Indexed OCR Text

Pages 41-60

.

الفصل الثاني
أقسام التصحيف

٤٥
أقسام التصحيف
أقسام التصحيف
ينقسم التصحيف الواقع في الحديث إلى تصحيف إسناد وتصحيف
متن.
فأما تصحيف الإسناد:
فهو التغيير أو التبديل الذي يقع في أسماء الرواة .
ووقوع التصحيف في الإسناد أكثر من وقوعه في المتن، وذلك لأن
الأسماء لا يدخلها القياس، ولا يدل عليها ما قبلها ولا ما بعدها، ولهذا قال
أبو إسحاق النُّجَيْرَمي(١): ((أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس، لأنه شيء لا
يدخله القياس ولا قبله شيء يدل عليه ولا بعده شيء يدل عليه))(٢) .
((ومثال التصحيف في الإسناد ما ذكره الدار قطني أن محمد بن جرير
الطبري قال فيمن روى عن رسول الله عَّه من بنى سليم: ((ومنهم عتبة بن
(١) (النُّجَيْرَمِي بضم النون وفتح الجيم المعجمة وسكون الياء التحتية المثناة وفتح الراء المهملة،
آخره ميم، منسوب إلى نُجَيْرَم - على الصواب - قال ياقوت الحموي: ((نُجَيْرَم قرية كبيرة
على ساحل بحر فارس بينها وبين سيراف نحو خمسة عشر فرسخاً، رأيتها يسمونها
أهلها والتجار نيرم فيسقطون الجيم تخفيفاً أو تخلفاً)). والنُّجَيْرَمي هذا اسمه إبراهيم بن
عبد الله بن محمد، أديب، من الكتّاب، كان من أصحاب الزجاج المتوفى سنة ٣١١ هـ
ببغداد، انتقل إلى مصر فولي الكتابة لكافور الإخشيدي. له كتاب: ((أيمان العرب في
الجاهلية)) و ((الأمالي)) توفي حوالي سنة ٣٥٥ هـ).
معجم الأدباء لياقوت الحموي ١ / ١٩٨، والأعلام للزركلي ١/ ٤٩ .
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ١ / ١٩٩، وكذا القاضي عياض في (الإلماع)) ص
١٥٤.

٤٦
أحكام التصحيف
البذر)) قاله بالموحدة والذال المعجمة وإنما هو بالنون المضمومة وفتح المشددة
المهملة .
وكقول يحيى بن معين: ((العوام بن مزاحم)) بالزاي والحاء المهملة، وإنما
هو بالراء والجيم)) (١) .
ومثاله أيضاً: ما رواه مالك بن أنس عن ابن شهاب عن علي بن حسين
عن عمر بن عثمان بن عفان عن أسامة بن زيد أن رسول الله عَّه قال: ((لا يرث
المسلمُ الكافرَ(٢).
قال الشافعي: ((صحف مالك في عمر بن عثمان وإنما هو عمرو بن
عثمان))(٣).
وأما تصحيف المتن:
فهو التغيير والتحويل الذي يحصل في ألفاظ الأحاديث النبوية.
ومن أمثلة التصحيف الواقع في متن الحديث ما رواه الإمام مسلم. قال
رحمه الله:
((حدثنا زهير بن حرب، ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة قال: كتب
إليّ موسى بن عقبة يقول حدثني بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت أن
رسول الله على احتجم في المسجد. قلت لابن لهيعة: مسجد بيته؟ قال:
مسجد الرسول علية .
قال مسلم: ((وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن
(١) ((التبصرة والتذكرة)) للحافظ العراقي ٢/ ٢٩٧.
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٥١٩ ح ١٠ كتاب الفرائض -باب: ميراث أهل الملل.
(٣) رواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٥٠ .

