Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦٢
أحكام التصحيف
مشكولاً. وفي عهد عبد الملك بن مروان حين كثر الخطأ، وضع أبو الأسود
الدولي (م ٦٩ هـ) أو نصر بن عاصم (م ٩٠ هـ) - على اختلاف الآراء - النقط
على الحروف ثم كان الإعجام الذي يميز بين الحروف المتشابهة مثل الجيم
والحاء، وجاء الخليل بن أحمد (م ١٧٤ هـ) فيما يقال فأحدث الشكل الذي
يرسم على أبعاض الحروف فأراح الناس بذلك من مشقة الكتابة بنوعين من
النقط .
يقول حمزة بن الحسن الأصفهاني (م ٣٦٠ هـ): ((وأما سبب وقوع
التصحيف في كتابة العرب فهو أن الذي أبدع صور حروفها لم يضعها على
حكمة، ولا احتاط لمن يجيء بعده وذلك أنه وضع لخمسة أحرف صورة
واحدة وهي (١): الباء، والتاء، والثاء، والياء، والنون، وكان وجه الحكمة [فيه]
أن يضع لكل حرف صورة مباينة للأخرى حتى يؤمن عليه التبديل)) (٢) .
وقد تنبه العسكري إلى ما يحدثه التشابه في رسم بعض الحروف من
التصحيف بخصوص الأسماء التي لا يدخلها القياس ولا يدل عليها ما قبلها
ولا ما بعدها .
قال رحمه الله: ((ما يشكل من حيان ويصحف فيه بعشرة أسماء كلها
متشابهة في الخط (حبَّان) و(حيَّان) و(حبان) بالكسر، و(حُبان) بالضم،
و(حمَّان) بالميم، و(حنَان)، و(خيار)، و(جَبَّار) و(حجَّار) ... ))(٣). ثم
(١) في المطبوع من كتاب ((مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي عند العرب)) (وهما)
وهو تصحیف مطبعي كما يدل عليه السياق .
(٢) ((مصطلح الحديث وأثره على الدرس اللغوي عند العرب)) ص: ١٥١ - ١٥٢ للدكتور
شرف الدين علي الراجحي نقلاً عن حمزة بن الحسن الأصفهاني في كتاب ((التنبيه على
حدوث التصحيف)) ص ٢٧ .
(٣) ((تصحيفات المحدثين)) لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري ٢/ ٢/ ٤٤٧.

٦٣
أسباب التصحيف
ذكرها على التفصيل .
ومن الأمثلة على وقوع التصحيف في الأسماء بهذا السبب ما رواه
الخطيب البغدادي عن محمد بن يونس الكديمي قال: حضرت مجلس مُؤَمَّل
ابن إسماعيل فقرأ عليه رجل من المجلس حدثكم سبعة وسبعين، فضحك
مؤمل وقال: الفتى من أين؟ فقال: من أهل مصر، فقال: ((شعبة بن الحجاج
وسفيان بن سعيد الثوري)»(١) .
ويذكر العسكري من عظم التصحيف ما حصل من خصي المخنثين
بسبب الخطأ في نقطة. قال رحمه الله: ((وأعظم من هذا أمر المخنثين بالمدينة،
فإنه خُصي ستة أو سبعة منهم بشؤم تصحيفة، فأخبرني محمد بن يحيى بن
علي، عن حماد بن إسحاق قال: كتب سليمان بن عبد الملك إلى ابن حزم
أمير المدينة أن أحص مَنْ قِبَلَكَ من المخنثين فصحف كاتبه فقرأ: أخص مَن
قبلك من المخنثين. قال: فدعا بهم فخصاهم، وخُصي الدَّلال فيمن خصي.
قال حماد بن إسحاق، فحدثني أبي قال: قدم الماجشون بابن أبي عتيق،
فمر به ابن حزم، وهو في المسجد، فصاح به ابن أبي عتيق: أخصيتم الدَّلال
أما والله لقد كان يُحْسنُ
١٥/٥/٥
لِمَنْ رَبْعٌ بذات الجَيْـ
ش أمسى دَارساً خَلَقا
وروى لي غيره قال :
ممن خُصيَ بالنقطة طُويسُ ودلال، وبَرْدُ الفؤاد ونَوْمَةُ الضحى ونسيم
السَّحَر وضَرَّة الشمس .
قال الشيخ: وقد روي هذا الخبر على خلاف هذا، فأخبرني أبي، أخبرنا
(١) رواه الخطيب البغدادي في كتابه ((الجامع الأداب الراوي وأخلاق السامع)) ١ / ٢١٥.

