Indexed OCR Text

Pages 101-120

من ذلك أن البخاريَّ إذا قال، في الرجل: ((سكتُوا عنه))، أو
((فيه نظر))، فإنه يكون في أدنى المنازل وأردتها عنده، ولكنه لطيف
العبارة في التجريح فليعلم ذلك(١).
وقال ابن معين: إذا قلتُ ((ليس به بأس)) فهو ثقة . قال ابن أبي
حاتم: إذا قيل ((صدوق)) أو ((محله الصدق)) أو ((لا بأس به )) فهو ممن
يَكتبُ حديثُهُ ويُنظّر فيه .
وروى ابن الصلاح عن أحمد بن صالح المصري أنه قال : لا يُترك
الرجل حتى يجتمع الجميعُ على ترك حديثه .
وقد بسط ابن الصلاح الكلامَ في ذلك . والوقف على عبارات القوم
له من الحديث الا القليل ، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله ، ويشار اليه بمقبول حيث
يتابع ، ولا فلين الحديث . (ز) من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق ، ويشار اليه بمستور ،
أو مجهول الحال. (ح) من لم يوجد فيه توثيق معتبر ، وجاء فيه تضعيف وان لم يبين ، والاشارة
اليه: ضعيف. (ط) من لم يرو عنه واحد ولم يوثق، ويقال فيه: مجهول . (ي) من لم يوثق
البتة وضعف مع ذلك بقادح . ويقال فيه : متروك ، او متروك الحديث : أو واهي الحديث ،
أو ساقط. (ك) من اتهم بالكذب ويقال فيه: متهم، ومتهم بالكذب . (ل) من اطلق عليه اسم
الكذب والوضع ، ككذاب ، أو وضاع، أو يضع، أو ما أكذبه . ونحوها أ هـ . . ملخصا مع
تحوير قليل ، والدرجات من بعد الصحابة : فما كان من الثانية والثالثة ، فحديثه صحيح من
الدرجات الأولى، وغالبه في الصحيحين. وما كان من الدرجة الرابعة فحديثه صحبح من
الدرجة الثانية ، وهو الذي يحسنه الترمذي، ويسكت عليه أبو داود . وما بعدها فمن المردود،
الا اذا تعددت طرقه مما كان من الدرجة الخامسة والسادسة ، فيتقوى بذلك ويصير حسنا
لغيره . وما كان من السابعة الى آخرها فضعيف على اختلاف درجات الضعف. من المنكر الى
الموضوع .
(١) وكذلك قوله: ((منكر الحديث)). فانه يريد به الكذابين. ففي الميزان للذهبي
(ج ١ ص ٥): (( نقل ابن القطان: أن البخاري قال : كل من قلت فيه . منكر الحديث :
فلا تحل الرواية عنه )) .
١٠١

يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال، وبقرائنَ
ترشد إلى ذلك . والله الموفق .
قال ابن الصلاح : وقد فُقِدتْ شروط الأهلية في غالب أهل زماننا
ولم يبق إلا مراعاةُ اتَّصال السلسلة في الإسناد ، فينبغي أن لا يكون مشهوراً
بفسق ونحوه ، وأن يكون ذلك مأخوذاً عن ضبط سماعه من مشايخه من
أهل الخبرة بهذا الشأن. والله أعلم (١).
(١) الشروط السابقة في عدالة الراوي انما تراعى بالدقة في المتقدمين . وأما المتأخرون
- بعد سنة ثلاثمائة تقريبا - فيكفي أن يكون الراوي مسلما بالغا عاقلا ، غير متظاهر بفسق أو
بما يخل بمروءته، وأن سماعه ثابتا بخط ثقة غير متهم ، وبرواية من أصل صحيح موافق
شيخه، لأن المقصود بقاء سلسلة الاسناد . والا فان الروايات استقرت فى الكتب المعروفة ،
وصارت الرواية في الحقيقة رواية للكتب فقط .
قال الحافظ البيهقي: (( توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زماننا ، الذين لا
يحفظون حديثهم ، ولا يحسنون قراءته من كتبهم ، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم ، بعد أن تكون
القراءة عليهم من أصل سماعهم، وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمنها أئمة الحديث.
فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لا يقبل منه. ومن جاء بحديث معروف عندهم ،
فالذي يرويه لا ينفرد بروايته ، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع
منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا ، وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه
الأمة، شرفا لنبينا صلى الله عليه وسلم)). وقال الذهبي في الميزان: ليس العمدة في زماننا
على الرواة ، بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء
السامعين. ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الرأوي وستره)).
فالعبرة في رواية المتأخرين على الكتب والأصول الصحيحة التي اشتهرت بنسبتها الى
مؤلفيها ، بل تواتر بعضها اليهم . وهذا شيء واضح لا يحتاج الى بيان .
١٠٢

النوع الرابع والعشرون
كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه :
يصحُّ تَحَمّلُ الصغارِ الشهادةَ والأخبارَ، وكذلك الكفارُ إذا أدَّوْا
ما حَمُلُوه في حال كمالهم ، وهو الإحتلامُ والإسلام .
وينبغي المباراةُ إلى إسماع الوِلْدانِ الحديثِّ النبويَّ. والعادة المطردة
في أهل هذه الأعصار وما قبلها بمدد متطاولة : أن الصغير يُكْتب له
حضورٌ إلى تمام خمس سنين من عمره ، ثم بعد ذلك يُسمّى سماعاً ،
واستأنسوا في ذلك بحديث محمود بن الربيع : أنه عَقَل مجّةً مجّها رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم في وجْهه من دَلْوٍ في دارهم وهو ابن خمس سنين
رواه البخاري ، فجعلوه فرقاً بين السماع والحضور ، وفي رواية : وهو
ابن أربع سنين . وضبطه بعض الحفّاظ بسنِّ التمييز . وقال بعضهم :
أن يفرق بين الدابة والحمار. وقال بعض الناس : لا ينبغي السماع إلا
بعد العشرين سنة . وقال بعض : عشر . وقال آخرون : ثلاثون . والمدارُ
في ذلك كله على التمييز ، فمتى كان الصبي يَعْقل كُتِب له سماع .
قال للشيخ أبو عمرو : وبلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري أنه قال :
رأيتُ صبيّاً ابنَ أربع سنين قد حُمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونَظر
في الرأي ، غير أنه إذا جاع يبكي(١)
وأنواعُ تحملِ الحديث ثمانية٢ :
(١) اختلفوا في السن التي يصلح فيها الصبي للرواية : فنقل القاضي عياض: أن أهل
الحديث حددوا أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين. قال ابن الصلاح: ((وعلى
هذاا استقر العمل بين أهل الحديث)). واحتجوا بما رواه البخاري عن محمود بن الربيع قال :
علقت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين)).
قال النووي وابن الصلاح: ((والصواب ااعتبار التمييز، فان فهم الخطاب ورد الجواب :
١٠٣