٤٧
أقسام التصحيف
والإسناد جميعاً. وابن لهيعة المصحف في متنه المغفل في إسناده.
وإنما الحديث أن النبي ◌َّه احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي
فيها))(١) .
ومن أمثلته أيضاً ما ذكره الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) قال
رحمه الله:
((سمعت أبا العباس أحمد بن محمد الوراق يقول سمعت عبد الرحمن
ابن أبي حاتم الرازي يقول سمعت أبي يقول لأبي زرعة: حفظ الله أخانا صالح
ابن محمد البغدادي لا يزال يضحكنا شاهداً وغائباً؛ كتب إليّ يذكر أنه لما
مات محمد بن يحيى الذهلي أجلس للتحديث شيخ لهم يعرف بمَحمش
فَحَدَّثَ أن النبي عَّه قال: ((يا أبا عمير ما فعل البعير؟).
وأن النبي عَّه قال: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها خرس)))(٢).
وصواب الرواية الأولى: ((ما فعل النُّغَيْر)) وهو تصغير ((نغر)) وهو طائر
كان لأخي أنس بن مالك وكان الرسول عَّه يزوره، فزاره مرة فوجد طائره
قد مات فقال: ((يا أبا عمير ما فعل النغير)) تسلية منه عَّ لذلك الصبي.
وأما الحديث الثاني فصوابه: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس)) بالجيم
المعجمة، اسم للآلة التي تحدث رنيناً.
وقسّموا التصحيف أيضاً إلى تصحيف البصر وتصحيف السمع
وكلاهما واقع في الإسناد والمتن .
فأما تصحيف البصر:
فهو التغيير أو التبديل الذي يقع للراوي إذا حفظ من الكتاب، أو حدث
(١) كتاب ((التمييز)) للإمام مسلم ١٨٧ . ومعنى احتجر في المسجد أي اتخذ حجرة.
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم، ص: ١٤٦.

٤٨
أحكام التصحيف
منه. فيحصل له اشتباه بين بعض الحروف لتقارب رسمها، فيروي الكلمة،
ويحدّث بها علی غیر وجهها .
مثال ذلك ما رواه الخطيب البغدادي قال :
(أنا أبو بكر عبد الله بن علي بن حمويه الهَمَذَاني بها أنا أحمد بن
عبد الرحمن الشيرازي قال سمعت أبا الحسن أحمد بن موسى بن عيسى
الوكيل بجرجان يقول: سمعت سعيد بن محمد الذهلي يقول: سمعت
محمد بن يونس الكُدَيْمي قال: حضرت مجلس مُؤَمَّل بن إسماعيل فقرأ
عليه رجل من المجلس حدثكم سبعةٌ وسبعين فضحك مؤمل، وقال: الفتى
من أين؟ فقال: من أهل مصر، فقال: ((شعبة بن الحجاج وسفيان بن سعيد
الثوري)))(١) .
ففي هذا المثال نرى أن التصحيف الذي وقع لهذا الراوي وهو يحدث
سببه هو التشابه الحاصل بين كلمتي (شعبة وسفيان)) وبين ((سبعة وسبعين))،
فإذا أزلنا النقط من هاتين الكلمتين اشتد الشبه، مع العلم أن المد قد يُحذف
في اسم ((سفين)). ويساعد على التصحيف أن الأصول كانت مكتوبة باليد
فلم تكن هناك آلات للطبع تميز بين العين والفاء.
وهذا النوع من التصحيف أكثر وقوعاً من غيره نظراً لطبيعة حروف
اللغة العربية المتشابهة في الرسم.
وأما تصحيف السمع:
فقال العراقي: (فأما تصحيف السمع فهو أن يكون الاسم واللقب، أو
الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه،
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في ((الجامع)) ١ / ٢١٥.