٦٤
أحكام التصحيف
عسل، أخبرنا محمد بن سلاَّم، حدثني ابن جُعدُبَة (١) قال: كان سليمان بن
عبد الملك غيوراً، فقيل له: إن المخنثين قد أفسدوا النساء بالمدينة، فكتب إلى
أبي بكر بن عمرو بن حزم أن أخص فلاناً وفلاناً، حتى عد أربعة، منهم
الدلال وبردُ الفؤاد ونومة الضحى وطُّوَيْس. قال ابن جُعدبة: فقلت لكاتب
ابن حزم: زعموا أنه كتب إليهم أن أحْص، فقال يا ابن أخي عليها نقطة، إن
شئت أريتكها؟
قال: وقال الأصمعي في روايته: عليها نقطة مثل سهيل.
وزاد غير أبي في هذا الحديث، قال: فقال واحد من المخنثين لما اختلفوا
في الحاء والخاء: لا أدري ما حاؤكم وخاؤكم، ذهبت خصانا بين الحاء
والخاء .
قال: فقال طويس لما خُصيَ : هذا الختان الأكبر. وقال نومة الضحى :
ما كان أغناني عن سلاح لا أقاتل به. وقال نسيم السحر: أف لكم ما
سلبتموني إلا ميزابَ بولي)»(٢) .
ومن الأمثلة بخصوص هذا السبب ما ذكره القاضي عياض في مشارق
الأنوار قال رحمه الله: ((وقول أبي بكر في بيعة علي له (وما عساهم أن يفعلوا
إني والله لآتينهم) كذا لابن أبي جعفر وسقط (إني) لغيره من شيوخنا عن
مسلم. وفي رواية بعضهم (يفعلون بي) وكذا في البخاري فيحتمل أن (إني)
تصحيف من ألف (يفعلوا) ومن (بي) بعدها))(٣).
(١) ابن جُعدبة هو يزيد بن عياض بن يزيد بن جعدبة الليثي. قال البخاري وغيره: ((منكر
الحديث)) وقال يحيى: ليس بثقة. وقال علي: ضعيف. ورماه مالك بالكذب. وقال
( النسائي وغيره: متروك. وقال الدار قطني: ضعيف)) ((ميزان الاعتدال)) ٤/ ٤٣٦ - ٤٣٧ .
(٢) ((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)) لأبي أحمد العسكري ١/ ٤٢ .
(٣) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) للقاضي عياض ١/ ١٢٩ .

٦٥
أسباب التصحيف
فهذا الرسم في الكلمتين يسع ويحتمل القراءتين لتشابههما فيه خصوصاً
إذا تجاوزنا النقط وهذه صورته (يفعلوا بی).
ومن الأمثلة أيضاً على وقوع التصحيف في المتون بسبب التشابه في
رسم الحروف حديث أبي سعيد الخدري أن النبي عَّه خطب يوم عيد على
راحلته .
وصوابه «خطب يوم عيد على رجليه)) تثنية رجل .
فتصحف على الكاتب، كما قال ابن القيم والسخاوي، وسيأتي الكلام
على الحديث بتفصيل في موضعه(١) .
ولو تتبع المتتبع التصحيفات الواقعة في الأسماء والمتون لوجد معظمها
من هذا الباب يعني التشابه الحاصل في بعض حروف اللغة العربية،
خصوصاً وقد ساعد على ذلك أن الكتب كانت مخطوطة باليد .
ولهذا كانت جل التصحيفات الواقعة في الحديث مردها إما إلى عدم
تمييز الراوي وضبطه لحروف الكلمات أو إلى سوء سمع. ومن أجل هذا
قسم المحدثون التصحيف إلى ((تصحيف سمع)) و((تصحيف بصر)).
٣ - سوء السمع:
من الأسباب التي ينشأ عنها التصحيف سوء سمع الراوي، سواء كان
ذلك ناتجاً عن ضعف في حاسة السمع لديه، أو كان ناتجاً عن خفوت صوت
الشيخ لعجز، أو لاتساع المجلس، وكثرة الطلاب. والعرب تقول ((أساء
سمعاً فأساء جابة)) (٢) .
(١) راجعه في ص ٢٥٥ .
(٢) ((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)) للعسكري ١/ ٥٥ - ٥٦ وقال العسكري معقباً
على هذا المثل: ((تقول العرب في مثل ((أساء سمعاً فأساء جابة)) ((أساء)) ممدود وليس في
أوّل ((جابة)) ألف، هكذا المثل لا يجاوز به ما تكلمت العرب به، ولكن يقال في الكلام : =