القسم الأول - السماع :
وتارةً يكون من لفظ المُسْمع حفظاً، أو من كتاب. قال القاضي
عياض: فلا خلاف حينئذ أن يقول السامع: ((حدثنا))، و((أخبرنا)).
و((أنبأنا))، و((سمعت)). و((قال لنا))، و (( ذكر لنا فلان)).
وقال الخطيب: أرفعُ العبارات ((سمعتُ))، ثم ((حدثنا)).
و ((حدثني:)) (قال): وقد كان جماعة من أهل العلم لا يكادون يخبرون عما
سمعوه من الشيخ إلا بقولهم ((أخبرنا))، ومنهم حماد بن سلمة، وابن
كان مميزا صحيح السماع، ولم يبلغ خمسا، والا فلا)). وهذا ظاهر ، ولا حجة نبما احجو!
به من رواية محمود بن الربيع ، لأن الناس يختلفون في قوة الذاكرة ، ولعل غير محمود بن
الربيع لا يذكر ما حصل له وهو ابن عشر سنين ، وأيضا فإن ذكره مجة وهو ابن خمس لا يدل
على أنه يذكر كل ما رأى أو سمع. والحق أن العبرة في هذا بأن يميز الصبي ما يراه ويسمعه،
وأن يفهم الخطاب ويرد الجواب . وعلى هذا يحتمل ما روى عن موسى بن هارون الحمال ، وانه
سئل: ((متى نسمع الصبي الحديث؟)). فقال: ((اذا فرق بين البقرة والحمار)) وكذلك ما
روى عن أحمد بن حنبل: فانه ممثل عن ذلك؟ فقال: ((اذا عقل وضبط»، فذكر له عن رجل
أنه قال: ((لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة»؟ نانكر قوله هذا وقال : (بئس
القول ! مكيف يصنع بسفيان ووكيع ونحوهما؟!)) .
هذا فى السماع والرواية . وأما كتابة الحديث وضبطه فائه لا اختصاص لهما بزمن معين بل
العبرة فيهما باستعداده وتأهله لذلك . وذهباالسيوطي الى ان تقديم الاشتغال بالفقه على كتابة
الحديث اسد واحسن وهو كما قال في تعلم مبادئ الفقه ، لا في التوسع فيه ، فان الاشتغال
بالحديث والتوسع فيه - بعد تعلم مبادئ الفقه - يقوى ملكة التفقه في الكتاب والسنة في
طالب العلم ، ويضعه على الجادة المستقيمة في استنباط الأحكام منهما ، وينزع من قلبه
التعصب للآراء والأهواء .
وعندي أنه ينبغي لطالب العلم المشتغل بالحديث أن يكثر من درس الأدب واللغة ، جنى
يحسن فقه الحديث ، وهو كلام اقصح العرب والقومهم لسانا، صلى الله عليه وسلم.
١٠٤

المبارك، وهُشَيْم ( بن بُشَيْر )، ويزيد بن هارون، وعبد الرزّاق،
ويحيى بن يحيى التميمي ، وإسحاق بن رَاهَوَيْهِ ، وآخرون كثيرون .
قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون ((حدثنا)) و((أخبرنا)) أعلى من
((سمعتُ))، لأنه قد لا يقصده بالإسماع، بخلاف ذلك، والله أعلم .
( حاشية ) قلت : بل الذي ينبغي أن يكون أعلى العبارات على هذا
أن يقول ((حدثني))، فإنه إذا قال ((حدثنا)) أو ((أخبرنا))، قد لا يكون
قَصدَه الشيخُ بذلك أيضاً ، لاحتمال أن يكون في جمع كثير . والله أعلم.
القسم الثاني :
القراءة على الشيخ حفظاً أو من كتاب، وهو ((العَرْض)) عند الجمهور
والرواية بها سائغة عند العلماء، إلاَّ عند شُذَّاذ لا يعتدُّ بخلافهم(١).
ومستند العلماء حديث ضِمَامٍ بن ثعلبة ، وهو في الصحيح . وهي دون
السماع من لفظ الشيخ . وعن مالك وأبي حنيفة وابن أبي ذئب: أنها أقوى ،
وقيل : هما سواء ، ويُعْزّى ذلك إلى أهل الحجاز والكوفة ، وإلى مالك
أيضاً وأشياخه من أهل المدينة ، وإلى اختيار البخاري . والصحيح الأول
وعليه علماء المشرق (٢).
(١) قال في التدريب: ((أن ثبت عنه، وهو أو عاصم النبيل، رواه الرأمهرمزي عنه.
وروى الخطيب عن وكيع قال: ((ما أخذت حديثا قط عرضا. وعن محمد بن سلام: انه ادرك مالكا
والناس يقرؤن عليه ، فلم يسمع منه لذلك ، وكذلك عبد الرحمن بن سلام الجمحي ، لم
يكتف بذلك ، فقال مالك: أخرجوه عني)). ص ١٣١ .
(٢) القراءة على الشيخ تسمى عندهم ((عرضا)). وهي جائزة في الرواية ، سواء في
ذلك أكان الراوي يقرأ من حفظه، أم من كتابه ، أم سمع غيره يقرأ كذلك على الشيخ بشرط
أن يكون الشيخ حافظا لما يقرأ عليه، أو يقابل أصله الصحيح ، أو يكون الأصل بيد القارىء،
أو بيد أحد المستمعين الثقات. قال الحافظ العراقي: ((وكذا ان كان ثقة من السامعين
يحفظ ما قرىء وهو مستمع غير غافل، فذلك كاف أيضا)). نقله السيوطي في التدريب
وأقره . وهو عندي غير متجه ، لأنه اذا كان الشيخ غير حافظ لروايته ولا يقابل هو أو
١٠٥