٤٩
أقسام التصحيف
والحروف مختلفة شكلاً ونطقاً، فيشتبه ذلك على السمع كأن يكون الحديث
(لعاصم الأحول))، فيجعله بعضهم عن ((واصل الأحدب)). فذكر الدار قطني
أنه من ((تصحيف السمع)) وكذا عكسه.
مثاله ما ذكره النسائي عن يزيد بن هارون عن شعبة عن عاصم الأحول
عن أبي وائل عن ابن مسعود بحديث ((أي الذنب أعظم ... ))(١) الحديث.
وكذلك ذكره الخطيب في المدرجات من طريق مهدي بن ميمون عن
عاصم الأحول والصواب ((واصل الأحدب)) مكان ((عاصم الأحول)) من
طريق شعبة ومهدي وغيرهما .
قال النسائي: ((حدیث یزید خطأ إنما هو عن واصل)).
وقال الخطيب: ((إن قول بعضهم عن مهدي بن ميمون عن عاصم
الأحول وهم».
قال: ((وقد رواه شعبة والثوري ومالك بن مغول وسعيد بن مسروق عن
واصل الأحدب عن أبي وائل)) قال: ((وهذا أيضاً هو المشهور من رواية
مهدي)))(٢)
.
ومن ذلك أيضاً ما أورده الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) حيث قال:
«حدثني عمرو بن جعفر البصري قال حدثنا عبدان قال حدثنا معمر بن سهل
قال ثنا عامر بن مدرك عن الحسن بن صالح عن أكَيْل عن ابن أبي نُعْم عن
المغيرة بن شعبة أن النبي عيّ توضأ ومسح على الخفين.
(١) تتمة الحديث عند النسائي (( ... قال: الشرك أن تجعل لله نداً وأن تُزائي بحليلة جارك وأن تقتل ولدك
مخافة الفقر أن يأكل معك، ثم قرأ عبد الله ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾ الآية)).
سنن النسائي الصغرى ٧/ ٩٠ كتاب تحريم الدم: ذكر أعظم الذنب.
(٢) ((التبصرة والتذكرة)) للحافظ العراقي ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠.

٥٠
أحكام التصحيف
قال أبو عبد الله: صحف الأهوازيون في ((أكّيْل)) وإنما يرويه الحسن بن
صالح عن بُكَيْر بن عامر البجلي عن ابن أبي نُعم فكأن الراوي أخذه إملاء؛
سمع بكيراً فتوهمه ((أكيلاً)). حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب قال: ثنا
الحسن بن علي بن عفان [العامري] قال ثنا يحيى بن فضيل قال ثنا الحسن بن
صالح عن بكير عن ابن أبي نُعْم وذكره))(١).
والتصحيف إما أن يقع في اللفظ وهو الأكثر، وإما أن يقع في المعنى.
فأما تصحيف اللفظ :
فهو التغيير الذي يقع في أسماء الرواة وفي متون الأحاديث بسبب الخطأ
الذي يقع في شكل الكلمات أو إعرابها أو في نقط الحروف أو تغييرها
بغيرها ...
ومن أمثلته ما رواه البغدادي قال رحمه الله:
((أخبرني أبو القاسم الأزهري، أنا علي بن عمر الحافظ، نا محمد بن
مخلد، نا حمدان بن علي الوراق أبو جعفر، نا الفضل بن دكين أبو نعيم، نا
سفيان عن جابر عن عمرو بن يحيى القرشي قال: سمعت معاوية بن أبي
سفيان قال: لعن رسول الله عَّ الذين يشققون الخُطَب تشقيق الشعر.
قال أبو نعيم: شهدت وكيعاً مرة قال: يشققون الحطب تشقيق الشعر
قال: فقلت بالخاء))(٢) .
ومن أمثلته في الإسناد ما ذكر الحافظ أبو عبد الله الحاكم حيث قال :
((سمعت أحمد بن يحيى الذهلي يقول: سمعت محمد بن عبدوس
(١) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص، ١٥٠ - ١٥١.
(٢) ((الجامع)) للخطيب البغدادي ١/ ٢٢٢ .