٦٦
أحكام التصحيف
وهذا النوع من التصحيف الذي ينشأ عن سوء السمع سماه المحدثون
((تصحيف السمع)).
وينشأ سوء السمع في كثير من الأحيان بسبب التشابه الحاصل في
مخارج حروف الكلمات، أو في أوزانها، أو صيغها الصرفية .
ومن أمثلة ذلك ما سبقت الإشارة إليه من تصحيف ((واصل الأحدب))
بـ ((عاصم الأحول)).
ومن ذلك أيضاً قول الحاكم: ((صحف الأهوازيون في أكُيْل، وإنما
يرويه الحسن بن صالح عن بُكَيْر بن عامر ... ))(١) .
٤ - الوراقون:
من الأسباب التي أسهمت في تفشي ظاهرة التصحيف، وانتشارها في
كتب الحديث ((الوراقون))، وهم طبقة شبه مثقفة، اشتغلت وتفرغت لنسخ
الكتب في شتى الفنون، مقابل أجر تعطاه على عملها هذا.
وتزداد أرباح الوراقين كلما ازداد عدد الكتب التي يطلب منهم نسخها .
وإذا وقع الوراقون على كتاب ذي قيمة علمية احتكروه، ورفعوا ثمن
نسخه مما يدل على قلة إخلاصهم للعلم، وشغفهم بجمع المال.
روى الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمة ((الفراء)»، عند كلامه على
كتاب (المعاني) للفراء أنه ((لما فرغ من كتاب ((المعاني)) خزنه الوراقون على
الناس ليكسبوا به، وقالوا: لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على خمس
أوراق بدرهم .
= الجواب، والإجابة، والجيبَةُ، والجابة، ولو قيل في الكلام ((فأساء إجابة أو جواباً)) لكان
صواباً. ولكن الأمثال تحكى)».
(١) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص: ١٥٠ - ١٥١.

٦٧
أسباب التصحيف
فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين فقال لهم في ذلك، فقالوا: إنما
صحبناك لننتفع بك، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من حاجة ما بهم إلى
هذا الكتاب، فدعنا نعيش به، فقال فقاربوا تنتفعوا وينتفعوا، فأبوا عليه،
فقال: سأريكم، وقال للناس: إني ممل كتاب ((معان)) أتم شرحاً وأبسط قولاً
من الذي أمليت فجلس ملي فأملى الحمد في مائة ورقة، فجاء الوراقون إليه
وقالوا: نحن نبلغ الناس ما يحبون، فنسخوا كل عشر أوراق بدرهم)) (١) .
فهذا النص يبين لنا الطمع والجشع الذي كان يعيش عليه بعض
الوراقين، وأنهم في كثير من الأحيان لم يكن لديهم إخلاص للعلم، ولا
حب في تبليغه دون مقابل. والعلماء كانوا يستعينون بالوراقين في التأليف،
ولم يكونوا على ثقة تامة بهم، لما قد يحدثونه من تصحيف أو تحريف فيما
ینسخون .
ورغم عناية بعض الوراقين وانشغالهم باللغة العربية والأدب، فإن ذلك
لم يكن ليؤمنهم من الوقوع في التصحيف في الحديث، لبعدهم عن
ميدانه، وقلة عنايتهم به، ولصعوبة ضبط أسماء رواته .
قال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري: ((وأخبرنا أبو بكر
محمد بن عبدان، حدثنا محمد بن أحمد بن البراء [قال]: كان بواسط وراق
ينظر في الأدب والشعر ولا يعرف شيئاً من الحديث، وكان لعمرو بن عون
الواسطي وراق مستمل يلحن كثيراً، فقال: أخروه، وتقدم إلى الوراق الذي
كان ينظر في الأدب أن يقرأ عليه، فبدأ فقال: حدثكم هَشيمٌ، فقال: هُشَيْم
ويحك، فقال عن حَصين، فقال: حُصَيْن ويلك، ثم قال (عمرو بن عون]:
ردوا إليّ الوراق الأول، فإنه وإن كان يلحن فليس يمسخ)) (٢) .
(١) ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي ١٤ / ١٥٠ .
(٢) ((تصحيفات المحدثين)) للعسكري ١ / ١ / ٦٥.

٦٨
أحكام التصحيف
ومن المحدثين من ابتلي بوراق سوء، أدخل عليه في كتابه وبدل وغير،
من هؤلاء :
• سفيان بن وكيع بن الجراح أبو محمد الرؤاسي، قال ابن أبي حاتم :
(أشار أبي عليه أن يغير وراقه، فإنه أفسد حديثه، وقال له: لا تحدث إلا من
أصولك. فقال: سأفعل، ثم تمادى وحدث بأحاديث أدخلت عليه))(١) .
• عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني المصري أبو صالح،
كاتب الليث بن سعد على أمواله.
قال ابن حبان: ((كان في نفسه صدوقاً، إنما وقعت المناكير في حديثه من
قبل جار له، فسمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار بينه وبينه عداوة، كان
يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله، ويرميه
في داره بين كتبه، فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدث به)) (٢) .
ومن أثر تصحيفات وتحريفات الوراقين ما نجده اليوم من خلاف بين
النسخ مما لا سبيل إلى الجمع والتوفيق بينها، فمن ذلك هذا المثال:
قال الإمام أحمد: ((ثنا مكي بن إبراهيم ثنا الجعيد عن يزيد بن خصيفة
عن حميد بن بشير بن(٣) المحرر عن محمد بن كعب عن أبي موسى الأشعري
أنه سمع رسول الله عَّ يقول: (لا يقلب كَعَبَاتِها (٤) أحد ينتظر ما تأتي به إلا
عصى الله ورسوله»(٥)
(١) ((ميزان الاعتدال)) للذهبي ٢/ ١٧٣.
(٢) ((ميزان الاعتدال)) ٢/ ٤٤١.
(٣) في المطبوع من المسند (عن المحرر) وهو تحريف.
الكَعَبَات جمع مفرده كَعْبَةٌ وکَعْبٌ، والمقصود بالکعبات فصوص النرد.
(٤)
(٥) المسند للإمام أحمد ٤ / ٤٠٧ .