فإذا حدث بها يقول ((قرأت)) أو ((قرىء على فلان وأنا أسمع فأقر
به)) أو ((أخبرنا)) أو ((حدثنا قراءة عليه)). وهذا واضح. فإن أطلق ذلك
جاز عند مالك ، والبخاري ، ويحيى بن سعيد القطان ، والزهري ، وسفيان
بن عيينة، ومعظم الحجازيين والكوفيين، حتى إن منهم من سوغ ((سمعتُ))
أيضاً ، ومنع من ذلك أحمد ، والنسائي ، وابن المبارك ، ويحيى بن يحيى
التميمي .
غيره على أصله الصحيح، وكان المرجع الى الثقة بحفظ أحد السامعين - : كانت الرواية
فى الحقيقة عن هذا السامع الحافظ. وليست عن الشيخ المسموع منه، وهذا واضح لا
يحتاج الى برهان. وقال الحافظ بن حجر في باقي الصور: ((ينبغي ترجيح الامساك - أي
امساك الأصل - في الصور كلها على الحافظ، لأنه خوان)) .
والرواية عن الشيخ قراءة عليه: ((رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك، الا ما
حكى عن بعض من لا يعتد به)) كما قال النووي. وممن خالف فى ذلك وكيع، قال : ما أخذت
حديثا عرضا قط)). وحكى في التدريب (ص ١٣١) القول بصحتها عن كثير من الصحابة والتابعين
ثم قال: ((ومن الأئمة - يعني القائلين بالصحة - ابن جريج، والثوري، وابن أبي ذئب،
وشعبة، والأئمة الأربعة، وابن مهدي، وشريك، والليث ، وأبو عبيد ، والبخاري ، في
خلق لا يحصون كثرة . وروى الخطيب عن إبراهيم بن سعد انه قال : لا تدعون تنطعكم ما
أهل العراق ، العرض مثل السماع، واستدل الحميدي ثم قال : البخاري على ذلك بتحديث
ضمام بن ثعلبة ، لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : اني سائلك فمشدد عليك ،
ثم قال : أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك؟ الحديث ، في سؤاله عن شراائع الدين ،
فلما فرغ قال: آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي ، فلما رجع الى قومه اجتمعوا
اليه ، فأبلغهم ، فأجازوه ، أي قبلوه منه واسلموا . واسند البيهقي في المدخل عن البخاري
قال: ((قال أبو سعيد الحداد. عندي خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فى القراءة على
العالم، فقيل له، قال: قصة ضمام: "لله أمرك بهذا؟ قال: نعم)).
وقد عقد البخاري لذلك بابا في صحيحه في كتاب العلم، وهو ((باب القراءة والعرض
على المحدث)). وقال الحافظ بن حجر في الفتح (ج ١ ص ١٣٧ - ١٣٨ طبعة بولاق ) :
( وقد القرض الخلاف فى كون القراءة على الشيخ لا تجزىء، وانما كان يقوله بعض المتشددين
من أعمل العراق )» ..
١٠٦

القسم الثالث(١):
أن يجوز ((أخبرنا))، ولا يجوز ((حدثنا)). وبه قال الشافعي، ومسلم
والنسائي أيضاً، وجمهور المشارقة ، بل نقل ذلك عن أكثر المحدثين . وقد
قيل : إن أول من فَرّقَ بينهما ابنُ وهب . قال الشيخ أبو عمرو : وقد
سبقه إلى ذلك ابن جُرَيجٍ ، والأوزاعي ، قال : وهو الشائع الغالب على
أهل الحديث(٢).
(١) يعني القول الثالث في الرواية بالقراءة على الشيخ، وبماذا يعبر الراوي عنها
عند الرواية .
(٢) الراوي إذا قرأ على شيخه وأراد أن يروي عنه، فلا يجوز له (ابدا - على الصحيح
المختار - أن يقول: ((سمعت)) لأنه لم يسمع من شيخه، فيكون غير صادق في قوله هذا
وانما الأحسن أن يقول: ((قرأت على فلان وهو يسمع)). ان كان قرأ بنفسه، أو : ((قرىء
على فلان وهو يبمع وانا اسمع)) ان كان القارىء غيره، أو نحو هذا مما يؤدي هذا
المعنى. وله أيضا أن يقول: ((حدثنا فلان بقراءتي عليه))، أو ((قراءة عليه)).
و ((أخبرنا)) كذلك. واختلف في جواز الرواية في هذا بقوله ((حدثنا أو ((أخبرنا)»
بالاطلاق - من غير أن يصرح بالقراءة على المروي عنه - : فمنعه بعضهم ، وأجازة آخرون ،
بل حكاه القاضي عياض عن الأكثرين .
والصحيح المختار عند المتأخرين من الحفاظ اجازة قوله. ((اخبرنا))، ومنع قوله :
(( حدثنا)) وممن كان يقول به النسائي، وهو مروي عن أبي جريج والأوزاعي، وأول من
فعله بمصر عبد الله بن وهب. قال ابن الصلاح ( ص ١٤٣ - ١٤٤): ((الفرق بينهما صار
هو الشائع الغالب على أهل الحديث، والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عناء وتكلف. وخير
ما يقال فيه : أنه اصطلاح منهم، أرادوا به التمييز بين النوعين ، ثم خصص النوع الأول
يقول ((حدثنا)) لقوة اشعاره بالنطق والمشافهة. والله أعلم. ومن أحسن ما يحكى عمن
بذهب هذا المذهب : ما حكاه الحافظ أبو بكر البرقاني عن أبي حاتم محمد بن يعقوب
الهروي - احد رؤساء أهل الحديث بخراسان - أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفريري
صحيح البخاري . وكان يقول له في كل حديث: (( حدثكم الغريري)). فلما فرغ من الكتاب
سمع الشيخ يذكر أنه سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه . فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب
كه، وقال له في جميعه ((أخبركم الفريري)). والله أعلم. وهذا تكلف شديد من ابي
حاتم الهروي رحمه الله .
١٠٧