٥١
أقسام التصحيف
المقرئ يقول: سمعت بعض مشايخنا يقول: قرأ علينا شيخ ببغداد عن
شقبان الثوري عن جلد الجدا عن الجسر))(١) .
قلت: وصوابه ((عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن الحسن))
فالتصحيف في هذين المثالين راجع إلى التغيير الحاصل في بنية الكلمة
أو هيئتها، لا إلى الفهم الخطأ الذي يتبادر إلى ذهن الراوي فيحمله على غير
وجهه المقصود .
وأما تصحيف المعنى :
فقال العراقي: (وأما تصحيف المعنى فمثاله ما ذكره الدار قطني أن أبا
موسى محمد بن المثنى العَنَزي الملقب بالزَّمن أحد شيوخ الأئمة الستة - وهو
المراد في قولي إمام عنزة - قال يوماً: ((نحن قوم لنا شرف نحن من عَنَزَة قد
صلى ټّ إلينا)).
يريد ((أن النبي ◌َّ صلى إلى عَنَزَة)»، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم. وإنما
العَنَزَة هنا الحربة تُنصب بین یدیه .
وأعجب من ذلك ما ذكره الحاكم(٢) عن أعرابي أنه زعم أنه عَّه كان إذا
صلى نصبت بين يديه شاة. فصحفها ((عنْزَة)) بإسكان النون. ثم رواه بالمعنى
على وهمه فأخطأ في ذلك من وجهين، والله أعلم.
ومن أمثلة تصحيف المعنى ما ذكره الخطابي عن بعض شيوخه في
الحديث أنه لما روى حديث النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة (٣)
(١) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص: ١٥٢.
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص ١٤٨ -١٤٩.
(٣) ((إصلاح غلط المحدثين)) للخطابي ص ٢٨ ح ١٨.

٥٢
أحكام التصحيف
قال: ((ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة)) فهم منه تحليق الرؤوس
وإنما المراد تحليق الناس حلَقاً والله أعلم)(١) .
قلت: وهذه الأمثلة التي تناقلها كثير من المحدثين وسموها (تصحيفاً
معنوياً)) في بعضها تجاوز، ألم تر أن التصحيف في المثال الثاني الذي ذكره
العراقي يصح أن يكون تصحيفاً لفظياً؛ لأن التصحيف طرأ أولاً على كلمة
((عنَزة)) فصارت ((عنْزَة)) بسكون النون. ثم بعد ذلك وقع خطأ في فهم
المقصود بكلمة ((عنْزة)) ففهم المقصود منها في المثال الثاني - بعد وقوع
التصحيف اللفظي - الحيوان المعلوم ثم عبر عنه بالشاة لأنها من فصيلته،
وهذا خطأ في فهم المقصود من الكلام.
أما المثال الثالث الذي ذكره العراقي عن الخطابي فإلحاقه بالتصحيف
اللفظي أولى من إلحاقه بالتصحيف المعنوي، ويتبين ذلك من خلال الوقوف
على ألفاظ الروايات، فقد ورد الحديث من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده عن رسول الله عَّه أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن
البيع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة (٢).
ووقع عند الإمام أحمد في المسند بلفظ (( ... وعن الحلَق يوم الجمعة
قبل الصلاة))، فهذا يدل على أن التصحيف - وفي اصطلاح ابن حجر
التحريف - وقع في شكل هذه الكلمة .
(١) ((التبصرة والتذكرة)) للعراقي ٢/ ٣٠٠ -٣٠١.
(٢) أخرجه الترمذي ٢/ ١٣٩ ح ٣٢٢ أبواب الصلاة باب [ما جاء في ] كراهية البيع والشراء
وإنشاد [الضالة و] الشعر في المسجد. وأبو داود ١/ ٦٥١ ح ١٠٧٩ كتاب الصلاة باب
التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة. والنسائي ٢ / ٤٧ كتاب المساجد باب النهي عن البيع
والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة (وفيه تقديم وتأخير على اللفظ المذكور)
وأحمد في المسند ٢/ ١٧٩ .

