً.
(٤) لسان الميزان ٦ / ١٦٩.
(٥) تبصير المنتبه ٤ / ١٤٢٤.
(٦) ميزان الاعتدال ٤ / ٤٥٩ .
(٧) المجروحين لابن حبان ٣/ ١٤٥.
(٨) الميزان ٤ / ٤٥٩ .
(٩) الكامل لابن عدي ٧/ ٢٧٣٧ - ٢٧٣٨.

١٣٨
التصحيف وأثره في الحديث
السابق ((لا يعرف)) لتعلم أثر هذا التصحيف في الجرح والتعديل، فإن الرمي
بالجهالة أهون بكثير من الرمي بالكذب فكم بين الحديث الضعيف والحديث
الموضوع.
ونظراً لهذا التصحيف الحاصل في اسم هذا الراوي فإن بعض من صنف
في الموضوعات فاته إيراد هذا الحديث ضمن الأحاديث الموضوعة.
وقد أوردنا هذا المثال تحت هذا المبحث نظراً لأن بعض المحدثين قد يعتبر
حديث المجهول في المتابعات .

المبحث الثاني:
تضعيف الصحيح

-

١٤١
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
المطلب الأول
تكذيب الثقات
من النتائج الخطيرة التي ترتبت على التصحيف في أسماء الرواة، اعتبار
الثقة كذاباً، ثم رد حديثه، من أمثلته:
روى الإمام أحمد والطبراني من طرق عن عبد الله بن بُجَيْر(١) ثنا سيار أن
أبا أمامة ذكر أن رسول الله عَّه قال: ((يكون في هذه الأمة في آخر الزمان رجال
- أو قال -: يخرج رجال من هذه الأمة في آخر الزمان معهم أسياط كأنها أذناب
البقر يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه، (٢).
قال الحافظ نور الدين الهيثمي: ((رواه أحمد والطبراني في الأوسط
والكبير ورجال أحمد ثقات))(٣) .
قلت: وقد تصحف ((عبد الله بن بُجَيْر)) إلى ((عبد الله بن بحير)) - بفتح
الموحدة والحاء المهملة - على ابن الجوزي فأورد الحديث في الموضوعات
لأجل عبد الله بن بحير، فقد رواه من طريق الإمام أحمد بن حنبل ثم قال :
((قال ابن حبان: عبد الله بن بحير يروي العجائب التي كأنها معمولة، لا
يحتج به)) (٤) .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((وقد غلط ابن الجوزي في تضعيفه
(١) بُجَيْر بضم الباء الموحدة والجيم المعجمة بصيغة التصغير ووقع في المطبوع من المسند
(بحير)) بالحاء المهملة وهو تصحيف مطبعي.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٥٠ والطبراني في المعجم الكبير ٨/ ٣٠٨.
(٣) مجمع الزوائد ٥/ ٢٣٣.
(٤) الموضوعات لابن الجوزي ٣ / ١٠١ .