(فرع) : إذا قرأ على الشيخ من نسخة وهو يحفظ ذلك، فجيد قوي .
وإن لم يحفظْ والنسخة بيد موثوق به ، فكذلك، على الصحيح المختار
الراجح، ومنع من ذلك مانِعُون، وهو عَسِيرٌ. فإن لم تكن نسخة إلا
التي بيد القارىء وهو موثوق به فصحيح أيضاً .
( فرع ): ولا يُشترط أن يُقِرَّ الشيخُ بما قُرىء عليه نطقاً ، بل
يكفي سكوتهُ وإقراره عليه ، عند الجمهور . وقال آخرون من الظاهرية
وغيرهم : لا بدَّ من استنطاقه بذلك، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي
وابن الصَّبَاغ وسليم الرازي(١). قال ابن الصباغ: إن يتلفّظُ لم تَجُزْ
الروايةُ ، ويجوز العمل بما سمع عليه .
( فرع ) : قال ابن وهب والحاكم : يقول (٢) فيما قرىء على الشيخ
وهو وحده: ((حدثني))، فإن كان معه غيرُه: ((حدثنا))، وفيما قرأه
"على الشيخ وحده: ((أخبرني))، فإن قرأه غيره: ((أخبرنا)).
(١) وهم من الفقهاء الشافعين كما ذكره ابن الصلاح .
(٢) يعني أن الحاكم أبا عبد الله صاحب المستدرك على الصحيحين بذهب الى الشرق
بين (حدثني)) و((حدثنا))، وكذلك بين ((أخبرني)) و((أخبرنا)). وسبقه الى ذلك عبدالله
ابن وهب المصري صاحب مالك رحمه الله . فما توعمه عبارة المؤلف من أن ابن وهب نقل
عن الحاكم، ليست على ظاهرها. بل قوله: ((والحاكم)) معطوف على ابن وهب، وجملة
((يقول فيما قرىء على الشيخ)) الخ. هي مقول ((قال)) ومفعوله، كما هي موضحة في المقدمة
لابن الصلاح . قال الشيخ عبد الرازق حمزة .
أقول : ((وعبارة ابن الصلاح عن الحاكم نصها (ص ١٤٥ - ١٤٦)، قال : - يعني
الحاكم : - الذي اختاره في الرواية وعهدت عليه أكثر مشابخي وأئمة عصري - : أن بقول
فى الذى يأخذه من المحدث لفظا وليس معه احد : ( حدثني فلان ) ، وما يأخذه من المحدث
لفظا ومعه غيره : ( حدثنا فلان ) ، وما قرأ على المحدث بنفسه : ( أخبرني فلان ) وما قرىء
١٠٨

قال ابن الصلاح : وهذا حسن فائق ، فإن شكّ أتى بالمتحقِّق ،
وهو الوحدة: ((حدثني)) أو ((أخبرني))، عند ابن الصلاح والبيهقي ،
وعن يحيى بن سعيد القطان: يأتي بالأدنى، وهو ((حدثنا)) أو ((أخبرنا)).
قال الخطيب البغدادي : وهذا الذي قاله ابن وهب مستحبٌ ، لا
مستحَق"، عند أهل العلم كافةً(١).
على المتحدث وهو حاضر: ( أخبرنا فلان). ثم قال: ((وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله
ابن وهب صاحب مالك رضي الله عنهما . وهو حسن رائق . فان شك في شيء عنده انه
من قبيل ( حدثنا أو أخبرنا ) أو من قبيل ( حدثني أو أخبرني). لتردده أنه كان عند التحمل
والسماع وحده أو مع غيره -: فيحتمل أن نقول: ليقل ( حدثني أو أخبرني ) لأن عدم غيره
هو الأصل. ولكن ذكر علي بن عبد اللـه المديني الامام، عن شيخه يحيى بن سعيد القطان
الامام ، فيما اذا شك أن الشيخ قال ( حدثني فلان ) أو قال ( حدثنا فلان ) - : أنه يقول :
( حدثنا ). وهذا يقتضي فيما اذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول : ( حدثنا )
وهو عندي يتوجه بأن ( حدثني ) أكمل مرتبة، و ( حدثنا ) أنقص مرتبة فليقتصر . اذا شك،
على الناقص، لأن عدم الزائد هو الأصل. وهذا لطيف ... ثم ان هذا التفصيل من أصله
مستحب ، وليس بواجب ، حكاه الخطيب عن أهل العلم كافة . فجائز اذا سمع وحده أن
يقول إحدثنا) أو نحوه لجواز ذلك للواحد في كلام العرب. وجائز إذا سمع في جماعة أن يقول
( حدثني )، لأن المحدث حدثه وحدث غيره)) .
(١) كتب المتقدمين لا يصح لمن يرويها أن يغير فيها ما يجده من ألفاظ المؤلف أو شيوخه
في قولهم ((حدثنا))، أو ((أخبرنا)) أو نحو ذلك -: بغيره، وان كان الراوي يرى التسوية
بين هذه الألفاظ ، لاحتمال أن يكون المؤلف أو شيوخه ممن يرون التفرقة بينهما ، ولأن
التغيير في ذاته بنافي الامانة في النقل .
واما اذا روى الراوي حديثا عن أحد الشيوخ - وهذا في غير الكتب المؤلفة - فان كان
الشيخ ممن يرى التفرقة بين الاخبار والتحديث ، فانه لا يجوز للراوي !! بدال أحدهما من
الآخر ، فإن كان الشيخ ممن يرى التسوية بينهما . جاز للراوي ذلك ، لاند يكون من باب
الرواية بالمعنى. هكذا قال بعضهم. وقال آخرون بمنعه مطلقا. وهو الحق، لأن هذا العمل
ينافي الدقة في الرواية . ولذلك قال أحمد بن حنبل - فيما نقله عن ابن الصلاح (ص
١٤٦): (( اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا، ولا تعده)).
١٠٩

( فرع ) : اختلفوا في صحة سماع من يَنْسَخَ(١) أو إسماعيِه:
فمنع من ذلك إبراهيم الحربي وابن عدي وأبو إسحاق الإسترائيني .
وكان أبو بكر أحمد بن إسحاق الصِّبْغِي يقول ((حضرتُ))، ولا يقول
((حدثنا)) ولا ((أخبرنا)). وجوَّزه موسى بن هارون الحافظ.
وكان ابن المباركُ ينخُ وهو يُقْرأ عليه .
وقال أبو حاتم (١). كتبتُ حديث عارمٍ وعمرو بن مرزوقٍ،
وحضر الدارقطني وهو شاب. فجلس إسماعيل العقار وهو يملي ،
والدارقطني ينسخُ جزءاً. فقال له بعض الحاضرين: لا يصحّ سماعُك
وأنت تنسخُ ! فقال: فهي الإملاء بخلاف فهمك . فقال له : كم أملى
الشيخ حديثاً إلى الآن ؟ فقال الدارقطني: ثمانية عشر حديثاً، ثم سردها
كلّها عن ظهر قلب ، بأسانيدها ومتونها ، فتعجّب الناس منه (٣)، والله
أعلم .
وكان شيخُنا الحافظ أبو الحجّاج المزَّي (٤)، تغمده الله برحمته،
(١) قوله ((ينسخ))، يعني وقت القراءة، كما قيده بذلك ابن الصلاح . وأبو اسحق
الاسفرايني : هو الففيه الأصولي الشافعي ، وأبو بكر الصبفى : احد المة الشافعيين
بخراسان ، وهو بكسر الصاد المهملة وسكون الباء الموحدة وبالفين المعجمة ، ثم ياء النسبة
في . خره .
( ٢) أبو حاتم : هو ابن حبان البستي ، صاحب الصحيح .
(٣) بياض بالأصل ليس عن سقط في الكلام، ولكن الكاتب يتركه عند آخر كلام وبدء
كلام جديد . وسيتكرر هذا . فنكتفي بما نبهنا عليه هنا .
(٤) بكسر الميم وتشديد الزاي المكسورة، نسبة الى ((المزة))، وهي قربة كبيرة من
ضواحي دمشق. والحافظ المزي هو صاحب ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)» الذي
اختصره الحافظ الذهبي، في كتاب سماه ((تهذيب التهذيب))، طبعت خلاصته الخزرجي،
وكذلك اختصره الحافظ بن حجر العسقلاني في نحو ثلث الأصل، وسماه ((تهليب التهذيب»
١١٠