٥٣
أقسام التصحيف
ولهذا قال الخطابي: ((نهيه ◌َِّ عن الحلَق قبل الصلاة في [يوم] الجمعة
وعن التحلق أيضاً يرويه كثير من المحدثين: عن الحَلْق قبل الصلاة.
ويتأولونه على حلاق الشعر.
وقال لي بعض مشايخنا: لم أحلق رأسي قبل الصلاة نحواً من أربعين
سنة بعد ما سمعت هذا الحدیث .
قال أبو سليمان: وإنما هو الحلَق مكسورة الحاء مفتوحة اللام، جمع
حَلْقَة .
يقال: حَلْقَة وحَلَق مثل بَدْرَة وبدَرُ وقَصْعَة وقصَع ... )) (١) .
فهذا الكلام يبين أن التصحيف وقع في هذه اللفظة ((حلق))، في شكلها،
قبل أن يقع الخطأ في فهم معناها. ولهذا قال الإمام ابن الصلاح بعد أن ذكر
أقسام التصحيف: ((وتسمية بعض ما ذكرناه تصحيفاً مجازاً والله أعلم))(٢).
ولهذا فإذا سرنا على سنة من قسّم التصحيف إلى لفظي ومعنوي فإننا
نرى أن أقرب مثال للتصحيف المعنوي ما ذكره الحافظ ابن حجر في ((الإصابة
في تمييز الصحابة))، في ترجمة من وهم بعض العلماء في ترجمته ألا وهو
((معروف الثقفي)).
قال رحمه الله: ((((معروف الثقفي)) ترجم له ابن قانع، فوهم؛ لأنه صفة
لا اسم. قال حدثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي
حدثنا همام عن قتادة عن الحسن عن عبد الله بن عثمان عن رجل من ثقيف
يقال له معروف، وأثنى عليه خيراً قال رسول الله عزَّ: ((الوليمة حق ... ) الحديث
ثم رواه من طريق حجاج عن همام فقال فيه عن زهير بن عثمان الأعور .
(١) ((إصلاح غلط المحدثين)) للخطابي ص: ٢٨ ح ١٨.
(٢) ((التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح)) للعراقي ص: ٢٨٤.

٥٤
أحكام التصحيف
قال ابن قانع: ((شك فيه قتادة)) .
كذا قال، وقد أخرج الحديث عن بهز بن أحمد(١) عن همام عن قتادة عن
الحسن عن عبد الله بن عثمان عن رجل أعور من ثقيف. قال قتادة وكان يقال
له معروفاً، أي يثنى عليه خيراً. فقد فسر بَهْز مراد قتادة بقوله ((يقال له
معروفاً)). ويؤيده تسميته في رواية حجاج بن المنهال ((زهير بن عثمان)).
وكذا سماه عبد الصمد بن عبد الوارث عن همام، أخرجه أحمد
أيضاً (٢).
وقال الدارمي في مسنده أنا عفان حدثنا همام، فذكره بلفظ أزال
الإشكال من أصله فقال عن رجل من ثقيف أعور يقال له معروفاً، أي يُثْنى
عليه خيراً، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه(٣).
وكذا هو عند أبي داود(٤) والنسائي عن محمد بن المثنى عن عفان،
وتقدم في حرف الزاي في القسم الأول، والله أعلم)) (٥) .
فأنت ترى هنا أن ابن قانع وقع له تصحيف - إن صح التعبير - فاعتبر
هذه الصفة ((معروف)) اسماً، وأدرجه ضمن الصحابة، والأمر بخلاف
ذلك، فقد عرفنا على الصواب اسم هذا الرجل، الذي له معروف حسب ما
ورد في الرواية المفسرة .
(١) كذا في المطبوع من ((الإصابة)) ((بهز بن أحمد)) وهو تصحيف صوابه بهز بن أسد.
(٢) المسند ٥/ ٢٨.
(٣) سنن الدارمي ٢/ ٣٠، ٣١ ح ٢٠٧١ كتاب الأطعمة باب في الوليمة.
(٤)
سنن أبي داود ٤ / ١٢٦ ح ٣٧٤٥ كتاب الأطعمة باب في كم تستحب الوليمة .
(٥) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٣/ ٥٢٦.