٦٩
أسباب التصحيف
أشار الحافظ الحسيني إلى أن ((حميد بن بشير بن المحرر)) من زوائد
أحمد.
ثم قال: ((عن محمد بن كعب القُرَظي وأبي موسى الأشعري، وعنه
يزيد بن خصيفة وغيره، وثقه ابن حبان)).
ثم تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: ((ما رأيت هذا في ((ثقات ابن حبان))،
وإنما في الطبقة الثالثة: حميد بن بكر يروي عن محمد بن كعب القرظي،
روى عنه يزيد بن خصيفة ثم وجدت الحديث في مسند أبي موسى .
قال أحمد حدثنا مكي عن الجعيد عن يزيد بن خصيفة عن حميد بن بشير
ابن المحرر عن محمد بن كعب عن أبي موسى في اللعب قال كعب .
فظهر أن الذي في نسختي من الثقات تحريف والصواب ((بشير)) وأن قول
الحسيني روى عن محمد بن كعب وأبي موسى تحريف أيضاً وإنما هو عن
محمد بن كعب عن أبي موسى ... ))(١) فهذا مثال يلقي الأضواء على ما
أحدثه الوراقون من تصحيفات في كتب الحديث، ولهذا قال الشيخ الألباني
بعد إيراده الحديث: ((الظاهر أن نسخ ((كتاب الثقات)) مختلفة، فإن في نسخة
الظاهرية منه ((حميد بن بكر)) أيضاً، وكذلك هو في ((اللسان)) والله أعلم))(٢).
٥ - الحمل على المألوف:
المقصود هنا أن المحدث قد يقع منه التصحيف في أسماء الرجال في سند
معين، وذلك بأن تكون عادة راو الإكثار عن شيخ معين، فيأتي حديث
بخلاف تلك العادة، وذلك بأن يروي عن شيخ آخر، فيعمد ناقل الحديث
إلى جعل السند على ما جرت به العادة فيصحفه وثوقاً بعلمه وبما جرت به
(١) ((تعجيل المنفعة بزوائد الأئمة الأربعة)) لابن حجر ص ١٠٥ .
(٢) ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)) للشيخ الألباني ٨/ ٢٨٦.

٧٠
أحكام التصحيف
تلك العادة، أو يكون هناك تشابه في اسم راويين أو اسم أبويهما، فيحمله
ناقل الخبر على المشهور فيصحفه.
قال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي: ((أغلب ما يكون الخطأ
بالحمل على المألوف، وغالب ما يقع التصحيف كذلك، فقد رأيت ما لا
أحصيه اسم ((زَبْر)) مصحفاً إلى ((أنَس)) واسم ((سعر)) مصحفاً إلى ((سعد)) ولا
أذكر أنني رأيت عكس هذا وقال الشاعر:
من الفتيان أيام الخُنَان
فمن يك سائلاً عني فإني
وقال الآخر :
أخ لك يعطيك الجزیل ویاصرُ
کساك ولم تستکسه فحمدته
فصحف الناس قافيتي هذين البيتين إلى ((الختان، ناصر)) وأمثال هذا
كثيرة لا تخفى على من له إلمام)) (١).
قلت: ومن الأمثلة على وقوع التصحيف في أسماء الرواة بهذا السبب
ما يلي:
روى ابن حبان من طريق عبد الملك بن أبي جميلة عن عبد الله بن وهب
أن عثمان بن عفان قال لابن عمر: [اذهب فكن قاضياً، قال أوتعفيني يا أمير
المؤمنين؟](٢) قال اذهب فاقض بين الناس. قال تعفيني يا أمير المومنين؟ .
قال عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت. قال: لا تعجل سمعتَ رسول الله عَليه
يقول: ((من عاذ بالله فقد عاذ معاذً؟ قال: نعم، قال: فإني أعوذ بالله أن أكون
(١) ((التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)) عبد الرحمن المعلمي ٢ / ٦٧.
(٢) هذه الزيادة غير ثابتة في (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان) الذي رتبه ابن بلبان، وهي
موجودة في (موارد الظمآن) الذي جمع فيه الحافظ الهيثمي زوائد ابن حبان على
الصحیحین. راجع ((موارد الظمآن)) ص ٢٩٠ ح ١١١٥.