يكتب في مجلس السماع ، ويَنْعَسُ في بعض الأحيان، ويردَّ على القارىء
رداً جيداً بيناً واضحاً ، بحيث يتعجبُ القارىء من نفسه: أنه يَغْلِط فيما
في يده وهو مستيقظ، والشيخ ناعس وهو أنبهُ منه ! ذلك فضل الله يؤتيه
مَن يشاء .
قال ابن الصلاح : وكذلك التحدث في مجلس السماع ، وما إذا كان
القارىء سريعَ القراءة ، أو كان السامع بعيداً من القارئ ، ثم اختار أنهُ
يُغتفر اليسير من ذلك، وأنه إذا كان يفهم ما يقرأ مع النسخ فالسماع
صحيح . وينبغي أن يُجْبَر ذلك بالإجازة بعدَ ذلك كله .
هذا هو الواقع في زماننا اليوم: أن يحضّر مجلسَ السماع مَنْ يَفهم
ومن لا يفهم، والبعيدُ من القارىء، والناعسُ، والمتحدِّث، والصبيانُ
الذينَ لا ينضبطُ أمرهُم، بل يلعبون غالباً، ولا يشتغلون بمجرَّد السماع
وكل هؤلاء قد كان يُكْتبُ لهم السماعُ بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج
المِزِّي رحمه اللّه .
وبلغني عن القاضي تقي الدين سليمان المقدسي : أنه زُجِر في مجلسه
الصبيان عن التعب ، فقال : لا تزجروهم . فإذا سمعنا مثلهم .
وقد رُوي عن الإمام العلم عبد الرحمن بن مهديَّ أنه قال : يكفيك
من الحديث شمه . وكذا قال غير واحد من الحفاظ .
وقد كانت المجالسُ تعتقد ببغدادَ، وبغيرها من البلاد ، فيجتمع
انفكَّامُ من الناس، بل الألوف الؤلفة، ويَصْعَد المُسْتَمْلي على الأماكن
طبع بحيدر آباد الدكن بالهند، ومختصره ((تقريب التهذيب)) في مجلد وسط ، طبع كذلك
خمس مرات بالهند . وللحافظ ابن كثير، مؤلف هذا المختصر ، كتاب ((التكميل في اسماء
الثقات والضعفاء والمجاميل)) جمع فيه بين كتابي شيخيه المزي والذعبي ، وهما : الجديب
وميزان الاعتدال ، وزاد عليهما جرحا وتعديلا . والحافظ بن كثير ، وكان زوجا البنت
الحافظ المزي ، رحمهم الله جميعا .
١١١

المرتفعة، ويبلغون عن المشايخِّ ما يُمْلُونَ ، فيحدث الناس عنهم بذلك
مع ما يقع في مثل هذه المجامع من اللغط والكلام .
وحكى الأعمش : أنهم كانوا في حلْقة إبراهيم إذا لم يسمع أحدهُم
الكلمةَ جيداً استفهمها من جاره . وقد وقع هذا في بعض الأحاديث عن
عُقْبة بن عامر ، وجابر بن سَمُرة ، وغيرهما، وهذا هو الأصلح للناس
وإن قد تورَّع آخرون وشدَّدوا في ذلك، وهو القياس. والله أعلم(١).
(١) كان بعض الشيوخ الكبار من المحدثين، يقصدهم الطالبون ويحرصون على الرواية
عنهم . فيعظم الجمع في مجالسهم جدا ، حتى يصعب على الشيخ أسماع كل الحاضرين .
مكان لكل واحد من هؤلاء شخص - او اكثر - يسمع باقي المجلس، ويسمى هذا ((مستمليا)).
فاذا كان الراوي لا يسمع لفظ الشيخ ، وسمعه من المستملي ، وكان الشيخ يسمع ما
يمليه مستمليه - فلا خوف من جواز الرواية عن الشيخ ، لأنه يكون من باب الرواية بالقراءة
على الشيخ ، واما ان كان الشيخ لا يسمع ما يقوله المستملي ، فقد اختلف في ذلك : فذهب
جماعة من المتقدمين وغيرهم الى أنه يجوز للرااوي أن يرويه عن الشيخ وقال غيرهم : لا يجوز
ذلك ، بل على الراوي أن يبين أنه سمعه من المستمي . وهذا القول رجحه ابن الصلاح :
وقال النووي : انه الصواب الذي عليه المحققون .
والقول الأول - بالجواز - هو الراجح عندي. ونقل في التدريب انه هو الذي عليه
العمل. لأن المستماني يسمع الحاضرين لفظ الشيخ الذي يقوله، فيبعد جدا أن يحكي عن
شيخه - وهو حاضر في جمع كبير - غير ما حدث به الشيخ ، ولئن فعل ليردن عليه كثيرون
ممن قرب مجالسهم من شيخهم، وسمعوه وسمعوا المستملي يحكي غير ما قاله. وهذا واضح جدا.
وهذا الخلاف أيضا فيما اذا لم يسمع الراوي بعض الكلمات من شيخه فسأل عنها بعض
الحاضرين، قال الأعمش: ((كنا نجلس الى ابراهيم ، فتتسع الحلقة، فربما يحدث بالحديث
فلا يسمعه من تنحى عنه، فيسأل بعضهم بعضا عما قال، ثم بروونه وما سمعوه منه)). وعن
حماد بن زيد: ((انه سأله رجل في مثل ذلك ، فقال : يا ابا اسماعيل ، كيف قلت ؟ فقال :
استفهم ممن يليك )) .
١١٢