الفصل الثالث
أسباب التصحيف
-

-

٥٧
أسباب التصحيف
أسباب التصحيف
تنبه السلف من أهل الحديث إلى أعظم سبب من أسباب التصحيف ألا
وهو الأخذ والتحمل عن الكتاب، ولهذا فقد حذروا الرواة من أخذ الحديث
من بطون الكتب، وكانوا يقولون ((من أعظم البلية تشييخ الصحيفة)).
فوضعوا القوانين والقواعد التي يلتزمها الرواة في التحمل والأداء.
وهذا شعور منهم بما يمكن أن يحدثه الأخذ عن الصحيفة من تحريف
وتصحيف، وإحالة في معاني النصوص وأسماء الرواة .
وتنبهوا أيضاً إلى ما يحدثه التشابه بين بعض حروف اللغة العربية من
تصحيف فحذروا من ذلك أيضاً، ولذلك لَجَؤُوا إلى ضبط ما يشكل
ويلتبس من ذلك في أسماء الرواة ومتون الأحاديث.
وتنبهوا أيضاً إلى ما يحدثه سوء السمع من تصحيف في أسماء الرواة
ومتون الأحاديث؛ لذلك استحب بعضهم أن يكرر المحدث الحديث ثلاثاً
حتى لا يقع تصحيف في سمع الطلاب كما استعانوا بالمستملين، وببعض
الوسائل الأخرى التي تجنب الراوي سماع الخطأ .
هذه هي أهم الأسباب التي توقع الرواة في التصحيف وثمة أسباب
أخرى أشرنا إليها في هذا الفصل وبعضها أحلنا عليها. وإليك البيان .
١ - الأخذ عن الكتاب:
من الأسباب التي يترتب عليها التصحيف في أسماء الرواة ومتون

٥٨
أحكام التصحيف
الأحاديث أن يتحمل الراوي عن الكتاب دون أن يشافه الشيخ أو يشافهه
الشيخ أثناء التحمل. فأسماء الرواة فيها المشتبه وفيها الأفراد (١) كما أن متون
الأحاديث فيها من الغريب الشيء الكثير. ولا ينهض لضبط ذلك إلا أهل
التحقيق والإتقان الذين لقوا الشيوخ وسمعوا منهم وأتقنوا الأخذ عنهم.
ولهذا كان في الأخذ والسماع من الشيخ مأمن من الخطأ والتصحيف.
فعندما يتحمل الراوي الحديث عن الشيخ يكون قد أخذه عنه مضبوطاً
مقيداً مصححاً سالماً من التصحيف والتحريف .
وأما الأخذ عن الكتاب والتحمل عنه فإنه مظنة الوقوع في التصحيف .
قال الإمام مسلم: ((حدثنا زهير بن حرب، ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا
ابن لهيعة قال: ((كتب إليّ موسى بن عقبة يقول حدثني بسر بن سعيد، عن
زيد بن ثابت أن رسول الله ◌ّه احتجم في المسجد)».
قلت لابن لهيعة: ((مسجد في بيته؟)).
قال: ((مسجد الرسول عێ)).
قال مسلم: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن
والإسناد جميعاً. وابن لهيعة المصحف في متنه، المغفل في إسناده.
وإنما الحديث: أن النبي ◌َّه احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي
فيها. وسنذكر صحة الرواية في ذلك إن شاء الله.
حدثني محمد بن حاتم، ثنا بهز بن أسد، ثنا وهيب، حدثني موسى بن
عقبة قال :
(١) المقصود بالأفراد هنا الأسماء غير المشتركة مثل أجمد - بالجيم - بن عُجيان، وِ جُبيب -
بضم الجيم - بن الحارث، فهذه الأسماء لندرتها وغرابتها يقع فيها التصحيف.

٥٩
أسباب التصحيف
سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت أن
النبي ◌َّ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله عَّه فيها
ليالي، حتى اجتمع إليه أناس ثم فقدوا صوته ليلة، وظنوا أنه قد نام، فجعل
بعضهم يتنحنح بأن يخرج إليهم(١) . وساقه.
حدثنا محمد بن المثنی، ثنا محمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن سعيد، ثنا
سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت
قال: ((احتجر رسول الله عَّه بخصفة أو حصير، فخرج رسول الله عليه)).
قال مسلم الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب،
وذكرنا عن عبد الله بن سعيد عن أبي النضر.
وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية، أنه أخذ الحديث من كتاب
موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث
من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه.
فإذا كان أحد هذين - السماع أو العرض - فخليق أن [لا] يأتي صاحبه
التصحيف القبيح وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله.
وأما الخطأ في إسناد رواية ابن لهيعة فقوله: ((كتب إليّ موسى بن عقبة،
يقول: حدثني بسر بن سعيد)) وموسى إنما سمع هذا الحديث من أبي النضر
يرويه عن بسر بن سعيد»(٢).
ومن الأمثلة أيضاً التي تبين خطر الاعتماد على الكتاب ما أورده
الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) حيث قال: ((وأخبرنا أبو بكر البرقاني قال:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه من طريق عبد الأعلى بن حماد عن وهيب ٢/ ٢١٤ ح
٧٣١ كتاب الأذان «باب صلاة الليل)) .
(٢) ((التمييز)) للإمام مسلم، ص: ١٨٧ .