٧١
أسباب التصحيف
قاضياً، قال: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي. قال: لأني سمعت
رسول الله عَّ يقول: ((من كان قاضياً فقضى بالجهل كان من أهل النار، ومن كان
قاضياً فقضى بالجور كان من أهل النار، ومن كان قاضياً عالماً يقضي بحق أو بعدل
سأل التفلت (١) كفافً». فما أرجو منه بعد ذلك؟.
قال ابن حبان: ((ابن وهب هذا هو عبد الله بن وهب بن الأسود
القرشي، من المدينة، روى عنه الزهري))(٢) .
وأخرج الحديث الترمذي في ((سننه))(٣) من طريق عبد الملك بن أبي
جميلة عن ((عبد الله بن موهب)) بشيء من الاختصار.
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه معتمر بن سليمان عن
عبد الملك بن أبي جميلة عن عبد الله بن وهب أن عثمان بن عفان)) فذكره.
ثم قال: ((قال أبي: عبد الملك بن أبي جميلة مجهول، وعبد الله بن
موهب الرملي على ما أرى وهو عن عثمان مرسل)) (٤) .
وأورد الحديث الزيلعي في ((نصب الراية)) وقال: ((رواه أبو يعلى
الموصلي في مسنده عن معتمر بن سليمان عن عبد الملك بن أبي جميلة عن
عبد الله بن وهب عن ابن عمر ... )) فذكر لفظه ثم قال: ((وعبد الله بن وهب
أرى أنه ابن موهب الرملي)»(٥) .
(١) في ((موارد الظمآن)) (التقلب) بالقاف والباء الموحدة والمثبت من ((الإحسان)).
(٢) («الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)» ١١/ ٤٤٠ ح ٥٠٥٦ كتاب القضاء: ذكر الزجر
عن دخول المرء في قضاء المسلمين .
(٣) أخرجه الترمذي ٣/ ٦١٢ ح ١٣٢٢، كتاب الأحكام باب ما جاء عن رسول الله ﴾﴾ في
القاضي .
(٤) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم ١ / ٤٦٨ ح ١٤٠٦.
(٥) ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)) ٤/ ٦٦ .

٧٢
أحكام التصحيف
وقال ابن حجر العسقلاني: ((حديث أن ابن عمر امتنع من القضاء لما
استقضاه عثمان: الترمذي وأبو يعلى وابن حبان من حديث عبد الملك بن
أبي جميلة عن عبد الله بن موهب الحديث. وقع في رواية ابن حبان ((عبد الله
ابن وهب)» وزعم أنه عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود القرشي ووهم في
ذلك، وإنما هو عبد الله بن موهب، وقد شهد الترمذي وأبو حاتم تبعاً
للبخاري أنه غير متصل ... ))(١) .
فإذا علمنا أن ((عبد الله بن وهب)) تصحيف وأن الصواب ((عبد الله بن
موهب)) فإن السبب في وقوع هذا التصحيف هو الحمل على المألوف. ألا
ترى أن اسم عبد الله بن وهب أشهر وأكثر انتشاراً من عبد الله بن موهب ! .
وهذا مثال آخر يؤكد ما قررناه من أن من أسباب التصحيف (الحمل
على المألوف).
روى الإمام أحمد والنسائي والحاكم من طريق ابن جريج أخبرني عكرمة
ابن خالد، عن أسيد بن حضير الأنصاري، ثم أحد بني حارثة أنه أخبره أنه
كان عاملاً على اليمامة، وأن مروان كتب إليه أن معاوية كتب إليه ((أيما رجل
سرق منه سرقة فهو أحق بها بالثمن حيث وجدها)) قال: فكتب إلي مروان
أن النبي ◌َّ قضى أنه إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متهم خير
سيدها، فإن شاء أخذ الذي سرق منه بالثمن، وإن شاء اتبع سارقه .
قال: وقضى بذلك أبو بكر وعمر عثمان رضي الله عنهم (٢) .
(١) ((التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)) لابن حجر ٤ / ١٨٥. وسيأتي لنا
مزيد من التحقيق في اسم هذا الراوي في ص: ١٦٣ .
(٢) أحمد في المسند ٤/ ٢٢٦. والنسائي في السنن ٧/ ٣١٣ كتاب البيوع باب الرجل يبيع
السلعة فيستحقها مستحق. والحاكم في المستدرك ٢ / ٣٦. والطبراني في المعجم الكبير
١/ ٢٠٥ ح ٥٥٥ .