ويجوز السماع من وراء حجاب ، كما كان السلف يروون عن أمهات
المؤمنين، واحتجَّ بعضهم بحديث: (( حتى ينادِيّ ابن مكتومٍ)) وقال
بعضهم عن شعبة : إذا حدَّثْك من لا ترى شخصَه فلا تَرْوٍ عنه ، فلعله
شيطانٌ قد تصور في صورته ، يقول حدثنا أخبرنا . وهذا عجيب وغريب
جداً !
إذا حدثه بحديث ثم قال: ((لا تروه عني))، أو ((رجعْتُ عن إسماعك))
ونحو ذلك، ولم يُبْد مستنداً سوى المنع اليابس ، أو أسمع قوماً فخَصَّ
بعضهم وقال: ((لا أجيز لفلانٍ أن يرويَ عني شيئاً)) فإنه لا يمنع من صحة
الرواية عنه ، ولا التفات إلى قوله . وقد حدَّث النسائي عن الحارث بن
مسكينٍ والحالة هذه ، وأفتى الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني بذلك (١).
(١) كل من سمع عن شيخ رواية فله أن يرويها منه سواء أقصده الشيخ بالتسميع أم لم
يقصده، وكذلك اذا منعه من الرواية عنه، كأن قال له: ((لا تروه عني)) أو ((لا آذن لك
في الرواية عني))، أو نحو ذلك، وكذلك اذا رجع الشيخ عن حديثه، بأن قال له : ((رجعت
عن اخبارك))، أو ((رجعت عن اعتمادي اياك فلا تروه عني)) لأن العبرة في الرواية بصدق
الراوى فى حكاية ما سمعه من الشيخ وصحة نقله عنه ، فلا يؤثر في ذلك تخصيص الشيخ
بعض الرواة دون بعض ، أو نهيه عن روايته عنه ، لأنه لا يملك أن يرفع الواقع ، من انه
حدث الراوي وان الراوي سمع منه . وظاهر ان رجوع الشيخ لا يمنع من الرواية اذا كان مع
اقراره بصحة روايته ، واما اذا كان هذا على معنى شكه فبما حدث ، وعلى معنى ظهور انه
أخطأ فيما روى -: فهذا يؤثر في روايته ، ويجب على الراوي أن يمتنع من رواية ما رجع عنه
شيخه ، أو يذكر الرواية ورجوع الشيخ عنها ، ليظهر للناظر ما فيها من العلة القادحة .
١١٣
الباعث الحثيث - ٨

القسم الثالث - الإجازة(١):
والرواية بها جائزة عند الجمهور ، وادَّعى القاضي أبو الوليد الباجي
الإجماعَ على ذلك . ونقضه ابن الصلاح بما رواه الربيع عن الشافعي : أنه
منع من الرواية بها . وبذلك قطع الماوَرْدِي . وعزاه إلى مذهب الشافعي
وكذلك قطع بالمنع القاضي حسين بن محمد المَرْوَرّوذي صاحب التعليقة
وقالا جميعاً: لو جازت الرواية بالإجازة لبطلت الرحْلةُ، وكذا رُوي
عن شُعْبة بن الحجّاج وغيره من أئمة الحديث وحفّاظه.
وممن أبطلها إبراهيم الحَرْبي، وأبو الشيخ محمد بن عبد اللّه الأصبهاني
وأبو نصر الوايلي السِّجْزِي ، وحكى ذلك عن جماعة ممن لقيهم .
ثم هي أقسام :
١ - إجازة من معين لمعيّن في معين، بأن يقول: ((أجزتُك أن تَروي
عنيٌّ هذا الكتاب))، أو ((هذه الكتب)). وهي المناولة ، فهذه جائزة عندَ
الجماهير ، حتى الظاهرية ، لكن خالفوا في العمل بها ، لأنها في معنى المرسل
عندهم ، إذْ لم يتصل السماع .
٢ - إجازة لمعيّن في غير معيّن، مثل أن يقول: ((أجزت لك أن
أن ترويّ عيِّ ما أرويه))، أو ((ما صحَّ عندك، من مسموعاتي ومصنفاتي))
وهذا مما يجوِّزه الجمهور أيضاً، روايةً وعملاً .
٣ - الإجازة لغير معيّن، مثل أن يقول: ((أجزت للمسلمين))،
أو ((للموجودين))، أو ((لمن قال لا إله إلا الله))، وتسمى ((الإجازة
العامة)) . وقد اعتبرها طائفة من الحفّاظ والعلماء ، فممن جوّزها الخطيب
(١) سقط من الأصل . وزدناه تصحيحا واكمالا.
١١٤

البغدادي ، ونقلها عن شيخه القاضي أبي الطيب الطّبري ، ونقلها أبو بكر
الحازمي عن شيخه أبي العلاء الهَمْداني الحافظ ، وغيرهم من محدّفي
المغاربة رحمهم الله .
٤ - الإجازة للمجهول بالمجهول ، ففاسدة . وليس منها ما يقع من
الاستدعاء لجماعة مستيْن لا يعرفهم المُجيرُ أو لا يتصفح أنسابهم ولا
عِدّهم ، فإن هذا سائغ شائع، كما لا يستحضر المُسْمِعُ أنسابَ من
يحضر مجلسته ولا عدّتهم والله أعلم .
ولو قال: ((أجزتُ روايةَ هذا الكتاب لمن أحبّ روايته عني))،
فقد كتبه أبو الفتح محمد بن الحمسين الأزدي ، وسوّغه غيره، وقوّاه ابن
الصلاح .
وكذلك لو قال: ((أجزتك ولولدك ونسلك وعقبك رواية هذا
الكتاب)) أو ((ما يجوز لي روايته)) فقد جوّزها جماعة، منهم أبو بكر بن
أبي داود، قال لرجل: ((أجزت لك ولأولادك ولحَبَلِ الحَبَلة (١))).
وأما لو قال: ((أجزت لمن يوجد من بني فلان))، فقد حكى الخطيب
جوازها عن القاضي أبي يَعْلَى بن الفرّاء الحنبلي، وأبي الفضل بن عَسْرُوس
المالكي ، وحكاه ابن الصبّاغ عن طائفة ، ثم ضعّف ذلك ، وقال : هذا
يُبْنَى على أن الإجازة إذن أو محادثة، وكذلك ضعّفها ابن الصلاح ،
وأورد الإجازة للطفل الصغير الذي لا يخاطَب مثله . وذكر الخطيب أنه
قال للقاضي أبي الطيب : إن بعض أصحابنا قال : لا تصح الإجازة إلا
لمن يصح سماعه؟ فقال : قد يجيز الغائب عنه، ولا يصح سماعه منه .
ثم رجح الخطيبُ صحة الإجازة للصغير ، قال : وهو الذي رأينا كافة
شيوخنا يفعلونه ، يجيزون للأطفال ، من غير أن يسألوا عن أعمارهم ،
ولم ذرهم أجازوا لمن لم يكن موجوداً في الحال . والله أعلم .
(١) قوله: ((ولحبل الحبلة)) يعني أولاد الأولاد.
١١٥