٦٠
أحكام التصحيف
ثنا يعقوب بن موسى أبو الحسين الأردبيلي قال: ثنا أبو عبد الله أحمد بن
طاهر بن النجم الميانجي قال: ثنا أبو عثمان سعيد بن عمرو بن عمار البرذعي
قال: قلت لأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم: ((بشر بن (يحيى بن)
حسان؟)).
قال: خراساني من أصحاب الرأي، وكان أعلى أصحاب الرأي
بخراسان فقدم علينا وكتبنا عنه وكان يناظر، واحتجوا عليه بطاوس فقال
بالفارسية يحتجون علينا بالطيور .
قال أبو زرعة: كان جاهلاً بلغني أنه ناظر إسحاق بن راهويه في القُرعة،
واحتج عليه إسحاق بتلك الأخبار الصحاح فأفحمه. فانصرف ففتش كتبه
فوجد (في كتبه) حديث النبي عَّه أنه نهى عن القَزَع. فقال لأصحابه: قد
أصبت حديثاً أكسر به ظهره. فأتى إسحاق فأخبره فقال له إسحاق: ((إنما هذا
القَزَع أن يحلق رأس الصبي ويترك بعض))))(١) .
فهذا الراوي الذي اعتمد في تحمله الكتاب تصحف عليه حديث أن
النبي عَّ نهى عن القزع.
فصحفها وقرأها القُرَع جمع قُرعة، والسبب في ذلك هو الأخذ عن
الكتاب .
ولهذا فإن العلماء ينصون على أن حفظ الراوي ينبغي أن يكون مأخوذاً
عن العلماء، حتى يتم تصحيح اللفظ والتأكد من سلامته من التصحيف
وبعده عن التحريف .
قال ابن وهب: وحدثني مالك قال: ((أدركت بهذا البلد رجالاً من بني
(١) ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي ص: ١٦٣ - ١٦٤.

٦١
أسباب التصحيف
المائة ونحوها يحدثون الأحاديث. لا يؤخذ منهم ليسوا بأئمة. فقلت لمالك:
وغيرهم دونهم في السن يؤخذ ذلك منهم؟ قال: نعم ويجب أن يكون
حفظه مأخوذاً عن العلماء لا عن الصحف)) (١) .
وقال الخطيب البغدادي: ((والتصحيف والإحالة يسبقان إلى من أخذ
العلم عن الصحف)»(٢).
٢ - التشابه في رسم حروف اللغة العربية:
من الأسباب التي تعم بها البلوى فيحصل التصحيف بها. التشابه
الحاصل بين كثير من حروف اللغة العربية في الرسم.
وقد حصل الاشتباه بين هذه الحروف نظراً لأنها وضعت على هيئة
واحدة، لا يميزها عن بعضها إلا عدد النقط مثل (ب- ت- ث - ن- يـ )
واج-ح-خ).
وهناك أيضاً الحروف المزدوجة (معجمة وغير معجمة) مثل (ر- ز)
و(س-ش) و(د- ذ) و(ص- ض) و(ط - ظ) و(ع- غ) و(ف ـق).
وقد يساعد على التصحيف في اللغة العربية بخصوص هذا السبب أن
الكتب ظلت مخطوطة باليد قروناً طويلة، فأي نقطة زائدة أو ناقصة أو
وسخة فوق الحرف أو تحته قد تغير معناه، وتصرفه إلى شيء آخر .
قال الدكتور شرف الدين علي الراجحي: ((وأضاف اللغويون سبباً آخر
للتصحيف هو صعوبة الخط العربي وتشابه حروفه، فقد كانت العربية في
صورها الأولى لا تخضع للنقط والشكل، فلم يكن الخط العربي منقوطاً ولا
(١) رواه الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص: ١٦٢.
(٢) ((الكفاية)) للخطيب البغدادي ص: ١٦٣.