٧٣
أسباب التصحيف
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين .
وتعقبه الذهبي بقوله: ((قلت: أسَيْد هذا مات زمن عمر، ولم يلقه
عكرمة، ولا بقي إلى أيام معاوية)).
قلت: يشير الذهبي هنا إلى أن هناك علتين في هذا الحديث:
الأولى: الانقطاع بين عكرمة وأسيد بن حضير .
الثانية : الانقطاع بين أسيد بن حضير ومعاوية.
وقد أفاد الحافظ المزي أن ذكر أسيد بن حضير في هذا السند وهم، وذكر
عن الإمام أحمد أنه في كتاب ابن جريج ((أسيد بن ظهير)).
وذكر المزي أيضاً أن عبد الرزاق وغيره رووه عن ابن جريج عن عكرمة
عن أسيد بن ظهير، وهو الصواب(١) .
فإذا علمنا أن ذكر أسيد بن حضير في هذا السند تصحيف، فإن السبب
في وقوع ذلك هو الحمل على المألوف والمشهور، فعندما يذكر اسم ((أسيد))
فإن المتبادر إلى الذهن أنه سيكون ((ابن حضير)) لشهرته ولقصته المشهورة في
فضل قراءة القرآن عند قارئي القرآن .
٦ - التعصب المذهبي:
المتعصب لمذهب أو نحلة أو فكرة عندما يقرأ الحديث، إنما يقرأه على
ضوء ما يعتقد ويتعصب له، فهو كثيراً ما يتأثر بما يحمل ويتعصب له ويدافع
عنه من أفكار واتجاهات، تقوده إلى أن يصحف الخبر. وقد يكون غير
متعمد لذلك، غير أن إدراكه أصبح قاصراً على فهم وإدراك ما يؤيد مواقفه
(١) ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر ١/ ٣٤٨. وسيأتي التحقيق في اسم هذا الرجل في
موضعه، راجع ص: ١٧١ .

٧٤
أحكام التصحيف
واتجاهاته. قال الدكتور محمد مصطفى الأعظمي: ((قال الأستاذ مالك
البدري: لقد أصبح الآن من الثابت علمياً أن إدراك الفرد يتأثر كثيراً
بالعوامل الانفعالية والوجدانية والفكرية التي تهيمن على سلوكه.
فالدراسات التجريبية التي أجريت على المتعصبين لمذاهب متطرفة أو أولئك
الذين تحجرت اتجاهاتهم على احتقار أجناس وطوائف معينة من البشر،
أظهرت هذه الدراسات بأن هؤلاء الأشخاص يدركون المواقف التي لها صلة
باتجاهاتهم المتحاملة هذه إدراكاً انتقائياً (( selective perception)) لا
يتذكرون فيما يسمعون أو يشاهدون إلا الجوانب التي تؤيد اتجاهاتهم. أما
النواحي التي تتعارض مع اعتقاداتهم فهم إما يفشلون عن ملاحظتها أصلاً،
أو ينسونها بسرعة، أو يشوهونها بطريقة أو أخرى حتى تتسق مع أفكارهم.
ولا يتعمد مثل هؤلاء الأفراد الكذب عندما يسردون الوقائع التي شاهدوها
أو سمعوها مشوهة ناقصة. فالأمر يتم بطريقة لا شعورية ملتوية تفوت على
أكثر المتحاملين المتعصبين صدقاً وأمانة .
ومن أطرف الأبحاث في هذا الميدان دراسة استخدم فيها باحث أمريكي
صورة لرجل زنجي أمريكي حسن الهندام يقف في مركبة عامة بجوار رجل
أبيض يحمل خنجراً كبيراً .
عرض الباحث هذه الصورة على مجموعة من الأمريكيين الذين عرفوا
بتعصبهم العنصري نحو الزنوج لفترة وجيزة من الوقت. ثم سألهم بعد
ذلك عن محتواها .
فأجاب أكثرهم بأن الخنجر كان في قبضة الزنجي، هذا بخلاف المجموعة
غير المتحاملة التي يتذكر أكثرها أن الخنجر كان في يد الرجل الأبيض.