ولو قال : ((أجزت لك أن تَرويَ ما صحَّ عندك مما سمعتُه وما
سأسمعه ، فالأول جيد ، والثاني فاسد . وقد حاول ابن الصلاح تخريجه
على أن الإجازة إذن كالوكالة . وفيما لو قال: ((وكّلْتك في بيع ما
سأملكه)) خلاف .
وأما الإجازة بما يرويه اجازةً ، فالذي عليه الجمهور الرواية بالإجازة
على الإجازة وإن تعدّدتْ . وممن نصّ على ذلك الدارقطني ، وشيخه أبو
العباس ابنُ عُقْدَة، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني ، والخطيب ، وغير
واحد من العلماء . قال ابن الصلاح: ومنَعَ من ذلك بعضُ من يعتد به
من المتأخرين ، والصحيح الذي عليه العمل جوازه ، وشبّهوا ذلك بتوكيل
الوكيل (١).
(١) الاجازة . أن يأذن الشيخ لغيره بأن يروي عنه مروياته او مؤلفاته، وكأنها تتضمن
اخباره بما اذن له برواينه عنه .
وقد اختلفوا في جواز الرواية والعمل بها :
فأبطلها كثير من العلماء، قال بعضهم: (( من قال لغيره : أجزت لك أن تروي عني ما
لم تسمع - فكأنه قال : أجزت لك أن تكذب علي! لأن الشرع لا يبيح رواية ما أم يسمع)).
وهذا يصح لو أذن له في رواية ما لم يسمع مع تصريح الراوي بالسماع ، لأنه يكون
كذبا حقيقة ، أما اذا كان يرويه عنه على سبيل الاجازة - وهو محل البحث - : فلا .
وقال ابن حزم: ((انها بدعة غير جائزة)). ومنع الظاهرية من العمل بها، وجعلوها
كالحديث المرسل . وهذا القول - يعني ابطالها - ضعفه العلماء وردوه .
وتغالى بعضهم فزعم أنها أصح من السماع . وجعلها بعضهم مثله .
والذي رجحه العلماء أنها جائزة ، بروى بها ويعمل، وان السماع اقوى منها .
قال ابن الصلاح (ص ١٥٢). ((ان الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير اهل العلم
من امل الحديث وغيرهم -: القول بتجويز الاجازة واباحة الرواية بها . وفي الاحتجاج لذلك
غموض ، ويتجه أن نقول : اذا الجاز له أن يروي عنه مروياته وقد أخبره بها جملة - : فهو
كما لو أخبره تفصيلا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا، في القراءة على الشيخ كما
سق، وانما الغرض حصول الافهام والفهم. وذلك يحصل بالاجازة المفهمة. والله أعلم)).
١١٦

٠٠
قال السيوطي في التدريب : ((قال الخطيب في الكفاية : احتج بعض أهل العلم لجوازها
بحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب سورة براءة في صحيفة ، ودفعها لأبي بكر ، ثم
بعث علي بن أبي طالب فأخذها منه، ولم يقرأها عليه ، ولا هو ايضا ، حتى وصل إلى مكة
ففتحها وقرأها على الناس )) .
أقول : وفي نفسي من قبول الرواية بالاجازة شيء ، وقد كانت سببا لتقاصر الهمم عن
سماع الكتب سماعا صحيحا بالاسناد المتصل بالقراءة إلى مؤلفيها ، حتى صارت في الأعصر
الأخيرة رسم برسم ، لا علما يتلقى ويؤخذ . ولو قلنا بصحة الاجازة اذا كانت بشيء معين
من الكتب لشخص معين أو أشخاص معينين : - لكان هدا اقرب الى القبول . ويمكن التوسع
فى الاجازة لشخص أو أشخاص معينين مع ابهام الشيء المجاز، كأن يقول له : ((أجزت لك
رواية مسموعاتي))، أو ((أجزت رواية ما صح وما يصح عندك أنى أرويه)). وأما الاجازات
العامة، كأن يقول: ((أجزت لأهل عصري)) أو ((أجزت لمن شاء)) أو ((لمن شاء فلان)) أو
للمعدوم أو نحو ذلك - فاني لا اشك في عدم جوازها .
واذا صحت الرواية بالاجازة، فانه يصح للرأوي بها أن يجيز غيره ، ويجوز لهذا
الغيران يروى بها ، وخالف فى ذلك أبو البركات الانماطي ، فذهب الى أن الرواية بها لا
تحوز لأن الاجازة ضعيفة ، فيقوى الضعف باجتماع اجازتين . قال النووي في التقريب (ص
١٤١ تدريب): (((الصحيح الذي عليه العمل جوازه، وبه قطع الحافظ : الدار قطني وابن
عقدة وأبو نعيم وأبو الفتح نصر المقدسي ، وكان أبو الفتح يروي بالاجازة ، وربما والى بين
ثلاث .
ولفظ الأجازة ونسح مما قلناه . والأصل: أن يقوله الشيخ لافظا به ، فإن كتبه من
غير نطق رجح السيوطي ابطال الإجازة . وهو غير راجح، بل الكتابة والنطق سواء .
قال ابن الصلاح: ص ١٦٠): ((ينبغي للمجيز اذا كتب اجازته أن يتلفظ بها، فان
اقتصر على الكتابة، كان ذلك أجازة اذا اقترن بقصد الاجازة ، غير أنها أنقص مرتبة من
الاجازة الملفوظ بها. وغير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد الكتابة في باب الرواية التي جعلت
فيها القراءة على الشيخ - مع انه لم يلفظ بما قرىء عليه -: اخبارا منه بما قرىء عليه)).
وهذا هو الحق ، وبهذا الدليل نرجح أن الكتابة فيها كالتلفظ سواء .
واستحسن العلماء الاجازة من العالم لمن كان اهلا للرواية ومشتغلا بالعلم ، لا للجهال
ونحوهم .
وذهب بعضهم الى ان هذا شرط في صحتها. قال ابن عبد البر: ((انها لا تجوز الا من
كل الأقوال .
١١٧

القسم الرابع - المناولة :
فإن كان معها إجازة ، مثل أن يناول الشيخ الطالب كتاباً من سماعه
ويقول له: ((إرْوِ هذا عنيٌّ))، أو يملكه إياه، أو يعيره لينسخه (٤١ ثم
يعيده إليه، أو يأتيه الطالبُ بكتاب من سماعه فيتأمله، ثم يقول: ((إرْو
عنيٍّ هذا))، ويسمى هذا ((عَرْض المناولة)). وقد قال الحاكم : إن
هذا إسماعٌ عند كثير من المتقدمين ، وحكوه عن مالك نفسه ، والزهري
وربيعة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، من أهل المدينة ، ومجاهد
وأبي الزبير ، وسفيان بن عيينة ، من المكتبيين، وعافية، وإبراهيم ،
والشّعبي ، من أهل الكوفة، وقتادة، وأبي العالية، وأبي المتوكل النّاجيّ
من البصرة ، وابن وَهْب، وابن القاسم ، وأشْهَب ، من أهل مصر،
وغيرهم من أهل الشام والعراق، ونقله عن جماعة من مشايخه. قال ابن
الصلاح : وقد خلط في كلامه عرضَ المناولة بعَرْضِ القراءة.
ثم قال الحاكم: والذي عليه جمهور فقهاء الإسلام. الذين أفْتَوْا
في الحرام والحلال: أنهم لم يَرَوْهُ سماعاً، وبه قال الشافعي ، وأبو
حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، والثّوري، والأوزاعي ، وابن المبارك ،
ويحيى بن يحيى، والبُوَيْطِي والمُزَنى، وعليه عهدذا أئمتنا ، وإليه ذهبوا
وإليه نذهب . والله أعلم (٢).
(١) في الأصل ((لناسخه)) وهو غير جيد .
(٢) قال السيوطي في التدريب ( ص ١٤٣): (( والأصل فيها ما علقه البخاري في العلم :
( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لامير السرية كتابا، وقال: لا تقرأه حتى تبلغ
مكان كذا وكذا ، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس ، وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه
وسلم). وصله البيهقي والطبراني بسند حسن. قال السهيلي: احتج به البخاري على
١١٨

وأما إذا لم يُسَلِّكْه الشيخُ الكتابَ، ولم يُعِرْهُ إياه، فإنه منحطٌ
عما قبلَه ، حتى إن منهم من يقول: هذا مما لا فائدة فيه ، ويبقى مجرَّدَ
إجازة .
( قلت ): أما إذا كان الكتاب مشهرراً، كالبخاري ومسلم، أو
شيء من الكتب المشهورة : فهر كما لو ملكه أو أعاره إياه. والله أعلم.
ولو تجردت المناولةُ عن الاذن في الرواية : فالمشهور أنه لا تجوز
الرواية بها، وحكى الخطيب عن بعضهم جوازها . قال ابن الصلاح: ومن
الناس من جرَّز الرواية بمجرد إعلام الشيخ للطالب أن هذا سماعه . والله
أعلم .
ويقول الراوي بالإجازة: ((أنبأنا))، فإن قال ((إجازة)) فهو أحسن
ويجوز ((أنبأنا)) و((حدثنا)) عند جماعة من المتقدمين.
وقد تقدم النقل عن جماعة أنهم جعلوا عَرْضَ المناولة المقرونة
بالإجازة بمنزلة السماع، فهؤلاء يقولون: ((حدثنا)) و((أخبرنا)). بلا
إشكال .
والذي تليه جمهور المحدِّتين قديماً وحديثاً : أنه لا يجوز إطلاق
((حدثنا)) ولا ((أخبرنا))، بل مقيّداً. وكان الأوزاعي يخصص الإجازة
بقوله ((خبّرنا)) بالتشديد.
صحة المناولة ، فكذلك العالم اذا ناول تلميذه كتابا ، جاز له أن يروى عنه ما فيه ، قال :
وهو فقه صحيح . قال البلقيني : وأحسن ما يستدل به عليها ما استدل به الحاكم من حديث
ابن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه الى كسرى مع عبد الله بن
حذفة، وأمره أن يدفعه الى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين الى كسرى})).
وقد نقل ابن الأثير فى جامع الأصول: ((أن بعض أصحاب الحديث جعلها - أي هذه
المناولة - أرفع من السماع ، لأنه الثقة بكتاب الشيخ مع اذنه ، فوق الثقة بالسماع منه
واثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع)). هذه مبالغة، قال النووي :
((والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة)".
١١٩

القسم الخامس - المكاتبة :
بأن يكتب إليه بشيء من حديثه .
فإن أذن له في روايته عنه ، فهو كالمناولة المقرونة بالإجازة . وإن لم
تكن معها إجازة ، فقد جوّز الرواية بها أيوب ، ومنصور، والليث،
وغيرُ واحد من الفقهاء الشافعية والأصوليين، وهو المشهور. وجعلوا
ذلك أقوى من الإجازة المجردة، وقطع الماوردي بمنع ذلك. والله أعلم.
وجوَّز الليث ومنصور في المكاتبة أن يقول: ((أخبرنا)) و(( حدثنا))
مطلقاً، والأحسن الأليق تقييده بالمكاتبة (١).
(١) المكاتبة : أن يكتب الشيخ بعض حديثه لمن حضر عنده ، أو لمن غاب عنه ، ويرسله
اليه ، وسواء كتبه بنفسه أم أمر غيره أن يكتبه . ويكفي الن يعرف المكتوب له خط الشيخ أو
خط الكاتب عن الشيخ ، ويشترط في هذا أن يعلم أن الكاتب ثقة .
وشرط بعضهم في الرواية عن الكتابة أن تثبت بالبينة ، وهذا قول غير صحيح ، بل
الثقة بالكتابة كافية ، ولعلها أقوى من الشهود .
ولا يشترط في الكتابة أن تكون مقرونة بالاجازة ، بل الصحيح الراجح المشهور عند عمل
الحديث من المتقدمين والمتأخرين وكثيرا ما يوجد في مسانيدهم ومصنفاتهم قولهم: ((كتب
الى فلان: قال حدثنا فلان)).
والمكاتبة مع الاجازة أرجح من المناولة مع الإجازة ، بل أرى انها أرجح من السماع وأويق ،
وأن المكاتبة بدون اجازة أرجح من المناولة بالاجازة ، أو بدونها .
واالراوي بالمكاتبة يقول: ((حدثني))، أو ((أخبرني))، ولكن يقيدهما بالمكاتبة ؛ لأن
اطلاقهما يوهم السماع، فيكون غير صادق في روايته. واذا شاء قال: ((كتب الى فلان))،
أو نحوه مما يؤدي معناه .
١٢٠