٧٥
أسباب التصحيف
وهناك دراسات كثيرة طبقت على أتباع المذاهب المتطرفة أو ((المريدين))
أصحاب الطاعة العمياء لقائد جبار ... كل هؤلاء لا يكادون يسمعون أو
يناقلون(١) إلا الأخبار التي تؤيد مواقفهم. وكلما ارتبطت هذه الاتجاهات
بالجوانب الانفعالية الحماسية وكلما نشط الأفراد في الدعوة لأفكارهم وكلما
شعروا بتهديد المجتمع لاتجاهاتهم الشاذة، كلما ازدادت ظاهرة الإدراك
الانتقائي هذه))(٢) .
ومن الأمثلة على صدق هذا الكلام فيما يخص موضوعنا هذا، ما أثر
عن الشيعة من تصحيفهم لقول الرسول عَّه: (لا نورث ما تركنا صدقةٌ)(٣).
قال النووي: ((هو برفع ((صدقة))، و((ما)) بمعنى الذي تركناه فهو صدقة،
وقد ذكر مسلم بعد حديث يحيى بن يحيى عن مالك من حديث عائشة رفعته
((لا نورث ما تركناه فهو صدقة)). وإنما نبهت على هذا الأمر لأن بعض جهلة
الشیعة یصحفه))(٤)
والمقصود بالتصحيف الذي أشار إليه النووي شيئان:
الأول: في قوله تعَّه: (لا نورث)) جعلوه بضم التحتانية المثناة أوله بدل
النون هكذا «لا يُورث)).
الثاني: في قوله عَّ: ((صدقةٌ، جعلوها بالنصب على الحال، هكذا
((صدقةً)) .
(١) كذا في الأصل والصواب: (يتناقلون).
(٢) نقلاً عن كتاب ((منهج النقد عند المحدثين)) للدكتور محمد مصطفى الأعظمي ص ٤١ .
(٣) الحديث أخرجه البخاري عن عائشة ١٢ / ٦ ح ٦٧٢٧ كتاب الفرائض باب قول النبي عن ﴾
(لا نورث، ما تركنا صدقة)). ومسلم ١٢ / ٧٦ كتاب الجهاد باب حكم الفيء.
(٤) شرح النووي على مسلم ١٢ / ٧٤ .

٧٦
أحكام التصحيف
فانظر إلى هذا التصحيف الذي وقع فيه الشيعة، ولاحظ كيف عميت
أبصارهم عن إدراك الوجه المخالف لنحلتهم(١) .
وخذ مثالاً آخر من القصة التي سبق ذكرها والتي ورد فيها مناظرة
إسحاق بن راهويه لبشر بن يحيى بن حسان في القرعة، فاحتج عليه إسحاق
ابن راهويه بتلك الأخبار الصحاح فأفحمه. ولكن الرجل المغلوب بقي في
نفسه ما بقي، ولذلك رجع إلى كتبه يفتش فيها لعله يجد نصوصاً تنهى عن
القرعة، فوجد حديث النبي عَّ أنه نهى عن القزع. فقال لأصحابه: قد
أصبت حديثاً أكسر به ظهره، فأتى إسحاق فأخبره. فقال له إسحاق: إنما هذا
القزع أن يحلق رأس الصبي ويترك بعض (٢).
فهذا الرجل لم يرجع إلى كتبه طلباً للحق، وإنما رجع إليها بحثاً عن
أحاديث تنهى عن القرعة، فوجدها في زعمه؛ وذلك لأن إدراكه أصبح
عاجزاً عن إدراك الموقف المخالف. فلما سبقت تلك المعاني المطلوبة إلى ذهنه
تعطل عقله وفكره عن إدراك غيرها، بل وبصره كذلك، فأصبح لسانه يقرأ
ما لا يراه بصره، ولهذا ورد في الحديث ((حبك الشيء يعمي ويُصِمّ)(٣).
وهكذا نكتشف ضرراً آخر من أضرار التعصب المذهبي المقيت.
(١) سيأتي الكلام بتفصيل عن هذا التصحيف الواقع في حديث ((لا نورث ما تركنا صدقة)) وبيان
الصواب فیه راجع ص ٢٧٦ .
(٢) سبق ذكر القصة بتفصيل وقد رواها الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ١٦٣ - ١٦٤.
(٣) حديث ضعيف رواه أبو داود ٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧ ح ٥١٣٠ كتاب الأدب باب في الهوى.
وأحمد في المسند ٥/ ١٩٤ و٦ / ٤٥٠. من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن خالد بن
محمد الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء رفعه.
وهذا إسناد ضعيف من أجل أبي بكر بن أبي مريم كان اختلط مع سوء حفظه. وفيه علة
أخرى، فقد رواه عن أبي بكر جماعة مرفوعاً ورواه بعضهم موقوفاً.
راجع تفصيل ذلك في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) للشيخ الألباني ٤ / ٣٤٨ ح ١٨٦٨.

٧٧
أسباب التصحيف
فالمتعصب الذي ينتصر لنفسه أولمذهبه دون الحق والصواب، قد تقع
الغشاوة على بصره وتصبح نحلته والفكرة التي يدافع عنها مسخرة
النصوص لصالحها، وموجهة إياها لوجهتها .
٧ - العوامل الطبيعية:
كل من تمرس بالتراث الإسلامي الذي خلده المحدثون في مجال الحديث
وغيره، يرى أثر العوامل الطبيعية، وما أحدثته في المخطوطات من إتلاف،
أو طمس، أو تطليس في الحروف والكلمات.
فهناك الرطوبة والبلل اللذان يمكن أن يصيبا أصل المحدث فتختلط
معالم الخط، ويمتنع تمييز الحروف، ويصعب تخريج وتقدير تلك الكلمات.
وقد وقع هذا في كتب المحدثين وغيرهم منذ القرون الأولى للتدوين، فمن
المحدثين من ابتلي بغرق أصوله فحاول استدراكها کابن دُوسَتْ.
ومن العلماء من وصل أثر العرق إلى كتابه فذهبت معالم الخط، من
ذلك ما وقع لابن التبريزي حيث كانت له نسخة من كتاب ((التهذيب)) في
اللغة للأزهري في عدة مجلدات، أراد تحقيق ما فيها وسماعها على عالم
باللغة، فدل على أبي العلاء المعري، فجعل الكتاب في مخلاة، وحملها على
كتفه وسار راجلاً من تبريز إلى معرة النعمان، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثر
فيها البلل(١) .
ومن العوامل الطبيعية التي أثرت على المخطوطات: الحرارة وتعاقب
الأزمان - مع قلة العناية بتلك المخطوطات - الشيء الذي يترتب عليه تفتت
المداد أو الورق .
(١) ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان ٦/ ١٩٢.

٧٨
أحكام التصحيف
ووراء هذه العوامل هناك أيضاً الأرَضَةُ التي لا تبقي ولا تذر، فتوقع
الخروم الكثيرة في المخطوطات.
وقد ظهرت آثار هذه العوامل الطبيعية ودورها الفعال في أعمال كثير
من المحققين في عصرنا الحاضر، حيث صعب عليهم في كثير من الأحيان
تقدير تلك الكلمات التي وقع فيها خرم أو طمس أو تطليس بسبب تلك
العوامل. ومن المحققين من تجاسر على تقدير بعض الكلمات فاقتحم باب
التصحيف والتحريف.
هذه بعض الأسباب التي تعم بها البلوى فيقع التصحيف من جرائها .
وهناك أسباب أخرى يقل التصحيف بها، مثل التصحيف الناتج عن شبهة
قامت في نفس الراوي فعدل بالحديث عن وجهه، مثل ما حصل لابن حبان
في حديث ربط النبي عَّهِ الحَجَرَ على بطنه، فادعى أن الصواب في هذا
الحديث ((الحُجَزَ)) وهو طرف الثوب. وقد ذكرنا ذلك بتفصيل في موضعه في
باب «التصحيف وأثره في الفقه)).
كما أن التصحيف قد يقع بسبب الخطأ في الإعراب. وهذا السبب لم
نخصه بالذكر هنا لأننا أشرنا إليه في شروط التحمل فحذفناه هنا لأن التمثيل
له يفضي إلى التكرار.
ومن الأسباب التي ينتج عنها التصحيف أيضاً: ((الطباعة)) وعدم توفر
المطابع على متخصصين في علم الحديث يقومون على مراقبة وتصحيح
((التجارب)) كي يسلم الحديث سنداً ومتناً من ظاهرة التصحيف.
والطباعة في عصرنا هذا تحل محل ((الوراقين)) في تلك العصور السابقة .

الفصل الرابع
حكم رواية المصحف
-

٨١
حكم رواية المصحف
حكم رواية المُصَحِّف
إذا تتبعنا أقوال النقاد من المحدثين؛ فإننا نجدهم يذمون التصحيف
والمصحفين؛ لما يترتب على الأخذ من الصحف أو التحمل عن المصحفين
من أضرار مفسدة لمعاني النصوص، ومحرفة لأسماء الرواة .
قال الخطيب البغدادي: ((والتصحيف والإحالة يسبقان إلى من أخذ
العلم عن الصحف))(١) .
وعن سليمان بن موسى أنه قال: «لا تأخذوا الحديث عن الصحفيين،
ولا تقرأوا القرآن على المصحفيين))(٢) .
وقال سعيد بن عبد العزيز التنوخي: ((كان يقال: لا تحملوا العلم عن
صحفي، ولا تأخذوا القرآن من مصحفي)) (٣) .
وقد اعتبر النقاد من المحدثين وقوع التصحيف من الراوي جرحاً يطعن
في ضبطه، ولكن ما هو القدر الذي إذا صحفه الراوي ردت أحاديثه؟ .
أو هل كل من وقع منه تصحيف ولو مرة ردت روايته؟.
من المحدثين من يرد ويترك رواية من صدر منه تصحيف ولو مرة.
قال العسكري: ((حدثنا عبد الله [بن] محمد بن الحجاج حدثنا أحمد بن
(١) ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي ص ١٤٣ .
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢/ ٣١ .
(٣) رواه أبو أحمد العسكري في تصحيفات المحدثين ١/ ١ / ٧، وابن أبي حاتم في الجرح
والتعديل ٢/ ٣١ لكن جعله من قول سعيد بن عبد العزيز.